بعد مرور بضع ساعات إضافية من المشي والاختباء من وحوش الغابة توقف ليوين فجأة عند حدودٍ وهمية لم يروها، لكنهم استشعروا ثقلها في الهواء.

‏التفت ليوين إليهم ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة كأنها نصلُ جليد، وقال بصوتٍ هادئ يقطر شؤماً:

‏"لقد وصلنا.. من الآن فصاعداً، نحن داخل نطاق [قبر الغابة السفلي]. سأحذركم لمرة واحدة فقط: هذا المكان ليس فقط عدواً تقاتلونه بالسيف، "

‏"بل هو كيانٌ يتغذى على عقولكم. سيريكم الرعب في أبشع صوره، وسيجعلكم تتذوقون طعم موتكم قبل أوانه.. كونوا حذرين، أو استسلموا الآن."

‏دون انتظار رد، خطا ليوين خطوته الأولى نحو الداخل، وما إن تجاوزت أقدامهم تلك العتبة، حتى انكسر العالم القديم شعر الجميع ببرود داخل اجسادهم لم يكن البرد الذي هاجم الأبطال الستة برداً ثلجياً تداويه النيران بل كان "برد الجنائز"

‏برودةٌ خبيثة لا تلمس الجلود، بل تتسلل عبر المسام لتستقر في النخاع أو داخل الروح مجمدةً تدفق المانا في عروقهم. شعر آرثر وكأن قلبه أصبح قطعة من الثليج البارد، بينما غدت أنفاس ليا تخرج كدخان رمادي كثيف يرفض الصعود للسماء.

‏ثم بدأت السماء البنفسجية بإسقاط قطراتٍ حمراء داكنة. سقطت قطرة فوق وجنة مايكل فمسحها بإصبعه ليتجمد مكانه؛ لم تكن كما يتوقعها بل كانت سائلة وشفافة كأنها دموعٌ من دم كائن حي قد مات قبل قليل

‏وعندما ركز الجميع إلى السماء والا تلك القطرات التي بدأت تهطل ببطء، لم يشاهدوا مطراً، بل شاهدوا آلاف العيون غير المرئية وهي تبكي فوقهم، وكأن السماء نفسها تنتحب على مصيرهم القادم اهتزت قلوب الجميع قليلا

‏وسط هذا الهطول الجنائزي، انبعث صوتٌ من جوف الأشجار الملتوية. لم يكن حفيف رياح، بل كان همساً بشرياً بامتياز.

‏"آ ..ر ..ث... ر"

‏"ليا... مايك... كايزر... "

"ادر... يان"

‏كانت جذوع الأشجار التي تشبه أجساداً مشوهة تفتح شقوقاً تشبه الأفواه، وتنادي أسماءهم بنبراتٍ مألوفة؛ أصوات أمهاتهم، آبائهم، وأصدقاء ظنوا أنهم تركوهم خلف أسوار الأكاديمية.

‏كان النداء يحمل استغاثة يائسة، مما جعل مايكل يضع يديه على أذنيه يصرخ بجنون: "توقفي تبا توقفي عن مناداتي!" لكن الأصوات لم تكن تأتي من الخارج، بل كانت تنبعث من داخل رؤوسهم، كأن الغابة تنهش في هويتهم.

‏تحرك الفريق خطوة للأمام، لكن شعوراً مقززاً جعل ليا تتوقف وتتقيأ بمرارة. الأرض تحت أقدامهم لم تكن تراباً، ولم تكن صخراً. كانت ملمسها طرياً بشكلٍ مرعب، دافئاً تحت البرد، ولزجاً كالغشاء المخاطي.

‏ومع كل خطوة يخطونها، كانت الأرض "تئن". انتابتهم فكرةٌ شيطانية استولت على عقولهم ولم يستطيعوا طردها:'هذه الأرض ليست تضاريس.. إنها مصنوعة من طبقاتٍ من الجلود البشرية المخيطة ببعضها البعض،'

‏والنتوءات التي يصطدمون بها ليست صخوراً، بل هي ركبٌ وأكواع وأطرافٌ بُترت وصُفت لتشكل بساطاً من اللحم الميت. شعر ليوين بآرثر وهو يترنح، فالتفت إليه ببرود قاتل وقال

‏"لا ترفع قدمك كثيراً عن الأرض.. أنت لا تريد أن تعرف ما الذي يوجد تحت هذه الطبقة من الأرض"

‏تقدموا أكثر داخل الغابة الذي أصبحت بلون الدم المتخثر، حتى وصلوا إلى ساحةٍ دائرية تخلو من الأشجار الضخمة. هناك، تجمدت الدماء في عروقهم تماماً، وكادت أن تسقط الأسلحة من أيديهم المرتجفة.

