تحت ظلال الأشجار التي لا تسمح للسماء بأن تُرى، استأنفوا الأبطال السبعة السير… دون أن ينطق أحدهم بكلمة واحدة.
لم يكن الصمت خيارًا، بل نتيجة. ذاك النوع من الصمت الذي يولد حين تتجاوز الأجساد حدودها، وتبدأ الأرواح في التراجع خطوةً إلى الخلف، تاركة الجسد يتحرك وحده… كعادةٍ لا أكثر.
لم يلتفت أحد إلى الخلف. ولم يسأل أحد عمّا حدث قبل لحظات أو ساعات. وكأن شيئًا ما… قد مُحي من عقولهم.
تحركوا ببطءٍ شديد، أبطأ مما اعتادوه حتى في أسوأ حالاتهم. كانت خطواتهم قصيرة، غير متزنة، وأجسادهم تميل مع كل حركة وكأنها ستسقط في أي لحظة.
الضباب لم يعد مجرد عائقٍ للرؤية، بل أصبح ثقلًا يلتف حول صدورهم، يضغط أنفاسهم، ويجعل كل شهيقٍ معركة بحد ذاته.
كان مايك يسير في المقدمة هذه المرة، ليس لأنه الأقوى… بل لأنه لم يعد يملك الطاقة ليجادل أحدًا. كتفاه مثقلتان، وذراعاه تتدليان بجانبيه بلا قوة، وخطواته تُحدث صوت احتكاكٍ خافت مع التربة الرطبة.
خلفه، كان آرثر يضع يده على جذع شجرة بين كل عدة خطوات، يتوقف لثوانٍ، ثم يكمل. لم يكن الألم واضحًا على وجهه… بل الفراغ فقط.
أما أدريان، فكان يتمتم أحيانًا بكلماتٍ غير مفهومة، وكأنه يحاول أن يُبقي عقله مستيقظًا، أن يمنعه من الانزلاق إلى شيءٍ أعمق.
لم يسأل أحد: كم تبقى؟ لأن الإجابة لم تعد تعني شيئًا.
حين حلّ ما يشبه الليل—رغم أن الضوء لم يكن حاضرًا أصلًا—سقطوا في أماكنهم دون ترتيب. لم يُشعلوا نارًا. لم يتحدثوا. حتى النوم لم يكن راحة… بل انقطاع.
---
اليوم الثاني
استيقظوا دون أن يشعروا أنهم ناموا.
كانت أجسادهم أكثر ثقلًا، وكأن الأرض قد أمسكت بهم أثناء نومهم ورفضت أن تتركهم يذهبون.
حاول مايكل الوقوف، لكنه سقط فورًا على ركبتيه. لم يشتكِ. فقط بقي هكذا لثوانٍ، يحدق في الأرض، ثم دفع نفسه ببطءٍ حتى وقف.
جفاف الحلق أصبح مؤلمًا بشكلٍ حاد. لم يعد مجرد عطش… بل احتراق داخلي، كأن الهواء نفسه يجرحهم مع كل نفس.
تحركوا مجددًا.
أحيانًا يتوقف أحدهم دون سبب، يحدق في الفراغ، ثم يعود للحركة وكأنه تذكّر فجأةً ما كان يفعله.
كايزر كان يسير بصمتٍ مطبق، عيناه نصف مغلقتين، وجسده يميل مع كل خطوة. بدا وكأنه يمشي داخل حلمٍ لا يستطيع الاستيقاظ منه.
أما ليا، فكانت الأهدأ بينهم… بشكلٍ مقلق. لم تتكلم، لم تتوقف، فقط تمشي بنفس الوتيرة، وكأنها فقدت الإحساس بكل شيء.
في منتصف ذلك اليوم، تعثر ادريان وسقط على الأرض بقوة.
لم يساعده أحد… ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن أجسادهم لم تستجب. نظروا إليه… ثم نظروا بعيدًا.
بعد لحظات طويلة، بدأ يزحف ببطء، ثم وقف.
وأكمل.
حين توقفوا لاحقًا، لم يكن هناك اتفاق بينهم أو كلام. فقط… لم تعد أقدامهم تتحرك لذالك حان وقت الراحة.
