لم ينطق الكيان بكلمة في البداية، بل اكتفى بـ **"النظر"**. كانت نظراته الحمراء تخترق أجسادهم، لا لترى عظامهم، بل لتقرأ تلك الأسطر المكتوبة في أرواحهم. وفجأة، وبدون مقدمات، تلاشت جدران القاعة الرخامية من حولهم،

أو هكذا خُيل إليهم. ساد ظلامٌ مطلق، وتحول البلاط تحت أقدامهم إلى بحرٍ من الرماد البارد الذي يمتد إلى ما لا نهاية.

في هذا الفراغ، لم يتبقَّ سوى العرش، والتماثيل العملاقة التي بدت الآن كجثثٍ متفحمة لعمالقةٍ سقطوا في حربٍ خاسرة.

رفع الكيان يده، وتناثر الرماد من حوله كأنه ذكرياتٌ محترقة، ثم نطق بصوتٍ هادئ يمزق أحشاء الصمت:

"أنتم تظنون أنكم في قصر أو في مدينة عادية وسط حقول من الوحوش لكن الحقيقة أنكم تقفون فوق جثث عصورٍ لم تُمنح حتى حق الدفن. هذه التماثيل التي ترونها؟ لم تكن منحوتة يوماً. هؤلاء كانوا 'أبطالاً' مثلك يا آرثر، و'غرباء' مثلك يا ليوين."

" لقد وصلوا إلى قمة القوة التي يرتجف لها الكون أو رتبة SSS كما تقولون انتم فقط ليدركوا في اللحظة الأخيرة أنهم ليسوا سوى لعبة بيد شخص اخر"

التفت آرثر ومايكل وبقية الفريق نحو تلك التماثيل العملاقة، ولأول مرة، لم يروا فيها مجرد حجارة صماء. شعروا بنبضٍ خفيّ يخرج من مسام الصخر، بنوعٍ من القرابة بينهم

كانت ملامح التماثيل، رغم جمودها، تنطق بذات الرعب الذي يشعرون به الآن؛ نظرة الانكسار في عيني محارب الإيلف، والقبضة المرتجفة لملك البشر المحجر.. كان الأمر وكأنهم ينظرون إلى مرآةٍ تعكس مستقبلهم القادم.

شعر إدريان ببرودةٍ غريبة تسري في سلاسله، إحساسٌ بأن القدر الذي كبّل هؤلاء العمالقة هو ذاته القيد الذي يلتف حول عنقه الآن.

وسط هذا الحطام النفسي، تحرك ليوين. رفع رأسه ببطء شديد، وعيناه اللتان غرقتا في اليأس قبل قليل استقرتا على تمثالٍ بشري فريد يقف في زاويةٍ شبه معتمة يبدو بعمر 20 لكن هيبته كانت تجبر الناظر على الانحناء.

ما جذب ليوين لم يكن الخنجر الاسود والغريب الذي كان يمسكه بل العينان. كانت عينا التمثال محفورتين بدقةٍ مذهلة، وفي قلبهما نمطٌ غريب ومعقد زهورٌ هندسية حادة توحي بقوة بصرية مرعبة. ليوين، الذي قرأ الرواية بأكملها لم يشاهد مثلها أبدأ

لم يعرف هذا النمط تحديداً، لكن روحه اهتزت بعنف؛ شعر بانجذابٍ مغناطيسي نحو ذلك التمثال، وكأن هناك خيطاً غير مرئي من المانا السوداء يربط قلبه بقلب ذلك الحجر.

ابتلع ليوين ريقه بجفاف، وخرج صوته خافتاً لكنه حاد كشفرة وسط الصمت

"ما قصة هذا التمثال؟"

أشار بيده نحو صاحب الأعين الغريبة، وتابع وعيناه لا تفارقانه

"أشعر بشيءٍ يربطني به.. شيءٌ يصرخ في داخلي بمجرد النظر إلى عينيه. من كان هذا الرجل؟ ولماذا يبدو وكأنه ينظر إليّ أنا تحديداً؟"

أمال الكيان الهجين رأسه ببطء، وارتسمت على وجهه ابتسامة هي مزيجٌ من السخرية والأسى، ونطق بصوتٍ عميق

"أوه.. هذا التمثال يعود لـ 'المتمرد الأول'. الشخص الذي أدرك 'اللعبة' قبل الجميع، وحاول أن يقلب الطاولة على المصمم."

خطا الكيان نحو التمثال، ووضع يده الغريبة على كتفه الحجري، وكأن تلامسهما يحيي ذكرى صراعٍ دفنه الزمان. استدار بنظره نحو ليوين، الذي كان ينضر نحوه وأكمل بنبرةٍ جعلت ذرات الهواء تهتز

"هذا الشخص.. لم يكن مجرد بطل أو منتقل عادي بل كان تجسيد الظلام تماماً مثلك يا ليوين. والأكثر إثارة للسخرية، أنه جاء من ذات العالم الرتيب الذي كنت تقطنه، "

" تلك الأرض التي تخلو من السحر و القدرات القوية لكنه لم يُبعث هنا، بل في بُعدٍ آخر، عالمٍ مختلفٍ تماماً عن هذا الذي تقف فيه الآن."

