‏ساد صمتٌ جنائزي ثقيل في أعمق نقطة من "الغابة السوداء"، ذلك النوع من الصمت الذي لا يجرؤ حتى الهواء على اختراقه. لم يكن يكسر هذا السكون سوى صوتٌ رتيب ومنتظم لتقطر الدماء اللزجة من فوق أوراق الأشجار العملاقة التي تشابكت أغصانها كأصابع شياطين تحاول خنق السماء.

‏في مركز فجوة ضيقة، حيث لم تطأها قدم بشرية منذ عقود، وقف ليوين كتمثالٍ من الظلال والنكال، محاطاً بحطامٍ بيولوجي مرعب.

‏كان المنظر حوله أشبه بمجزرة منظمة؛ عشرات الجثث لـ "ذئاب الظل" من الرتبة **(D)** و"غِيـلان الغابة" الضخمة من الرتبة **(C)** تناثرت في كل زاوية. بعضها كان مقسوماً لنصفين بضربة نصلٍ باردة ودقيقة،

‏والبعض الآخر بدا وكأن الظلام نفسه قد اخترق مسامه وامتص جوهر حياته، تاركاً خلفه جثثاً متفحمة وجافة كأنها مومياوات قديمة. لم تكن مجرد معركة، بل كانت "حفلة إبادة" قادها رجلٌ واحد قرر أن يتخلى عن بشريته ليفوز برهان الأرواح.

‏كان مظهر ليوين قد تبدل لدرجة تجعل أقرب الناس إليه – لو وُجدوا – يعجزون عن التعرف عليه. ثيابه النظيفه التي استيقظ بها قبل شهر تحولت إلى أسمالٍ ممزقة، لا تكاد تستر جسده،

‏وقد غطتها طبقات متراكمة من الدم الجاف، التراب، ومخلفات الوحوش. شعره الرمادي الذي كان ينسدل بنعومة فوق جبينه صار كتلة ملبدة بالدماء

‏القانية، ملتصقاً بصدغيه كأنه خيوط من الفولاذ الصدئ. لكن التغيير الحقيقي لم يكن في الثياب، بل في تلك الهالة السوداء الكثيفة التي كانت تنبثق من مسام جلده،

‏نية قتلٍ صافية، مركزة، وباردة لدرجة أنها كانت تجعل الحشرات القريبة تسقط ميتة بمجرد اقترابها من محيطه.

‏رفع ليوين نظره ببطء نحو سقف الغابة الكثيف، حيث كانت خيوط الفجر الضعيفة تحاول عبثاً اختراق الضباب الأخضر. تمتم بصوتٍ رخيم، يحمل بحّةً وحشية اكتسبها من قضاء ثلاثين يوماً دون أن ينطق بكلمة واحدة لبشر:

‏"لقد انتهى الشهر اللعين.. وحان الوقت لترك هذه المقبرة والذهاب إلى حيث تبدأ الأكاذيب.. حان الوقت للأكاديمية."

‏بمجرد أن استدعى واجهة الحالة في عقله، انفتحت اللوحة الشفافة أمامه، لكنها هذه المرة كانت تتوهج بلون أرجواني داكن، يعكس الحصاد الدموي لرحلة الجحيم. حدق ليوين في الأرقام التي لم تكن مجرد إحصائيات، بل كانت ثمن كل جرح وكل صرخة أطلقها في ليالي الغابة المظلمة:

‏> **[ واجهة الحالة المحدثة: المضيف ليوين ]**

‏> * **الرتبة الحالية:** **C+** (قفزة كبرى من الرتبة D-).

‏> * **العنصر:** الظلام (درجة التقارب الفطرية: 98%).

‏>

‏> **[ الإحصائيات الأساسية ]**

‏> * **القوة الجسدية:** **28** (كانت 12).

‏> * **السرعة والرشاقة:** **35** (كانت 15).

‏> * **التحمل البدني:** **25** (كانت 10).

‏> * **مقدار التحميل (سعة المانا):** **110 / 250** (قفزة نوعية بفضل الضغط المستمر).

‏> * **الذكاء / الإرادة:** **50** (عقل القاتل لم يهن قط).

‏>

‏> **[ المهارات المكتسبة ]**

‏> **خطوة الظل** مهارة حركية تتيح للمضيف الانصهار اللحظي في الفراغ والانتقال لمسافة (1-2 متر) عبر الظلال. هي مهارة مثالية لتجنب الهجمات القاتلة في أجزاء من الثانية أو شن هجوم مفاجئ من زاوية ميتة لا يراها الخصم.

‏تأمل ليوين هذه البيانات ببرودٍ قاتل. رتبة **C+** في شهر واحد هي معجزة بكل المقاييس في هذا العالم، لكنه كان يعلم أن الثمن كان باهظاً. جسده الآن لم يعد ذلك الجسد الناعم لـ "ليوين الإضافي"، بل أصبح كتلة من العضلات الكثيفة والمشدودة،

‏المحفورة تحت طبقات من الندوب الطازجة. لقد قام خلال هذا الشهر بتوسيع "عروق المانا" في جسده يدوياً، عبر ضخ طاقة الظلام بقوة هائلة داخل مساراته الضيقة حتى كادت تنفجر، مما سبب له آلاماً جعلته يغيب عن الوعي عدة مرات،

‏لكن النتيجة كانت ارتفاع "مقدار التحميل" إلى **250**، وهو رقم لا يملكه إلا الطلاب النخبة في عامهم الثاني.

