استمروا في السير…

كما لو أن الزمن نفسه قد تعب منهم، فتركهم يمضون بلا حساب.

---

اليوم الثامن

لم يعد هناك فرق واضح بين الاستيقاظ والنوم.

أعينهم تُفتح… لكن وعيهم لا يعود كاملًا.

أجسادهم تتحرك… لكن عقولهم متأخرة، كأنها تحاول اللحاق بشيءٍ يبتعد أكثر مع كل خطوة.

كان الهواء أثقل من السابق.

أثقل… بطريقةٍ غريبة، كأنه يحمل شيئًا غير مرئي يضغط على صدورهم من الداخل.

تحركوا ببطءٍ أشد.

كل خطوة… أصبحت معاناة حقيقية.

مايكل كان يجر قدمه اليمنى خلفه، دون أن يرفعها كاملًا.

لم يشتكِ.

لكنه لم يعد يحاول إخفاء ذلك أيضًا.

آرثر كان يغمض عينيه أحيانًا أثناء المشي…

ثوانٍ فقط… ثم يفتحها فجأة، وكأنه يخاف أن يختفي كل شيء إن أطال الإغلاق.

أما أدريان، فقد توقف عن الكلام تمامًا.

لم يعد يتمتم.

لم يعد يفكر بصوتٍ مسموع.

كان صمته… أعمق من قبل.

"…هل نحن… ندور؟" خرج صوت مايك أخيرًا، خافتًا، متكسرًا.

لم يجب أحد.

لكن السؤال… بقي معلقًا.

نظر ليوين للأمام، دون أن يبطئ: "حتى لو كنا كذلك… لا يوجد خيار آخر."

لم تكن إجابة.

بل… نهاية نقاش.

---

مرّ وقت طويل قبل أن يتغير شيء.

أو ربما… لم يتغير شيء فعلًا.

لكن إحساسهم… بدأ يتشقق.

بدأت الأرض تبدو مختلفة.

الأشجار… متشابهة أكثر من اللازم.

الضباب… يعيد تشكيل نفسه بنفس الطريقة.

ليا توقفت فجأة.

ليس لأنها سقطت.

بل لأنها… شعرت بشيء.

رفعت رأسها ببطء، نظرت حولها، ثم قالت: "هذا المكان… هل مررنا به من قبل؟"

توقفوا.

لأول مرة منذ وقتٍ طويل… توقفوا بإرادتهم.

"مستحيل." همس ادريان، لكن صوته لم يحمل يقينًا.

أشارت ليا ببطء نحو جذع شجرة قريبة: "هناك… نفس الخدش."

نظروا.

وكان هناك فعلًا… أثرٌ قديم.

صمت.

ثقيــل.

ثم قال مايكل، بابتسامة باهتة: "…جميل."

نظر إليه آرثر: "ما الجميل؟"

أجاب، بصوتٍ أقرب للانكسار: "حتى الغابة… لا تريدنا أن نخرج."

لم يضحك أحد.

---

في نهاية ذلك اليوم… لم يسقطوا بسبب التعب.

بل… جلسوا.

ببطء.

وكأن الوقوف لم يعد منطقيًا.

لم يتبادلوا الكلمات.

فقط… جلسوا، يحدقون في الفراغ.

مايك قال فجأة: "لو… متنا هنا… هل سيجدنا أحد؟"

أجابه أدريان بعد صمت طويل: "لا."

ثم أضاف: "وهذا… أفضل."

---

اليوم التاسع

الاستيقاظ كان أقسى.

أجسادهم… رفضتهم.

بعضهم بقي مستلقيًا لدقائق طويلة، يحاول فقط أن يحرّك أصابعه.

مايك كان أول من نهض… لكنه لم يقف مباشرة.

بقي جالسًا، يلهث، ينظر إلى الأرض.

"أنا… تعبت." قالها أخيرًا.

لم يكن شكوى.

بل… اعتراف.

لم يرد أحد.

لأنهم… جميعًا وصلوا لنفس النقطة.

---

بدأوا السير.

لكن هذه المرة… لم يكن هناك ترتيب.

