لم يهنأ **ليوين** بسكونه الهش؛ ففي هذه الغابة اللعينة، الصمت ليس إلا مقدمة لجنازة جديدة تُجهز في الخفاء. بعد ست دقائق فقط من استسلامه لنومٍ يقظ فوق ذلك الغصن العالي،
شعر بارتعاشة خفيفة تسري في لحاء الشجرة العتيقة. لم يكن اهتزازاً تسببه الرياح الأرجوانية، بل كان حركةً انسيابية لجسدٍ ضخم ينساب بنعومة الموت، محطماً صمت المكان بصرير حراشفه فوق الخشب الميت.
فتح ليوين عينيه بسرعة البرق، وبؤبؤاه السوداوان اللذان يبتلعان الضوء اتسعا ليمتصا أقل ذرات الرؤية المتاحة في ذلك الغبش السام. في تلك الأجزاء من الثانية،
رأى انعكاس الموت المحتوم: أفعى عملاقة، جلدها مغطى بحراشف صلبة تشبه دروع الفرسان الملطخة بالدماء، كانت قد أحاطت بجذع الشجرة كقيدٍ فولاذي يضيق الخناق على الشجرة وعليها.
وقبل أن يستوعب حجم الكارثة، انقض الرأس المثلثي الضخم نحو وجهه بفتحة فمٍ مرعبة كادت تبتلع الغصن ومن عليه في لقمة واحدة.
بكل ما تبقى له من غريزة بقاء فطرية، رفع ليوين خنجريه الملطخين بدمائه الجافة ليصد الهجوم الكاسر. ارتطم ناب الأفعى المعدني الذي يقطر سماً بنصل الخنجر،
ليصدر صوتاً معدنياً حاداً تردد صداه في أرجاء الوادي المهجور. القوة كانت غاشمة وتفوق قدرة البشر؛ لم تستطع عضلات ليوين المنهكة والممزقة تحمل ضغط الارتطام،
فدُفع جسده للخلف بقوة طاردة مركزية، ليهوي من ذلك الارتفاع الشاهق نحو الأرض الصلبة كأنه ريشة في عاصفة.
كان السقوط طويلاً بما يكفي لكي يستعرض ليوين في مخيلته كل خيارات الموت المتاحة. الهواء كان يصفع وجهه البارد، وجراحه المفتوحة كانت تصرخ مع كل حركة في الفراغ.
ارتطم بالأرض بقوة زلزالية هزت أركان المكان، محدثاً فجوة دائرية عميقة في التربة المسمومة، حيث تطاير الغبار والحصى الحاد في كل اتجاه كأن قنبلةً سقطت من السماء.
تحطم العظام لم يحدث بمعجزة، لكن الألم في صدره الجريح، ذلك الشق الذي يمتد من الكتف إلى الكتف، انفجر كبركانٍ من المسامير المحماة. استند ليوين على كفيه المرتجفتين وسط الحفرة،
والدم القاني يقطر من زاوية فمه، لكنه رفع رأسه ورسم على وجهه الشاحب المنهك ابتسامة سخرية مريرة، ابتسامة تتحدى الفناء نفسه. نظر إلى السماء الأرجوانية، ثم إلى الشجرة التي سقط منها، وقال بصوتٍ أجش يملؤه التحدي والبرود:
"جيد.. رقم قياسي جديد حقاً.. ست دقائق كاملة دون أن يهاجمني وحش أو يزعج خلوتي أحد. يبدو أن شعبيتي في هذه الغابة بدأت تتراجع، أو ربما الوحوش بدأت تخشى مذاق دمي المر."
لم يكد ينهي جملته الساخرة حتى اهتزت الأرض تحت قدميه مرة أخرى. الأفعى لم تكتفِ بطرده من مخدعه العالي؛ بل هبطت خلفه بانسيابية مرعبة،
جسدها الطويل يزحف محطماً الأشجار الصغيرة والشجيرات في طريقها، وعيناها الصفراوان تلمعان بجوعٍ قديم لا يرتوي، ولسانها المتشعب يختبر الهواء باحثاً عن مكان قلبه النابض.
فتحت الأفعى فمها على وسعه، كاشفةً عن ترسانة من الأنياب التي تقطر بسائلٍ أخضر فسفوري يغلي بمجرد ملامسته للهواء، مطلقاً أبخرة كبريتية تخنق الأنفاس. انطلقت كالسهم نحو ليوين لابتلاعه دفعة واحدة،
لكنه في اللحظة الحاسمة، استخدم **"خطوة الظل"**. تلاشت بنيته الجسدية المادية لتصبح مجرد دخانٍ أسود عابر،
ليظهر فجأة عند الجانب الأيمن للأفعى، بعيداً عن مدى فكها المفترس بمليمترات قليلة.
لم يكتفِ ليوين بالهرب الجبان؛ بل قفز عالياً في الهواء، المانا السوداء تتدفق من جوهره المحطم لتغلف خنجريه بطبقة من الفراغ الصافي الذي يمتص الضوء. استهدف رأس الأفعى،
وتحديداً المنطقة الرقيقة خلف العين حيث تتركز الأعصاب. لكن، وفي تلك اللحظة التي كان فيها ليوين معلقاً في الهواء،
شعر ببرودة مفاجئة وقاتلة تسري في عموده الفقري، حدسٌ نبوي بالخطر جعل كل خلية في جسده تصرخ للتراجع الفوري.
