تقدم ليوين بخطواتٍ مترنحة، تحت وطأة الإرهاق الذي نخر جسده، والضغط المهول لهالة الظلام التي كانت تنهش عظامه ببرود. ورغم ذاك العبء الجسدي، لم يبدِ أي اكتراث؛
بل كانت ترتسم على وجهه ابتسامة جامحة نضحت بالجنون، وكأن عقله قد انسلخ تماماً عن قشور الوعي البشري. في داخله كان صوت الظلام يتردد في أعماق أذنه بصدىً كابوسي، هامساً برعب
"دعنا نبتلع النور.. ونغمر هذا العالم بالظلام الذي يستحقه."
على الجانب الآخر، كان المشهد يفيض بالقوه والتحمل. **آرثر**، بطل النور، كان يواجه نسخته في صراعٍ لا يرحم. تصادمت السيوف وتطايرة شرارات المانا البيضاء و الزرقاء، لتخلق لوحة من الضوء المتفجر وسط الفوضى.
ابتسم المزيف لآرثر، والسيوف تصرخ تحت وطأة الاحتكاك: "أنت حقاً عنيد.. لماذا لا تسقط فقط؟ جسدك تمزق، والمانا في عروقك تجف،"
رد آرثر ببرود، رغم أن هالة النور الأزرق حول جسده كانت تتذبذب كشمعة تحتضر: "أنت تعرف إجابتي حتى دون أن أخبرك.. أليس كذلك؟"
اتسعت ابتسامة المزيف، وكانت مرآة لابتسامة آرثر نفسه: "أجل.. نحن لا نستطيع الاستسلام مهما حدث، هذا شيءٌ تعلمنا حتى امتزج في أرواحنا منذ الصغر."
تحرك المزيف بحركةٍ خاطفة، مشعاً بهالة نورٍ عمياء مزقت اطراف الوحوش المحيطه. ثم ظهر بجانب آرثر في رمشة عين وسدد مهارة **"انفجار النور"**. ركز آرثر كل ما تبقى من طاقة المانا في نصل سيفه ليصد الهجوم،
لكن الضغط كان ساحقاً؛ تراجع للخلف وهو يحرث الأرض اللزجة بقدميه، وبالكاد استطاع تثبيت جسده المرتجف لمنع نفسه من السقوط.
لم يمنحه المزيف ثانيةً لالتقاط أنفاسه؛ ظهر أمام وجهه مباشرة، وشن هجوماً مباغتاً بسيفه نحو كتف آرثر الأيمن، وبمهارةٍ شيطانية، استخدم المزيف يده اليسرى المشحونة بهالةٍ خفيفة ليسدد لكمةً غادرة حطمت أنف آرثر.
تطايرت قطرات الدماء الحمراء، وترنح آرثر للخلف والصداع يضرب رأسه، وبينما كان يحاول استعادة توازنه، أطلق المزيف مهارة **"تنين النور الفضي"**.
اندفع التنين الضوئي ليدمر ما تبقى من مقاومة آرثر، محولاً إياه إلى جسدٍ شبه ميت، محطم العظام، ومدمىً بالكامل. ومع ذلك، وبينما كان جسده يضغط على الأرض،
فعل آرثر المستحيل بالنسبة لحالة الحالية؛ وقف على قدميه المترنحتين، ورفع سيفه ببطءٍ شديد، واضعاً إياه أمامه بوضعية مبارزٍ ينتظر القدر الأخير.
تقدم المزيف ببرود، والسخرية تملأ نبرته: "لطالما قال الناس عني أحمق عنيد.. والآن عرفتُ تماماً ما يقصدونه حقاً."
انطلق المزيف ليمزق جسد آرثر بضربةٍ قاضية، لكن آرثر قدم ذراعه اليسرى "الفارغة" فجأة، وفجر مانا من الضوء الساطع مباشرة في وجه النسخة. تراجع المزيف بذهول، مغطياً عينيه وهو يصرخ بألم: "أيها اللعين! أين آداب المبارزة؟!"
ابتسم آرثر ببرودٍ ممزوج بالدماء: "آداب مؤخرتي.."
وبسرعة البرق، جمع آرثر كل ذرة مانا متبقية في عروقه، ليطلق رده القاتل: **"تنين النور الفضي الكامل!"** خرج تنينٌ متوسط الحجم، بحراشف زرقاء متوهجة، ليصطدم بصدر المزيف ويقذفه بعيداً ليحطم الأشجار خلفه.
