استفاق الفتى من غيبوبته المظلمة على ملمسٍ باردٍ لم يألفه جسده من قبل، ملمسٌ يختلف تماماً عن تلك الأسمال الخشنة التي كان يفترشها في أزقة مدينته القذرة أو فوق أرصفة النسيان. كانت الأغطية التي تحيط به ناعمة لدرجة مستفزة،
تفوح منها رائحة أعشاب برية مهدئة، وترتيبٌ مفرط في دقة تفاصيله، وهو ما جعله يشعر بغثيانٍ فوري؛ فالفوضى والقذارة كانت وطنه الوحيد، وهذا النقاء كان يشبه الشتيمة في وجه ماضيه. نهض ببطء، وجسده يشعر بخفة مريبة،
وكأن الثقل الجبلي الذي كان يسكن عظامه المحطمة قد تبخر مع مياه البحر المالحة التي ابتلعته في لحظة وداعه الأخيرة.
لم يجد نفسه في قصرٍ باذخ، بل في غرفةٍ هادئة بشكلٍ مرعب. كانت الغرفة ذات مساحة واسعة جداً، خالية من الزخارف والتحف، جدرانها بلونٍ رمادي فاتح مريح للعين، وسقفها خشبي بسيط بارتفاعٍ شاهق يمنح المكان شعوراً بالفراغ اللانهائي.
لم تكن هناك ثريات كريستالية ولا أثاث ذهبي، بل مجرد سرير بسيط في المنتصف، ونافذة عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف تطل على أفقٍ لم يره قط. هذا الهدوء وهذه المساحة الواسعة جعلته يشعر بأنه يقف في برزخٍ بين الحياة والموت، مكانٌ صُمم ليكون سجناً مريحاً لروحٍ مضطربة.
توجه بغريزة "الصياد" الذي لا يثق في الهدوء نحو مرآة وحيدة طويلة مثبتة على جدارٍ صخري أملس. وقف أمامها، وحبس أنفاسه لثوانٍ بدت كأنها دهر من الزمن، يراقب انعكاساً لم يتوقعه أبداً في أكثر أحلامه جنوناً.
انعكس على سطح الزجاج المصقول وجه فتى في ربيع العمر، وسيم لدرجة مؤلمة للنفس، بشعر رمادي باهت ينسدل كخيوط الفضة فوق جبينه الصافي، وعينين سوداوين تبدوان عاديتين للناظر العابر،
لكنهما تحملان في أعماقهما نظرة رجل شهد الجحيم واكتفى منه. لم يكن هذا وجهه الذي يعرفه؛ أين تجاعيد التعب والجوع والتشرد؟ لقد اختفى كل شيء، وحل محله هذا الغريب الأنيق بملامحه الهادئة التي تناقض البركان المستعر في داخله.
بقي يحدق في هذا الانعكاس لعدة لحظات، كأنه يحاول استيعاب فكرة أن الموت، الذي طلبه بكل جوارحه، قد خانه في اللحظة الأخيرة وألقى به في هذا "الفراغ" الجديد. وفجأة، وبدون مقدمات،
جمع كل كراهيته المكبوتة ضد هذا القدر اللعين، وسدد ضربة يمينية ساحقة بكل قوته نحو مركز المرآة، نحو وجه ذلك الفتى الوسيم الذي يحدق فيه بصمت.