‏وسط الساحة، كانت تبرز ست كتل من الرخام الأسود القاتم، نُحتت بهيئة شواهد قبورٍ فخمة. اقتربت ليا بخطواتٍ مهزوزة، لتسقط على ركبتيها وهي تقرأ الحروف المحفورة بنورٍ احمر خافت فوق الشاهد الأول

‏[هنا ترقد ليا.. الفتاة التي وثقت بالظل فابتلعها]

‏رفع آرثر عينيه ليشاهد القبر الذي يليه، وقد كُتب عليه

‏[آرثر.. البطل الذي انطفأت نوره قبل الغروب]

‏وهكذا توالت الأسماء: كايزر، مايكل، مايك ادريان. وصولاً إلى القبر الأخير الذي كان صامتاً، بارداً، ويحمل اسم [ليوين] وبجانبه بضع كلمات اخرى اسماء كان يعرفها ليوين جيدا اسماء عائلة اصدقائه ونورة

‏كانت القبور السبعة محفورة مسبقاً، وجاهزة تماماً لاستقبال أجسادهم، وكأن الغابة كانت تعلم بمجيئهم منذ آلاف السنين. لم يكن الرعب في رؤية الموت، بل في اليقين بأنهم لا يمشون نحو مخرج، بل يمشون داخل توابيتهم المفتوحة.

‏نظر ليوين إلى قبره الخاص ببرود ولكن بداخلة الغضب يتصاعد لينفجر في أي لحظة ثم التفت نحو رفاقه المحطمين، وابتسم ابتسامةً شحبت منها الوجوه، وقال بنبرةٍ تشبه فحيح الأفاعي"يبدو أن المضيف هنا.. يحسن استقبال ضيوفه."

‏نظر الجميع نحو ليوين بذعرٍ مكتوم؛ فهدوؤه المستفز وسط هذه القبور المفتوحة والجلود الآدمية التي يفترشونها كان يبدو غير بشري، كأنه جزءٌ من كابوس الغابة نفسه.

‏كان مايكل الأيلف يضغط على أذنيه بقوة لدرجة أن مفاصل أصابعه ابيضت، محاولاً يائساً سد منافذ عقله أمام همسات الأشجار التي كانت تنبش في ذاكرته.

أما آرثر، فقد تنهد بعمق وهو يراقب ظهر ليوين، متسائلاً إن كان هذا الشخص يملك قلباً يشعر بالخوف أصلاً.

‏ثم.. تحطم ذلك الهدوء المقرف

‏تصلب جسد ليوين في مكانه، واهتزت كتفاه بشكلٍ طفيف. استدار ببطء، لكن ملامحه لم تكن هي ذاتها؛ تلاشت البرودة وحلّت مكانها صدمةٌ شلت أركانه، واتسعت عيناه وهو يحدق في نقطةٍ خالية وسط الضباب.

‏لم يشاهد الأبطال السته شيئاً سوى الفراغ، لكن في أعماق رؤية ليوين، كان العالم قد انقسم.

‏هناك، خلف شواهد القبور، انبعث نورٌ دافئ لا ينتمي لهذا المكان الملعون. رأى ليوين إخوته وأصدقاءه الثلاثة — أولئك الذين فقدهم في حياته الاولى وسبب بقاءه في هذه الحياة يقفون بابتساماتٍ هادئة يكسوها الحنين، ويمدون أيديهم نحوه وهم يهمسون باسمه بنبرةٍ لم يسمعها منذ دهور.

‏في تلك اللحظة، انطفأ سواد عيني ليوين وتحول إلى بياضٍ ناصع، وكأن روحه قد غادرت جسده لتلحق بذلك السراب. بدأ يتقدم نحوهم بخطواتٍ آلية، بطيئة، ومنومة مغناطيسياً، ضارباً بعرض الحائط كل تحذيراته السابقة

‏"ليوين؟ ما بك؟" هتف كايزر بغصب وهو يلاحظ الحركات الغريبة

‏تقدم مايك القزم بجسده الضخم، ومد يده ليمسك بكتف ليوين محاولاً إيقافه، ونظر في وجهه ليرى تلك الأعين البيضاء الخالية من الحياة. "ليوين أيها الأحمق اين تذهب"

‏صرخ مايك بقوى نحوه لكن ليوين، وبحركةٍ فجائية وسريعة كالبرق، أطاح بيد مايك بقوةٍ غير متوقعة، وكأنه يبعد حشرةً تعترض طريق وصوله إلى جنته المفقودة تقدم ادريان وقيد جسد ليوين مانعه إياه من الذهاب ثم

‏اندفع آرثر للامساك به قبل أن يلقي بنفسه في هاوية الوهم، لكن في لمح البصر، استل ليوين أحد خناجره. لم يوجهه نحو آرثر، بل رفعه عالياً بالكاد بسبب السلاسل حول جسده ثم هوى به بكل قوته ليغرسه في فخذ قدمه.

