كانت الأنفاس تخرج من صدر **آرثر** كحشرجة منشار قديم يقطع في خشب يابس. الدم الذي يسيل من جرح كتفه لم يعد يقطر، بل صار ينساب بلزوجة ليغطي مقبض سيفه "الكامل"،

مما جعل قبضته تنزلق قليلاً. لكن لم تكن الغابة السفلية تمنح أحداً فرصة للراحة؛ فالهواء المشبع بمانا **كايزر** الكهربائية كان يلسع جلده المكشوف، ورائحة المعدن المحترق المنبعثة من سلاسل **إدريان** تزكم الأنوف.

رفع كايزر رأسه ببطء، وكانت شرارات البرق الأزرق الداكن تخرج من عينيه الحمراء كأنها شظايا زجاج محطم. لم يعد كايزر يقاتل بعقل المحارب، بل بغريزة الكارثة الطبيعية.

".اخخخخ." خرج الصوت من فمه مشوهاً، متبوعاً بانفجار طاقة جعل الأرض تحت قدمه تتحول إلى زجاج مصهور.

ثم انطلق كايزر. لكن لم تكن خطوة، بل كانت وثبة ضوئية قطعت المسافة في أجزاء من الثانية. سدد لكمة مشحونة بـ **"قبضة الرعد المتفجر"** استهدفت قلب آرثر مباشرة.

لم يملك آرثر الوقت لرفع سيفه؛ فاستخدم نصل السيف العريض كدرع جانبي.

**"بببووووووووووم!"**

ارتطم البرق بالفولاذ، وانتقلت الصدمة الكهربائية عبر السيف لتصل إلى ذراعي آرثر، محولةً أعصابه إلى خيوط من النار. قُذف آرثر للخلف عدة أمتار،

وجرّ نصل سيفه في الأرض ليصنع خندقاً عميقاً قبل أن يتوقف. شعر بيده اليمنى تتخدر تماماً، وأصابعه ترفض الانغلاق على المقبض.

لم يكد آرثر يستعيد توازنه حتى انطلقت سلاسل إدريان من الظلال كأنها مخالب شيطانية. لم تكن تهاجم من الأمام، بل تفرعت في الهواء لتمسك بأطرافه الأربعة.

التفّت سلسلة حول كاحله المصاب، وجذبت ساقه بقوة جعلته يسقط على ركبته الأخرى، بينما انطلقت سلسلة ثانية لتلتف حول عنقه، وبدأت تضيق الخناق ببطءٍ مرعب

"تبا لك!" حاول آرثر الصراخ، لكن السلسلة كانت تعصر حنجرته، والسم الأرجواني الناضح من المعدن بدأ يحرق جلده.

كان إدريان يزحف على الأرض كالعنكبوت المحطم، وجهه مغطى بالدماء، لكن يديه كانت تتحركان ببراعة شيطانية للتحكم في السلاسل. سحب إدريان السلسلة الملتفة حول عنق آرثر بقوة،

مما رفع جسد آرثر عن الأرض لثوانٍ، تاركاً إياه معلقاً بين السماء والأرض، يرفس بقدميه في محاولة يائسة للتحرر.

في تلك اللحظة، ظهر كايزر مجدداً. كان يجمع المانا الكهربائية في كلتا يديه ليصنع **"رمح البرق المزدوج"**. كان ينوي غرس الرمح في صدر آرثر المعلق ليحوله إلى رماد.

كان الموت يتدلى على بعد بوصات من قلب **آرثر**. السلسلة الملوثة تلتف حول عنقه كأفعى تعصر حياته ببطء، وجسده معلق في الهواء، ورئتاه تصرخان طلباً للأكسجين الذي استحال عادماً مسموماً.

ومن أمامه، كان **كايزر** يتقدم كملك الجحيم، "رمح البرق المزدوج" في يديه يئز بصوتٍ كفيل بتمزيق طبلة الأذن، ونظرة القتل المطبق في عينيه الحمراء لا تشوبها شائبة ندم.

"مت... أيها... الوحش!" زأر كايزر، واندفع بالرمحين ليغرزهما في صدر آرثر الأعزل.

في تلك الأجزاء من الثانية التي سبقت الاصطدام، تلاشت الغابة السفلية من وعي آرثر. لم يعد يشعر بالألم، ولا بالخوف، ولا بضغط السلسلة.

