ساد صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى أنين مايك المكتوم وهسيس أنفاس ليا الضعيفة. وفجأة، تحرك الظل الجالس بجانب الباب الأسود. وقف ليوين ببطءٍ مرعب،
نافضاً غبار القرون عن ثيابه التي بدت ممزقة لكن نضيفة بشكلٍ مستفز، ثم جال بنظراته السوداء على أجسادهم المحطمة، وعيناه تلمعان بسخريةٍ تقطر سماً من آلامهم.
"يا للمفاجأة.." نطق ليوين بصوتٍ هادئ، لكنه اخترق سكون القصر كشفرة جليد، "من كان يتوقع أنكم لا تزالون تتنفسون؟ كنتُ قد أعددتُ في ذهني مرثيةً تليق بجثثكم التي ظننتُ أنها تعفنت في أحشاء وحوش "
استشاط كايزر غضباً، وتفجرت شرارات برقٍ يائسة من كفيه المحترقتين، وكاد يندفع نحو ليوين لولا أن سلاسل إدريان التفّت حول معصمه بقوة،
لتشده إلى الخلف. همس إدريان بنبرةٍ محذرة: "ليس الآن يا كايزر."
في هذه الأثناء، رفع مايكل رأسه ببطء، ومسح خيطاً من الدم يسيل من جبهته، ونظر إلى ليوين ببرودٍ يضاهي بروده، وقال بنبرةٍ جافة:
"غابةٌ مسمومة مثل تلك ليست كافية لقتلنا.. لكن المثير للدهشة حقاً ليس بقاؤنا، بل وجودك أنت هنا.. هل كنت تختبئ في هذا القبر وتنتظر أن تصفى الأمور بالخارج "
اتسعت ابتسامة ليوين، لكنها لم تصل إلى عينيه اللتين ظلتا كبئرين مهجورين. خطا خطوةً صغيرة للأمام، وضغط بحذائه فوق الرخام الصامت، ثم قال بنبرةٍ تحمل كبرياءً قاتلاً:
"تختبئ؟ يبدو أن النزيف أثر على إدراكك يا مايكل. إذا كان أصحاب المراكز المتدنية وأشباه المحاربين أمثالكم قد استطاعوا الزحف إلى هنا وهم أحياء."
" فكيف تتخيل، ولو للحظة، أن صاحب المركز الأول قد يلقى حتفه في حفرةٍ كهذه؟"
تجمدت الدماء في عروق الجميع؛ فلم تكن كلمات ليوين مجرد استعلاء، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الفجوة بينه وبينهم، حتى وهم في أرذل حالاتهم، لا تزال تتسع.
وفجأة، انكسر هذا التوتر بصوتٍ لم يكن صراخاً، بل كان حشرجةً مكتومة مزقت سكون المكان.
شهقت ليا شهقةً قصيرة ومتقطعة، وبدأت أنفاسها تتسارع ب اضطرابٍ مخيف قبل أن تخمد تدريجياً. بدأ جسدها يرتخي بين ذراعي آرثر، واللون الشحوب الميت يزحف إلى أطراف أصابعها ووجهها الشاحب.
لقد كانت تموت؛ "ليا! لا.. لا تمساكي ارجوكي " صرخ آرثر بصوتٍ مبحوح هز جدران القصر الصامتة.
احتضنها بقوةٍ أكبر، ضاغطاً بجبهته على جبهتها الباردة، وبدأ نوره الأزرق السماوي يرتعش حوله في محاولةٍ يائسة وأخيرة لضخ أي ذرة مانا في جسدها الهامد.
كان صراخه يتردد في القاعة كعويل ذئبٍ جريح، بينما وقف كايزر ومايكل وإدريان في حالة شللٍ تام
وسط هذا الانهيار العاطفي والجنائزي، ظل ليوين واقفاً كتمثالٍ من الجليد. لم يرمش له جفن، ولم تظهر على وجهه ذرة شفقة واحدة. بدلاً من ذلك، اتسعت ابتسامته الباردة ببطء، وكأن مشهد احتضار ليا ومعاناة آرثر هو "العرض"
الذي كان ينتظره طوال الوقت. كان يشاهدهم بنظرةٍ تقنية، كمن يراقب احتراق شمعةٍ حتى النهاية.
