مرَّ يومان طويلان على ذلك الصدام العنيف في القاعة الكبرى، يومان ساد فيهما هدوء لم يكسره سوى صرير الرياح التي تضرب جدران القصر العتيق من الخارج.
كانت القاعة الرخامية قد تحولت إلى مأوى مؤقت، كان كل من كايزر و مايكل و ادريان و آرثر يحاولون جمع أكثر قدر ممكن من المانا ومراقبة أنفاس رفاقهم المغمى عليهم،
وفجأة، تحركت الأجفان الشاحبة. فتحت ليا عينيها ببطء، لتجد سقف القصر الشاهق بنقوشه الغامضة يمتد فوقها كليلةٍ لا تنتهي.
حاولت الارتكاز على ذراعيها المرتجفتين، لتجد آرثر جالساً بجانبها مباشرة، نظراته كانت تفيض بلهفةٍ لم يستطع إخفاءها، بينما وقف أدريان والباقيين خلفهم بصمت
"ليا.. هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بأي ألم؟" سأل آرثر بصوتٍ مبحوح يرتجف من القلق.
نظرت إليه ليا، وجالت ببصرها في وجهه المنهك، ثم إلى جسدها الذي لُفت جروحه بعناية. لم تنطق بكلمة، بل غمرت عيناها بالدموع وانفجرت بالبكاء؛ بكاءٌ لم يكن من الألم الجسدي،
بل من ثقل اللحظة ومن حقيقة أنها لا تزال تتنفس ولم تمت تبادل كايزر ومايكل و ادريان نظرات الارتياح، وزفروا هواءً حبسوه في صدورهم طوال الوقت
وسط شهقات ليا، بدأت جثة مايك الضخمة بالتحرك. استيقظ الجسد الضخم و القوي مترنحاً يشعر بخفةٍ غريبة في صدره رغم الضعف الذي ينهك أطرافه.
نظر حوله بضياع، محاولاً تمييز المكان الذي لم يشاهده من قبل لتتوقف عيناه لثوانٍ عند السلاسل السوداء التي كانت تلمع بخفوت حول ذراعي أدريان.
"أين نحن؟" سأل مايك وصوته يخرج كحشرجةٍ من أعماق بئر.
أجابه كايزر وهو يسند ظهره إلى الحائط "لا نعلم يقيناً يا مايك.. لكننا داخل مدينةٍ مهجورة، وهذا القصر محميٌ بطاقةٍ غريبة،
تمنع وحوش الغابة من الاقتراب"
نهض مايك بصعوبة، يجر خطواته الثقيلة، ليتجمد مكانه عندما وقع بصره على جسدٍ يجلس ببرودٍ ملكي في زاوية القاعة المظلمة.
كان ليوين هناك، يداعب خنجره بذات الهدوء المستفز، وعيناه السوداوان تراقبانهم كأنهم مجرد قطع شطرنج ليس لديهم أي أهمية كبيرة
"أنت! ماذا تفعل هنا؟" زمجر مايك بغضب وهو ينضر إلى جسد ليوين
رفع ليوين بصره ببطء، وارتسمت على شفته ابتسامة خفيفة "أهكذا تخاطب من أنقذ حياتك ومنحك فرصةً أخرى يا مايك "
ساد الذهول وجه مايك، والتفتت ليا نحو ليوين بصدمةٍ شلت لسانها؛ لم يتوقعا أبداً رؤية هذا الشخص تحديداً في هذه المكان نظر مايك إلى آرثر بعينين تشتعلان بالشك وسئل"ماذا يقول هذا اللعين؟ هل فقد عقله"
بدأ آرثر بشرح كل ما حدث؛ الصفقة المريرة، قسم الروح، وكيف قايض ليوين زجاجة العلاج بولائهم خفضت ليا رأسها بخجلٍ وانكسار
وهمست بصوتٍ مخنوق: "أنا.. أنا أعتذر.. لقد أثقلتُ كاهلكم وجعلتكم تقيدون أرواحكم من أجلي."
أما مايك، فقد استشاط غضباً وهو يحدق في ليوين الذي كان يهز كتفيه بلامبالاة: "أنت حقاً شيطانٌ لعين."
ابتسم ليوين ببرود، ولم يكلف نفسه عناء الرد، بل وجه نظره نحو مايكل الذي كان يقف أمام الباب الضخم منذ ساعات،
كان مايكل يمرر أصابعه فوق النقوش الغائرة، وعيناه تتسعان بذهول. "هذه الكلمات.." تمتم مايكل مع نفسه، "إنها تعود للإيلف القديم ."
التفت الجميع نحو مايكل وهو يبدأ بتفسير ما وجده، وصوته يتردد بجديةٍ قاطعة
"هذا الباب ليس مجرد سدٍ منيع، إنه اختبارٌ للنوايا. اللغز يقول إن الباب لن يفتح إلا بقوتين متساويتين في المقدار ومتناقضتين في الجوهر. "
أشار مايكل إلى الفجوات المنقوشة وتابع: "المصدر الأول يجب أن يمتلك تقارب 'النور' وهدفاً نبيلاً والمصدر الثاني يجب أن يمتلك تقارب 'الظلام' وهدفاً أنانياً "
"وبما أن آرثر يجسد النور وليوين يجسد الظلام، فهما الوحيدان القادران على كسر هذا القفل.. بشرط أن يضخا المانا بذات المستوى والقدر تماماً، أي خطأ في التوازن سيفجر المكان "
ساد صمتٌ فور انتهاء مايكل من تفسير الكلمات الإيلفية القديمة. كانت الصدمة جلية على وجه آرثر، لكنها في قلب ليوين كانت أعمق بكثير؛ خلف قناعه البارد، بدأت الأفكار تتضارب في عقله كعاصفةٍ صامتة.
