"سيليا كانت مجرد تسلية باردة،" همس سيفر بصوتٍ شخص يستمتع بوقته، "لكنك يا نيريون.. أنت الحريق الذي كنت أنتظره"
بدأت المانا البنفسجية حول سيفر تتكثف بشكلٍ مرعب وتندمج بشكل بشع حتى، بدأت قرونه السوداء تطول وتنحني للخلف كتيجان الملوك القدامى، وتفجرت من ظهره أجنحة غشائية ممزقة تقطر ظلاماً يلتهم الوجود نفسه.
**"[تحرر الشيطان: المرحلة الثانية]!"**
انفجرت موجة من الضغط الجوي أطاحت بنص القصر المتبقية، مما أجبر **بفر** على غرس فأسه في الأرض ليثبت جسده، بينما تراجع **كريس** خلف أعمدة القاعة البعيدة وهو يشعر بقلبه يكاد يتوقف عن النبض.
لم ينتظر نيريون اكتمال التحول؛ فقد انطلق كصاعقة زرقاء شقت خيوط الظلام. في جزء من المليون من الثانية، كان نصل سيفه يلامس رقبة سيفر. لكن سيفر، في هيئته الجديدة، تحرك بسرعةٍ تخطت حدود سيد السيف؛
أمسك بنصل السيف بيده العارية التي تحولت إلى مخلبٍ أسود حاد، وسمع الجميع صوت صرير المعدن وهو يُسحق تحت ضغط قبضته الشيطانية.
ابتسم سيفر في وجه سيد السيف، سدد ركلةً اخترقت دفاعات نيريون لتصطدم بمعدته. قُذف سيد السيف ليحطم سبعة أعمدة حجرية قبل أن يستقر في جدار القصر البعيد، مخلفاً فجوةً عملاقة.
خرج نيريون من الحطام، والدماء الحمراء تسيل من فمه، لكن نظراته لم تهتز. مسح الدماء بطرف كمه، وأغمد سيفه ببطء. ساد هدوءٌ مريب، ثم بدأ نيريون يتمتم بكلماتٍ بلغةٍ قديمة، لغة سادة السيف الأوائل.
**"[فن السيف: اندماج الروح]!"**
اختفت الهالة الزرقاء الصاخبة، وحل محلها هدوءٌ مطلق. أصبح نيريون يبدو كإنسانٍ عادي، لكن بالنسبة لسيفر و بفر تحديداً، كان هذا تحول كامل بقوة نيريون اصبح مرعباً أكثر من أي وقت مضى
سحب نيريون كل ذرة مانا من المحيط وحبسها داخل جسده وسيفه مع دمج هالة السيف بهالة جسده وروحة بشكل خاص ليصبح كلاهما شخص واحد.
انطلق نيريون مجدداً، ثم ظهر فجأة أمام سيفر، وبدأ تبادل ضرباتٍ وحشي. كل تصادم بين السيف والمخالب كان يولد انفجاراً صوتياً يمزق طبلة الأذن.
قطع نيريون ذراع سيفر اليسرى، وفي اللحظة نفسها، غرس سيفر مخالبه في كتف نيريون لينتزع قطعة من لحمه. تطايرت الدماء السوداء والحمراء في الهواء،
لترسم لوحة دموية فوق أرضية القصر الملوثة. تراجع كلاهما خطوة، ثم انقضا مجدداً.
سدد نيريون سلسلة من القطوع السريعة التي شكلت شبكة من النور الأزرق حول سيفر، مما مزق جسد الشيطان في عشرات المواضع. رد سيفر باستدعاء **[رماح الظلام الأبدي]**؛
مئات الرماح من الظلام الصلب التي انطلقت من الظلال لتخترق فخذ نيريون وجانبيه.