لم يعد ليوين في المقدمة وحده.

لم يعد أحد يتبعه بشكل واضح.

كانوا… كتلة واحدة متفرقة.

كل واحد يمشي… لأن الآخرين يمشون.

---

الهلوسة أصبحت أوضح.

آرثر توقف فجأة، نظر إلى جانبٍ فارغ: "…هناك شخص."

التفتوا.

لم يكن هناك أحد.

"رأيته." قال بإصرار ضعيف.

"لا يوجد شيء." رد كايزر ببرود.

لكن آرثر… لم يكن مقتنعًا.

---

مايكل بدأ يضحك مرة أخرى.

لكن هذه المرة… لم يتوقف بسرعة.

"نحن لسنا حقيقيين…" قال وهو يضحك، "أليس كذلك؟ هذا… كله ليس حقيقيًا…"

اقترب منه أدريان ببطء: "اصمت."

"لماذا؟" رد بابتسامة واسعة، مرعبة، "ألا تشعر بها؟ كأن—"

"اصمت." كررها، لكن صوته كان أضعف.

---

في لحظةٍ غير واضحة… سقطت ليا على ركبتيها.

لم تنهض.

اقترب منها آرثر، بصعوبة: "ليا…"

لم ترفع رأسها.

قالت بصوتٍ منخفض: "أنا… لا أريد أن أمشي."

صمت.

ثم أضافت: "حتى لو خرجنا… ماذا بعد؟"

لم يكن هناك جواب.

فقط… فراغ.

---

اليوم العاشر

لم يكن هناك بداية واضحة.

فقط… استمرار.

لكن شيئًا ما… تغيّر.

الهواء أصبح أخف قليلًا.

الضباب… بدأ يتراجع ببطء.

لكنهم… لم يلاحظوا ذلك فورًا.

تحركوا بصمت.

أبطأ من أي وقتٍ مضى.

ثم—

توقف ليوين.

فجأة.

بدون إنذار.

توقف الجميع خلفه، كأن أجسادهم مرتبطة به بخيطٍ غير مرئي.

لم يتحرك.

لم يتكلم.

فقط… وقف.

---

مرّت ثوانٍ طويلة.

ثم—

بدأ يخلع ملابسه الممزقة و العلوية.

ببطء شديد.

يداه ثقيلتان… لكن حركتهما ثابتة.

قطعةً تلو الأخرى… حتى سقطت عن كتفيه.

ظهره انكشف.

جلدٌ شاحب… مغطى بآثار معارك قديمة.

لكن—

لم يكن هذا ما أوقفهم.

---

صرخت ليا فورًا، وأدارت وجهها بسرعة، تغطي عينيها بيديها: "لـ-ليوين! ماذا تفعل—؟!"

لكن صوتها… انقطع.

تحول الخجل إلى… صدمة.

---

لأنهم رأوا.

الجميع رأى.

---

لم تكن مجرد ندوب.

بل… كلمات.

محفورة.

بعمقٍ مرعب.

كأن اصبع من كائن بشري… كتبها داخل لحمه بالقوة.

---

تقدم آرثر خطوة، عيناه متسعتان:

"هذا…"

توقف.

لم يستطع إكمال الجملة.

---

كانت الكلمات واضحة… رغم تشوهها:

"ما تعيشونه… وهم."

صمت.

أنفاسهم توقفت.

---

تحتها—

"هناك… شيء… يُدخلكم فيه."

ارتجفت يد كايزر.

---

ثم السطر الأخير…

الأعمق.

الأكثر تشويهًا.

"لا تستمروا… بل… دمّروا."

لم يتحرك أحد.

لم يتكلم أحد.

حتى الهواء… بدا وكأنه توقف.

---

وقفت ليا ببطء، يداها ما زالتا ترتجفان فوق عينيها… لكنها أنزلتهما قليلًا.

نظرت.

ورأت.

ثم همست:

"…من فعل هذا بك؟"

---

لكن ليوين…

لم يجب.

لم يلتفت.

لم يتحرك.

لأنه يعرفه نفسه جيداً هو من كتبها وحفرها بهذه العمق

---

وقف هناك…

كأن جسده لم يعد ملكه.