وبحركةٍ بطيئة، مستفزة لدرجة الجنون، رفع ليوين يده اليمنى. لمس خاتم التخزين الأسود في إصبعه، وبلمحةٍ من الضوء أخرج زجاجةً زجاجية صغيرة متوهجة بسائلٍ ذهبي كثيف يشع بحياةٍ غريبة.
لم يهرع ليوين لمساعدتهم، بل ظل ممسكاً بالزجاجة بين سبابته وإبهامه، يقلبها في الضوء الباهت أمام أعين آرثر المحطمة
ساد صمتٌ مطبق، لم يكسره سوى الوميض الذهبي المنبعث من الزجاجة الصغيرة التي تراقصت بين أصابع ليوين. كانت الصدمة تكسو وجوه الجميع، لكنها في عيني مايكل وآرثر كانت تشبه الزلزال الذي ضرب بقايا ثباتهم.
تجمدت ملامح مايكل، واتسعت حدقتاه وهو يحدق في السائل الكثيف الذي بدا وكأنه "حياةٌ سائلة" محبوسة خلف الزجاج. نطق مايكل بصوتٍ مشروخ،
يملأه الشك والذهول: "كيف... كيف تملك زجاجة علاج بهذا النقاء في هذا الوقت؟ هل يعقل أنك كنت هنا طوال الوقت ؟"
تقدم مايكل خطوة متعثرة، وأكمل بنبرةٍ غلب عليها الشك: "كلا... هذه الزجاجة ليست عادية، مانيتها مستقرة لدرجة مستحيلة هيا افضل من علامات الرتب العليا من أين حصلت عليها يا ليوين ؟"
لم يعطِ ليوين بالاً لأسئلة مايكل المحتقنة بالريبة. لم يشرح، ولم يبرر، بل استمر في تحريك الزجاجة بحركات دائرية بطيئة ومستفزة،
جاعلاً السائل الذهبي يرتطم بالجدران الزجاجية، محدثاً بريقاً كان ينعكس في عيون ليا الذابلة كأنه سخرية من قدرها.
في تلك اللحظة، انتفض آرثر بذعرٍ وقف ببطء، وجسده المرتجف يكاد ينهار، لكن عينيه كانتا معلقتين بالزجاجة كأنها قلبه الذي انتُزع من صدره.
"ليوين..." صرخ آرثر بصوتٍ مبحوح يمزقه اليأس، "أعطني هذه الزجاجة الآن "
نظر ليوين ببرودٍ قاتل نحو آرثر، ولم يحرّك ساكناً، بل تلاعب بالزجاجة الذهبية بين أصابعه بمهارة مستفزة، ثم نطق بصوتٍ هادئ كأنه يلقي محاضرة في المنطق
"لا أعلم يا آرثر.. لقد وجدتُ زجاجتين فقط من هذا الترياق بالصدفة في هذا القصر المهجور. وبما أنني لا أعلم ما الذي ينتظرني في هذه الغابة فلماذا يجب أن أضع خطراً على حياتي بتسليم أغلى ما أملك لشخصٍ مثلك؟"
تجمد آرثر في مكانه، وشعر بصدمةٍ كهربائية تسري في عروقه؛ ليس من كلمات ليوين فقط بل من تلك الأنانيّة والخبث التي بلغت آفاقاً لم يتخيلها بشر.
كان ليوين يساوم بدمٍ بارد على حياة رفيقتهم التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكأن حياتها مجرد "عملة" زائدة في محفظته.