سقط المزيف على الأرض بقوة، لكن لم يطول الأمر طويلا حتى وقف مرة أخرى وهو يبصق كتلة من الدماء، و ينظر إلى آرثر الذي كان يركز كل ثقله على سيفه "إكليبس"، وعيناه الزرقاوان شبه مغمضتين.
"لقد انتهت المانا خاصتك الآن.." قال المزيف وهو يتقدم بخطىً ثابتة، "سلم عنقك لأقطعه بسلام." لكن وسط الدمار والدماء وفي تلك اللحظة المناسبة، ظهر **ليوين** من العدم.
أصبح خلف المزيف دون أن يشعر الأخير بذرة حضور من جسدم. ثم انطلق خنجره الأسود نحو وجه المزيف بلمحة بصر. تفاجأ المزيف وقفز للجانب من أجل تجنب الهجوم باللحظة الأخيره، لكن نصل ليوين ترك خدشاً عميقاً ينزف بالقرب من عينه.
بينما كان المزيف وسط القفزة، شكل ليوين الخنجرين معاً ورفعهما للجانب، والظلام حوله يغلي كبركانٍ أسود.
**"انفجار الظلام!"**
انطلقت موجةٌ من السواد المطلق لتصطدم بجسد المزيف العالق في الهواء، محولةً المكان إلى ساحة من الحطام والدمار الصامت.
استمر ليوين في ضغطه، ولم يترك للمزيف فرصة لملامسة الأرض. وبحركةٍ تشبه السباحة في الظلال، استخدم **"خطوة الظل"** ليظهر فوق المزيف وهو لا يزال يترنح من الانفجار الأول
قبض ليوين بيده اليسرى على رأس المزيف، وغرس ركبته في صدره ليهبط به نحو الأرض بقوةٍ جعلت العظام تئن وتتكسر.
ارتطم المزيف بالأرض الجلدية اللزجة، لينفجر الغبار والمانا من حوله. لكن ليوين لم يبتعد، بل ظل جاثياً فوقه، ممسكاً بخناجره التي كانت تنبض بلونٍ أسود غامق.
"لقد كنتَ تتحدث عن قطع العنق بسلام، أليس كذلك؟" همس ليوين بصوتٍ مزدوج، صوت بشري وصوت الوحش الذي يعانقه من الخلف. "أنا لا أؤمن بالسلام.. الموت يجب أن يكون درساً، يجب أن يكون معزوفةً من الألم الذي لا يُنسى لذالك دعنا نجربه معا"
حاول المزيف استجماع ما تبقى من مانا النور ليفجر جسد ليوين بعيداً، لكن الظلام المحيط بليوين كان يلتهم النور بمجرد ظهوره. بدأ ليوين بغرس خنجره ببطء في كتف المزيف،
محركاً النصل بحركاتٍ دائرية بطيئة ليمزق الألياف العضلية واحدة تلو الأخرى.
صرخ المزيف، صرخةً هزت أرجاء الغابة الميتة، لكن ليوين فقط أمال رأسه، مستمتعاً بالترددات الصوتية للألم وهو يضغط على جسد المزيف بظلامه الخاص مانعاً اي فرصة له بالهروب أو التحرك حتى.
ثم انتقل ليوين إلى اليد الأخرى، وببرودٍ جراحي، قام بقطع الأوتار عند المعصم. يفعل ذلك وهو ينظر مباشرة في عيني المزيف، باحثاً عن تلك اللحظة التي تنكسر فيها الروح لكن ما شاهده هو إصرار وعزيمة لا تلين .
على الجانب الآخر، كان **آرثر** يراقب المشهد بصدمة. لم يكن يرى "ليوين" الذي يعرفه؛ كان يرى كياناً مغلف بالظلام ذو اعين محطمة يعذب ضحيته بشغفٍ مريض. حاول آرثر التحرك، لكن جسده المحطم لم يستجب.
"ليوين." همس آرثر بصوتٍ واهن، لكن ليوين لم يلتفت أو يهتم بوجوده حتى.
بدأ ليوين بتفعيل مهارة **"القبة المظلمة"** مرة أخرى، ليغلق العالم على نفسه وعلى فريسته. داخل القبة، لم يكن هناك قانون سوى إرادة ليوين. بدأ بتقطيع أجزاء صغيرة من جسد المزيف، أذن، إصبع، قطعة من الجلد..
بينما كان يفعل ذلك وكأنه يفكك آلة، بصمتٍ مطبق لا يقطعه سوى أنين المزيف الذي فقد القدرة على الصراخ حتى لكن اعينه مازالت تشع بذالك البريق الذي لا ينفطئ.
