كانت ذرات الغبار تتراقص في شعاع ضوء شاحب يتسلل من شق صغير في السقف الصخري الذي شيده **مايك**. داخل هذا المأوى الضيق، ساد صمتٌ ثقيل لدرجة أن صوت أنفاس الأبطال الستة كان يشبه أزيز المناشير في سكون الغابة المسمومة.
لم يكن الكوخ مجرد بناء، بل كان حصناً نفسياً أخيراً، محاولة يائسة لاستعادة إنسانيتهم التي تآكلت تحت وطأة الدماء والسموم.
جلس **آرثر** في المركز، محاولاً السيطرة على الارتعاش الطفيف في أصابعه. كانت ثيابه النبيلة قد تحولت إلى خرق بالية، والدم المتخثر رسم خرائط سوداء على جلده الشاحب.
كان ينظر إلى رفاقه بآلية قلقة، يشعر بكل جرح في أجسادهم وكأنه حفرة في روحه هو.
بجانبه، كان **إدريان** منزوياً، وسلاسله ملقاة حوله كجثث أفاعٍ معدنية، يمسح الدم عن معصميه اللذين حفرهما القيد والقتال. وعلى مقربة منه،
اتكأ **كايزر** بظهره على الجدار الخشن، يراقب شرارات برقه الباهتة وهي تحتضر بين أصابعه.
تنهد آرثر، وخرج صوته محملًا بتعب القرون: "سنرتاح هنا لبضع دقائق أخرى فقط.. استجمعوا ما تبقى من أنفاسكم، ونظموا تدفق المانا في أجسادكم. ذلك الوحش اللعين.. ذكاؤه يفوق غريزته، وأخشى أنه لا يزال يقتفي أثرنا."
تحركت **ليا** بينهم كطيف مقدس. كانت يداها تشعان بنور ذهبي خافت، مانا العلاج التي تتدفق ببطء لترمم ما تهدم. بدأت بآرثر، ثم انتقلت إلى إدريان الذي كان يتجنب النظر في عينيها خجلاً
من "الجنون" الذي أصابه سابقاً. لم تتكلم ليا، لكن لمساتها كانت تعتذر عن عجزها عن حمايتهم من الألم.
ابتسم آرثر بضعف: "شكراً لكِ يا ليا.. لولا وجودكِ، لا أعرف كيف كنا سنصمد. أنتِ الرابط الذي يمنعنا من الانهيار التام."
خفضت ليا رأسها، والدموع تحفر أخاديد في الغبار الذي يغطي وجهها: "كلا يا آرثر.. هذا هو الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله. أعلم أني لست جيدة في القتال، وأني لا أملك قوتكم في لذالك أحاول فقط أن أكون مفيدة.."
قاطعها كايزر بنبرة صادقة هزت أرجاء الكوخ: "كلا يا ليا.. توقفي عن هذه الهراء القتال سهل، أي أحمق يمكنه تفجير المانا، لكن البقاء صامدة لعلاجنا وسط هذا الجحيم هو القوى الحقيقية. أنتِ الركن الذي يستند عليه الفريق."
أومأ إدريان برأسه ببطء، وهمس بصوت مبحوح: "كايزر محق.. لولاكِ لمتنا منذ زمن"
في تلك الأثناء، كان **مايك** يراقب استقرار الجدران، مقتصدًا في كل ذرة مانا أرضية، بينما كان **مايكل** يغوص في سكونه الخاص،
ماداً حواسه السمعية إلى أقصى مدى. وفجأة، انتفض مايكل، وبرز العرق البارد على جبينه كحبات اللؤلؤ. فتح عينيه، وكان بؤبؤاه يرتعشان برعب لم يره الرفاق من قبل.
صرخ مايكل بصوت مخنوق: "لقد عاد! ذلك اللعين عاد من جديد.. يجب أن نتحرك الآن!"
لكن الوقت كان قد نفد.
اهتزت الأرض تحت أقدامهم بعنف جعل الصخور تصرخ. هبطت هالة غاشمة خارج الكوخ مباشرة، ضغط سحري هائل لدرجة أن الهواء من حوله قد تلاشى،
وشعر الجميع وكأن جبالاً من الرصاص وضعت فوق صدورهم. تشققت جدران مايك وكأنها ورق يابس، وتسلل ضباب أسود من الشقوق.
صرخ مايكل بمرارة: "تباً.. لقد فات الأوان! نحن محاصرون!"
تراجع الأبطال الستة إلى الزاوية الأخيرة، وعيونهم معلقة بالمدخل الذي انفجر بفعل الضغط. وسط الغبار والضباب الكثيف، بدأ ظلٌ ضخم يتجسد ببطء مرعب.
انقشع الدخان ليكشف عن الكابوس: **فارس مدرع** بالكامل بسواد فاحم، تبرز منه أشواك حادة كأنها نبتت من جحيم خالص.