‏"آآآه!" صرخت ليا وهي تشاهد الدم الأحمر ينفجر من جرح ليوين مغطياً الأرض الجلدية المقززة. "ماذا تفعل؟! هل جننت!"

‏توقف ليوين عن السير. وهو يرتعش بعنف، وبدأ البياض ينسحب من عينيه ليحل محله سوادٌ حالك يشتعل بغضبٍ بركاني. وهو يتنفس بصعوبة،

والدم يقطر من نصل خنجره، والوهم الذي رآه قد تبخر تحت وطأة الألم الجسدي العنيف الذي ألحقه بنفسه ليستعيد وعيه.

‏التفت نحوهم، وكانت نظراته تخترق صدورهم، حنقاً على المكان الذي تجرأ ونبش في أقدس جراحه. قال بصوتٍ مبحوح يملؤه الحقد:‏"لقد حذرتكم من التلاعب.. ويبدو أنني كنت أول من سقط في الفخ."

‏مسح الدماء عن خنجره ببرودٍ مرعب رغم الجرح الغائر في ساقه، ووقف مستنداً على قدمه السليمة وهو يحدق في القبور السبعه مدركاً أن المعركة الحقيقية داخل "قبر الغابة السفلي" قد بدأت للتو، وأن عدوهم يراقبهم الآن

‏ساد هدوءٌ هش، هدوءٌ لم يكن راحة، بل كان لحظة حبس أنفاس الكون قبل الكارثة

‏نظر ليوين الى جرح فخذه الذي تم علاجه بشكل تلقائي بفضل الخاتم الذي حصل عليه التفت نحو **آرثر** والبقية، الذين تجمدوا في أماكنهم، وكان الرعب قد شل حركتهم بعد أن رأوا دليلهم يطعن نفسه ليستعيد وعيه من الوهم.

‏ثم تحطم ذلك الهدوء.

‏لم يكن صوتاً قادماً من الأشجار النائحة، بل كان اهتزازاً عنيفاً انبعث من باطن الأرض تحت أقدامهم مباشرة. ترنحت **ليا** وسقطت على ركبتيها،

بينما شد **مايك القزم** قبضته محاولاً الحفاظ على توازنه فوق البساط اللحمي الذي بدأ يموج كأمواج البحر الهائج.

‏**"برررم..."**

‏كان هذا الصوت هو زفير الأرض الجائعة. وفجأة، بدأت الطبقة الجلدية المقززة التي يمشون عليها بالتشقق حتى انشقت التضاريس اللحمية بصوتٍ يشبه تمزق القماش العتيق،

‏وانبعثت من الفتحات أبخرةٌ نتنة تفوح برائحة الدم المتخثر والعفن انكمشت ملامح **كايزر** بقرف وهو يرى الأرض التي ظنها جماداً تفتح مسامها كأفواهٍ جائعة.

‏من بين تلك الشقوق الجلدية، بدأت الأيادي تخرج. أياّدٍ لم تكن لبشر او وحوش، بل كانت مغطاة بجلودٍ غريبة رمادية وزرقاء، وأظافرها طويلة ومتكسرة كخناجر صدئة.

‏تشبثت الأيادي بحواف الشقوق، وبدأت الأجساد بالخروج بصعوبة، وكأن الأرض تلد مسوخها بعسرٍ أزلي.

‏خرج أول وحش. كان يفتقر لفك سفلّي، وعيناه مفقودتان وحلّ مكانهما فراغٌ أسود ينضح بمانا الموت. جسده كان مزيجاً مرعباً من أطرافٍ بشرية خيطت ببعضها البعض

‏ذراعان يمنيان، وصدرٌ محفور عليه شعورٌ بالندم تلاشت ملامحه بالكامل ثم أطلق صوتاً غريباً، ليس صراخاً، بل كان فحيحاً رطباً يخرج من قصبته الهوائية المفتوحة.

‏تلاه وحشٌ آخر، ثم عشرة، ثم مائة ثم العشرات والعشرات

‏في ثوانٍ معدودة، تحولت الساحة الدائرية المحيطة بالقبور السبعه إلى مستنقعٍ يعج بمئات، بل آلاف الوحوش البشرية المشوه كانوا يبدون كـ "زومبي" لكن بتصميمٍ أكثر حداثة ووحشية نضر ليوين إليهم ببرود ثم قال "أخيرا قد بدا الأمر "

2026/04/12 · 22 مشاهدة · 1403 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026