غاص في أعماق قلبه، حيث كانت شعلة النور المقدس الباهتة تتصارع مع هالة الطاقة الزرقاء السحرية

تذكر **آرثر** في تلك اللحظة الحرجة كلمات **الأستاذ بير** التي كانت تدوي في عقله كصدى قديم:

'تذكر **آرثر** في تلك اللحظة التي اختلط فيها طعم الدم برائحة الموت، كلمات **الأستاذ بير** التي كانت تتردد في ذهنه كأنها وصية أخيرة:

'الطاقة السحرية يا آرثر تختلف عن باقي القوى؛ إنها مزيجٌ من جوهر الكون ذاته ومن فيض الطاقات الجامحة التي يصعب إتقانها.. لكن طاقة النور الخاصة بك تمتلك مرونةً فريدة، '

' لديها الإمكانيات الفطرية للتكيف مع أي شيء يحيط بها.. غير أن النور لن يفتح أبوابه لتلك القوة الزرقاء من تلقاء نفسه، عليك أنتَ، وأنتَ وحدك، يجب أن تجد المفتاح لإتمام هذه العملية وصهر الطاقتين في جسدٍ واحد.'

أغمض آرثر عينيه وسط العاصفة. لم يعد يدفع تلك الهالة الزرقاء لتبقى غلافاً باهتاً، بل أرخى كل دفاعاته الروحية. وبشهيقٍ عميق، جعل نواة النور في صدره تنفتح كالثقب الأسود، لتمتص وتبتلع الطاقة الزرقاء السحرية بالكامل.

شعر آرثر ببرودةٍ كونية تسري في نخاعه، وبدلاً من التصادم، خضعت المانا السحرية لنقاوة النور، لتتطور في أعماقه إلى **"طاقة النور الزرقاء الكاملة"**.

وعندما فتح عينيه، لم يخرج منه مجرد ضوء، بل انفجرت من جسده **هالة نور عملاقة**، بيضاء في جوهرها لكن يحيط بها ويشتعل من حولها لهبٌ أزرق كثيف يتراقص كأنه لهبٌ سماوي مقدّس.

وقف آرثر وسط الساحة ببرودٍ مرعب، وكأن الجروح التي تغطي جسده تخص شخصاً آخر. لم يرمش له جفن وهو يرى رمح كايزر يلمس صدره العاري.

**"تشششششش!"**

بمجرد ملامسة البرق للهب السماوي المحيط بآرثر، تلاشت الصاعقة تماماً، ليس بفعل القوة، بل بفعل "الامتصاص". قبض آرثر بيده اليسرى على ذراع كايزر؛

وبلمسةٍ واحدة، سرى اللهب الأزرق في عروق كايزر، ليجمد مانا البرق داخل جسده ويحولها إلى شظايا طاقة ميتة.

"اعععععع" صرخ كايزر بذهول، لكن آرثر لم يهتم

ببرودٍ مطلق، سدد آرثر ركلةً لركبة كايزر المحطمة أصلاً، فسمع صوت تهشم العظام بوضوح، ثم أتبعها بلكمةٍ مغلفة بالنور الأزرق لمنتصف وجهه.

**"طااااااااخ!"**

انفجرت الدماء والأسنان، وقُذف كايزر للخلف كدميةٍ محطمة، ليرتطم بجدار الكهف الخارجي ويغرس فيه بعمق، والدم يغطي ملامحه التي لم تعد تُعرف.

في تلك اللحظة، انطلقت سلاسل **إدريان** مجددا من الظلال، مشحونةً بكل ما تبقى لديه من مانا ملوثة وكهرباء مسروقة. التفّت السلاسل حول عنق آرثر وخصره، وبدأ إدريان يشدها بجنون وهو يصرخ بجنون

لم يحاول آرثر المقاومة. بل مال برأسه قليلاً، ونظر نحو إدريان بعينين باردتين كالثلج. وبحركةٍ هادئة، أمسك السلسلة الملتفة حول عنقه بيده العارية، وضخ فيها طاقة نور الزرقاء

وبمجرد أن لامس الطاقة الزرقاء حلقات المعدن الباردة، سرت صدمة "تطهير" عنيفة عبر السلسلة، لتصل إلى روح إدريان في أجزاء من الثانية.

صرخ إدريان صرخةً هزت أركان الغابة، ليس من وجع الجسد، بل لأن مانيته الملوثة بدأت تتآكل من الداخل بفعل النور الأزرق الزاحف. استغل آرثر هذا الشلل المؤقت،

وبقبضةٍ فولاذية، لف السلسلة حول ذراعه وجذبها بقوةٍ غاشمة جعلت جسد إدريان يطير في الهواء نحوه كدميةٍ خشبية انقطعت حبالها

ببرودٍ مطلق، لم يترك آرثر السلسلة؛ بل استخدمها كحبل جر، وبينما كان إدريان يقترب منه بسرعة الصاروخ، ضخ آرثر دفعةً هائلة من الطاقة الزرقاء عبر السلسلة،

مما جعل المعدن يتوهج ببياضٍ ناصع أحرق جلد إدريان الذي يقبض على الطرف الآخر.

