‏داخل أحد الكهوف المهجورة، في بقعة نسيتها الخرائط وتجاهلها الضياء، كان الوقت يزحف كسلحفاة مريضة. لم يكن هناك عالمٌ خارجي؛ فقط تجويفٌ صخري رطب، ورائحة العفن المنبعثة من الجدران،

‏وسوادٌ حالك يطبق على الأنفاس حتى يكاد يخنقها. في مركز هذا اللاشيء، كان **ليوين** يصارع للبقاء مستيقظاً، مستنداً بظهره المنهك إلى صخرة مدببة، بينما جسده النصفي الأعلى عارياً تماماً، يكشف عن عضلاته الشاحبة التي تشنجت بفعل البرد والألم.

‏تصاعد ضبابٌ رقيق من فمه مع كل زفير متقطع، وكان شعره الرمادي يلتصق بجبهته بعرقٍ بارد ولسج. كان بؤبؤا عينيه الأسودان كالهاوية يحدقان في الظلام، يبحثان عن أي علامة للحياة،

‏لكنهما لم يجدا سوى الموت المتربص. وعلى صدره العاري، كان يمتد جرحٌ بشع، خندقٌ عميق يروي قصة نجاة مستحيلة؛ شقٌ مروع يبدأ من قمة كتفه الأيمن، يقطع الصدر بعضلاته وأعصابه بعرضه الكامل،

‏لينتهي عند كتفه الأيسر. لم يكن مجرد جرح، بل كان فجوة تطل منها أعماقه وهي تتسرب ببطء، وتاركةً خلفها أخاديد من اللحم الممزق الذي يرفض الاندمال.

‏شد ليوين على فكه حتى كادت أسنانه تتحطم، وأطلق حشرجة خرجت من بين شفتيه الجافتين المتشققتين: "تباً... سأموت إذا استمر الوضع هكذا."

‏صوت قطرات الدم الدافئة وهي ترتطم بالأرض الصخرية الجافة خلق إيقاعاً منتظماً، يشبه عداداً صامتاً يحصي الثواني المتبقية له في هذا العالم.

‏أغمض ليوين عينيه، محاولاً استجماع ما تبقى من ذرات مانيته المتناثرة داخل جوهره السحري. لم تكن مانا ليوين مثل مانا النور التي يحملها آرثر

‏بل كانت طاقة ظلام نقي، سوداء كالقاع، باردة كالثلج، وعنيفة ولكنها طاهرة من أي دنس شيطاني. بدأ يستدعي تلك الطاقة ببطء،

‏فشعر بحرارة باردة سادية تسري في عروقه، وكأن نملًا من الجمر يزحف تحت جلده، تاركاً خلفه أخاديد من الوجع.

‏بدأ الظلام يتدفق من مسامه، بخارٌ أسود لزج التف حول الجرح البشع كشرنقة من العذاب. كانت عملية العلاج بالظلام عمليةً وحشية؛

‏فالظلام لا يخيط اللحم برفق، بل يصهره، يدمج الأنسجة المتمزقة ببعضا بآلية قاسية. شعر ليوين بجرحه وهو يغلي، وبدأ اللحم الممزق يتقارب ببطء شديد، مليمترات قليلة في كل دقيقة،

‏تاركاً خلفه ندوباً سوداء بارزة. كان يلهث، وصدره يعلو ويهبط بعنف، والظلام يتلاشى ويظهر وكأنه يعكس ضعف قلبه الذي يصارع بضراوة للبقاء نابضاً.

‏حاول ليوين أن يفصل وعيه عن جسده، أن يبرد فكره ويحلل الوضع كخوارزمية برمجة، متجاهلاً الألم الشديد. فكّر في معدل النزيف، وكفاءة التجلط بفعل الظلام، ومقدار المانا المتبقية لديه.

‏كل ثانية كانت محسوبة، وكل قطرة مانا كانت أغلى من الذهب. كانت هذه العقلانية الباردة هي سلاحه الوحيد ضد الاستسلام للراحة الأبدية التي يعرضها عليه نزيفه الحاد.

‏بينما كان ليوين في أوج ضعفه وتركيزه على العلاج، اهتز سكون الكهف بعنف. صوت مخالب ثقيلة ومعدنية تمزق التربة عند الفتحة، وزفيرٌ كريه وسمي يفوح برائحة اللحم المتعفن والكبريت.

‏دخل "وحشٌ شيطاني" من الرتبة **(A)**، كائنٌ مشوه بقرون ملتوية سوداء وعيون تشع ضياءً أحمر دموياً، تفيض كراهيةً ووحشية.

‏كان الوحش يشم رائحة الدم الطازج، التي تنبعث من جسد ليوين، الرائحة التي تدفعه للهيجان.

‏نظر ليوين إلى الوحش بهدوء قاتل، لم يرتعش جفنه، بل أمال رأسه إلى الخلف مستنداً إلى الصخرة، ورسم على شفتيه الشاحبتين ابتسامة سخرية مريرة.

‏كانت ابتسامة رجلٍ يقامر بآخر ذرة من حياته ضد حظه العاثر."رتبة (A)؟ الآن؟" تمتم بضحكة مكتومة تحولت إلى سعالٍ مؤلم نفث معه دماً أسوداً.

‏"يبدو أن قدري يملك حساً فكاهياً سيئاً للغاية، ويتيماً."