---
اليوم الثالث
بدأت الهلوسة.
لم يتحدثوا عنها، لكنهم شعروا بها جميعًا.
كان آرثر يسمع أحيانًا صوت ماءٍ يجري في مكانٍ قريب. كل مرة يلتفت… لا يجد شيئًا.
أدريان رأى ظلالًا تتحرك بين الأشجار، ببطء، تراقبهم… ثم تختفي. لكنه لم يُحذر أحدًا.
أما مايكل، فبدأ يضحك أحيانًا… ضحكات قصيرة، جافة، بلا سبب.
الأسوأ… أنهم لم يعودوا يتأكدون إن كانوا يسيرون في خطٍ مستقيم.
الضباب أصبح أكثر كثافة، والاتجاهات فقدت معناها. حتى ليوين، الذي كان يقودهم دائمًا بثقة، أصبح أبطأ… صامتًا أكثر من المعتاد.
لكنّه لم يتوقف.
في إحدى اللحظات، توقف فجأة.
توقف الجميع خلفه، دون سؤال.
مرّت ثوانٍ طويلة.
ثم… أكمل السير.
وكأن شيئًا لم يكن.
التعب لم يعد ألمًا يمكن تحمله. بل أصبح فراغًا يلتهم الإحساس نفسه.
حين سقطوا تلك الليلة، لم يشعروا بأجسادهم. لم يشعروا بالبرد. لم يشعروا حتى بالأرض تحتهم.
فقط… سكون.
---
اليوم الرابع
الاستيقاظ كان أصعب من الأيام السابقة.
لم يفتح بعضهم أعينهم مباشرة. ليس لأنهم نائمون… بل لأنهم لم يجدوا سببًا كافيًا للاستيقاظ.
كان ليوين أول من تحرك، ببطءٍ شديد، وكأنه يجر نفسه من قاعٍ عميق. جلس للحظات، يحدق في يديه المتسختين، ثم نهض.
واحدًا تلو الآخر… تبعوه.
لم يتبادلوا النظرات. لم يتأكدوا إن كان الجميع ما زال موجودًا.
فقط بدأوا السير.
الأرض تغيرت قليلًا.
لم تعد بنفس السواد الكثيف، بل أصبحت أكثر جفافًا، أقل لزوجة. لكنهم لم يلاحظوا ذلك بوضوح… أو ربما لم يهتموا.
خطواتهم أصبحت أبطأ من أي وقتٍ مضى.
كل خطوة… كانت قرارًا.
كل نفس… كان جهدًا.
كايزر كاد يسقط أكثر من مرة، لكن جسده كان يتمايل ثم يستقيم، كما لو أن شيئًا خفيًا يمنعه من الانهيار.
ليا توقفت مرةً واحدة فقط، رفعت رأسها قليلًا… وكأنها تحاول رؤية شيءٍ بعيد، ثم عادت للمشي.
أما ليوين، فكان يسير في المقدمة كعادته… لكن هذه المرة، لم يكن يبدو كقائد.
بل كآخر من تبقى واقفًا.
مرّت ساعات… أو ربما أكثر.
ثم—
توقفت خطواتهم.
ليس لأنهم قرروا ذلك.
بل لأن أجسادهم… توقفت.
وقفوا في أماكنهم، أنفاسهم متقطعة، رؤوسهم منخفضة.
لم يسقطوا.
ولم يتقدموا.
فقط… وقفوا.
وفي ذلك السكون الثقيل، حيث لا صوت سوى أنفاسٍ متكسرة… كان هناك شعورٌ غريب يتسلل ببطء.
شيءٌ غير واضح.
ليس أملًا… وليس خوفًا..
بل… اقتراب.
لكنهم… لم يدركوه.
ولم يحاولوا.
لأنهم ببساطة—
لم يعودوا يملكون ما يكفي من القوة… ليفكروا.
وقفوا… دون أن يسقطوا.
أنفاس متقطعة، صدور ترتفع وتهبط بصعوبة، وأعين نصف مغلقة لا ترى سوى ضبابٍ باهت يتماوج أمامها.
ذلك الشعور…
الاقتراب
دون كلمة—تحركوا من جديد.