صرخ نيريون من الألم، لكنه لم يتوقف لجزء من الثانية بل. استخدم الألم كوقود، ولف جسده في دورانٍ انتحاري، مقلصاً المسافة بينه وبين سيفر,
استقرت طعنة نيريون في خاصرة سيفر، فصهرت المانا الزرقاء أنسجة الظلام في موضع النصل، مخلفةً فجوةً ينبعث منها دخانٌ أسود كبريتي. لم يتراجع الشيطان أمام الهجوم القوي ولم يهتم حتى،
بل قبض بيديه المغلفتين بالمخالب على كتفي نيريون، وغرس أنيابه المعدنية في ترقوته، ليمتزج زئير الألم بضحكة جنونٍ مكتومة.
انفجرت الطاقة المحتبسة بين جسديهما، فارتجت ما تبقى من جدران القصر الذي. لم يعد يحتمل القوتين بداخله؛ بدأت الأعمدة التي رُصفت بجماجم الملوك تتفتت، والسقف الذي كان يبتلع الضوء انهار كشلالٍ من الركام العظيم.
وبضربةٍ رأسية من سيفر، قُذف نيريون ليخترق ما تبقى من جدران القاعة، محطماً في طريقه قروناً من تاريخ الشياطين المظلم، حتى استقر كلاهما في الساحة الخارجية الشاسعة، تحت سماءٍ لا تعرف سوى لون الموت والمعاناة.
وقف نيريون وسط الغبار، وجسده ينزف بشدة، لكن تحولاً مخيفاً بدأ يطرأ على كيانه. تلاشت حدقة عينيه البشرية، وحل محلها **بؤبؤٌ طوليٌّ حاد كحَدِّ السيف**، يشع بنورٍ ثاقب،
وكأن روحه قد انصهرت تماماً في جوهر النصل. وفي المقابل، غارت عينا سيفر في محجريهما، لتنبثق منهما **أرجوانيةٌ باهتة تبعث رائحة الموت**، هالةٌ تُجبر الأعشاب القليلة حوله على اليباس والتحول إلى رمادٍ في ثانية.
انطلق نيريون مجدداً، لكن حركته لم تعد مجرد اختفاء وظهور، بل غدا كـ **خيطٍ من اللون الأزرق** ينسج الفراغ. سدد سلسلة من الطعنات التي لم تستهدف جسد سيفر فحسب،
بل كانت تقطع "الحيز" الذي يشغله. رد سيفر بـ **[مخالب الغسق]**، محولاً يديه إلى شفراتٍ عملاقة من الظلام المطلق، قادرة على تمزيق الجبال بسهولة
كلما اصطدم النصل بالمخلب، كان الهواء ينضغط ثم ينفجر، محدثاً فوهاتٍ عميقة في الأرض الميتة. تلاحما في اشتباكٍ دمويٍّ عنيف؛ نيريون يمزق جناح سيفر بقطعةٍ دائرية،
وسيفر يرد بلطمةٍ حطمت عظام قفص نيريون الصدري. لم يعد هناك مجالٌ للدفاع بينهما، بل كان قتالاً يقوم على استبدال الجراح بالجراح، والدم بالدم.
"أتظن أن قوتك هذه ستكفي على الخروج من هنا حيا ؟" زمجر سيفر، وهو يستدعي **[ذراة الظلام]**، حيث بدأت جراحه المفتوحة تقذف كراتٍ من المانا المتفجرة في وجه نيريون.
لم يرمش نيريون أمام الهجوم القوي، بل استخدم مهارة **[نية السيف]**؛ دخل في حالةٍ من السكون المطلق وسط الانفجارات، ليمر نصله عبر كرات النار السوداء، ويشق طريقاً مباشراً نحو قلب سيفر.
على بُعد مسافةٍ آمنة، كان **بفر** و**كريس** يقفان فوق أنقاض القصر المنهار، يشاهدان دماراً لم يخطره ببال أعتى الشياطين. تمتم بفر وهو يرى بؤبؤ سيف نيريون:
"لقد تجاوز عتبة البشر حقا هو الآن على قدم المساواة مع الحراس الثلاثه"أما كريس فقد كان ينظر للقتال ببرود وهو ينتظر نتيجة المعركة التي اقتربت على النهاية
استدار نيريون في الهواء، وسدد ضربةً أفقية أطلقت موجةً من مانا السيف الزرقاء بطول كيلومترٍ كامل، فقسمت التلال البعيدة لنصفين. استقبل سيفر الضربة بصدره العاري،
ليرد بـ **[قبضة الانهيار المظلم]** التي استقرت في كتف نيريون، محطمةً الكتلة العضلية بالكامل.
