بعيداً عن ظلمات المقبرة والغابة السفلية وصراعاتها التي لا تنتهي. وفي قلب قارة أستاريا تحديدا، كانت الشمس تشرق على مشهدٍ يمزق القلب بقدر ما يوحي بالأمل.

أمام أكاديمية كلانس، تلك القلعة التعليمية التي كانت يوماً ما تطاول عنان السماء بزهو وتكبر، لم يتبقى منها سوى أنقاضٍ يتم انتشالها من تحت الرماد. مئات العمال يهرعون كالنمل

وهم يحملون الصخور ويرممون الأعمدة التي حطمها الهجوم الغاشم من سيفر وأتباعه،

وقفت سيليا، سيدة الثليج، ببرودٍ وسط هذا الضجيج. تنظر إلى الحطام بعينين زرقاوين تعكسان صقيع القطب، غير مبالية بصخب البناء من حولها، وهيا تنضر إلى المكان الذي أصبح بالكاد يمكن العيش به الآن. بجانبها تقدم إليها ببطء الأستاذ بير،

انحنى برأسه باحترامٍ وقال: "سيدة سيليا.. السادة وصلوا، حان وقت الاجتماع."

لم تلتفت سيليا إلى بير بعد كلامه، بل رفعت رأسها نحو الغيوم التي كانت الأكاديمية تلمسها يوماً، ونبست بصوتٍ خرج كزفيرٍ بارد: "حسناً.. أنا قادمة."

---

داخل غرفة اجتماعاتٍ فسيحة، و ذات سقفٍ عالٍ ونوافذ تطل على الأفق المهدم، كان الجو مشحوناً بضغطٍ مانا هائل يكاد يحطم الجدران. لم يكن هؤلاء مجرد قادة، بل كانوا سادة القارات وأولياء أمور المفقودين.

جلس في صدر القاعة والد كايزر، الملقب بـ "غضب السماء". عيناه تشتعلان ببريق البرق، وجسده يرتعش بنبضاتٍ كهربائية غاضبة تحذر كل من يقترب منه. وأمامه،

جلس إلفٌ وسيم المظهر، بشعره الذهبي ينسدل على كتفيه، لكن عينيه كانتا تقطعان كل ما يقع أمامهما ببرود؛ إنه والد مايكل، الملقب بـ "ابن العاصفة".

بجانبه، كان هناك رجلٌ ضخم البنية، يجلس وكأنه جبلٌ صخري. و الكرسي يئن تحت وطأة جسده، ويداه الضخمتان متشابكتان فوق صدره وهو ينظر بغضبٍ صامت لكل ما حوله؛ هذا هو والد مايك، "سيد الأرض".

أما في الجانب المقابل، فكانت تجلس سيدة وقورة، تخفي ملامحها تحت عباءةٍ بيضاء ناصعة، لكنها لم تستطع إخفاء ملامح الجمال القدسي الفائض من وجهها. كانت والدة ليا وقديسة القارة،

تجلس بأناقةٍ ورزانة، غير أن عينيها كانت تتحركان بخوفٍ وقلقٍ دفين، وهي تفكر في ابنتها التي غابت عن أحضانها منذ شهرين كاملين.

فُتح الباب ببطء، ودخلت المديرة سيليا بينما البرود يسبق خطواتها. تقدمت وجلست في مقعدها المخصص، لتصطدم عيناها بنظراتهم؛ نظراتٌ تنوعت بين الغضب المشتعل، والترقب الحذر، والأمل المكسور.

قالت سيليا ببرودها المعتاد: "أين سيد السيف؟"

تحرك "ابن العاصفة" في كرسيه بضجر وقال: "لا نعلم.. قال إن لديه بعض الأعمال العاجلة وسوف يأتي قريباً."

هزت سيليا رأسها بتفهم، لكن "غضب السماء" لم يستطع الصمت أكثر، فضرب الطاولة بيده ليسري تيارٌ كهربائي خفيف في أرجائها، وقال بصوتٍ زلزل القاعة: "هل هناك أي أخبار عن أطفالنا؟"

نظرت إليه سيليا، ولأول مرة، لمع مسحةٌ من الألم في عينيها قبل أن تهز رأسها ببطء: "كلا.. لا يوجد أي أثر. شهران مرا، ولم يعثر كشافتنا على خيطٍ واحد يدل عليهم."

"تباً!" صرخ غضب السماء وهو يضرب الطاولة مرة أخرى كاد يحطمها لو لا تدخل ثليج سيليا .

نطق "سيد الأرض" بنبرةٍ خشنة: "ربما ذلك اللعين (سيفر) قد عثر عليهم؟"

قبل أن ينهي سيد الأرض كلامه، طرق الباب بصوتٍ خافت. سمحت سيليا بالدخول، لتظهر الساحرة إيلاريا بملامحها الغامضة. جلست إيلاريا بجانب القديسة التي نظرت إليها بتعجب: "لم أتوقع حضوركِ اليوم يا إيلاريا."