اليوم الخامس
لم يعد السير فعلًا واعيًا.
كانت أقدامهم تتحرك بدافعٍ أعمق من الإرادة، كأن شيئًا داخلهم يرفض التوقف، حتى وإن كانت أجسادهم قد انتهت فعليًا.
مرّ وقت طويل قبل أن ينطق أحدهم.
"…هل… ما زلنا… نقترب؟" خرج صوت مايكل متقطعًا، بالكاد يُسمع، وكأن كلماته تُسحب من حنجرته بالقوة.
لم يجب أحد مباشرة.
استغرق ليوين بضع خطوات قبل أن يقول، دون أن يلتفت: "لا أعلم."
كانت تلك أول مرة… لا يعطي فيها إجابة واضحة ومترددة هاكذه.
رفع آرثر رأسه قليلًا، وعيناه محمرتان من الإجهاد: "إذًا… نحن نمشي… دون اتجاه؟"
"نحن نمشي… لأن التوقف يعني الموت." رد ليوين بهدوءٍ بارد.
ساد الصمت مجددًا.
لكن هذه المرة… لم يكن مريحًا.
كان ثقيلًا… خانقًا.
بعد فترة، بدأ كايزر يضحك… ضحكة قصيرة، متكسرة.
"مثير للسخرية…" تمتم وهو يمسح فمه بظهر يده المتسخة، "نجونا من الجحيم… لنموت ونحن نمشي."
لم يعترض أحد.
بل… بدا أن الجميع وافقه بصمت.
أدريان رفع نظره بصعوبة، وقال: "الموت أثناء الحركة… أفضل من الموت ونحن ننتظر."
"هل يهم؟" همس مايك بصوتٍ خافت، وكأنه يتحدث إلى نفسه، "في النهاية… النتيجة واحدة."
توقفت ليا للحظة، التفتت نحوه ببطء، وكأنها احتاجت وقتًا لتفهم ما قيل، ثم قالت: "ليست واحدة."
نظر إليها الجميع… بصمت.
أكملت بصوتٍ ضعيف، لكنه واضح: "واحد… اختيار. والآخر… استسلام."
لم يرد أحد.
لكنهم… تحركوا.
مع مرور الوقت، أصبح المشي أصعب.
الأرض لم تتغير كثيرًا… لكن إحساسهم بها تغيّر.
كل خطوة كانت وكأنها تُغرس في الطين، رغم أن الأرض كانت جافة.
مايكل تعثر مرة أخرى، لكنه هذه المرة لم ينهض فورًا.
بقي راكعًا، يحدق في الأرض، يلهث.
"أنا…" توقف، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، "أنا لا أشعر بقدمي."
لم يكن هناك رد فوري.
اقترب آرثر منه خطوة، ثم توقف… وكأنه لا يعرف ماذا يفعل.
"تحرك." قالها أخيرًا، بنبرة منخفضة.
رفع مايكل رأسه ببطء، نظر إليه… ثم ابتسم ابتسامة باهتة: "لو كان الأمر بهذه السهولة…"
تقدم ليوين ببطء، توقف أمامه، ثم قال: "إن بقيت… لن تموت بسرعة."
صمتٌ قصير.
ثم أضاف: "بل ستشعر بكل لحظة من عذابة."
تجمدت نظرة مايكل للحظة… ثم زفر ببطء.
"…تبًا لك."
و… نهض.
حين توقفوا في نهاية ذلك اليوم، لم يكن ذلك قرارًا.
بل انهيارًا جماعيًا بطيئًا.
سقطوا واحدًا تلو الآخر.
لكن هذه المرة… لم يُغلق بعضهم أعينهم.
كانوا مستلقين… يحدقون في الفراغ.
مايك تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع: "اشتقت… لطعم الراحة."
لم يرد أحد.
لكن الفكرة… كانت مشتركة بينهم جميعًا.
اليوم السادس
لم يستيقظوا في نفس الوقت.
بعضهم لم يستيقظ… إلا بعد أن بدأ الآخرون بالمشي.
لم يكن هناك من يوقظ أحدًا.
من يستطيع الوقوف… يقف. ومن لا يستطيع… يُترك.
