انقشع الضباب الكثيف عن سماء الغابة المسمومة بفعل تمزقٍ في نسيج الهواء أحدثه انفجار المانا الأخير. لم يهبط الأبطال الستة بسلام، بل قُذفوا عبر الأفق كأحجارٍ طائشة رمتها منجنيقٌ إلهية غاضبة.
اخترقت أجسادهم المنهكة طبقات الغيوم الكبريتية، ليرتطموا بقوة غاشمة وسط ساحة واسعة لمدينة غارقة في صمتٍ أبدي؛ مدينة بدا وكأن الزمن قد توقف عن النبض في عروق حجرها منذ قرون.
أحدث كل جسد منهم فجوةً عميقة في الرخام القديم. تصاعد غبارٌ كثيف واختلطت أناتهم بصرير الحجارة.
بدأ آرثر يفتح عينيه ببطء، شعر بطعم المعدن والتراب يملأ فمه، وبطنينٍ حاد يمنعه من سماع أنفاسه. حاول النهوض، لكن جسده كان يرتجف بفعل استنزاف المانا الذي قضم ألياف عضلاته. أول ما فعله هو التحقق من الثقل الداكن فوق صدره؛ كانت ليا.
كانت لا تزال في حضنه، جسدها الضئيل يرتعش بارتعاشات خفيفة غير منتظمة، وشعرها الأزرق يغطي وجهها الشاحب
مسح آرثر الغبار عن جبينها بيدٍ مخضبة بالدماء، وهمس بصوتٍ لم يكد يخرج من حنجرته المحترقة: "ليا.. لا تموت.. أرجوكِ."
على أطراف الفجوات التي أحدثها السقوط، بدأ الرفاق بالاستيقاظ الواحد تلو الآخر في مشهدٍ يفيض بالانكسار. كايزر كان يترنح، مستنداً على الأرض والشرارات الزرقاء حول جسده باهتة لدرجة أنها تكاد تنطفئ.
وبجانبه، كان إدريان يحاول الوقوف بمساعدة سلاسله، وعيناه تجوبان الفراغ بذهول. أما مايكل، فقد وقف بصعوبة وهو يمسك برأسه، والدم يقطر من جبهته ليبلل أرضية الرخام الباردة.
لكن مايك كان الوحيد الذي لم يتحرك؛ ظل مستلقياً في فجوته كجبلٍ منهار، وجرح صدره الغائر ينبض بخفوت مرعب، وكأن الأرض نفسها تمتص ما تبقى من حياته الصخرية.
توقف الجميع عن الأنين فجأة عندما وقعت أبصارهم على ملامح المكان الذي قُذفوا إليه. لم يكن هذا "مأوى" عادياً.
كانت المدينة شاسعة، صامتة لدرجة أن صدى دقات قلوبهم المتعبة كان يرتد من الجدران العالية. البيوت القائمة كانت تبدو وكأن سكانها غادروها منذ ثانية واحدة فقط،
لكن الغبار المتراكم أخبر قصة قرون من الهجر. كانت الشوارع نظيفة من العظام، خالية من آثار المخالب، وباردة برودة الموت.
"أين نحن؟" سأل كايزر بصوت مبحوح، وهو ينظر نحو الأفق الأرجواني للغابة التي تركوها خلفهم.
كانت الغابة السفلية تضج بأصوات الوحوش الكاسرة وصرخات الكائنات الممسوخة على بعد كيلومترات، لكن الغريب.. أن تلك الوحوش، التي لا تعرف الخوف، كانت تتوقف عند "خط وهمي" على مشارف المدينة.
لم يجرؤ وحش واحد على وضع مخلبه فوق حجارة هذه الساحة. وكأن هناك هالة غير مرئية، حاجزاً نفسياً غاشماً يضرب الغريزة الحيوانية ويخبرهم أن هذا المكان "محرم" على الأحياء والكوابيس معاً.
"لا توجد وحوش هنا.." همس مايكل وهو يتراجع خطوة للوراء، وعيناه تتسعان برعب مكتوم. "ليس لأنها مهجورة.. بل لأنها مطرودة. هناك شيء هنا يجعل حتى الشياطين ترتجف."
أحكم آرثر قبضته على ليا، وضمها إلى صدره بقوة أكبر، وهو يشعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري. لم يكن الخوف من الوحوش هو ما يؤرقه الآن، بل هذا الصمت الذي يبتلع أصواتهم، وهذا القصر الشاهق الذي يلوح في نهاية الطريق كأنه ينتظر وصولهم بصبرٍ أزلي.