هنا، لم يستطع كايزر الصمت أكثر. نهض ب غضبٍ جنوني، والدم ينفجر من جروحه التي انفتحت مجدداً، وصرخ بوجه ليوين حتى بحّ صوته:
"أيها اللعين السافل! ليا سوف تموت! إنها تحتضر أمام عينيك وأنت تفكر فقط في تأمين نفسك؟ أي قلبٍ قذر تملكه؟"
استدار ليوين ببطء شديد، وكأن حركة كايزر لم تكن سوى إزعاجٍ بسيط لسكونه. نظر إلى جسد ليا الشاحب الملقى على الرخام، ثم أعاد نظره إلى كايزر، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الباردة التي تجعل الأبدان تقشعر.
"سيكون ذلك مؤسفاً حقاً.." قال ليوين بنبرةٍ تخلو من أي ذرة صدق، "فتاةٌ جميلة وموهوبة مثلها، تموت في قاع الوحوش يا لها من نهاية مأساوية."
ثم صمت لثانية، واتسعت ابتسامته لتكشف عن أنيابٍ معنوية مزقت كبرياءهم، وأكمل ببضع كلمات سحقتا ما تبقى من أمل في القاعة
"لكن.. لا أهتم."
ساد صمتٌ جنائزي بعد كلمة ليوين الأخيرة، صمتٌ كان يسبق العاصفة التي توشك أن تحرق ما تبقى من أركان القصر.
رفع آرثر رأسه ببطء، ولم تعد عيناه تفيضان بالتوسل بل استعرت فيهما شعلةٌ من النور الأزرق السماوي الذي تحول إلى وهجٍ قاتم يقطر "نية قتل" لم يشعروا بمثلها من قبل.
بجانبه، وقف إدريان بآلية مرعبة، وسلاسله الروحية بدأت تطير خلف ظهره وتتحرك كأفاعٍ معدنية جائعة، تُصدر صريراً حاداً يمزق سكون الردهة.
"إذن.." نطق إدريان وصوته يخرج كحشرجة الموت، "سوف نأخذها بالقوة يا ليوين."
كانت السلاسل على وشك الانطلاق لتمزق الهواء نحو عنق ليوين، لكن صوتاً هادئاً، مثقلاً بالتعب، اخترق التوتر.
"توقفوا.." قال مايكل.
كان مايكل يقف بثباتٍ مريب، واضعاً يده على جرح جبهته، وعيناه تخترقان برود ليوين بذكاءٍ حاد. نظر نحو الزجاجة الذهبية ثم أعاد بصره إلى وجه ليوين، ونطق بنبرةٍ جردت الموقف من عواطفه
"ماذا تريد بالمقابل؟"
توقفت سلاسل إدريان في الهواء، وانخفض وهج عيني آرثر قليلاً وهو ينظر بصدمة نحو مايكل، الذي أكمل ببرود: "إظهارك لهذه الزجاجة في هذا التوقيت بالذات، وبالتزامن مع احتضار ليا، "
" ليست مجرد أنانية منك، وليست مجرد متعة مريضة لتشاهدنا نتوسل إليك.. أنت لا تضيع وقتك في العبث يا ليوين "
ساد سكونٌ مطبق، وكأن القصر نفسه يحبس أنفاسه لسماع الرد.
نظر ليوين نحو مايكل، وتلاشت تلك الابتسامة المستهزئة ليحل محلها نظرة تقديرٍ باردة وخطيرة. أمال رأسه قليلاً، وحرك الزجاجة الذهبية بخفة بين أصابعه، ثم نطق بصوته الرخامي
"جيد.. يبدو أن هناك شخصاً واحداً على الأقل في هذه الحثالة يمتلك عقلاً يفكر، وليس مجرد عضلاتٍ "
خطا ليوين خطوةً واحدة نحوهم، وظله يمتد فوق الرخام ليغطي جسد ليا الهامد، وأكمل ب نبرةٍ جعلت دماء آرثر تتجمد مجدداً: "أنت محق يا مايكل. أنا لا أعطي هدايا، "
" ولا أهدر ترياقاً في هذه الوقت على فتاةٍ لم تمنحني سوى الضجيج.. إلا إذا كان المقابل شيئاً يضمن لي امتلاك مستقبلكم بالكامل."