' هل يعقل أن يكون هذا القفل قد صُمم خصيصاً لنا؟ ' تساءل ليوين مع نفسه، وهو يقلب الاحتمالات المريرة. هل هناك من كان ينتظر وصولنا إلى هذه النقطة
أم أنها مجرد صدفةٍ كونية ساخرة جمعت نقيضين أمام بابٍ لا يفتح إلا بهما؟
أما آرثر، فقد وقف بجسده المنهك وتقدم خطواتٍ نحو الباب الضخم. لم تكن الصدمة هي ما يحركه، بل ذلك الشعور الوخز الذي يسري في عموده الفقري.
الهالة المنبعثة من خلف الباب لم تكن مجرد طاقة سحرية خام، بل كانت تشع بحضورٍ "حيّ".
أغمض آرثر عينيه، ووضع كفه على السطح البارد، ليهمس بصوتٍ متهدج سمعه الجميع: "هناك شخصٌ ما خلف هذا الباب.. إنه لا ينتظرنا فحسب، بل كان يراقبنا طوال هذا الوقت."
اغمض ارثر اعينه للحضة ثم فتحها وكانت ملامحه تعكس مزيجاً من الإصرار والرهبة: "لا أعرف من يكون، ولا أعرف غايته، لكن لا بد أنه لا يستطيع الخروج من هذه المكان ايضا"
التفت آرثر نحو ليوين، والشرر تومض في عينيه: "ليوين.نحن مضطرون لدمج وجودنا لفتح هذا الطريق، سواء كان فخاً أو نجاة."
نظر ليوين إلى يد آرثر، ثم إلى الفجوة المظلمة المخصصة له، وارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة وهو يتقدم ببطء،
وضع ليوين كفه اليمنى بينما ثبت آرثر كفه اليسرى على نقوش الأجنحة. في تلك اللحظة،
استجمع آرثر كل ذرة نقاء في روحه؛ وأخرج النور الأزرق خاصته لينفجر جسده بضياءٍ قدسي
وفي الوقت ذاته، أطلق ليوين العنان لمانيته؛ سحابة كثيفة من الظلام الدامس، باردة وعتيمة، بدأت تلتف حول ذراعه لتغلف جسده
كان الضخ متساوياً بدقةٍ مذهلة، كفتان لميزانٍ واحد لا يميل أحدهما على الآخر.
بعد ثوانٍ من الحبس الصامت للأنفاس، بدأت الكلمات القديمة على الباب تومض بضوءٍ غريب؛ تارةً تشع ببياضٍ ناصع يكاد يعمي الأبصار، وتارةً تغرق في سوادٍ يمتص كل ضوءٍ حولها.
تصارعت الهالتان وتعانقتا في دوامةٍ صاخبة، حتى سُمع دويٌ رعدي هز أركان القصر، وانفلق الباب من منتصفه ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن قاعةٍ تفوق في ضخامتها كل تصور.
خطى الفريق أولى خطواتهم داخل الغرفة الشاسعة، ليتجمدوا مكانهم من هول المشهد. على جانبي الممر الطويل، انتصفت تماثيلٌ عملاقة لشخصياتٍ لم تسمعها الأساطير يوماً؛ محاربو إيلف، شياطين بقرونٍ حادة، بشرٌ بملامح حازمة، وأقزامٌ بجثثٍ عريضة.
تحركت سلاسل أدريان ببطء، ولامست الهواء أمامه كما لو كانت تتحسس تلك التماثيل، وكأنها تدرك أن هذه ليست مجرد حجارة
تراجع مايكل خطوة للخلف وهو يتمتم بذهول: "هذا مستحيل.. انظروا هناك! تماثيل لجنس مصاصي الدماء.. وحتى التنانين في هيئتها البشرية!"
لم تكن التماثيل مجرد زينة؛ بل كان كل واحدٍ منها يحرس كنزاً أسطورياً. تمثالٌ يمسك بسيفٍ قصير تنبعث منه طاقة مرعبة، وآخر يرتدي خاتماً يتوهج في إصبعه، وتمثال إيلف يحمل كتاباً قديماً يفيض بالمانا،
بينما تدلت قلاداتٌ مسحورة حول أعناق الأقزام. كان المكان يفوح برائحة القوة والموت القديم.
لكن الأنظار لم تلبث طويلاً على الكنوز، فقد سُحبت جميعها نحو نهاية القاعة، حيث يتربع عرشٌ في أعلى نقطة من الغرفة.
فوق ذلك العرش، جلس كيانٌ يتحدى كل قوانين الطبيعة؛
جسدٌ مغطى بحراشف التنانين الصلبة، وعينان حمراوان قانيتان تخصان أرقى سلالات مصاصي الدماء، وآذانٌ مدببة كالإيلف، مع ضخامةٍ في البنية تشبه الأقزام، وأذرعٌ غريبة مغطاة برموزٍ لأجناسٍ لم يعرفها التاريخ..
كانت الهالة المنبعثة منه خانقة، هالة لم يشهد الجميع مثلها قط؛ لم تكن مجرد مانا وتقارب لعنصر معين بل كانت مزيجاً من كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد.
نظر الكيان إليهم، وارتسمت على وجهه الهجين ابتسامة غامضة، ثم نطق بصوتٍ عميق هز جدران أرواحهم قبل أن يهز جدران القاعة
"أخيراً دخلتم"