‏قرر ليوين اختبار مهارته الجديدة قبل الرحيل. ركز نظره على شجرة تبعد عنه مترين، وبمجرد أن نبضت المانا السوداء في قدميه، اختفى جسده من مكانه كأنه لم يكن موجوداً قط،

‏ليظهر في الجزء من الثانية التالي خلف الشجرة تماماً. لم يكن هناك صوت، ولا أثر، فقط ظلٌ عابر.

‏"خطوة الظل.." همس ليوين وهو يتلمس لحاء الشجرة، "هذه ستكون ورقتي رابحة."

‏مسح ليوين بيده الملطخة بقعة دمٍ كانت تعيق رؤيته، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، باردة، ومخيفة لدرجة أنها تناقضت تماماً مع وسامته الملحوظة. لم تكن ابتسامة نصر،

‏بل كانت ابتسامة "الخـلل" الذي دخل في صلب النظام ليحطمه من الداخل. لقد أصبح الآن "الوحش" الذي يختبئ في ثياب طالب.

‏"آرثر واولائك الاطفال الحمقى استمتعوا بأيامكم الهادئة الأخيرة تحت أضواء النور والبطولة الزائفة،" قال ليوين وهو يستدير مغادراً ساحة المجزرة، "لأن الشخصية الإضافية التي تجاهلها الجميع، قادمة لتأخذ المركز الأول.. ولن أترك لكم حتى الفتات."

‏تحرك ليوين بخفةٍ أسطورية، متجاوزاً الأشجار كأنه شبحٌ ينسل بين الظلال الكثيفة. لم يعد يشعر بالتعب الجسدي الذي كان ينهكه في الأيام الأولى،

‏فجسده الآن مشحون بمانا الظلام التي تتدفق بسلاسة في عروقه، تمنحه حيوية لا تنضب ما دام هناك ظلٌ يحيط به.

‏بعد ساعات طويلة من المشي والقفز بين التضاريس الوعرة، وصل إلى حدود المدينة، ومن ثم تسلل إلى منزله الهادئ ذو الجدران الرمادية في وقتٍ كان فيه الفجر قد بدأ يصبغ السماء باللون الرمادي.

‏دخل المنزل الذي غلفه غبار خفيف، وتوجه مباشرة نحو الحمام الواسع.

‏فتح صنبور الماء الدافئ لآخره، ووقف تحت الرذاذ بملابسه الممزقة أولاً. راقب بذهول الماء وهو يتحول فوراً إلى اللون الأحمر القاني، ثم إلى البني الداكن مع تساقط طبقات الطين والدم المتيبس عن جسده

‏نزع أسماله الممزقة وألقى بها في الزاوية كأنها جيفة قديمة، ووقف عارياً أمام تدفق الماء.

‏كان جسده الجديد لوحة من الصمود؛ عضلات البطن مقسمة بوضوح، والأكتاف عريضة وقوية، والندوب الصغيرة المنتشرة على صدره وظهره تحكي قصة ثلاثين يوماً من العيش على حافة الموت.

‏مسح وجهه بيديه، وشعر بالماء الدافئ يغسل عنه الوحش الذي سكنه في الغابة، ليعيد تقديم نفسه للعالم كطالبٍ هادئ في "أكاديمية كلانس".

‏بعد الاستحمام، نظر ليوين إلى نفسه في المرآة الموجوده بالحمام. كانت إصاباته قد شفيت تماماً بفضل سرعة تجدد المانا لديه، ووجهه الوسيم ذو الشعر الرمادي أصبح أكثر حدة،

‏وعيناه السوداوان صارتا أعمق، وكأنهما بئرٌ لا قرار له. لقد اختفت ملامح الفتى المتردد، وحل محلها "المفترس" الذي يتقن فن التخفي خلف ملامح البشر.

‏ارتدى ليوين ملابس نظيفة وبسيطة، عبارة عن قميص أسود وسروال مريح، ونظف خنجره الذي أصبح رفيقه الوفي الذي لا يفارقه. جلس لثوانٍ يرتب أفكاره؛ غداً هو يوم الافتتاح الكبير في "أكاديمية كلانس"

‏الواقعة في هضبة المركز بقلب قارة أستريا. غداً سيلتقي بالجميع؛ بالبطل الذي يمتلك سحر الضوء، وبالصديق القوي، وبالعقل المدبر، وبالمنافس المتكبر.

‏أخذ ليوين نفساً عميقاً، وشعر بمانا الظلام تستقر بسلام في مركزه. لم يكن يشعر بالخوف أو القلق،

‏بل كان يشعر بجوعٍ غريب.. جوعٍ للمواجهة، ورغبة عارمة في رؤية تعابير الصدمة على وجوه أولئك الذين صاغت الأقدار نجاحهم سلفاً.

‏خرج ليوين من منزله مع بزوغ الشمس، وأغلق الباب خلفه بقوة وحزم، وفي قلبه هدفٌ واحدٌ لا يتزعزع: أن يسحق كل من يقف في طريقه نحو المركز الأول، ليكسب رهان الروح،

‏ويستعيد الضوء الذي سُلب منه في عالم الغدر.. مهما كان الثمن، ومهما كانت كمية الدماء التي سيتعين عليه سفكها في ممرات الأكاديمية المقدسة.

‏لقد بدأت الرواية الحقيقية الآن، والكاتب لم يعد هو من يملك القلم.. بل ليوين وظلاله.

‏---

2026/03/23 · 3 مشاهدة · 1139 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026