لم يكن له رأس، بل دوامة من الدخان الأسود الكثيف تتصاعد من خلف كتفيه العريضين. صدر الدرع كان مشقوقاً، ينبعث منه وهج أحمر قاني يشبه نبض قلب يحتضر،
وتتدلى من خلفه عباءة حمراء ممزقة تتطاير مع ريح غير موجودة داخل الكوخ.
وقبضته الضخمة.. كانت تمسك بسيف عريض ومرعب، نصله أسود ومخضب بالكامل بمانا الدم الحمراء التي كانت تتقطر ببطء، محدثة ثقوباً في الأرض المحطمة التي يقف عليها.
ساد سكون كفنّي. وقف الفارس بلا حراك، لكن طاقة القتل المنبعثة منه كانت تمزق جلود الأبطال. نظر آرثر إلى رفاقه؛ رأى الرعب في عيني ليا، والتوتر في سلاسل إدريان، والشرارات اليائسة في يد كايزر.
قبض آرثر على مقبض سيفه، واستدعى نوره الأزرق المطور الذي بدأ يشتعل كالهب السماوي، وقال بنبرة باردة حاولت إخفاء ارتجاف روحه
تحرك الفارس خطوة واحدة للأمام، فاهتز الكوخ بالكامل، وانفجرت مانا الدم من سيفه لترسم خطاً أحمر في الهواء،
لم تكن خطوة الفارس مجرد حركة، بل كانت إعلاناً ببدء الهيكل الجنائزي لرفاق آرثر. مع انفجار مانا الدم من سيفه، تحول الهواء داخل الكوخ الصخري إلى جحيمٍ لزج وثقيل، كأنما طُليت الجدران بدماء ضحايا الفارس السابقين.
قبض آرثر على سيفه "الكامل"، واستدعى **"النور الأزرق المطور"** الذي انبثق من جسده كشلالٍ من اللهب السماوي البارد. لم يعد نوره مجرد ضياء،
بل صار وقوداً كونياً يشتعل بكبرياءٍ يائس، مصهراً الضباب الأسود المتسلل من الشقوق قبل أن يلمس جلده الممزق.
"ابقوا خلفي!" صرخ آرثر بصوتٍ حاولت برودته المصطنعة إخفاء الرعب الذي يعصف بروحه.
لكن الفارس لم ينتظر. وبسرعةٍ لا تتناسب مع ضخامة درعه المدرع، أرجح سيفه الدموي في ضربةٍ أفقية مدمّرة.
**"طاااااااااخ!"**
ارتطم سيف الفارس بـ "الدرع السماوي" الذي شكله آرثر بنوره الأزرق. انبعث ضغطٌ هائل هز أركان الكهف، وتطايرت شظايا الصخر والشرارات نور الزرقاء والأحمر في كل مكان.
ترنح آرثر خطوة للخلف، وشعر بعظامه تئن تحت وطأة القوة الخام للفارس.
في تلك الأثناء، ومن وسط الغبار المتصاعد، صرخ **مايكل** بنبرةٍ يملأها الذعر الممزوج بالدهاء: "آرثر! كايزر! إدريان مايك اسمعوني جيداً.. "
تجنب مايكل هجوماً ثانوياً من دوامة الدخان الأسود التي انطلقت من كتف الفارس، وأكمل بصراخٍ يائس:
"أعطوني وقتاً! أحتاج لثلاث دقائق فقط! سأحاول جمع ما تبقى من مانا الرياح في هذا الكوخ المضغوط لنصنع 'إعصار الهروب'! أي خطأ.. وسنتحول جميعاً إلى رماد داخل هذا المكان "
لم تكن كلمات مايكل بحاجة لتكرار. وبغريزة البقاء التي شحذتها المعارك السابقة، اندفع الجميت -آرثر، كايزر، وإدريان- ومايك في هجومٍ منسق انتحاري لشرائه الوقت
لم ينتظر **آرثر** طويلا انطلق بـ **"نوره الأزرق المطور"** الذي اشتعل حوله كـ **"لهب سماوي"**، تاركاً خلفه أثراً من الجليد والنور.
اندفع **مايك** بجسده الضخم، متجاهلاً كسور عظامه، وغرس يديه في الحطام الصخري للكوخ المدمر.
**"فنون الأرض: القبر الصاعد!"**
انفجرت الأرض تحت الفارس، لتخرج منها أعمدة صخرية ضخمة طبقت على ذراعيه وساقيه كفك مفترس. وفي تلك الثانية من السكون، وصل آرثر. سدد طعنةً بنصله "الكامل" المشتعل بالزرقة المقدسة نحو شق الصدر الأحمر للفارس.
**"طاااااااخ!"**
لم يختنق النور، بل بدأ "يصهر" درع الفارس الأسود. كان آرثر يصرخ ببرودٍ يائس، وعروقه تبرز تحت جلده المحترق، بينما كان الدخان الأسود الخارج من كتفي الفارس يلف عنقه كحبل مشنقة.
