مد ليوين يده نحو النار، ورفع أعواد الخشب التي تحمل قطع اللحم الصغيرة المنظمة. لم ينظر في وجوههم، ولم ينتظر إذناً من أحد؛ بل بدأ بتوزيع الأعواد عليهم واحداً تلو الآخر، كأنه يوزع صكوك الغفران على محكومين بالإعدام.
كانت يد ليوين ثابتة، بينما كانت أصابع الجميع ترتجف وهي تستلم الطعام. جلس ليوين في مكانه، وبدأ يأكل بآلية وهدوء، يمضغ طعامه ببطء شديد وكأن العالم من حوله لم ينهار في عقول الأبطال السته قبل دقائق.
لم يلتفت ليرى كيف كانت وجوههم مغطاة بطبقات من الحزن المشوب بالغضب، أو الصدمة العميقة التي جعلت أعين كايزر ومايكل تبدو غائرة وفاقدة للبريق.
بالنسبة لليوين، كان الجوع حقيقة ملموسة، أما مشاعرهم.. فليست سوى أحداث في رواية قديمة.
رفع ليوين رأسه ببطء نحو السماء البنفسجية الراكدة، يراقب السحب التي تشبه جروحاً مفتوحة في جسد الكون. وفي تلك اللحظة، قطعت **ليا** حاجز الصمت؛
قضمت قطعة صغيرة من اللحم، فتجمدت ملامحها للحظة. اتسعت حدقتاها، وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تهمس بنبرة لم يصدقها رفاقها "إنه... إنه لذيذ !"
استدارت الرؤوس نحوها ببطء آلي، كانت نظراتهم مزيجاً من الاستنكار والتعجب؛ كيف يمكن أن تفكر ليا بهذه الوقت بشيء ك قطعة لحم لذيذة بينما عائلاتهم مهددة بالإبادة في هذه العالم أو الرواية لكن الرائحة التي كانت تداعب أنوفهم الجائعة كانت أقوى من أي إنكار.
قضم **كايزر** قطعة كبيرة، فاهتز جسده من قوة الطعم، ثم التفت نحو **مايك القزم** وصرخ بصوت مخنوق من الغضب والمفاجأة:
"تباً لك يا مايك! وتباً لذلك الشخص الذي وثق بك وجعلك تطبخ لنا"
انكمش مايك على نفسه، ونظر إلى الأرض بحرجٍ بالغ، وشعر بأن درعه الشفاف لا يحميه من نظراتهم الساخرة. تذوق اللحم بدوره، فغرق في صمتٍ طويل،
مدركاً أن ليوين لم يطهر اللحم من السموم فحسب، بل عرف كيف يستخلص الجوهر منه. أما **مايكل الأيلف**
و**آرثر** و ادريان فقد تناولا طعامهما بهدوء مشوب بالهيبة، يراقبان ليوين الذي بدا في تلك اللحظة ككيانٍ لا يمكن لمسه أو فهمه، يكتفيان بهز رؤوسهما في اعترافٍ صامت ببراعته.
لم يكن للطعام مذاقٌ استثنائي حقاً، بل كان بسيطاً للغاية؛ مجرد لحمٍ نضج فوق لهب النار دون توابل أو إضافات تمنحه نكهةً خاصة.
ومع ذلك، وبالنسبة لأبطالٍ نخر الجوع أمعاءهم طوال أيامٍ من الرعب والهروب، كان لكل قضمةٍ وقعٌ مختلف.
لذالك شعروا وكأن هذا الطعام البسيط ليس مجرد وجبة، بل بركةٌ هبطت من السماء لتكافئ صمودهم، وتقدر جهودهم المريرة التي بذلوها طوال الطريق الوعر الذي سلكوه.
كانت تلك اللحظة، رغم بساطتها، أول شعورٍ حقيقي بالأمان والدفء يتسلل إلى قلوبهم منذ بداية هذه الفوضى.
ارتسمت على شفتي **ليوين** ابتسامةٌ عابرة، و نظراته كانت تمسح وجوههم واحداً تلو الآخر، بينما كان عقله ينسج خيوطاً لا يراها أحد وهو يفكر 'كيف سأستخدمكم يا تُرى؟'
بعد مرور بضع ساعات من الهدوء والراحة وقف **ليوين** فجأة، جاذباً أنظار الجميع بحركته غير المتوقعة. تبادلت المجموعة نظرات التساؤل
تقدم **ليوين** بضع خطوات نحو مركز النار، وبدون إنذار، رفع قدمه وركل كتلة الحطب المشتعلة بقوة، ثم بدأ يدوس على النار المتبقية لإطفائها بعنف. طارت شرارات الحطب الملتهبة والرماد الساخن في كل اتجاه،
لتسقط على ثيابهم وجلودهم، بينما كان **ليوين** يكمل الركل ببرود وابتسامة غريبة تتسع على وجهه
انتفض **مايك** و**كايزر** و **ادريان** من مكانيهما كالملسوعين، وصرخا بصوت واحد شق سكون الليل: "أيها اللعين! أتريد الموت؟!" بقى مايكل جالس وهو يضع كلتا يديه على رأسه وبالكاد يمسك طاقة الرياح التي تدور حول جسده من قطع ليوين
بينما كان الغضب يتطاير من أعين البقية، ظل **آرثر** مبتعداً قليلا عنهم يراقب المشهد بابتسامة ساخرة ومريرة ارتسمت على وجهه، وكأنه بدأ يعتاد على جنون وخبث هذا الشخص.