‏لم يكن أمامه خيار للتراجع؛ الموت بالنزيف البطئ أو الموت السريع تحت مخالب هذا المسخ المتمرد. اختار ليوين الخيار الثالث: القتال حتى الرمق الأخير،

‏بجهدٍ خرافي، وبحركة سريعة ومؤلمة، دفع ليوين بكل ما تبقى لديه من مانا نحو الخارج. صرخ بصمت، وانفجر الظلام من حوله ليشكل"القبة المظلمة"

‏في لحظة، ابتلعت القبة الوحش الشيطاني وليوين معاً، وانعزل الكهف عن العالم الخارجي تماماً. داخل القبة، انعدمت الرؤية تماماً لأي كائن، تلاشى الضوء،

‏وحتى الصوت أصبح مخنوقاً ومشوهاً، مما خلق فضاءً من اللاشيء حيث لا يسيطر إلا ليوين.

‏استخدم ليوين **"خطوات الظل"**؛ مهارة تجعله يتنقل كأنه شبحٌ بلا كتلة، بلا رائحة، وبلا صوت. وبسرعة كبيرة

‏كان يتحرك رغم الألم الممزق في صدره، مستخدماً الأدرينالين كوقود أخير لعضلاته المنهكة. استل خنجريه الصغيرين والمصقولين،

‏وبدأ يغلفهما بطاقة الظلام الحالك حتى أصبح النصلان يبدوان كفجوتين أسودتين في الزمكان، يمتصان أي ضوء قد يظهر ولا يعكسانه.

‏بدأ الهجوم. لم يكن ليوين يقاتل بقوة غاشمة، بل بدقة جراحٍ يائس يعرف تشريح الخصم. كان يظهر خلف الوحش، يسدد طعنةً دقيقة في مفصل ركبته الخلفية، ثم يختفي قبل أن يرتد الوحش بضربةٍ عشوائية تمزق الهواء. طعنة في الظهر،

‏خدشٌ في العنق، طعنة تحت الإبط. كان ليوين يلهث بعنف، والدم يسيل مجدداً من جرحه الذي انفتح بفعل الحركة العنيفة والتواء جسده، لكنه لم يتوقف. كان يعلم أن ثانية واحدة من التردد، أو رمشة عين واحدة من الخوف، تعني تمزقه إلى أشلاء مبعثرة.

‏بدأت القبة المظلمة تترنح وتضعف مع استنزاف مانا ليوين بسرعة مخيفة. زأر الوحش بغضب وحقد، محاولاً تحطيم السجن الأسود بمخالبه الضخمة التي كانت تضرب الهواء العاجز.

‏أدرك ليوين أن وقته انتهى، وأن مانيته توشك على التلاشي. جمع كل ما تبقى في جوهره السحري، كل ذرة مانا، كل ذرة غضب، وكل ذرة إرادة للبقاء. حوّل كل ذرة ظلام في القبة وفي جسده نحو يده اليمنى التي قبضت على مقبض الخنجر بقوة تجعل العظام تئن.

‏تجمع السواد في كفة يده ليصبح كتلة مضغوطة من الهدم الصافي، نقطة كثيفة من اللاشيء تتراقص فوق كفه. **"قاذفة الظلام!"** صرخ ليوين وهو يدفع يده نحو صدر الوحش المفتوح.

‏انطلقت الطاقة كشعاعٍ أسود عاتٍ، كالثقب الأسود المصغر، اخترق جسد الوحش الشيطاني من الرتبة (A) ومزق أعضاءه الداخلية المتفحمة، تاركاً خلفه فجوة متفحمة ومحروقة تظهر الجانب الآخر من الكهف.

‏لم ينتظر ليوين ليرى سقوط الوحش الهامد. حالما تبددت القبة المظلمة، استجمع آخر ذرات قوته في ساقيه، وقفز خارج الكهف مستخدماً الظلال كمنصات ارتكاز.

‏كان يركض وهو يترنح، والرؤية بدأت تضيق أمام عينيه، والدم يغطي نصفه الأعلى بالكامل، تاركاً خلفه آثاراً مبعثرة فوق الأرض المسمومة.

‏بعد مسافة من الركض الجنوني والبهلواني بين الأشجار العملاقة، وجد ليوين شجرة عملاقة وعتيقة، ذات أغصان كثيفة ومحجوبة بالأوراق الأرجوانية السامة،

‏تطل على الغابة. وبحركة بهلوانية أخيرة يائسة، تسلق الشجرة بصعوبة بالغة حتى وصل إلى غصنٍ عريض ومحجوب تماماً عن الأنظار بالأوراق الكثيفة.

‏ارتمى ليوين على الغصن، جسده يرتجف بعنف، وأنفاسه تصدر صوتاً يشبه صرير الأبواب القديمة المحطمة. نظر إلى يده التي لا تزال تهتز،

‏ثم إلى جرحه الذي توقف نزيفه قليلاً بفعل التجلط القسري والقاسي للظلام. رفع رأسه نحو السماء الأرجوانية التي بدت أهدأ من هنا، لكنها تحمل تهديداً خفياً.

‏"فقط.. قسطٌ من الراحة.." همس لنفسه وهو يغمض عينيه ببطء شديد، متجاهلاً خطر الوحوش التي تملأ الغابة، ومتجاهلاً جراحه التي قد تقتله في أي لحظة، مستسلماً لنومٍ خفيف مع تركيز كامل على محيطة، وهو يعلم في قرارة نفسه أن معركته الكبرى للنجاة لم تنتهِ بعد،

‏بل هي مجرد استراحة محارب وحيد في غابة لا ترحم الضعفاء، ولا تغفر الخطأ. ساد الصمت من حوله، صمتٌ ثقيل وموحش، لا يقطعه سوى دقات قلبه البطيئة التي تعلن للعالم أنه لا يزال حياً، ولو للحظة واحدة أخرى.

2026/04/05 · 33 مشاهدة · 1127 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026