تفتت الزجاج بصرخة مدوية هزت أركان الغرفة الواسعة، وتناثرت الشظايا الحادة فوق الأرضية الحجرية الباردة كأنها نجوم انتحرت من سماء بعيدة. نظر الفتى إلى يده التي بدأت تنزف بغزارة، قطرات الدم الحمراء القانية بدأت تتساقط فوق الحجر الرمادي،
لتشكل لوحة دموية تعيد تذكيره بحقيقته. راقب الجرح بعيون باردة، خالية من أي رد فعل للألم الجسدي، وفكر في نفسه بصمت مرعب: 'ألم.. دم.. حرارة تنساب من عروقي.. أنا لا أحلم إذن. الموت رفض استضافتي، وهذا العالم حقيقي، وجسدي هذا ينبض بالحياة اللعينة مرة أخرى'
بينما كان غارقاً في تأمل جرحه، اهتز الهواء أمامه فجأة بذبذبات غريبة خرق صمت الغرفة. انبعث ضوء أزرق خافت، بارد كالثلج، شكل لوحة نصف شفافة تطفو في المساحة الواسعة أمامه،
كأنها واجهة نظام متطور. ظهرت عليها كلمات بيضاء واضحة بدأت تتشكل بسرعة:
**[تم ربط النظام بالروح المضيفة بنجاح.. جاري استقرار البيانات وتثبيت الوعي..]**
نظر الفتى إلى اللوحة ببرود مميت، ثم تصاعد الغضب في صدره كالحمم البركانية. فتح فمه، وخرج صوته خشناً، نبرته كانت غريبة عليه، رنانة وأكثر شباباً،
لكنها تحمل نفس السلطة والبرود: "من أنت؟ ولماذا أحضرتني إلى هذا المكان؟"
تغيرت الكلمات على الشاشة لتجيب بهدوء آلي مستفز: **[أنا مجرد نظام، وسيط بينك وبين قوانين هذا العالم، مصمم لإعطاء المهمات ومنح المكافآت لضمان بقائك وتطورك.**
لم ينتظر الفتى إكمال الجملة، بل سدد ضربة أخرى بكل قوته نحو لوحة النظام، لكن يده عبرت من خلال الضوء الأزرق وكأنها تخترق السراب. لم يهتم بفشل ضربته الجسدية،
بل اقترب بوجهه من اللوحة لدرجة أن أنفاسه لفتحت الضوء الأزرق، ونظرة شيطانية تشتعل في عينيه، وقال بصوت يقطر سماً وحقداً:
"اسمعني جيداً يا ابن العاهرة الذي يقف خلف هذه الشاشة.. لا يهمني نظامك ولا مكافآتك. إن لم تخبرني الآن لماذا أنا هنا، وماذا تريد مني حقاً، فسوف أذهب وأقتل نفسي مرة أخرى في هذه اللحظة. لا تظن أن الحياة تعني لي شيئاً، لقد ألقيت بها في البحر بإرادتي، ولن يمنعني شيء من العودة إلى العدم إن لم أحصل على الحقيقة."
ساد صمت ثقيل ومطبق في الغرفة الواسعة لعدة ثوانٍ، وكأن النظام نفسه كان يعيد حساباته أمام هذه الشخصية الانتحارية. ثم ظهرت كلمات جديدة، تحمل نبرة مختلفة قليلاً:
**[أنت حقاً شخصية عنيفة ومندفعة، ليوين. لماذا لا تحاول الاستمتاع بهذه الفرصة النادرة؟ لقد مُنحت حياة جديدة، في جسد مثالي، وفي عالم مليء بالفرص والقوة التي لم تحلم بامتلاكها في عالمك المتهالك المظلم.]**
استدار الفتى ببرود، متجاهلاً كلام اللوحة، وبدأ يبحث في أرجاء المساحة الواسعة عن أي آلة حادة، سكين زينة أو خنجر بسيط، لينهي هذا الهراء فوراً.
وفجأة، لمعت اللوحة بضوء أحمر خاطف صبغ الجدران الرمادية بلون الدم، وظهرت جملة واحدة جمدت أطرافه في مكانها:
**[ليوين.. هل تريد رؤية أصدقائك "ن" و "م" و "الـ.." مجدداً؟]**
توقف ليوين عن الحركة تماماً. تغيرت تعابير وجهه بالكامل؛ اختفى البرود وحل مكانه غضب جامح ووحشي، واشتعلت عيناه بنية قتل صريحة كادت تخنق الهواء من حوله. التفت نحو اللوحة ببطء،
وكأن وحشاً استيقظ من سباتٍ عميق، وقال بصوت يرتجف من شدة الغل: "ماذا قلت؟ كيف تجرؤ على نطق أسمائهم؟ كيف تجرؤ على المتاجرة بذكراهم أيها الشيء اللعين؟"
تغيرت الكلمات لتصبح أكثر خبثاً ومكراً: **[ما رأيك برهان بيننا؟ أنت تريدهم، وأنا أريد منك إنجازاً معيناً في هذا العالم. إذا حققت مرادي، سأمنحك ما لا يمكن لعقل بشري تخيله.. سأعيد لك "نورك" المفقود.]**
سأل ليوين بنبرة محذرة، محاولاً السيطرة على دقات قلبه التي بدأت تضرب صدره كالمطرقة: "ما هي الحيلة التي تريد فعلها الآن؟ ما الذي يضمن لي أنك لست مجرد هلوسة بصرية تحاول التلاعب بضعفي؟"
قبل أن يكمل سؤاله، شعر ليوين بصداع مفاجئ وشديد، كأن آلاف المثاقب الكهربائية تُغرس في نسيج دماغه بعنف. سقط على ركبتيه فوق الحجر البارد، ممسكاً برأسه وهو يطلق صرخة مكتومة، بينما بدأت ذكريات غريبة، ملونة، وكثيفة، تتدفق إلى عقله كالسيل العارم الذي يحطم السدود. لم تكن ذكرياته عن الانتقام والدم
، بل كانت ذكريات هذا الجسد، هذا الفتى صاحب الشعر الرمادي الذي يعيش في هذا العالم الموازي الهادئ.