ابتسمت إيلاريا بضعف وقالت: "لقد جئتُ لأن لديَّ أخباراً."

انتبه الجميع نحوها فوراً، وقالت سيليا: "ما هي هذه الأخبار؟"

تنهدت إيلاريا وقالت: "طوال الشهرين الماضيين، كنتُ أحاول استشعار ترددات طاقة الأطفال في مختلف أرجاء العالم، واليوم وصلتُ إلى نتيجةٍ أخيرة.. أظن أنهم قد نُقلوا إما إلى القارة السفلية وسط مملكة الشياطين، أو.. إلى الغابة السفلية التي تفصل بين عالمينا."

شهق الجميع بتعجب نحوها حتى. نطق "ابن العاصفة" بحزنٍ مكتوم: "هذا سيء.. إن كانوا في الغابة السفلية، فهناك احتمالٌ كبير أنهم قد لقوا حتفهم ."

هزت إيلاريا رأسها ببطء: "لا أعلم يقيناً، لكن سيد السيف أخبرني أنه متأكد من أنهم، أو على الأقل بعضهم، ما زالوا على قيد الحياة."

نظرت إليها القديسة بلهفة: "وكيف يعلم ذلك؟"

أجابت إيلاريا: "قال إنه ليس متأكداً بشأن الجميع، لكنه يشعر بـ (آرثر).. إنه يعلم أن ابنه لا يزال يتنفس."

زمجر "سيد الأرض" وهو يهز رأسه: "إن نجا آرثر، فقد نجا الجميع أيضا. لكن المهم الآن في هذه الوقت.. أين ذهب سيد السيف؟"

خفّضت إيلاريا رأسها ببطء وقالت بصوت خافت: "لقد ذهب إلى القارة السفلية.. ذهب للقاء سيفر وجهاً لوجه تحديدا."

وقف الجميع دفعة واحدة بصدمةٍ زلزلت الكراسي، وصرخوا بصوتٍ واحد: "ماذا؟! لماذا ذهب ذلك الأحمق إلى هناك وحده؟!"

حاولوا المغادرة فوراً للحاق به وارجاعه أو مساعدته، لكن إيلاريا أوقفتهم بحزم: "لا تقلقوا، لقد وضعت تدابير كافية. وأيضا هو لم يذهب للحرب، بل ذهب للتأكد من وجود الأطفال واستعادتهم."

قال غضب السماء بقلق: "حتى مع ذلك.. سيفر ليس شيطاناً عادياً لن يجعله يمر بسهولة"

هز ابن العاصفة رأسه تأييداً: "لن يتركه يخرج دون أن يفعل شيء ما."

نظرت سيليا نحو نافذة القاعة باتجاه الجنوب، حيث تقع القارة السفلية المظلمة، وقالت بهدوءٍ مريب: "لا بأس.. دعونا نثق به. إذا كان هناك من يستطيع العودة من عقر دار الشياطين، فهذه الشخص هو سيد السيف فقط."

كانت كلمات سيليا توحي بالثقة الكاملة، لكن القلوب في القاعة كانت ترتجف؛ فالحرب على الابعاد ومقتل سيد السيف سوف يقلب موازين القوى بشكل سيء الآن.

---

وسط ركام المدن المحطمة وبحار الدماء النازفة، شقَّ سيد السيف طريقه، واطئاً فوق أشلاء الوحوش التي تساقطت أمام نصله للتو كأوراق الخريف. ب خطواته الرتيبة فوق الحجارة المخضبة بالدماء تعزف لحن الموت، معلنةً عن حضوره الذي لم يأبه يوماً بأعتى كيانات هذه القارة.

شعره الفحمي يداعب جبينه مع كل حركة، ملامحه الوسيمة —التي صمدت في وجه عاتيات الزمن— بدت وكأنها نُحتت من رخامٍ بارد لا يعرف اللين.

توقف في منتصف الخراب، مستنشقاً الهواء المسموم الذي يفوح برائحة الموت والرماد، ثم أطلق زفيراً مثقلاً بالسخرية، ونطق بنبرةٍ تقطر استهزاءً:

"إذن، هذه القذارة هي منزل أولئك الشياطين؟."

لم يكد ينهي كلمته حتى شعر بتواجدٍ طاغٍ يقطع أنفاس المكان. وقف أمامه كيانٌ أشبه بكتلة متحركة من الدروع الكبيره، جسدٌ ضخم يبعث على الرهبة، يقبض بيده الغليظتين على فأسٍ ضخم يشع بماناً شيطانية.