سقط نيريون على ركبته، والدم يغمر وجهه الوسيم الذي غطته الجروح، لكن بؤبؤ السيف في عينيه ازداد توهجاً. وقف ببطء، وجسده يرتجف من فرط الضغط القاتل الذي يمارسه على جسده المتهالك.
"سيفر.." نطق نيريون بصوتٍ هادئ "دعنا ننتهي من هذه الآن"
رفع نيريون سيفه ببطءٍ مجهد، ووضعه عمودياً أمام وجهه الملطخ بالدماء. أغمض عينيه ليركز طاقة من اجل الهجوم الأخير ولم يبقَ سوى نبض قلبه الذي يصارع التوقف ونبض سيفه الذي يطالب بالتحرر.
بدأت ذرات الهواء تنجذب نحو نصل السيف، ليتشكل غلافٌ من لون غريب ومتغير في كل ثانية تمر، يمزق نسيج الفراغ بمجرد وجوده **"[فن سيد السيف: قاطع الأبعاد]!"**
في المقابل، استجمع سيفر كل ذرة مانا شيطانية متبقية في جسده، وضغطها حوله بقوةٍ جعلت العظام تئن. تحولت الهالة البنفسجية إلى سوادٍ مطلق، كتلة من العدم الذي يبتلع الوجود، وصرخ بابتسامةٍ مجنونة
**"[ظلام الموت الأخير]!"**
بمجرد أن أطلق الاثنان العنان لضربتيهما الأخيرتين، انصهر الواقع في نقطة التصادم؛ انفجر **[قاطع الأبعاد]** لنيريون بحدته التي تشق الوجود نفسه، ليصطدم بكتلة **[ظلام الموت]** التي استدعاها سيفر كبئرٍ من العدم.
في تلك اللحظة، لم يحدث دويٌّ مباشر، بل ساد صمتٌ كونيٌّ مرعب بينما كان النور الأزرق المتغير والظلام البنفسجي ينهشان بعضهما البعض، قبل أن ينفجر المحيط في وميضٍ أبيض جرف الأفق تماماً، محولاً سماء القارة السفلية إلى نهارٍ زائف نتيجة الاصطدام القوي.
اجتاحت موجةٌ ارتداديةٌ عملاقة جغرافيا المكان، فلم تكتفِ بهدم المباني بجانبهم، بل محت معالم القارة من الوجود؛ تلاشت المناطق القريبة عليهم كالغبار، وتبخرت البحيرات المسمومة في ثوانٍ، واستحالت القصور والمقابر الغابرة إلى رمادٍ تذروه الرياح العاتية.
لقد أعاد هذا الاصطدام رسم خريطة العالم، تاركاً وراءه فجوةً في نسيج المكان، وكأن الأرض نفسها صرخت من فرط القوة التي عجزت عن احتوائها.
في تلك الأثناء، كان كريس وبفر وبقية الشياطين الواقفين يتقوقعون خلف دروعٍ من المانا الكثيفة، يستميتون في حماية أجسادهم من وهج الانفجار الذي كاد يفتك بوجودهم، بينما كان المحيط حولهم يتآكل تحت وطأة الضغط
انقشع الغبار ببطء، ليظهر نيريون وسيفر واقفين وسط فوهةٍ بركانية عملاقة خلّفها الانفجار. كلاهما يلهث بصعوبةٍ بالغة، الصدور تعلو وتنخفض بعنف،
والدماء تغطي جسديهما لدرجة أن ملامحهما كادت تختفي. رفع نيريون يده المرتجفة ليقبض على سيفه، بينما بدأ سيفر بتجميع شظايا ظلامه المبعثرة لجولةٍ أخيرة يدرك كلاهما أنها ستكون النهاية.
