تحت ظلال الأشجار العملاقة التي تحجب ضياء السماء وتتنفس بخاراً ساماً، استقر الفتية في بقعةٍ معزولة في الغابة السفلية؛ ذلك المكان الذي لا يزوره الضوء إلا كخيوطٍ واهنة من الشحوب.

بعد أن انتزعوا أرواحهم انتزاعاً من جحيم "القبر السفلي" ونجوا من أهواله التي كادت تبتلع هويتهم، بدا المكان حولهم الآن وكأنه برزخٌ بين الحياة والموت.

بجانب الكوخ الصخري الصغير الذي شيده **مايك** بقواه المنهكة، كانت النار تتلوى في صمت، تلتهم أغصان الغابة السوداء وتصدر طقطقةً هي الصوت الوحيد الذي يطمئنهم بأنهم ما زالوا يملكون حواسهم وأنهم مازالو على قيد الحياة وسط هذه الجحيم.

اتكأ **مايك** بجسده الضخم على صخرةٍ ناتئة، ونظر نحو الكوخ بقلقٍ نهش بقايا صبره: "لقد مضى يومان كاملان على سباتهما.. اتمنى الا يحدث لهم شيء خطير"

مسح **أدريان** وجهه الشاحب بيدين مرتعشتين، ورد بنبرةٍ حاول جعلها متماسكة: "أجسادهم استهلكت كل ذرة طاقة حتى بدأت تحرق أنسجتها الحيوية لتبقى على قيد الحياة. سيستيقظان، قريبا بعد هذه السبات المؤقت"

هز **آرثر** رأسه ببطء، وعيناه تراقبان النيران بشرودٍ غريب، ثم وجه نظره نحو **ليوين** الذي كان يجلس كتمثالٍ يفكر بعشرات الأفكار التي تدور في خياله دون أن يتحرك: "ليوين.. لقد خرجنا من القبر السفلي ما هي الخطوة القادمة؟ "

رفع ليوين بصره ببطء، و عيناه السوداوان تعكسان لهيب النار ببرودٍ مرعب، وقال "لقد تجاوزنا النقطة الأصعب الآن تبقا القليل من أجل الخروج"

ساد تفاؤلٌ مرير بين المجموعة، تفاؤلٌ يشبه طعم الرماد في حلوقهم. انتفض **مايك** وهو يشد خصلات شعره المغبرة بإنزعاج:

"تباً لهذا المكان! لم ألمس الماء منذ ايام طويلة.. جسدي أصبح عبارة عن طبقات من القذارة والدماء الجافه"

ضحك **مايكل** ضحكةً مبحوحة خرجت كالسعال دون أن ينطق باي كلمة ليعلق على كلام مايك

نظر **أدريان** إلى السماء المحجوبة بغيومٍ أرجوانية وتنهد: "الحقيقة أن بقائنا على قيد الحياة حتى هذه اللحظة لهي معجزة حقا "

هز الجميع رؤوسهم، غارقين في صمتهم مجدداً، يتحسسون حناجرهم التي لم تعرف طعم الماء النقي منذ أسابيع، مدركين أن المسافة بين الخلاص والهلاك لا تتعدى بضعة أميالٍ أخرى.

واصلت المجموعة مسيرها خلف **ليوين** لساعات طويلة حتى هم قد نسوا مقدارها، الرؤوس منكسة والأقدام تجر ثقلها فوق التربة الداكنة. لم يتحدث أحد، فكل ذرة أكسجين كانت ثمينة للغاية لتُهدر في الكلام.

كان الضباب من حولهم يزداد كثافة، لكن في عقولهم، كان هناك إيمانٌ أعمى بأن كل خطوة يخطونها تقربهم من حافة الغابة.

"نحن نتقدم.. أليس كذلك يا ليوين؟" سأل **مايكل** بصوتٍ واهن، وهو يمسح العرق البارد عن جبينه.

رد ليوين دون أن يلتفت، وصوته يخرج كحفيف الأوراق الجافة: "أجل استمروا في التحرك."

مرت ساعاتٌ أخرى، تحولت في حسهم إلى أيام طويلة. كان الإرهاق ينهش عظامهم لدرجة أن **مايك** لم يعد يشعر بوزن **كايزر** على ظهره،

بل شعر أن جسده هو الذي أصبح ثقيلاً كالجبل. كانت عيونهم تزيغ، وعقولهم تستسلم لنوع من الغيبوبة أثناء المشي.

ثم غلبهم التعب في بقعةٍ بدت لهم "جديدة". سقط **ادريان** على ركبتيه وهو يلهث: "دقيقة واحدة.. أحتاج لدقيقة واحدة فقط." وضع الجميع أحمالهم واستندوا إلى جذوع الأشجار ليسترح الجميع

"آه.. تباً.." أنَّ **مايك** وهو يفتح عينيه بصعوبة بعد الاستيقاظ من قيلولة صغيره.لم يشعروا بالراحة بعد هذه الاستراحة، بل على العكس؛ استيقظوا وهم يشعرون بآلامٍ مبرحة في أجسادهم. نظر **آرثر** إلى جسده وهو يشعر بشيء غريب،

كان هناك جرحٌ خفيف ينزف ببطء."متى حدث هذا؟" تمتم بضياع، "ربما غصنٌ حاد خدشني أثناء المشي ولم أشعر به بسبب التعب."