وكأن تلك الكلمات…

لم تكن تحذيرًا فقط—

بل… حقيقة.

----

ارتسمت على وجه ليوين ابتسامةٌ مشوهة، ابتسامةٌ لم تحمل ذرةً من العقل، بل كانت مزيجاً من الغلّ والتحرر. لمعت عيناه بسوادٍ حالك، ونطق بصوتٍ حاد كتمزيق المعدن: "لقد وجدتك أخيرًا.. يا ابن العاهرة!"

في لحظة انفجرت هالةٌ من الظلام الدامس من جسد ليوين، محولةً إياه إلى إعصارٍ أسود. لم يعد يمشي، بل كان يمزق الأرض تحت قدميه. انطلق نحو الأشجار التي كانت تدور بهم،

وبضربةٍ واحدة من كفه المغطاة بالظلام، استحالت الجذوع الضخمة إلى شظايا متطايرة. دمر الضباب، ومزق الفراغ، وحطم الأرض التي ظنوا أنها سجنهم الأبدي.

نظر البقية إليه، وفي تلك اللحظة، حدث شيءٌ غريب في عقولهم؛ تحطم القيد. الصداع الذي كان يفتك برؤوسهم تلاشى ليحل محله غضبٌ بدائي. هزوا رؤوسهم بآلية مرعبة، وكأنهم استعادوا أرواحهم من فم الموت.

"إذن.. هكذا هي اللعبة؟" تمتم **آرثر** وهو يستل سيفه **[إكليبس]**.

لم ينتظروا طويلاً. انطلقوا جميعاً خلف ليوين كسهامٍ انطلقت من قوسٍ مشدود لساعات. وبينما كان ليوين يحيل الغابة إلى حطام، لمح آرثر ظلاً يتحرك بسرعةٍ خاطفة بين ركام الأشجار المحطمة.

"هناك!"

لم يتردد ثانية واحدة. ركز مانا النور الزرقاء في نصل إكليبس حتى كاد السيف ينفجر بطاقة تفجر الغابة، ثم انطلقت الموجة الزرقاء لتقسم الضباب المتبقي نصفين، متجهةً مباشرةً نحو الظل المتحرك.

توقف الظل فجأة. ارتفعت أربعة أذرعٍ ضخمة لتقابل هجوم آرثر، وحدث اصطدامٌ عنيف أجبر الظل على التراجع عدة أمتار إلى الوراء، حافراً في الأرض أخاديد عميقة.

ومع انقشاع غبار التصادم، ظهر الكابوس أخيراً بصورته الحقيقية.

كان يقف هناك بثباتٍ؛ جسدٌ طويل القامة، مكسوٌ بجلدٍ أحمر كأنه مغموسٌ في بركة دماء لا تجف. أربعة أذرع مفتولة العضلات تنتهي بمخالب سوداء، وأربع أعينٍ صفراء تتوزع على وجهه تحدق فيهم ببرودٍ

لم يكن وحشاً عادياً، كان هو "السجان"؛ الكيان الذي تلاعب بعقولهم، وسرق أيامهم، وجعلهم يمشون في حلقةٍ مفرغة بينما كان ينهش أجسادهم في الخفاء.

وقف الوحش الأحمر على قدميه الطويلتين، ونفض الغبار عن أذرعه الأربع، بينما كانت الأعين الأربع تومض ببريقٍ مكتوم. أمال رأسه لليسار قليلاً، وأصدر صوتاً يشبه احتكاك العظام، وكأنه يرحب بفرائسه التي قررت أخيراً القتال

وقف السبعة في صفٍ واحد، يتنفسون الصعداء رغم جراحهم، وأعينهم مركزة على العدو الذي سلبهم كرامتهم لعشرة أيام. تقدم ليوين خطوة، والظلام لا يزال يتراقص حوله، وقال بنبرةٍ تقطر سماً:

" هذه المرة.. سأحفر رأسك على تراب هذا الأرض!"

2026/04/20 · 37 مشاهدة · 1137 كلمة
راوي
نادي الروايات - 2026