شاهد صوراً لأكاديمية كلانس، وجوه زملاء دراسة متكبرين، دروساً معقدة في السيطرة على "المانا"، وأسماءً لشخصيات كان يعرفها يقيناً. ولأول مرة منذ استيقاظه، ظهرت الصدمة الحقيقية والشاملة على وجه ليوين. اتسعت حدقتاه بذهول وهو يتمتم بصوت خافت كأنه يهذي:
"هذا مستحيل.. هذه الأماكن.. هذه الأسماء.. لقد دخلتُ إلى الرواية التي كنتُ أقرأها. أنا الآن ليوين نفس اسمي في حياتي الماضيه الشخصية الإضافية التي لا يتجاوز ذكرها بضعة أسطر في هذه رواية
ظهر النظام مرة أخرى، وكأنه كان يستمتع بهذه اللحظة من الإدراك الصاعق:
**[الآن بعد أن استعدت ذكريات الجسد وفهمت أين أنت، إليك الرهان بوضوح: في نهاية العام الدراسي الأول، وتحديداً في بطولة السنة الأولى الكبرى، يجب عليك الحصول على المركز الأول. وهذا يعني شيئاً واحداً لا غير.. يجب عليك هزيمة بطل هذا العالم، "آرثر".]**
توقف ليوين عن التنفس للحظة. فكر في نفسه بعقلانية القاتل: *"هزيمة بطل هذا العالم؟ هذا هو المستحيل المطلق. طوال صفحات الرواية، لم يُهزم آرثر في قتال حقيقي أبداً. كان دائماً يخرج منتصراً بفضل هالة البطل وذكائه الفذ وقوته التي تتطور في الأزمات. فكيف لشخصية إضافية مثلي أن تسقطه؟"*
لكن، وميض الأمل الذي أشعله النظام كان أقوى من منطق أي رواية. فكر في قبور أصدقائه الثلاثة تحت المطر، في وعوده التي قطعها لهم.
إذا كان هذا النظام يملك القدرة على نقله بين العوالم، فربما يملك القدرة على إعادة "أرواحهم". لقد كانوا "الشموع" الوحيدة في ليله الطويل، ومن أجلهم، كان مستعداً لحرق هذا العالم الجديد أيضاً.
ارتسمت ابتسابة وحشية، باردة، ومليئة بالثقة المريضة على وجه ليوين. نظر إلى لوحة النظام وقال بوضوح تام: "أنا موافق. سأحطم بطل عالمك هذا، وسأحطم كل القوانين التي تحميه. سأكون الخلل في روايتك هذه حتى أحصل على ما أريد."
رد النظام بكلمات أخيرة ظهرت على الشاشة ثم تلاشت ببطء: **[ممتاز. العقد قد أُبرم بالدم والروح. من الآن أنت المضيف الرسمي. لن أتدخل في قراراتك، سأكتفي بمراقبة تقدمك. اذهب الآن، يا (ليوين)، وابدأ في قلب موازين هذه العالم.]**
اختفت اللوحة الزرقاء، وعاد الهدوء القاتل للغرفة الواسعة. وقف ليوين وسط شظايا الزجاج المحطم، والدم لا يزال يقطر من قبضة يده المشدودة، لكن نظراته كانت قد تغيرت تماماً.
لم يعد ذلك اليائس الذي يبحث عن مقبرة، بل صار "المفترس" الذي بدأ يبحث عن الطريقة التي سيحول بها هذا الجسد الضعيف إلى سلاح فتاك يرتعد منه البطل نفسه.
لقد بدأت اللعبة الحقيقية، وشخصية إضافية واحدة كانت على وشك أن تكتب تاريخاً لم يجرؤ كاتب الرواية الأصلي على تخيله في هذا العالم الهادئ الذي يسبق العاصفة.
---