بعد أن تلاشت لوحة النظام الزرقاء في أثير الغرفة الواسعة، ساد صمتٌ مطبق، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاس ليوين المتسارعة وصوت قطرات دمه التي توقفت أخيراً عن الهطول بعد أن تخثر الجرح بغرابة مريبة، وكأن جسده الجديد يمتلك قدرة فطرية على رتق تمزقاته بسرعة لا تملكها الأجساد البشرية العادية.
وقف ليوين وحيداً وسط الفراغ الرمادي الهادئ، لكن شعوراً جديداً بدأ يتسلل إلى نخاعه؛ شعورٌ بوجود "شيء" يتدفق داخل عروقه، باردٌ كجليد الشتاء، ومظلمٌ كأعماق المحيط التي ارتمى فيها ذات يوم بحثاً عن الخلاص.
بمجرد أن استدعى فكرة القوة في عقله، انفتحت أمام عينيه واجهة الحالة بشكل كامل هذه المرة، كاشفةً عن الأرقام المجردة التي تمثل كيانه الجديد في هذا العالم. نظر ليوين إلى اللوحة ببرود، وبدأ يحلل البيانات كأنه يقرأ تقرير تشريح لعدو يخطط للإطاحة به:
> [ واجهة الحالة: المضيف ليوين ]
> الاسم: ليوين (القاتل).
> الرتبة الحالية: *D-* (مبتدئ - شخصية إضافية).
> العنصر الأساسي: لظلام
> درجة التقارب بالعنصر:98% (استثنائي - بسبب طبيعة روحه الميتة).
> [ الإحصائيات الأساسية ]
> القوة الجسدية:12 (معدل البشر العاديين: 10).
> السرعة والرشاقة:15
> التحمل البدنية:10
> مقدار التحمل (سعة المانا):08 / 100
> الذكاء / الإرادة:45
شد ليوين على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، وشعر بضعف عضلات هذا الجسد التي لم تمارس جهداً حقيقياً قط. رتبة D-.. وقوة لا تكاد تتجاوز إنساناً يقضي وقته في القراءة،
تمتم بصوت يقطر ازدراءً لنفسه الجديدة. "بطل الرواية (آرثر) يبدأ برتبة **C+** على الأقل مع مانا تتجاوز الـ **500** وقوة جسدية فطرية. الفجوة ليست مجرد أرقام، بل هي محيط من العجز يفصل بيني وبينهم."
لكن ما جمد نظراته هو **درجة التقارب (98%)**. في صفحات الرواية التي قرأها، حتى العباقرة والنوابغ من عرق الإيلف نادراً ما يتجاوز تقاربهم مع عناصرهم الـ 80%.
روحه التي عانقت العدم في قاع البحر جعلت هذا الجسد الجديد "وعاءً مثالياً" للظلام. كان هذا هو الثغرة الوحيدة، المفتاح الذي سيستخدمه لتحطيم منطق هذا العالم المكتوب سلفاً.
الظلام لا يحتاج لقوة عضلية، بل يحتاج لروحٍ باردة وقدرة على الاندماج مع الفراغ، وهو ما يملكه ليوين بامتياز.
رفع نظره إلى أعلى الواجهة، ليجد تبويباً يومض بلونٍ أحمر باهت كأنه نبض قلب: **[المهام]**. ضغط عليها لتنفتح قائمة التحديات التي ستكون وقوده في الفترة القادمة:
1. **المهمة الكبرى:** الفوز بالمركز الأول في بطولة السنة الأولى
2. **المهمة الحالية:** الوصول إلى المستوى **(C)** في غضون أسبوع واحد فقط.
3. **مهمة الصيد:** اصطياد **50 وحشاً** من المستوى **(D)** أو أعلى في بيئة برية.
**[المكافآت: نقاط توزيع حر لزيادة (القوة، السرعة، التحمل) + مهارة أساسية فتاكة لعنصر الظلام].
أغلق ليوين الواجهة بحركة حازمة، وجلس على حافة السرير وسط الغرفة الواسعة، مغمض العينين ليتمكن من استحضار جغرافية هذا العالم الذي أصبح سجنه ومسرحه في آن واحد.
هو الآن يسكن في قارة أستريا القارة العظمى التي تشكل قلب العالم المعروف. وفي مركز هذه القارة تماماً، في نقطة التوازن تقع أكاديمية كلانس
هذه الأكاديمية ليست مجرد مدرسة، بل هي مدينة عسكرية وحضارية شاهقة بُنيت فوق "هضبة المركز" لتكون حيادية. يحيط بها من الشرق مملكة "شجرة العالم" الخاصة بالإيلف بغاباتها السحرية الكثيفة،
ومن الغرب معاقل الأقزام في "جبال الحديد" الشاهقة، ومن الشمال والجنوب تتمدد إمبراطوريات البشر الطامحة للسلطة. الأكاديمية هي البرزخ الذي يجمع كل هؤلاء، حيث ستبدأ مراسم الافتتاح التي تجمع الأبطال بعد شهر واحد فقط من الآن.