بخطواتٍ متعثرة، وبأجسادٍ تجر خلفها أذيال الهزيمة، بدأ الرفاق بالتحرك نحو قلب المدينة والى القصر تحديداً
خطا آرثر الخطوة الأولى داخل ردهة القصر العظيم، وتبعه الرفاق بصدورٍ مثقلة وأنفاسٍ متهدجة. كان الرخام تحت أقدامهم بارداً لدرجة أنها كانت تخترق أحذيتهم الممزقة،
والصدى الذي تخلفه خطواتهم المتعثرة كان يرتد من السقوف الشاهقة كأنه صرخاتٌ مكتومة لأرواحٍ حبست هنا منذ أزل.
توقف كايزر فجأة، وشدد قبضته على ذراع مايك التي يسندها، بينما تجمد إدريان وسلاسله تصدر صريراً خفيفاً. استنفرت حواس مايكل الفطرية، والتفت الجميع نحو مساحة القصر
أغمض مايكل عينيه لثانية واحدة، غارساً حواسه السمعية والسحرية في الفراغ البارد الذي يحيط بهم. ارتعشت أذناه، وتوترت عضلات وجهه المنهك وهو يحاول التقاط ذبذبات المانا الميتة في هذا المكان. فجأة، اتسعت حدقتا عينيه بذهولٍ شل حركته تماماً.
"هناك... هناك شخصٌ ما في الأمام،" همس مايكل، وصوته يرتجف بنبرة لم يعهدها نبرة تجمع بين الريبة والصدمة
أطبق الصمت على المجموعة، وتحسس آرثر مقبض سيفه بيده الحرة بينما كان لا يزال يحكم قبضته على ليا التي غابت في غيبوبتها. سأل كايزر بصوتٍ مخنوق: "وحش؟ هل هو ذلك الفارس اللعين الذي تعقبنا؟"
هز مايكل رأسه بنفيٍ قاطع، والتعرق البارد يغطي جبينه: "كلا... الغريب أن الهالة التي أشعر بها ليست وحشاً، إنها هالة بشرية. مانا مظلمة، وباردة لدرجة مخيفة."
تبادل الجميع نظراتٍ يملأها الشك؛ كيف لبشري أن ينجو في قلب هذه المدينة التي يخشاها الوحوش انفسهم
تقدموا بحذرٍ مميت، يجرون أقدامهم الثقيلة فوق الرخام الذي بدأ يتوهج بوميضٍ أزرق خافت من تحت ذرات الغبار. ومع كل خطوة، كان الضغط الجوي يزداد،
حتى انقشع الضباب في نهاية الممر الطويل ليكشف عن بابٍ ضخم مصنوع من مادة سوداء معتمة تلتهم الضوء.
وبجانب ذلك الباب، مسنداً ظهره للجدار ببرودٍ ملكي، كان يجلس شخصٌ مألوف.
كان يجلس وساقاه ممدودتان براحة، خنجراه موضوعان بجانبه كأنهما جزء من الحجر البارد، وشعره الرمادي يغطي عينيه اللتين كانتا تراقبانهم بصمتٍ لا يرحم.
لم يبدُ عليه أنه هرب من معركة، أو أنه قُذف من إعصار، بل كان يبدو وكأنه ملكٌ يجلس في قاعة استقباله الخاصة.
إنه ليوين.،
والابتسامة الباردة التي تبدو وكأنها سخرية من قدرهم المأساوي ترتسم بوضوح على وجهه المسترخي
.تجمدت الدماء في عروق آرثر وظهرت الصدمة على وجوه كل من مايكل و ادريان بينما شعر كايزر بنار الغضب تشتعل في صدره المنهك؛ ليوين، الشخص الذي لطالما كانوا يكرهونه ويستهجنون غموضه وتلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه حتى في أحلك الظروف،
كان يجلس هناك بكل ثبات. لم تكن هناك ذرة تعب واحدة على جسده بل كانت الابتسامة الباردة التي تبدو وكأنها سخرية من قدرهم المأساوي ترتسم بوضوح على وجهه المسترخي.
لم يستطع كايزر كبح جماح غليانه الداخلي، فترك ذراع مايك التي كان يسندها بمساعدة مايكل، وخطا خطوة متعثرة للأمام، والشرارات الزرقاء الباهتة تتراقص حول أصابعه المرتجفة كأنين أخير لمانيته المحتضرة.