تقدمت **ليا** نحو آرثر، والاضطراب يسيطر على ملامحها، وقالت بصوت خافت: "هل حقاً سنبقى مع هذا الشخص؟ وجوده يثير غضبي وقلقي في كل مرة أراه.. إنه لا يحترم أحداً."
وضع **آرثر** يده على وجهه، وأخفض رأسه بتعب وهو يتنهد بعمق، ثم قال بصوت متهدج: "لا أعلم حقاً كيف سنعيش معه حتى خروجنا من هنا.. ولكن الحقيقة المرة هي أننا مجبرون على اتباعه حتى النهاية."
رفع **ليوين** رأسه بعد أن تحولت النار إلى رماد أسود، ونظر إليهم بعينين تلمعان تحت ضوء القمر وقال ببرود: "انتهى وقت الراحة. دعونا نذهب "
---
مضى يوم كامل على تحركهم، يوم كان بمثابة اختبار للأعصاب؛ حيث كان ليوين يقودهم عبر مسارات ملتوية، مختبئين عن الوحوش ببراعة مثيرة للريبة، تقدمت **ليا** نحوه
وقد بدا عليها الإرهاق، وسألت: "ليوين، مضت ساعات طويلة ونحن نتبعك متى ستخبرنا إلى أين نحن ذاهبون؟"
نظر ليوين ببرود نحوها ثم قال: "نحتاج إلى المرور من بضع مناطق في هذه الغابة من أجل الخروج منها. الآن نحن نتجه إلى المنطقة الأولى، تسمى **'قبر الغابة السفلية'**.. يجب أن نجتازها بأي ثمن من أجل النجاة."
بمجرد أن أنهى ليوين كلماته، تجمد الجميع في أماكنهم. من خلف إحدى الأشجار العملاقة التي كساها السواد، انبعث ظل كثيف بدأ يتجسد ببطء. كان **الفارس الشيطاني**،
يرتدي درعاً ينضح برائحة الموت، ويمسك بسيف ضخم يقطر دماً طازجاً.
ابتسم **آرثر** بمرارة، وسحب سيفه قائلاً: "لقد عدت مجدداً أيها الوحش الكريه."
في ذات الثانية، اختفى الفارس الشيطاني من مكانه كأنه شبح، منطلقاً بسرعة لقطع رأس **ليا**. وقبل أن يصل السيف المحمل بالموت إليها،
ظهر جسد **مايك** الضخم كالجبل أمامها، صاداً الهجوم بذراعيه المغطى بالحجر بالكامل. توقف السيف بعد أن اخترق الطبقة الحجرية، لكنه استُوقف تماماً عند جلد مايك الذي لم يُخدش.
ابتسم مايك بنظرة متعطشة للثأر: "جيد.. كنت أفكر متى سألتقي بك للانتقام، والآن حان الوقت!"
انطلقت سلاسل **إدريان** كالأفاعي الغاضبة، وقيدت ذراع الفارس التي تمسك السيف، ثم رفعته بقوة إلى السماء لتهوي به وترطمه بالأرض بصدع زلزل المكان. حالما اصطدم الفارس، فك نفسه بصعوبة وتراجع
لكنه وجد **مايكل** ينتظره رفع مايكل ذراعه، واختفى في غضون لحظة، لتنهال على جسد الفارس عشرات الشفرات الريحية التي مزقت درعه وقطعت لحمه الفاسد
لم يكد الفارس يستوعب الهجوم حتى ظهر **كايزر** أمام وجهه مباشرة، ذراعه تتوهج ببرق بنفسجي مرعب. سدد كايزر ضربة صاعقة نحو صدر الفارس،
محطماً درعه ومسبباً انفجاراً كهربائياً أطاح به أرضاً. صرخ كايزر وهو يبتسم: "هذه بسبب الجحيم الذي جعلتنا نمر به"
تراجع كايزر بخفة متفادياً هجوماً يائساً من الفارس المحطم، ليظهر **آرثر** بسيفه "إكليبس". بخط أبيض مغطى بالكامل بالزرقه، شق آرثر الهواء ليقطع ذراع الفارس بالكامل، لتتطاير دماؤه في كل مكان.
بينما كان الفارس يترنح في أنفاسه الأخيرة، ظهر **ليوين** فجأة بجانبه؛ لم يشعر الوحش بوجوده حتى تلك اللحظة، وكأنه عدمٌ يمشي على الأرض.
ببرود قاتل، مرر ليوين خنجره المغطى بظلام دامس عبر جسد الفارس الشيطاني ليقطه إلى نصفين متساويين.
خطا ليوين فوق الجثة دون أن يلتفت خلفه ثم قال بنبرته الجافة المعتادة:"دعونا نذهب."