بدأ ليوين يحلل خصومه المستقبليين بناءً على ما يتذكره من فصول الرواية:
*آرثر: بطل النور والضوء والسيوف، صاحب الحظ المطلق الذي تخدمه الصدف دائماً.
مايك: الصديق المقرب لآرثر، يمتلك قوة "الأرض" التي تجعله كالحصن المنيع أمام أي هجوم.
ليا: التي تمتلك سحر "الشفاء المقدس"، وهي الرابط العاطفي الذي يرمم جراح الفريق في أحلك الظروف.
مايكل: العقل المدبر الذي يرى تحركات الأعداء قبل أن يفكروا بها، وهو الأخطر استراتيجياً.
كايزر: المنافس الذي يمتلك سحر "البرق"، سرعته وفخرُه يجعلانه خصماً لا يقبل بغير المركز الأول.
"شهر واحد.." قال ليوين ونظرة القتل تشتعل في عينيه السوداوين. "لتحويل هذا الحطام البشري برتبة D- إلى وحش يخشاه الأبطال. لن يحدث هذا في هذه الغرفة الهادئة، ولن يحدث من خلال التدريبات التقليدية للأكاديمية."
وقف ليوين، ولم تكن هناك حاجة لحزم الأمتعة أو وداع الجدران الرمادية. نظر إلى الغرفة الواسعة لمرة أخيرة، غرفة ليوين "الشخصية الإضافية" الذي كان يعيش في الخمول والضياع.
"لكي تصبح وحشاً قادراً على سحق الأبطال، يجب أن تعيش مع الوحوش الحقيقية وتفهم غريزة البقاء."
ترك المنزل خلفه دون التفات، واتجه مباشرة نحو "الغابة السوداء" الملقبة بـ مقبرة المبتدئين وهي منطقة شاسعة وموحشة تقع في الضواحي الغربية للقارة، بعيداً عن حماية الحراس.
كانت الأشجار هناك عملاقة، تتشابك أغصانها الكثيفة لتحجب ضوء الشمس تماماً، مما يخلق ظلاماً أبدياً ورطباً في الأسفل. لم يتردد ليوين في الخطو داخل هذا
الغابة. كان يعلم من أحداث الرواية أن الوحوش من المستوى (D) و (C) تتخذ من هذا المكان معقلاً لها، كائنات ضارية لم تُخلق لتعرف الرحمة أو تترك للضعفاء فرصة للهرب.
بينما كان يتوغل في العمق المظلم، شعر بالمانا داخل جسده تتفاعل بحيوية مع البيئة المحيطة. الظلام الذي يسكنه بدأ يهمس له، وكأن هذه الغابة الموحشة هي المهد الحقيقي الذي كان يجب أن يستيقظ فيه.
استل خنجراً بسيطاً كان قد جلبه معه، وبدأت حواسه تتوسع وتتحد مع الظلال الكثيفة للأشجار. لم يكن ليوين يبحث عن مجرد قتال عابر لجمع النقاط، بل كان يبحث عن "الانغماس" الكلي في قانون الغابة؛
أراد أن ينسى ملمس الأغطية الحريرية، وينسى هدوء الغرف الرمادية، ليتعود من جديد على ملمس الدم الدافئ ورائحة التراب الرطب المختلط بالخوف.
فجأة، سكن ليوين خلف جذع شجرة ضخم ومغطى بالطحالب عندما سمع صوت حشرجة منخفضة ومريبة قادمة من بين الأحراش القريبة. كانت عيناه تلمعان ببريقٍ مفترس، لا يشبه بريق البشر،
وهو يراقب أول "تضحية" له في هذا العالم الجديد. لم تكن هذه مجرد مهمة من نظام آلي، بل كانت الخطوة العملية الأولى في تحويل "الشخصية الإضافية" إلى "الكابوس" الذي سيغير نهاية الرواية المكتوبة سلفاً.
"البطولة.. المركز الأول.. آرثر.. سأصل إليكم جميعاً ببطء.." همس ليوين وهو يستعد للقفز من مخبئه نحو الوحش، وحركته كانت رشيقة وصامتة تماماً كالظل الذي يزحف في الليل،
"سأصل إليكم، ولكن أولاً.. يجب أن أتعمد بدم هذه الغابة، وأغسل عني بقايا الضعف الذي يغلف هذا الجسد."
انطلقت صرخة وحشٍ جريح في الأفق، ليعلن ليل الغابة عن ولادة مفترسٍ جديد، مفترس لا يتبع قوانين المؤلف، ولا يلتزم بمسار الأبطال، بل يتبع فقط قانون الرماد والظلام الذي أتى منه ليحطم كل شيء ويستعيد ما فقده في عالمٍ آخر.
---