فور نطق الكيان بتلك الكلمات ساد الهدوء والخوف في نفس الوقت لم تكن نبرته حادة أو مهددة بشكل مباشر، لكنها كانت مشبعة بيقينٍ مرعب، كيقين الصياد الذي يراقب فريسته وهي تسقط أخيراً في فخٍ نُصب لها منذ زمن

‏في تلك اللحظة، لم يعد الزمان والمكان كما كانا؛ بدت جدران القاعة الرخامية وكأنها تضيق، والتماثيل العملاقة التي تحرس الكنوز بدأت ظلالها تتمدد فوق الأبطال كأنها وحوشٌ حقيقية تستعد للانقضاض.

‏تجمد ليوين في مكانه، ولأول مرة منذ أن وطئت قدماه تراب هذا العالم، شعر بأن غريزة البقاء في أعماقه تصرخ بجنون. لم يكن شعوراً بالخوف العادي، بل كان إدراكاً حاداً بأنه يقف على بُعد خطوة واحدة من الموت. حدق في ذلك الكيان الجالس فوق العرش،

‏وشعر بكل شعرة في جسده تنتفض؛ لم تكن تلك القوة التي يشعها الخصم مألوفة أو قابلة للقياس بالرتب السحرية المعروفة. كانت طاغية، أزلية، لدرجة أن ملك الشياطين الذي قرأ عنه في صفحات الرواية،

‏أو حتى آرثر في ذروة قوته المستقبلية، بدا كأنهما مجرد ظلالٍ باهتة أمام هذا الوجود المهيمن الذي يختزل الأجناس كلها في جسدٍ واحد

‏حاول ليوين استجماع شتات نفسه، ضغط على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، وكسر الصمت بصوتٍ حاد شق هدوء القاعة،

‏"من أنت؟ ولماذا كنت تنتظرنا؟ وما الذي تريده منا حقاً."

‏مال الكيان برأسه قليلاً، في حركةٍ بطيئة تشبه حركة الأفعى وهي تتأمل قبل أن تهجم حرك عينه الحمراء القانية، التي كانت تبدو من الداخل وكأنها بئرٌ سحيق من الدماء المغلية،

‏واستقرت نظرته الثاقبة على بؤبؤي ليوين مباشرة. في تلك اللحظة، شعر ليوين وكأن روحه قد عُرِّيت تماماً، وكأن كل أسراره قد طفت على السطح. ارتسمت على وجه الكيان ابتسامة غامضة، ونطق بصوتٍ هادئ، رزين، لكنه اخترق وعي ليوين كخنجرٍ جليدي

‏"وريث الظلام. ليوين . الشخص الذي تعثر في دروب الفشل، وفقد كل شيء في كلا الحياتين اللتين عشتها.. والتي ستعيشها."

‏سقطت الكلمات على ليوين كوقع المطارق فوق الزجاج. شعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، وتلاشى قناعه البارد الذي لطالما احتمى خلفه، ليحل محله رعبٌ صريح وذهولٌ لم يره الأبطال عليه من قبل

‏لم تكن الصدمة ناتجة عن معرفة الكيان لاسمه، بل بسبب تلك الجملة القاتلة: "كلا الحياتين".

‏كان ليوين يظن أن سره مدفونٌ في أعماق روحه، أن انتقاله من عالمٍ إلى آخر، ومعرفته بالأحداث المستقبلية لكن هذا الكيان لم يعرف ماضيه الذي دفنه فحسب،

‏بل تحدث عن المستقبل وكأنه يقرأ من كتابٍ انتهى من تأليفه بالفعل. كان يتحدث عن الفشل كقدرٍ حتمي، لا كاحتمال.

‏التفت الأبطال السته نحو ليوين بصدمةٍ شلت أطرافهم عن الحركة. ترددت كلمة "الحياتين" في عقولهم كصدىً مرعب لا يهدأ. ليا نظرت إليه بعينين متسعتين تفيضان بالارتباك والشك، بينما قبض كايزر و مايكل ادريان على أيديهم بقوة،

‏والشرر يتطاير من أعينهم وهم يحللون هذا الموقف الصاعق بصمتٍ.

‏تقدم آرثر خطوة إلى الأمام، وكان هناك ارتباك في نبرة صوته رغم محاولته الصمود

‏"ماذا تقصد بالحياتين؟ ومن أنت بحق الجحيم لتتحدث عن مصائرنا بهذه الثقة؟"

‏استدار الكيان ببطءٍ مهيب نحو آرثر. لم تكن نظرته تحمل أي عداء أو كراهية، بل كانت تحمل "شفقةً" مخيفة، نظرة شخصٍ يشاهد مأساةً مكررة للمرة الألف وهو يعرف نهايتها سلفاً.