توقف الكيان عن التحدث لبضع ثواني وهو يحدق في نمط الغريب المحفور في أعين التمثال بينما كانت أعين الأبطال تتسع مع كل كلمة يقولها وينتضرون أن يكمل كلامه

"لقد أدرك الحقيقة مبكراً.. أدرك أن وجوده ليس سوى رقصةٍ على أنغام مسرح ليشاهد ويستمتع به أشخاص آخرون ثم بعد سنوات من انتقاله قد عاد ليواجه القوة الحقيقيه خلف هذه العالم"

رفع الكيان يده وصور في الهواء مشهداً من الظلال المتداخلة التي جسدت فظاعة ذلك الصدام

"كان قتالاً لم تشهده مخيلة بشر. صراعٌ زلزلت أصداؤه الكواكب والمجرات، وامتدت شراراته لتمزق نسيج مئات الأكوان. في كل مرة كان يلوح فيها بيده

" كان واقعٌ بأكمله يتفتت، وفي كل مرة كان الكيان خلف هذه العالم يستخدم فيها قوته كانت نجومٌ تُمحى من الذاكرة كأنها لم تكن "

توقف الكيان فجأة، ونظر إلى ليوين الذي كان جسده يرتجف وظلام حوله يغلي كالبركان وكانه يتذكر تلك المعركة جيدا

"ولكن.. انظر إليه الآن. مجرد حجرٍ بارد في زاويةٍ منسية. لقد فشل، ليس لأنه كان ضعيفاً، بل لأن اللعبة وُضعت بحيث لا يربح فيها أبداً. لقد قُتل وجُمدت روحه هنا ليكون عبرةً لكل شخص يخرج عن النص الأصلي."

سقطت الكلمات كالصواعق فوق رأس ليوين. نظر إلى التمثال، إلى تلك الأعين الغريبة التي بدأت تتوهج في مخيلته بلونٍ أحمر قرمزي، وشعر بغصةٍ في حلقه وهو يفكر بعشرات الأفكار التي تتضارب في عقله

أما آرثر، فقد قبض على مقبض سيفه بقوة حتى كادت يده تنزف، بينما بقي باقي الأبطال صامتين، عيونهم تائهة بين عظمة وقوة التماثيل التي امامهم ورعب الحقيقة التي سمعوها

في هذه اللحظة، تقدم الكيان الهجين خطوات إضافية، وازداد وهج عينيه الحمراوين، وبدأ يشرح ما حدث مع باقي التماثيل وما حدث بالعصور السابقة

"قبل ثلاثة آلاف عام.. وفي يومٍ لم تشرق فيه الشمس كباقي الأيام انشق نسيج السماء فوق هذا العالم، وظهر من اللامكان شخصٌ يقف ب ثباتٍ يخرق قوانين العالم كلا بل كان هو القانون الحقيقي للعالم "

" كان يمسك بيده كتاباً موجود عليها كلمات لم يفهمها غيره وتتدلى حول عنقه قلادةٌ غريبة"

توقف الكيان، وأشار بيده نحو السقف الشاهق وكأنه يرسم لهم المشهد

"تحته مباشرة، كانت هناك آلاف الأجناس المختلفة.. أجناسٌ لم تذكرها كتب تاريخكم المشوهة، وحوشٌ مقدسة، محاربو فضاء، وكائناتٌ مادية تتنفس المانا الصافية. كان القادة لهذه الأجناس في ذلك الزمن قد وصلوا جميعاً إلى رتبة SSS "

"لم يكونو مجرد أفراد ذو قوة كبيرة فقط بل كانوا أنصاف آلهة على بعد خطوة واحدة فقط من اختراق جدار الواقع والوصول إلى عالمٍ مختلفٍ تماماً."

أكمل الكيان وصوته يزداد عمقاً

"كانت قواهم في تلك اللحظة كفيلة بشطر السماء ب حركةٍ واحدة من أصابعهم، وكانوا يظنون أنهم على وشك امتلاك الكون. لكن ذلك الشخص القادم من السماء، ب كتابه وقلادته، نظر إليهم من الأعلى ببرود وعدم اهتمام كبير بقوتهم "

كان الهواء في القاعة قد استُبدل بصغط قوي يخترق أرواحهم انخفض صوت الكيان الهجين حتى صار همساً مرعباً، همساً يزحف كالأفاعي في زوايا وعيهم، وتابع سرده وكأنه يستحضر الأرواح التي سكنت تلك التماثيل