استشاط الفارس غضباً، وبحركةٍ واحدة حطم أعمدة مايك الصخرية كأنها زجاج هش. رفع سيفه الأسود العريض، لكن
**كايزر** و**إدريان** كانا له بالمرصاد.
انطلق كايزر كشرارة برق هاربة من الجحيم قبض بكلتا يديه على نصل سيف الفارس الأسود؛ لم يبالِ بقطع أصابعه أو تفحم كفيه،
بل ضخ كل ذرة من برق مانيته الزرقاء في قلب المعدن الأسود ليشل حركة السيف لثوانٍ معدودة.
ومن الجانب الآخر، أطلق إدريان سلاسله الروحية لم يلفها حول الدرع، بل غرسها في لحم الفارس المكشوف عند المفاصل، وبدأ يضخ البرق عبرها ليعطل حركة الوحش. كان إدريان يهتز بعنف، والدم ينفجر من أذنيه، لكنه صرخ بجنون وهو يقاوم
بينما كان الرجال الأربعة يصارعون الموت في الخطوط الأمامية، كانت **ليا** هي القلب النابض الذي يمنعهم من السقوط. جثت في قلب المعركة، والدموع تحفر أخاديد في الغبار على وجهها. لم
تكتفِ بالعلاج البسيط، بل فعلت مهارة **"الرابط المقدس"**.
خيوط من النور الذهبي الرفيع خرجت من قلب ليا لتربط قلوب الرفاق الخمسة بقلبها. كانت تمتص "الألم الجسدي" منهم وتمنحهم "طاقة الحياة" الصافية.
كان جسد ليا يشحب بسرعةٍ مرعبة، وشعرها الأزرق بدأ يتحول إلى بياض كفن، لكنها لم تتوقف عن الترنيم.
في تلك اللحظة، استشاط الفارس الأسود غضباً من صمود هؤلاء "الحشرات" أمامه. رفع سيفه العريض الملطخ بمانا الدم، وبحركة خاطفة لم ترصدها الأعين،
سدد ضربة عمودية استهدفت **مايك** الذي كان يشكل خط الدفاع الأول بجسده الصخري.
**"طاااااااااااااخ!"**
لم يكتفِ النصل بتهشيم مانا الأرض المحيطة بمايك، بل اخترق صدره الصخري العريض مخلفاً "خطاً كبيراً" غائراً يمتد من كتفه حتى خصرة، وهو جرحٌ سال منه دمٌ أحمر قانٍ اختلط بشظايا الحجر المحطم.
صرخ مايك صرخة مكتومة هزت أرجاء الغابة، لكنه لم يتراجع، بل غرس قدميه أكثر في الأرض ليمنع الفارس من التقدم خطوة إضافية نحو ليا ومايكل.
أدرك الفارس أن الوقت يداهمه، فقام بحركة انتحارية؛ ركز مانا الدخان والدم في مركز درعه المشقوق، ثم فجرها في موجة صدمة دائرية هائلة.
**"ببببببببببوووووووووم!"**
انفجرت الطاقة الغاشمة لتجبر الجميع على التراجع أمتاراً للخلف. تطاير آرثر، كايزر، وإدريان كالريش في مهب الريح. وفي تلك الثانية القاتلة، وجه الفارس هجوماً مركزاً بمانا الدم نحو الرفاق المشتتين ليقضي عليهم دفعة واحدة.
هنا، وبسبب **"الرابط المقدس"**، حدث ما لم يتوقعه أحد. بدلاً من أن تصيب الضربة أجساد المحاربين، قامت ليا بسحب كل ذلك الهجوم المرعب عبر الخيوط الذهبية إلى جسدها هي. كانت "تمتص" الموت عنهم حرفياً.
اهتز جسد ليا الصغير بعنف، وانفجرت الدماء من فمها وعينيها وهي تستقبل ثقل مانا الفارس الأسود نيابة عن رفاقها. سقطت ليا على الأرض كعصفور ذبيح، وانقطع النور الذهبي فجأة ليدخل الجميع في حالة من الذهول والذعر.
"الآن! تمسكوا بأي شيء!" صرخ **مايكل** بصوت جهوري وهو يرفع يديه نحو السماء الأرجوانية.
استدعى مايكل كل مانا الرياح التي جمعها، لتتشكل **عاصفة كبيرة** ومفاجئة دارت حول الرفاق الستة بسرعة جنونية. بدأت الرياح ترفعهم عن الأرض المحطمة،
ليدوروا جميعاً في حلقة مفرغة من الهواء المضغوط والرماد.
بينما كانوا يطيرون بعيداً عن ساحة المعركة، مخلفين وراءهم الفارس الأسود الذي كان يضرب الأرض بغيظ، انقض **آرثر** وسط الدوامة ب غريزة لا واعية. رغم جروحه ونزيفه،
تمدد في الهواء وتشبث بجسد **ليا** الهامد بقوة يائسة، ضاماً إياها إلى صدره كأنه يحمي آخر شعلة نور في هذا العالم. كان يشعر ببرودة جسدها ونبضها الضعيف،
فشدد قبضته عليها وهو يغلق عينيه أمام الرياح العاتية التي كانت تقذف بهم نحو المجهول.
طارت المجموعة بعيداً، مخترقة ضباب الغابة السفلية الكثيف،