وعندما صار إدريان على بعد إنشات، أفلت آرثر السلسلة فجأة، وقبض بيده الأخرى على حنجرة إدريان مباشرة.

"كححح.." انقطع صوت إدريان، وتلاشت مانا من حوله فور تماس كف آرثر مع جلده. كان اللهب السماوي المحيط بآرثر يلتهم كل ذرة سواد في هالة إدريان. نظر آرثر في عيني رفيقه المبيضّتين، ولم يجد فيهما سوى الانكسار.

ببرودٍ قاتل، رفع آرثر إدريان بيد واحدة عالياً، ثم هبط به بقوةٍ زلزالية على الأرض المحطمة، غارساً إياه في التراب المسموم. لم يكتفِ بذلك، بل وضع قدمه الثقيلة على صدر إدريان،

وضخ موجةً أخيرة من النور الأزرق عبر قدمه لتنتشر في كامل جسد إدريان، محطمةً قدرته على استدعاء السلاسل أو تحريك أي عضلة

ساد سكونٌ جنائزي فوق ساحة المعركة التي لم يبقَ فيها حجرٌ على حجر. وقف **آرثر** وسط هذا الحطام، ونوره الأزرق السماوي يخبو ببطء ليترك مكانه لبرودٍ قارس يلف جسده الممزق.

لم ينظر إلى **إدريان** الملقى تحت قدمه، ولا إلى **كايزر** الذي استسلم لظلام الإغماء على بعد أمتار؛ بل كانت عيناه مثبتتين نحو فوهة الكهف المدمر.

ببرودٍ آلي، انحنى آرثر وقبض بيده اليمنى على ياقة قميص كايزر الممزقة، وباليسرى لفَّ سلاسل إدريان الخامدة حول معصمه ثم حمل ادريان

خطا أول خطوة داخل الكهف الذي سقط سقفه، ليرى فصلاً آخر من الجحيم.

هناك، وسط برك الدماء الأرجوانية والحطام الصخري، كان **مايك** جاثياً على ركبتيه كتمثالٍ من الوجع، يسند بجسده المحطم ما تبقى من سقف الكهف فوق **ليا** المغمى عليها، بينما كان **مايكل** ملقىً بجانبه كعصفورٍ قُصت أجنحته.

التقت عينا آرثر الباردة بعيني مايك المتعبتين وسط الغبار المتصاعد. لم تكن هناك حاجة للكلمات؛ فالدماء التي تغطي الجميع كانت تحكي القصة كاملة.

"لقد انتهى الأمر..." خرج صوت آرثر حاداً كشفرة الجليد، محطماً صمت المكان.

ألقى آرثر بجسدي كايزر وإدريان بجانب مايكل، ثم تقدم نحو مايك الذي كان يلهث بصعوبة، والدم يقطر من جسده ليبلل الأرض. وضع آرثر يده على كتف العملاق، وشعر ب اهتزاز عضلاته الممزقة.

"مايك... احمل مايكل وليا. يجب أن نتحرك الآن،" أمر آرثر بنبرة لا تقبل الجدل. "هذا المكان صار منارةً لكل وحوش الغابة السفلية بعد هذا الانفجار . لن نصمد لدقيقة أخرى إذا حوصرنا هنا."

استجمع مايك ما تبقى من كبريائه الجرانيتي، وبزفيرٍ ثقيل خرج معه رذاذ الدم، رفع جسد ليا الصغير بيد، وجسد مايكل النحيل باليد الأخرى، وضمهما إلى صدره الواسع كأنه يحمي كنوزاً أخيرة وسط الخراب.

"إلى أين؟" سأل مايك بصوتٍ مبحوح يملأه الانكسار.

نظر آرثر نحو عمق الغابة، حيث كانت الظلال تتراقص بسخرية، وأجاب ببرود وهو يمسك بسيفه ليستخدمه كعصا يتكأ عليها:

"إلى أي مكان لا تصله الرياح... سنختبئ في شقوق الأرض إن لزم الأمر."

خرج كلاهما من بقايا الكهف؛ آرثر يحمل خلفه جسد ادريان و كايزر المحطمين، ومايك يحمل مايكل و ليا وهم يخطون وسط الضباب الكثيف، تاركين وراءهم الدمار

2026/04/04 · 35 مشاهدة · 1360 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026