‏"وريث النور.." قال الكيان بنبرةٍ ثقيلة جعلت الهواء يتجمد في رئات الجميع، "لا بد أنك آرثر . بطل هذا العالم المختار، والشخص الذي قُدّر له أن يقف وحيداً تماماً في نهاية حياته."

‏" ليموت تحت رماد هذا العالم المحترق وهو يحاول يائساً، أن ينقذ ما تبقى منه"

‏سقطت كلمات الكيان كالجمر الملتهب فوق روح آرثر. لم تحرق جسده، بل نفذت إلى أعمق نقاط وعيه، تاركةً خلفها رماداً من الشك والذعر. انهار الثبات الذي كان يغلف عينيه، وبدأت الأفكار تتضارب في عقله كأمواجٍ هائجة في ليلةٍ عاصفة.

‏'أموت؟.. وحدي؟.' كانت الأسئلة تنهش عقله كالنصال الصدئة. كيف يمكن لهذا الكائن القابع فوق عرشه ببرودٍ أن ينطق بنهاية حياته وكأنها حقيقةٌ مفروغٌ منها؟ شعر آرثر لأول مرة بالخوف

‏ليس خوفاً من قوة الخصم الجسدية، بل خوفاً من "القدر" الذي بدا وكأنه كُتب بحبرٍ أسود لا يمكن محوه. الغريب في الأمر، أن روحه، في أعمق مستوياتها، كانت تصدق كلام هذا الشخص بالكامل، وكأن صوته يحمل الحقيقة المطلقة.

‏التفت الأبطال نحو بعضهم البعض في صمتٍ أثقل من الجبال. نظراتهم تاهت بين ليوين، الذي انقشع عنه بعض من حجاب الغموض

‏وبين آرثر الذي نُعيَ مستقبله وبطولته قبل أن تصلا إلى ذروتهما. خيم اليأس المرير على وجوه الفريق؛ تلاشت أحلام النجاة وحلّ محلها شعورٌ خانق بالعجز وفي وسط هذا الحطام النفسي،

‏ظل الكيان الهجين جالساً ببرودٍ جليدي، يراقب بعينيه الحمراوين كيف تحطم وتناثرت عزيمتهم كالغبار تحت أقدامه. كان يكتفي بمشاهدة أرواحهم وهي تتآكل، مستمتعاً بوقع كلماته

‏كسر ليوين حاجز الصمت الذي كاد يخنق الأنفاس. نطق أخيراً بصوتٍ هادئ، خالٍ من الانفعال، لكنه كان يحمل حدة الشفرة وجرأة المحكوم بالإعدام. ثبت بصره في عيني الكيان الجالس على العرش، وقال كلماتٍ هزت أركان المكان

‏"أجبني.. هل أنت المؤلف الذي سطر هذه المأساة بيده القذرة؟ أم أنك مجرد ذالك النظام الذي يدير تروس هذا العالم اللعين بصمت؟"

‏في تلك اللحظة، استدار كايزر ومايكل وليا ومايك و ادريان وأخيراً آرثر.. التفتوا جميعاً نحو ليوين بجسدٍ واحد وحركةٍ مشلولة بالذهول. ساد شعورٌ موحد طغى على خوفهم من الكيان

‏شعورٌ بالخيانة المعرفية. كانت نظراتهم تصرخ بسؤالٍ واحد ' ليوين يعرف شيئاً لا نعرفه. عن هذه العالم'

‏ضحك الكيان ضحكةً منخفضة، عميقة، ترددت أصداؤها في القاعة وكأن التماثيل هي من تضحك. قام من عرشه ببطء، فظهر طوله الفارع وضخامة بنيته التي تدمج رقة الإيلف بقوة التنانين وضخامة الاقزام

‏مشى خطواتٍ قليلة فوق الرخام، وصوت خطواته كان كدقات ساعة العد التنازلي.

‏"المؤلف؟ النظام؟" قال الكيان وهو ينظر إلى سقف القاعة الشاهق. "أنت تمنحهما أسماءً لتعطي لنفسك وهماً بأنك تفهم اللعبة يا ليوين. في هذا المكان، لا يوجد مؤلف يحمل ريشة، ولا نظام يتبع شيفرة.. هناك فقط القدر الذي يتغذى على اختياراتكم ."