كان هذا هو **بفر**، الذي حدق في سيد السيف من تحت خوذته الحديدية بنظرات تترقب قتال دموي.

لم يبدِ سيد السيف أي اهتمام، وتابع تقدمه ببرود قائلاً: "تملك هالة مقززة.. تشبه رائحة العفن الذي يملأ هذا المكان."

رد بفر بصوتٍ يقطر سخرية"وأنت أيضاً.. تملك هالة بشعة بالنسبة لهذا المكان يا سيد السيف. وجودك هنا كشمعة مضيئة في قاع مظلم، غريب جدا بالنسبة لنا لذالك جئت من أجل إطفائها."

توقف سيد السيف على بُعد خطوات قليلة، ونظر إليه ببرودٍ قاتل: "ابتعد عن طريقي أيها الكلب الصغير، وأحضر لي سيدك للتحدث معه."

ابتسم بفر بجنون مغطى بالغضب من كلام سيد السيف وعدم اكتراثه، رفع فأسه القوي مشكلاً ضغطاً هائلاً على الأرض من حوله: "أمثالك لا يستحقون لقاء السيد سيفر.."

في رمشة عين، اختفى بفر من مكانه، محاطاً بهالة بنفسجية داكنة مزقت الهواء، ليظهر فوق رأس سيد السيف شاناً هجوماً ساحقاً ليقطعه بشكل عمودي. تنهد سيد السيف بهدوء،

وبحركة اتسمت بالرقي والجمال، سحب سيفه ببطء بينما بدأت أعينه تشع بلون أزرق سماوي حاد. رفع سيفه بزاوية دقيقة، ليصد الفأس الضخم بسهولة أذهلت بفر.

ضغط بفر بكل قوته، لتنفجر هالة شيطانية من فأسه تحاول سحق خصمه، لكن سيد السيف ظل صامداً كالجبل، يحدق في بفر ببرود شديد دون أن يتزحزح ميليمتراً واحداً.

وبحركة خاطفة، حرك سيفه بليونة وسرعة، منزلقاً عن نصل الفأس الذي كان يضغط عليه بفر، مما جعل الأخير يفقد توازنه قليلاً بسبب اندفاع قوته في الفراغ.

لم يمنحه سيد السيف فرصة لاستعادة توازنه؛ فقد اختفى من أمامه وظهر في جانبه الآخر كأنه شبح. وبخفة لا تصدق، لوّح بسيفه ليقطع يد بفر الضخمة بالكامل،

مخترقاً درعه القوي بسهولة. تطايرة الدماء السوداء لتلطخ الأرض المحطمة، بينما تراجع بفر بجسده الضخم وهو يزمجر ألما.

نظر بفر إلى ذراعه المقطوعة بذهول ثم قال: "كما هو متوقع من أفضل من حمل السيف تحت هذه السماء.."

رفع سيد السيف نصله ببطء، بينما السيف يرتجف بطاقة زرقاء غريبة كانت"هالة السيف"، تلك الحالة التي لا يصل إليها إلا من اندمجت روحه مع معدن السيف ليصبحا كياناً واحداً.

وقبل أن يوجه الضربة القاضية ليقتل بفر، بدأت أنسجة سوداء مقززة تخرج من كتف بفر، لتنمو ذراعه مجدداً في ثوانٍ معدودة.

انفجر جسد بفر بهالة الظلام الشيطانية، مستعداً لخوض جولة انتحارية، لكن صوتاً شاباً قطع التوتر بجانبهم. ظهر شاب في الخامسة والعشرين من عمره،

شعره أحمر قاني كالدماء، يرتدي عباءة تغطي جسده بالكامل وتترك وجهه الحاد واضحاً.

"سيد بفر.. توقف،" قال **كريس** بهدوء. "أمرُ السيد سيفر بوقف القتال فوراً، وإحضار سيد السيف للقائه."

نظر بفر إلى كريس، ثم أعاد فأسه إلى مكانه بضيق: "مؤسف.. نادراً ما تقاتل شخص بمثل رتبة سيد السيف"

أعاده سيد السيف هالته وارجع السيف خاصته إلى غمده بحركة انسيابية، ثم بدأ بالسير متجاوزاً إياهما ببرود: "قُد الطريق يا كريس، لا أريد إضاعة المزيد من الوقت في هذا المكان الكريه."

سار كريس وبفر خلفه ببعض الغضب من غطرسته، كان كريس يراقب ظهر سيد السيف بتركيز نادر، تمتم بصوت خافت لم يسمعه أحد: ' لقد زادت قوته بشكل مرعب منذ آخر مرة رأيته فيها..'

---

المؤلف: نخرج من جو الغابة والأبطال السبعة ودعونا نشاهد الجيل القديم + الفصل كما وعدتكم

2026/04/15 · 14 مشاهدة · 1417 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026