"ليوين...!" خرج صوته كفحيح أفعى جريح، ممزوجاً بمرارة الهزيمة والذعر "ماذا تفعل هنا أيها لعين؟ "
لم يهتز ليوين، ولم يتزحزح ميليمتراً واحداً عن وضعية جلوسه الهادئة بجانب الباب الأسود العظيم. كل ما فعله هو أنه رفع كتفيه بحركة بطيئة ومستخفة، وكأن سؤال كايزر لم يكن سوى طنين ذبابة في أذن ملك.
اتسعت ابتسامته الباردة قليلاً، ونطق بنبرة جليدية اخترقت سكون القاعة الصامتة:
"كلا... سؤالك خطأ تماماً يا كايزر."
أمال ليوين رأسه قليلاً إلى الجانب، وسلط عينيه السوداوين اللتين لا قاع لهما ولا رحمة فيهما على كايزر، ثم أكمل ببرود مستفز:
"السؤال الصحيح هو... أنتم، ما الذي تفعلونه هنا؟"
ساد صمتٌ خانق، قطعه تنفس آرثر المضطرب وهو لا يزال يحكم قبضته على ليا التي بدأت أنفاسها تضعف في حضنه. كان ليوين ينظر إليهم وكأنهم حطام بشري دخل مملكته الخاصة بغير إذن، بينما كان القصر يزداد برودة وظلمة مع كل كلمة ينطق بها.
تحرك مايكل وإدريان بآلية مجهدة نحو زاوية الرخام الباردة، وبجهدٍ مضاعف وضعا جسد مايك المغمى عليه، والذي كان صدره الصخري يئن تحت وطأة الجروح
في الجهة المقابلة، انحنى آرثر بحذرٍ شديد، واضعاً ليا على الأرض المسطحة، مسنداً رأسها إلى رداءٍ ممزق، وعيناه لا تفارقان وجهها الشاحب الذي غدا كبياض الثلج.
تراجع إدريان خطوة، وسلاسله تئن ب ارتعاشاتٍ خفيفة، ثم قال بنبرةٍ يملأها الانكسار: "هذا لا يهم الآن.. ليوين أو غيره دعنا نرتاح قليل ونفكر بالأمر لاحقاً"
لكن كايزر لم يكن في وارد الراحة. انبعثت من جسده المنهك موجة من "نية القتل" الصريحة التي اصطدمت بهواء القصر الرطب، ووجه نظراته المشتعلة بالكره نحو ليوين الجالس ب استرخاء.
"كلا.." زأر كايزر وصوته يرتجف ب غضبٍ مكتوم، "هذا الشخص خطير.. وجوده هنا في هذا التوقيت ليس صدفة، ولن أدير ظهري لأفعى مثله."
في تلك اللحظة، اختفت الابتسامة الساخرة عن وجه ليوين فجأة. حلت محلها ملامح من البرود المطلق، برودٌ بدا وكأنه مستمد من تجمد الموت ذاته.
رفع ليوين رأسه ببطء، واستقرت عيناه السوداوان في عيني كايزر كخناجر من الظلام.
"كايزر.." نطق ليوين بصوتٍ منخفض، لكنه كان يحمل ثقلاً جعل الهواء يركد حولهم، "أبعد نية القتل خاصتك وإلا سأقطعك إلى نصفين لكي أبعدها عن طريقي "
انتفض مايكل غريزياً واستعد للقتال رغم تشوش رؤيته، بينما تحركت سلاسل إدريان بحركة دفاعية لا إرادية أحدثت صريراً حاداً في الردهة. أما كايزر،
فقد تفجرت ذبذبات برقٍ زرقاء باهتة حول جسده، محاولاً استجداء آخر ذرات المانا من خلاياه المحترقة، وقال بتحدٍّ مجنون: "أريد أن أراك تفعل ذلك."
وقبل أن تشتعل الشرارة التي ستحرق ما تبقى من صمودهم، امتدت يدٌ ثقيلة ومخضبة بالدماء لتستقر على كتف كايزر. كان آرثر.
نظر آرثر في عيني كايزر بنظرةٍ ميتة، خالية من أي رغبة في الصدام، وقال بهدوءٍ مرير: "كفى يا كايزر.. توقف. لا نستطيع هزيمته الآن، نحن بالكاد نتنفس. "
"انظر خلفك.. لدينا اثنان غائبان عن الوعي وحالتهم خطيرة جداً. "
تلاشت ذبذبات البرق حول كايزر ببطء، وساد صمتٌ مرير وهو ينظر إلى جرح مايك ثم إلى شحوب ليا، بينما بقي ليوين يراقبهم ببرودٍ لا يتزحزح،
مسنداً ظهره إلى الحائط بجانب الباب الضخم الذي بدأ ينبض بوهجٍ غامض،