‏بعد دقائق من الركض اللاهث الذي كاد أن يمزق ما تبقى من ألياف عضلاته، وتجاوز الأشجار الأرجوانية السامة التي كانت تلاحقه ككوابيس حية، انفتح الأفق أمام **ليوين** على مشهدٍ لم يقرأ عنه في أي كتاب من كتب الأكاديمية أو في حياته السابقة

‏تلاشت الغابة الكثيفة خلفه فجأة، وحل محلها صمتٌ جنائزي ثقيل يطبق على الصدور. أمام عينيه، انفرط عقد مدينة مهجورة، كانت يوماً ما صرحاً من الرفعة والشموخ،

‏لكنها الآن ليست سوى أطلالٍ منسية، كتلٍ من الصخور الجرانيتية المحطمة ورفاتٍ من الأعمدة الرخامية التي تآكلت بفعل قرون من التلوث السحري والنسيان.

‏كان الهواء هنا مختلفاً تماماً؛ لم يعد يحمل رائحة الرطوبة والعفن النباتي الخانق، بل أصبح جافاً، ثقيلاً برائحة الغبار القديم والرماد البارد الذي لا ينطفئ. مشى ليوين بخطواتٍ متعثرة،

‏يجر ساقه اليمنى التي بدأت تتصلب بفعل الإجهاد، وعيناه السوداوان تمسحان المكان بآلية تقنية باردة رغم الألم. كانت الشوارع ضيقة، تغطيها طبقة كثيفة من الحطام الزجاجي والمعدني المصدأ،

‏والجدران المنهارة على جانبي الطريق كانت تشبه أفواه الوحوش الميتة التي تأبى الانغلاق. لم يكن هناك حسٌ لحيوان، ولا نعيق لطير، وكأن "الموت" نفسه قد اتخذ من هذه الأنقاض مستقراً أبدياً له،

‏فارضاً هالة من المنع النفسي على كل كائن حي يجرؤ على تدنيس هذا السكون.

‏كل خطوة لليوين كانت تخلف وراءها بقعاً صغيرة من الدم القاني فوق الحجر الرمادي، لكنه لم يلتفت خلفه. كان يحلل بصمت:

‏"لماذا دُمرت هذه المدينة بهذا الشكل؟ الحجارة مصهورة من الأطراف، وهذا لا يفعله وحش، بل سحرٌ عالي الرتبة.. سحرٌ أباد كل شيء في ثوانٍ." كانت عقلانيته هي خيطه الوحيد للتمسك بالواقع بينما جسده يصرخ طالباً الانهيار.

‏في قلب هذا الخراب العمراني الشاسع، وفي بقعة تتوسط المدينة كأنها مركز الانهيار، برز قصرٌ شاهق يرتفع نحو السماء الأرجوانية كأنه طعنة في صدر الأفق.

‏كان القصر يبدو وكأنه الهيكل العظمي لعملاقٍ أسطوري سقط في معركة لم تذكرها الأساطير. الأسوار الخارجية تهاوت كلياً، والشرفات العلوية كانت معلقة بخيوطٍ واهية من حديدٍ مصدأ يتأرجح مع الريح الهادئة، محدثاً صريراً يشبه عويل الأرواح.

‏دخل ليوين من البوابة الرئيسية التي لم يتبقَ منها سوى إطارها الحجري الضخم، فاستقبله صمتٌ مطبق لدرجة أنه كان يسمع نبضات قلبه المتسارعة داخل أذنيه.

‏الردهة الكبرى كانت تملؤها قطع الكريستال المتناثرة التي كانت يوماً ما ثرياتٍ فاخرة، واللوحات الممزقة على الجدران كانت تصور وجوهاً غامضة لم يعد من الممكن تمييز ملامحها.

‏تعمق ليوين في الداخل، عابراً قاعات الاستقبال الواسعة التي غطاها الغبار الكثيف، صاعداً درجاتٍ رخامية مشققة بحذرٍ شديد. كان يبحث عن "المنطقة الصفرية"، المكان الذي تنعدم فيه احتمالات الهجوم.

‏ومع كل خطوة يخطوها نحو عمق القصر، كان يشعر بتغير في "كثافة المانا". الهواء بدأ يصبح أكثر برودة، والضغط الجوي بدأ يزداد بشكلٍ غير طبيعي، وكأن الجدران نفسها تمتص الطاقة من المحيط.

‏في نهاية ممرٍ طويل ومظلم، جدرانه مرصعة بأحجارٍ سوداء ملساء، توقف ليوين فجأة. شعر بوخزٍ كهربائي يسري في أطراف أصابعه، وشعره الرمادي وقف بفعل الشحنات الساكنة المنتشرة في الجو.

‏أمامه، انتصب بابٌ ضخم، بابٌ لا يمكن وصفه بالكلمات البشرية العادية. كان مصنوعاً من مادة سوداء معتمة تماماً، لا تعكس الضوء بل تمتصه، مادة تبدو كأنها مزيج مستحيل بين المعدن البارد والعظم القديم.