" نطق ذاك الكيان بصوتٍ هادئ، لكنه لم يمر عبر الآذان فقط بل نُقش مباشرةً في نخاع عظامهم (أنا سيد القدر.. المرسل من قِبل السيد الأعلى الذي صاغ ذراتكم من العدم، وخلق هذا العالم الذي تتصارعون فوقه كالحشرات في بركةٍ من الوحل)"

أمال الكيان الهجين رأسه ببطء شديد، مراقباً ارتجاف الجميع وشحوب وجه ليوين، ثم أكمل

"أعلنها صريحةً أمام جميع الكيانات وقال(عليكم أن تخضعوا الآن، وتتبعوا كلماتي دون قيدٍ أو اعتراض. فأنتم لم تُخلقوا لتكونوا أسياداً) في تلك اللحظة، استشاطت الكيانات غضباً؛ ملوك الشياطين الذين لم ينحنوا لأحد وأباطرة الإيلف الذين طوعوا الطبيعة، وعتاة الأقزام الذين حفروا في جذور الكون.. جميعهم، بغطرستهم التي لم تعرف الذل يوماً، أرادوا تمزيق ذلك الغريب الذي يتجرأ على أمرهم بالطاعة."

خيمت الظلمة في عيني الكيان وهو يتابع برتمٍ متمهل

"لكن الصدمة كانت أقوى من غضبهم. أرادوا الصراخ في وجهه، أرادوا إطلاق المانا التي تمحي كل شيء أمامها لكن أجسادهم خذلتهم. غرائزهم البدائية، تلك التي تسبق العقل والمنطق، كانت تصرخ في أعماقهم بكلمة واحدة: 'اخضع'.

" كان خوفاً فطرياً، خوف الشيء أمام من صنعه خوف المادة أمام من يملك سر تكوينها وبقوا صامتين، عاجزين حتى عن النطق بكلمة واحدة أمام سيد القدر "

"نظر سيد القدر إليهم، وابتسامة خفيفة، باردة كالموت، ارتسمت على ثغره وهو يراقب عجزهم، ثم قال بلامبالاة"

"'لا بأس.. أنا لا أريد إجابتكم الآن. سأمنحكم عاماً واحداً.لترتبوا شؤون فنائكم وتختاروا بين الانصياع أو الزوال"

"وبغمضة عين، اختفى من الوجود تماماً، تاركاً خلفه فراغاً في المكان وفي النفوس. ولأول مرة بتاريخ الأجناس المختلفة حدث المستحيل..وُضع العداء الأزلي جانباً. الشياطين التي كانت تقتات على أرواح البشر وضعت أيديها في أيديهم، "

"والإيلف الذين ترفعوا عن الجميع تحالفوا مع الأقزام في خنادقهم، والتنانين ومصاصو الدماء وأرواح الجن.. كل الأجناس بلا استثناء، أصبحت جيشاً واحداً."

توقف الكيان، وأخذ نفساً عميقاً مشحوناً بالرهبة، وتابع بحزن مرير

"كان عاماً من الاستعدادات المسعورة. لم يناموا، لم يهدأوا، جمعوا كل سحرٍ محرم، وكل سلاحٍ أسطوري، وكل شخص قوي في الكون ليشكلوا أعظم جبهة دفاعية شهدتها الكوكب مليارات الحشود، من رتبة S إلى ذروة الـ SSS، "

"جميعهم اصطفوا في ذات البقعة، يسدون الأفق بأسلحتهم وهالتهم التي جعلت الكواكب المجاورة تهتز من ثقل وجودهم."

"وبعد عامٍ بالتحديد.. في نفس الثانية التي وعد بها، انشق نسيج الوجود مرة أخرى. ظهر سيد القدر وحيداً، بكتابه الغامض، وقلادته التي تنبض بنبض الكون. نظر إلى تلك المليارات الحاشدة، إلى الغابات من السيوف والبراكين من المانا،"

" لم يرمش له جفن، ولم تتغير ملامحه الباردة. نظر إليهم وكأنه يرى لوحةً رُسمت بجهدٍ عظيم، وقد قرر الآن، وببساطة، أن يمسحها ليعيد الرسم من جديد أيضا كان سيد القدر يعرف كل شيء يعرف أنهم سوف يرفضون وجوده ولن يتبعوه لذالك اعطائهم مهلة العام من أجل جمع كل قوتهم في بقعة واحده ليتخلص منهم"

نضر الجميع حول بعضهم البعض و لقد أدركوا جميعاً أن ما حدث قبل ثلاثة آلاف عام لم يكن حرباً متكافئة.. بل كان فصلاً أخيراً في كتابٍ قرر صاحبه إغلاقه بقوة.

---

[ المؤلف: ثلاث تعليقات مختلفة انزل الفصل القادم ❤️❤️]

2026/04/10 · 43 مشاهدة · 1465 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026