"أنت تذكرني بشيءٍ أكرهه.." قال ليوين وهو يضع الخنجر فوق حنجرة المزيف.
وبحركةٍ أخيرة، ببطءٍ شديد، مرر ليوين النصل عبر عنق المزيف، ليس لذبحه فوراً، بل ليدعه يشعر بكل مليمتر من المعدن وهو يقطع مسالكه التنفسية تحت وطأة الظلام الذي بدأ باكل جسده وامتصاص النور بداخله. تفتت جسد المزيف أخيراً إلى رماد واختفى من الوجود .
تلاشت القبة المظلمة، ليظهر ليوين واقفاً بشكل وحيد ينظر إلى يديه الملطختين بسخام المانا الميتة. التفت نحو آرثر، والابتسامة الخفيفة لا تزال مرسومة على وجهه.
"لقد انتهى الأمر أخيرا" قال ليوين وهو يتقدم نحوه ببرود
نقل نظراته ببرود ودون اهتمام بين الابطال الأخرين؛ بدأ بـ **إدريان** الواقف في مكانه يرتعد رعباً، وسلاسله تصدر رنيناً خائفاً كأنها تستشعر وحشاً قريبا.
ثم انتقل بنظره إلى **مايكل**، الذي كان بالكاد يجمع شتات نفسه، يلهث بعنف والدماء تغطي راسه وشعره الأصفر
التفت بعد ذلك إلى **مايك**، الذي وقف بصعوبةٍ بالغة، صدره الضخم ينخفض ويرتفع بجنون محاولاً استنشاق ذرة هواء نقية وسط هذا العفن.
وأخيراً، استقرت عيناه على جسدي **كايزر** و**ليا** المغمى عليهما، جثثاً هامدة تتنفس ببطء فوق الأرض اللزجة.
قال ليوين بصوتٍ خالٍ من أي تعاطف: "دعونا نرحل من هذا الجحيم.. وبالنسبة لهؤلاء الحمقى المغمى عليهم، فإما أن تحملوهم بأجسادكم المتهالكة هذه، أو تتركوهم في مكانهم لتأكلهم الوحوش"
ساد صمتٌ ثقيل بينما كان الجميع ينضر إلى ليوين بغضب، قطعه صوت خطوات **مايك** الثقيلة وهو يتقدم ببطء، انحنى وحمل **كايزر** على كتفه بصعوبةٍ واضحة،
وقال بنبرةٍ غاضبة: "بالطبع سوف نأخذهم.. هل تظن أننا وحوش مثلك؟ "
لم يعطِ ليوين أي أهمية لكلامه، بل أشاح بوجهه دون اهتمام ومضى يتقدم إلى الأمام بخطىً ثابتة ومريبة. تقدم **إدريان**، وبحركةٍ غريزية،
جعل سلاسله تحيط بجسد **ليا** برفق ليرفعها ويحملها، ثم سار نحو **مايكل** ووضع ذراع الفتى على كتفه ليساعده على السير في رحلة الخروج الشاقة.
توقف إدريان بجانب **آرثر**، ونظر إلى جراحه التي تغطي جسده والدماء التي تنزف من كتفه ثم نطق: "هل تستطيع الحراك؟"
ابتسم آرثر ابتسامةً باهتة، محاولاً إخفاء الألم الذي يعتصر أحشاءه، وارتكز على سيفه "إكليبس" ليقف بالكاد. "لا بأس.. أستطيع الحراك."
انطلق الرفاق خلف ليوين بأجسادٌ مدمرة، دماءٌ تحيط بهم من كل جانب، وجراحٌ تصرخ مع كل خطوة. بينما كان ليوين يسير في المقدمة، يفتح الطريق نحوهم ويتفحص اي خطر موجود، ثم ينظر إليهم بطرف عينيه بين الحين والآخر دون اهتمام، كأنه يسوق قطيعاً من الغنم
لكن عقله يسير في اتجاهٍ آخر تماماً، بعيداً عن أنينهم وأوجاعهم. كان هناك سؤالٌ واحد ينخر في جمجمته، سؤالٌ يمنعه من الشعور بالانتصار
' لماذا لم يظهر سيد القبر السفلي؟ '
فكر ليوين وهو يضيق عينيه، والشعور بالخطر يزداد في صدره: 'لقد قتلتُ النسخ، مزقتُ قوانين مكانه، ومع ذلك، لا يزال يختبئ في الظلام هل هناك شيء يجبره على عدم التحرك ؟ أو ربما أنه لم يهتم بنا كثيرا '
---
ثلاث تعاليق من ثلاث اشخاص ينزل الفصل القادم ❤️❤️