‏لم يكن على الباب أقفال، ولا مقابض، ولا ثقوب مفاتيح. بدلاً من ذلك، كان مغطىً بنقوشٍ هندسية معقدة جداً وبعض الكتابات الغريبة تتداخل فيها الدوائر والمربعات بشكلٍ رياضي دقيق،

‏وكانت تلك النقوش تتوهج بخفوتٍ أزرق شاحب ينبض بانتظام، كأنه قلبٌ اصطناعي نائم.

‏شعر ليوين بقشعريرة حادة تسري في عموده الفقري. "هذه الهالة.." همس بصوتٍ مبحوح وهو يضغط بيده على الجرح البشع في صدره.

‏لم يكن هذا الشعور "رعباً" من وحش كاسر، بل كان "رهبة" أمام كيان مجهول. كانت الهالة المنبعثة من خلف الباب غريبة كلياً، لم يشعر بمثلها في حياته، ولا حتى من أساتذة الرتبة العالية في الأكاديمية.

‏كانت طاقة صامتة، قديمة، ومستقرة لدرجة مخيفة. أدرك ليوين فوراً لماذا لا تقترب الوحوش من هنا؛ فهذه الهالة تعمل كـ "طارد حيوي" يضرب الغريزة الأساسية لأي كائن حي، محذراً إياه بأن ما وراء هذا الباب ليس مخصصاً للفانين.

‏تحرك فضول ليوين التقني، وتغلبت غريزة الاستكشاف لديه على ألمه الجسدي. كان يفكر: "إذا كان هذا الباب يحمي شيئاً بهذا القدر من القوة، فربما أجد خلفه ما يعيد جوهر المانا الخاص بي بشكل كامل"

‏اقترب ليوين من الباب ببطء، ومد يده المرتجفة ليلمس السطح الأسود البارد. لم يشعر بملمس المعدن، بل شعر وكأنه يلمس "فراغاً" صلباً.

‏حاول دفع الباب بكل ثقله، مستخدماً كتفه السليم للضغط، لكن الباب كان وكأنه جزء من نسيج الكون نفسه، لم يتزحزح ميليمتراً واحداً، ولم يصدر منه حتى صوت احتكاك.

‏تراجع ليوين خطوتين، وعيناه تشتعلان ببرودٍ غاضب. ركز كل ما تبقى لديه من مانا "الظلام النقي" في قبضته اليمنى.

‏بدأ السواد يتكثف حول يده حتى تحولت إلى ما يشبه الثقب الأسود الصغير، مانا مضغوطة لدرجة الانفجار.

‏"افتح.. أيها اللعين!" صرخ ليوين وهو يسدد ضربةً قوية ومباشرة نحو مركز الباب،

‏ارتطمت قبضته بالمعدن الأسود، ونتج عن الاصطدام دويٌ مرعب، انفجار صوتي اهتزت له أركان القصر وسقطت بسببه أحجار من السقف. لكن، ولدهشته المطلقة التي لم يستطع إخفاءها،

‏عندما انقشع الغبار، وجد أن الباب لا يزال كما هو. لم يظهر عليه خدشٌ واحد، ولم تتأثر النقوش الزرقاء، بل كان الباب يمتص الطاقة الحركية والسحرية للضربة ببرود تام،

‏وكأن صرخة ليوين وقوته لم تكن سوى ذبابة ارتطمت بجدار من الفولاذ الأزلي.

‏تراجع ليوين وهو يلهث بعنف، صدره يرتفع ويهبط، والدم بدأ يسيل بغزارة من جرحه الذي انفتح مجدداً بفعل الضغط الهائل للضربة.

‏نظر إلى قبضته التي تخدرت تماماً، ثم نظر إلى الباب الصامد بابتسامة سخرية مريرة ارتسمت على شفتيه الشاحبتين.

‏"حسناً.. يبدو أنني لستُ مفتاحاً لهذا القفل بعد.." تنهد ليوين بسخرية من نفسه ومن حظه العاثر.

‏أدرك ببرود أن محاولة كسر هذا الباب هي انتحارٌ بطيء لا طائل منه في حالته الراهنة.

‏التفت ليوين بظهره نحو الباب، وانزلق ببطء وجسده يرتجف حتى جلس على الأرض الباردة والمتربة في الممر المظلم. وضع خنجريه بجانبه ليكونوا في متناول يده،

‏وأسند رأسه الرمادي إلى الحائط المقابل للباب العظيم. كان الباب خلفه ينبض بتلك الهالة الهادئة، وكأنها "تهويدة" سحرية تمنحه نوعاً من الأمان الغريب.

‏أغمض ليوين عينيه نصف إغماضة، مراقباً الممر الطويل بنظرة صقرٍ جريح. كان يعلم أن الوحوش لن تجرؤ على دخول هذا النطاق،

‏وأن هذا المكان هو الحصن الوحيد الذي سيمنحه وقتاً لترميم جسده الممزق."قسطٌ من الراحة.. أخيراً.." همس لنفسه قبل أن يغرق في شبه غيبوبة علاجية، تاركاً جسده يتنفس مانا هذا المكان الغامض،

‏ومنتظراً ما سيجلبه الغد من أسرار تكمن خلف ذلك السواد الصامد.

‏---

2026/04/05 · 40 مشاهدة · 1050 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026