وفجأة… سكن كلُّ شيء؛
تلاشت الرياح وخرس ضجيج القتال، واجتاح كلاهما يقينٌ باردٌ يحفر في دهاليز أرواحهم بصمتٍ مرعب.. لم يكن مجرد شعور، بل كان الموت ذاته يقف على أعتاب إدراكهم.
التفت نيريون بسرعة نحو أحد الجوانب وهو يستشعر قوة قوية حوله، وأمال سيفر رأسه ببطء ايضا، نحو جهةٍ واحدة.
وسط الحطام المشتعل، وقف جسدٌ طويلٌ بشكل مهيب، وثابت كتمثالٍ خُلق من مادةٍ تسبق وجود الزمن. كانت بشرته شاحبة تميل إلى الرمادي، خالية من أي نبضٍ أو حياة.
ينسدل شعره الأبيض الفضي خلفه كشلالٍ من النور البارد، يتمايل ببطءٍ غريب لا يخضع لقوانين الحياة، وكأنه يتحرك داخل فراغٍ معزول عن العالم.
أما عيناه… فقد كانتا الجحيم الحقيقي في ذلك المشهد. فراغٌ مطلق، بلا بؤبؤ أو لون، مجرد بقعة من الظلام الحالك، .
نظر **سيفر** الذي استعاد هدوءه نحو الشخص ونطق وهو يمسح الدماء عن وجهه: "ثاناتوس.. ما الذي تفعله هنا؟"
نظر إليه ثاناتوس بجموده المعتاد، وقال بصوتٍ كان مزعج لمن يسمعه: "هذا يكفي يا سيفر.. لقد استحال نصف القارة رماداً بسبب قتالكم."
تنهد سيفر ببطء، ونظر إلى الحطام حوله بنظرةٍ يملؤها الأسى المصطنع: "مؤسف.. كان قتالاً جيداً حقا. لماذا تمنعنا الآن؟"
رد عليه ثاناتوس ببرودٍ جليدي: "أعتذر يا أخي.. أكره أن أقاطع متعتك الدامية، ولكن الأوامر تقضي بالتوقف هنا." ثم نقل بصره الفارغ نحو سيد السيف، وأكمل: "سيد السيف نيريون.. إنه لشرفٌ حقاً أن نراك ضيفاً في أراضينا."
قبض نيريون على سيفه بقوة، وعيناه لم تفقدا حدتهما رغم الإرهاق: "ثاناتوس.. إذن أنت هنا أيضاً."
ابتسم ثاناتوس ابتسامةً خافتة لا تصل لعينيه: "بالطبع.. نحن نتجهز لحضور السيد والمكان يجب أن يكون هادئاً لاستقباله. وأنت.. جئت تبحث عن أولئك الأطفال، أليس كذلك؟"
اشتعلت عينا نيريون للحظة: "أجل.. ولن أرحل إلا بحقيقة مكانهم."
التفت سيفر نحو نيريون باشمئزاز، ونبح بغضب: "إنهم ليسوا هنا، وجودك بيننا صار مقززاً ويثير الغثيان.. غادر قبل أن أغير رأيي"
أغمض نيريون عينيه للحظة، ثم أعاد سيفه إلى غمده بحركةٍ رشيقة رغم إصاباته، ونطق بهدوء: "لا بأس.. لقد حصلتُ على إجابةٍ كافية، وأظن أنني عرفتُ المكان الذي أبحث عنه."
أخرج من طيات ثيابه ورقة سحرية قديمة، وما إن مزقها حتى بدأت هالة الانتقال تحيط بجسده. نظر إليهما بنظرةٍ أخيرة باردة قبل أن يختفي تماماً من مكانه، تاركاً وراءه فراغاً في الهواء.
بقي سيفر وثاناتوس وحدهما وسط الخراب. بصق سيفر دماً أسود على الأرض وقال: "هذا اللعين.. كان يجهز نفسه جيداً لكل الاحتمالات،."
هز ثاناتوس رأسه ببطء، واستدار للمغادرة وهو يقول: "في الأيام القادمة تستطيع قتله يا سيفر وليس الآن."
ابتسم سيفر ببرود وهو ينظر إلى ثاناتوس "لا بأس.. فقط لا تتدخل في المرة القادمة،"