‏توقف الكيان ونظر إلى ليوين بحدة: ضحك الكيان ضحكةً خافتة، ضحكة لم تكن تحمل استهزاءً بقدر ما كانت تحمل حقيقة

‏مُرة تقشعر لها الأبدان. تحرك فوق عرشه، وبريق عينيه الحمراوين ازداد حدة وهو يثبت نظراته على ليوين المرتجف.

‏"أنا لستُ أياً منهما، ولستُ عدوكم بالمعنى الضيق الذي تدركه عقولكم الفانية.." قال الكيان بصوتٍ هادئ يشبه فحيح الرياح في ممرٍ مهجور،

‏" لقد وصلت إلى هنا يا ليوين لأنك تظن في أعماقك أنك 'استثناء'.. أو ربما لأنك أقنعت نفسك بأن العالم قد أشفق عليك وقرر منحك فرصةً ذهبية لتعيد من فقدتهم، ولتصلح ما حطمه قدرك السابق."

‏ساد صمتٌ خانق، قبل أن يتابع الكيان بنبرةٍ تقطر سماً:

‏"لكن الحقيقة أكثر قسوة من أوهامك؛ لن تربح أي شيء هنا. ذلك 'الرهان' الذي تظن أنك أبرمته مع ما تسميه النظام،"

‏" لم تكن سوى فخٍ مُحكم. لقد تم استدراجك لتلعب لعبةً قوانينها موضوعة لضمان سقوطك."

‏شحب وجه ليوين أكثر، وشعر ببرودةٍ تسري في نخاعه؛ فكرة أن "النظام" يحاول التلاعب به وخداعه، كانت طعنةً أقوى من أي سحرٍ أسود.

‏لم يحتمل ليوين المزيد؛ كان شعور كونه "أداة" يتم التلاعب بها أشد قسوة من الموت نفسه. وفجأة، انفجرت من جسده نية قتلٍ مرعبة، وصعدت هالةٌ مظلمة كثيفة كأنها دخانٌ أسود نبع من أعماق الجحيم،

‏لتغلف المكان ببرودةٍ قارسة. اهتزت الأرض تحت قدميه وهو يثبت نظراته المحتقنة بالدم على الكيان، وصرخ بنبرةٍ يملؤها غضبٌ هائج:"أخرس أيها اللعين! من أنت بحق الجحيم لتنطق بهذا الهراء؟ "

‏لم يحرك الكيان ساكناً، ولم يرمش له جفن أمام تلك الهالة التي كانت كافية لتمزيق الوحوش ذو رتبة العالية وبدلاً من الغضب، ارتسمت على وجهه ملامح شفقةٍ عميقة، نظرةٌ جعلت ليوين يشعر بضآلته أكثر من أي وقتٍ مضى.

‏"مسكين.." همس الكيان بصوتٍ هادئ حطم كل ما تبقى داخل ليوين، "أنت حقاً كائنٌ مسكين.. مجرد قطعة شطرنج يتم تحريكها من أجل المتعة"

‏وسط هذا الاحتدام، تقدم مايكل بخطواتٍ ثابتة رغم الرعب الكامن في صدره. كان عقله التحليلي يحاول ربط الخيوط المبعثرة، فنظر إلى الكيان بجديةٍ قاطعة وقال

‏"هل يمكنك أن تشرح لنا الأمر من البداية؟ نحن نقف هنا وسط ألغازٍ لا نفهمها،ا"

‏جال الكيان ببصره بين مايك، وكايزر و ادريان وليا، ثم استقر نظره على مايكل. "همم.. حسناً،" نطق الكيان وهو يميل بظهره إلى العرش،

‏"رغم أنكم لستم ذوي فائدة كبرى، إلا أنكم تحملون 'هالة القدر' التي ربطتكم بهذين النقيضين. لذا.. لا بأس،"

‏في تلك اللحظة، كان آرثر يراقب الكيان بتلهفٍ يمزقه الخوف؛ كان يريد أن يعرف لماذا حُكم عليه بالوحدة في نهاية المطاف، ولماذا وُصف بانه بطل هذه العالم والمختار

‏أما ليوين، فقد انطفأت هالة الظلام من حوله فجأة، وانحنى ضهره ورأسه وهو ينضر إلى الارض، وكانت ملامح وجهه "مدمرة" تماماً، غارقاً في صمتٍ مروع وهو يدرك أن كل ما بناه ربما كان مجرد وهمٍ في "فخ" النظام ربما كذبة كان يتشبث بها كالأحمق

2026/04/09 · 31 مشاهدة · 1394 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026