مشى ليوين في المقدمة بظهره المنحني قليلاً، يتبعه البقية كظلال باهتة. لم تكن هناك أسئلة أو كلام بينهم فقط رغبة غريزية في مواصلة الحركة وتجميع كل طاقتهم من أجل عدم السقوط وهم يجرون خلفهم أجساداً محطمة

غاب الجميع في دوامةٍ من الرتابة الموحشة، حيث صار وقع الأقدام المتثاقلة هو الإيقاع الوحيد لحياتهم المهددة. لم يعد آرثر يشعر بلسعات الجروح الطفيفة، فجسده خدره الألم، وعقله سكنه الإرهاق.

انكسر هذا الصمت الرتيب بصوت تشنجٍ عنيف؛ سقط مايكل على ركبتيه وبدأ يتقيأ بعنف، لم يخرج منه سوى مادة صفراء مريرة ممتزجة ببعض العصارة الجافة.

توقف الجميع بآلية ميتة، لم يسأله أحد "ما بك؟"، فالإجابة كانت محفورة على وجوههم جميعاً: استنزافٌ مطلق، ومانا جفت عروقها حتى بدأت الأجساد تنهش نفسها للبقاء.

بنفس الثانية وسط سكرات الإرهاق، تحركت الأجساد المحمولة؛ فتح كايزر عينيه ببطء، ونبضت يد ليا بحركة طفيفة فوق كتف آرثر. لقد استيقظا أخيراً بعد أيام من الغياب عن الوعي، لكنهما لم يجدا ملاذاً آمناً، بل وجدا رفاقاً يشبهون الأشباح في غابةٍ ترفض أن تنتهي.

لم يكد كايزر يضع قدمه على الأرض حتى تجمد الهواء. غريزة البقاء التي صُقلت بعد عشرات المعارك صرخت في رؤوسهم جميعاً في آنٍ واحد. من بين ثنايا الأشجار الملتوية، انشق الضباب عن كيانٍ مرعب؛ جسدٌ أحمر قاني كأنه سلخ جلده للتو،

طويل القامة بشكلٍ غير طبيعي، تبرز من جانبيه أربعة أذرع طويله. والأفظع من ذلك كانت عيونه الأربع التي تومض بلونٍ اصفر غريب، ترصدهم ببرودٍ لا يعرف الرحمة. دون سابق إنذار، انطلق الوحش بسرعةٍ كسرت حاجز الصوت.

اندفع الوحش نحو آرثر الذي كان لا يزال يحاول استيعاب استيقاظ ليا. ارتفعت ذراعان من أذرع الوحش لتهويا بمطارق تحطيمية، لكن آرثر تدحرج غريزياً، لتنفجر الأرض خلفه مخلفةً حفرةً عميقة.

في الجهة الأخرى، استجمع مايك قوته البدنية المتبقية، وبصرخةٍ يائسة، غرس يديه في الأرض برزت نتوءات حجرية حاولت تقييد حركة الوحش، لكن الكيان الأحمر استخدم أذرعه الأربع ليمزق الحجر وكأنه ورقٌ واهن.

انقض كايزر، رغم دوار رأسه وعدم فهمه لأي شيء من حوله، مستخدماً قبضته الضعيفه نحو إحدى عيون الوحش الأربعة، لكن الوحش صد الهجوم بسهولة بيدٍ واحدة، وباليد الأخرى وجه ضربةً عكسية أطاحت بكايزر بعيداً ليصطدم بجذع شجرة.

"لا تدعوه يركز على شخص واحد!" صرخ مايكل نحوهم وهو يحاول استدعاء مانا الرياح لدعم حركتهم، رغم أن رؤيته كانت مشوشة بالكامل.

اندفع ليوين كالشبح، مستخدماً خطوات الظل ليوجه سلسلة من الضربات المتقاطعة نحو مفاصل الوحش. كان القتال عنيفاً بينهم؛ فكل ضربة يوجهونها كانت تستنزف ما بقي من حياتهم.

الوحش كان يقاتل بأربعة أذرع في آنٍ واحد، يصد هجوماً من اليمين، ويحطم هجوماً من اليسار، بينما يوجه ضربتين قاتلتين للأمام.

التفت ذراع الوحش الثالثة حول عنق أدريان الذي حاول التدخل بسلاسله ورفعه في الهواء كدمية صغيره. صرخ آرثر بجنون، وشعر بضغط الصداع في رأسه ينفجر ليتحول إلى طاقةٍ حادة، فانطلق بسرعة ليقطع جسد الوحش التي تمسك بأدريان.

تراجع الوحش الأحمر وهو ينظر إلى الخدش فوق جسده، وأطلق صوتاً مسموعاً يشبه احتكاك الشفرات ببعضها، وبدأت أعينه الأربع تشع بضوءٍ مكثف، بينما كان الفتية يقفون بصفوفٍ مهتزة، يلهثون دماً ولا يعرفون ما عليهم فعله الآن.

2026/04/18 · 12 مشاهدة · 1004 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026