لكن… لم يُترك أحد.
بطريقةٍ ما… كانوا ينهضون.
دائمًا.
كانت الحركة أبطأ من اليوم السابق.
أبطأ… لدرجة أن الوقت نفسه بدا وكأنه يتوقف معهم.
أدريان بدأ يتحدث أكثر.
ليس مع أحد… بل مع نفسه.
"خطوة… ثم أخرى…" كان يهمس، يكررها، "لا تفكر… فقط تحرك…"
سمعه آرثر ، فنظر إليه للحظة، ثم قال: "هل هذا… يساعد؟"
لم يرفع أدريان رأسه: "إن توقفت عن الكلام… سأبدأ بالتفكير."
"وما المشكلة في التفكير؟"
توقف لثانية… ثم قال: "سأتذكر… كم نحن قريبون من الموت."
لم يُكمل آرثر.
فهو… كان يعلم.
في وقتٍ ما من ذلك اليوم، توقف كايزر فجأة.
لم يسقط.
فقط… توقف.
نظر إلى يديه، قلبهما ببطء، وكأنه لا يعرفهما.
"غريب…" تمتم.
اقتربت ليا خطوة، نظرت إليه: "ما الأمر؟"
رفع يده قليلًا: "لا أشعر… أن هذا جسدي."
صمت.
ثم أضاف: "كأنني… أراقب نفسي من الخارج."
لم ترد ليا فورًا.
ثم قالت بهدوء: "استمر بالمشي."
"…هذا كل شيء؟"
"نعم."
نظر إليها للحظة… ثم أنزل يده.
وأكمل.
في نهاية اليوم، كان الإرهاق قد بلغ حدًا جديدًا.
لم يعد الألم واضحًا.
بل اختفى.
وهذا… كان أسوأ.
لأن غياب الألم… يعني أن الجسد لم يعد يقاوم.
سقطوا مجددًا.
لكن هذه المرة—
لم يتحرك أحد لوقتٍ طويل.
اليوم السابع
الصباح… لم يكن مختلفًا.
لكنهم كانوا كذلك.
أبطأ.
أضعف.
أقرب… للنهاية.
استغرق مايك وقتًا طويلًا قبل أن يقف.
حين فعل… ترنح.
كاد يسقط… لكنه تماسك.
"…لن أسقط." تمتم.
لم يكن يتحدث مع أحد.
بل مع نفسه.
بدأوا السير.
خطوة.
ثم… انتظار.
ثم خطوة أخرى.
المسافة بين كل حركة… أصبحت أطول.
والصمت… أعمق.
بعد وقتٍ غير معلوم، قال آرثر فجأة: "هل… تتذكرون… شكل السماء؟"
توقفت بعض الأنفاس.
لكن الأقدام… لم تتوقف.
"زرقاء…" قال مايكل بصوتٍ خافت.
"وأحيانًا… برتقالية." أضاف أدريان.
"وأحيانًا… تمطر." قال مايك، وكأن الكلمة نفسها مؤلمة.
ساد صمتٌ طويل.
ثم قال ليوين: "ستروها مجددًا."
لم يكن في صوته يقين.
لكنهم… تمسكوا به.
استمروا.
حتى—
تعثر أدريان .
هذه المرة… لم ينهض فورًا.
"…لا أستطيع." قالها بصراحة.
توقف الجميع.
التفت آرثر ببطء.
نظر إليه.
ثم… عاد خطوة.
وقف أمامه.
صمتٌ طويل.
ثم مد يده.
لم تكن حركة بطولية.
ولا قوية.
بل… بطيئة.
متعبة.
لكنها كانت كافية.
نظر أدريان إلى اليد.
ثم… أمسكها.
ونهض.
تحركوا مجددًا.
أبطأ من أي وقتٍ مضى.
لكنهم… لم يتوقفوا.
وفي مكانٍ ما…
بعيدًا قليلًا…
بدأ الضباب… يخف.
لكنهم…
لم يرفعوا رؤوسهم ليروا ذلك.
لأنهم كانوا مشغولين بشيءٍ أبسط—
كيف يضعون القدم التالية… دون أن يسقطوا.