كانت الأفعى تخفي مكراً يفوق ذكاء الوحوش؛ كانت تستعد لإطلاق سلاحها الكيميائي الفتاك. وبحركة غريزية باردة، ألغى ليوين هجومه الوشيك واستخدم خطوة ظل أخرى في منتصف الهواء،
مستهلكاً آخر ذرات مانيته ليظهر فوق ظهر الأفعى مباشرة. في تلك اللحظة، انطلقت كتلة ضخمة من الهجوم السام من فم الأفعى، قذيفة من الأسيد الحارق الذي اصطدم بالأرض حيث كان ليوين واقفاً قبل ثانية واحدة.
في مشهدٍ مروع، ذابت الصخور الصلبة والتربة وتحولت إلى بركة من الرغوة الخضراء المنصهرة، وتصاعدت أبخرة سامة حارقة كادت تفقد ليوين وعيه وتصيب رئتيه بالتلف.
لم يمنح ليوين الوحش فرصة لاستعادة أنفاسه أو شحن هجومه القادم. وهو فوق ظهرها الملتوي، قبض على خنجريه بكل قوته التي استمدها من إرادة البقاء، وصبّ كل مانيته المتبقية في ذراعيه المرتجفتين اللتين تلطختا بدمائه.
"اخترقي.. اقطعي هذا الجلد اللعين!" صرخ ليوين بصوتٍ غير بشري وهو يغرز النصلين بكل ثقله في قمة جمجمة الأفعى.
سمع صوت احتكاك المعدن بالحرشف الصلب، صوتاً يشبه كشط الحديد على الحجر، لكن النصلين لم يدخلا بعمق؛ حراشف الأفعى من الرتبة (A) كانت أقوى من أن يمزقها خنجرٌ عادي،
حتى لو كان مغلفاً بمانا الظلام. لم يخترق الهجوم سوى طبقات سطحية من الجلد القاسي، مما أدى إلى خروج سائل أصفر لزج، وهو ما زاد من هياج الأفعى وغضبها الجنوني.
بدأت تتلوى بعنف محاولةً قذفه عن ظهرها، وجسدها يضرب الأشجار المحيطة محولاً إياها إلى حطام.
ابتسم ليوين بجنون، ضحكة يائسة خرجت من أعماقه وهو يدرك ببرود أن قوته الحالية، في ظل هذا الجرح الفظيع، لا تكفي لذبح هذا الوحش الفولاذي. قفز عالياً في الهواء،
مبتعداً عن جسد الأفعى الملتوي الذي كان يتهشم كالسوط. وفي قمة قفزته، رفع يديه عالياً وشكل من مانا الظلام "نصلين وهميين" ضخمين، رماهما كقذيفتين من الفراغ نحو عيون الأفعى. **"قواطع الظلام!"**
اصطدم الهجومان بجسد الأفعى، وانفجر السواد ليغطي المكان بظلامٍ دامس لعدة ثوانٍ حاسمة. لم يكن انفجاراً يهدف للقتل، بل كان تكتيكاً بصرياً يهدف للتعمية وتشتيت الحواس الشمية والحرارية للوحش.
وسط سحابة الظلام الكثيفة التي خلقها، لم ينتظر ليوين ثانية واحدة ليرى النتيجة. كان يعلم من خلال تحليله البارد أن الأفعى ستخرج سليمة تقريباً، فجلود الرتبة (A) هي حصونٌ متحركة لا تسقط بمثل هذه الهجمات المستنزفة واليائسة.
استغل ليوين تلك الثواني القليلة من الفوضى البصرية والحسية، واستخدم سلسلة من "خطوات الظل" المتلاحقة والمؤلمة، قافزاً بين ظلال الأشجار الكثيفة والمنحدرات الصخرية،
مبتعداً عن ساحة المعركة بأقصى سرعة تسمح بها جراحه المفتوحة التي بدأت تنزف بغزارة مرة أخرى.
عندما انقشع الظلام أخيراً، هزت الأفعى رأسها الضخم بعنف، باحثةً عن الفريسة الضئيلة التي تجرأت على جرح كبريائها وتلطيخ حراشفها.
نظرت يميناً ويساراً بعيونها الصفراء، وأخرجت لسانها المتشعب مراراً لتلتقط أي أثر حراري أو رائحة دم، لكن المكان كان قد أصبح خالياً تماماً من أي وجود بشري.
ليوين قد اختفى تماماً كأنه لم يكن، تاركاً خلفه حفرةً دائرية محطمة وبقايا سمٍ أخضر يغلي فوق الصخور، عائداً إلى أعماق الغابة المظلمة ليبحث عن ثقوبٍ جديدة أو أغصانٍ أكثر أمناً ليختبئ فيها،
---
( الرواية حاليا بالمركز الرابع بين الروايات المؤلفة) ❤️❤️