كانت **"هضبة المركز"** في قلب قارة أستريا تعجّ بالحياة والرهبة في آنٍ واحد. فوق هذه القمة الشاهقة، تربعت **أكاديمية كلانس** كأنها تاجٌ صخري يجمع بين فنون العمارة السحرية للإيلف،
وصلافة القلاع البشرية، ومتانة الحجر القزمي. كان اليوم هو يوم الافتتاح الكبير، والساحات الواسعة غصّت بآلاف الطلاب الوافدين من كل فجٍ عميق؛ من غابات "شجرة العالم" شرقاً، إلى "جبال الحديد" غرباً، مروراً بممالك البشر المترامية في الشمال والجنوب.
دخل ليوين عبر البوابة العظمى للأكاديمية بخطواتٍ هادئة، يرتدي ملابسه البسيطة التي لم تفلح في إخفاء تلك الهالة المريبة التي باتت تغلف جسده بعد شهر الغابة.
كان يمشي وسط زحامٍ من النبلاء المتباهين بدروعهم المذهبة وسحرهم الصاخب، لكن عينه كانت تبحث عن "الأعمدة" التي تقوم عليها هذه الرواية.
داخل القاعة الرئيسية الشاهقة، حيث الثريات السحرية تتدلى من سقفٍ يكاد يلامس الغيوم، توقف ليوين. بدأ يمرر نظره البارد فوق الحشود، وسرعان ما وقعت عيناه على "المجموعة الذهبية".
هناك وقف **مايك**، الفتى الضخم ذو البنية التي تشبه الجبال، بشعره الرمادي القصير كان يبدو كحائط صدٍ منيع، طاقته الأرضية تجعل الهواء من حوله ثقيلاً. وبجانبه، كانت **ليا**،
تلك الفتاة التي تسلب الأنفاس بجمالها الهادئ، وشعرها الأزرق الذي ينسدل كشلالٍ من الحرير، بينما كانت يدها تشع ببريقٍ خافت من "سحر الشفاء المقدس" الذي يمنح الطمأنينة لكل من حولها.
لم يبتعد نظره كثيراً حتى رأى **مايكل**، ذلك الإيلف الوسيم الذي يجسد غرور الغابة؛ بشعره الأصفر الذهبي وعينيه الخضراوين اللتين تشعان بذكاءٍ حاد، وسحر الرياح الذي يداعب خصلات شعره باستمرار كأنه جزء من كيانه.
ومن خلفهم، وقف الأمير **كايزر**، منافس البطل الدائم، بشعره الأبيض الناصع وعينيه اللتين تومضان بشرارات "البرق"؛ كانت هالة الغطرسة والتكبر تحيط به كدرعٍ لا يخترق، ينظر للجميع باحتقار كأنهم مجرد أرقام في سجله.
راقبهم ليوين لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ساخرة، ومظلمة. تمتم في سره بنبرة يملؤها الازدراء: " انتم لستم فريستي أيها الأطفال.. أنتم مجرد زينة في عرضٍ لم يبدأ بعد."
ثم، حول نظره نحو "المركز". هناك وقف هو.. بطل هذا العالم المكتوب. **آرثر**.
بشعره الأسود الفاحم وملامحه الوسيمة التي تحمل مزيجاً من النبل والحزم، كان آرثر يشع بهالة من النور الفطري، هالة تجعل الجميع ينجذبون إليه كالفراشات نحو الضوء. نظر ليوين إليه طويلاً، وشعر بمانا الظلام في عروقه تضطرب بعنف،
وكأنها وجدت نقيضها الأزلي.
"أنت هو فريستي الوحيدة يا آرثر.." فكر ليوين، "أنت الجبل الذي سأهدمه لاضع انوار ظلامي"
في تلك اللحظة، حدث شيءٌ لم يكن في الحسبان. آرثر، الذي كان يضحك وسط رفاقه، تجمد فجأة. شعر بقشعريرة باردة، قاسية كشفرة الجليد،
تخترق عموده الفقري وتصعد نحو دماغه. كانت نية قتلٍ لم يختبرها في حياته، نية قتلٍ لا تأتي من كراهية عابرة، بل من كيانٍ يعادي الوجود نفسه.
التفت آرثر بسرعة خاطفة نحو مصدر الشعور، لتلتقي عيناه بعيني ليوين السوداوين اللتين لا قرار لهما. كانت في تلك اللحظة كأن الزمن قد توقف فيها؛ بطل النور يواجه بطل الظلام للمرة الأولى.
كان الهواء بينهما يرتجف، وكأن خيوط القدر بدأت تتشابك وتتمزق. آرثر، الذي اعتاد أن يرى الخير في الجميع، رأى في عيني ليوين "فراغاً" مرعباً جعله يشد على مقبض سيفه دون وعي.
قطع هذا الصمت القاتل ظهور مفاجئ جعل القاعة بأكملها تخر ساجدة في صمتٍ مطبق.
فوق المنصة الرئيسية، تجسدت **رئيسة الأكاديمية**. بشعرها الأزرق الطويل الذي يبدو كأنه مصنوع من طاقة نقية، وعينيها اللتين تحملان برود الأزل. كانت هالتها الساحقة تحيط بها كعاصفةٍ صامتة؛
مهما حاولت إخفاء قوتها، إلا أن ضغط المانا المنبعث منها كان يخبر الجميع بوضوح: انتم أمام رتبة **SS+**، واحدة من أقوى الكيانات التي تمشي فوق هذه الأرض.
جابت نظراتها القاعة، وكأنها تقرأ أرواح الطلاب، وتوقفت لثانيةٍ واحدة إضافية فوق ليوين و آرثر، لكنها سرعان ما عادت لتلقي خطابها بصوتٍ بارد ورنان:
خيم هدوءٌ مرعب على المكان وهي تتابع من دون كلام فارغ وتحيات عابرة بداة بالكلام
"اختباركم الأول سيبدأ الآن. سيتم إرسالكم فوراً إلى (غابة الفناء)، وهي منطقة محاكاة حقيقية مليئة بوحوش من الرتبة **(B)** وما دون. مهمتكم بسيطة في شرحها، مستحيلة في تنفيذها: البقاء على قيد الحياة حتى يتبقى شخص واحد فقط صامد."
تعالت همسات الرعب بين الطلاب، لكنها أخرستهم بكلمة واحدة:
"لا يهم من تقتلون.. ولا يهم من يُقتل منكم. السحر المكاني للأكاديمية سيعيدكم أحياء بمجرد تلقيكم لضربة قاتلة، ولكن.." وابتسمت ابتسامة باردة جعلت الدماء تتجمد في عروقهم،
"هذا لا يعني أن الألم ليس حقيقياً. ستشعرون بكل نصلٍ يمزق أحشاءكم، وبكل مخلبٍ يكسر عظامكم، وبكل لحظة احتضار قبل أن يتم نقلكم. المركز الأول يحصل عليه من يمتلك الروح التي لا تنكسر."
طرقت بيدها فوق الحجر السحري للمنصة، وانفجر ضوءٌ أبيض غامر ابتلع القاعة ومن فيها.
في جزء من الثانية، وجد ليوين نفسه يسقط من ارتفاعٍ بسيط ليحط فوق أرضية رطبة مغطاة بالأوراق المتعفنة. الهواء كان يفوح برائحة الوحوش والدم المكتوم.
نظر حوله ليجد نفسه في قلب غابةٍ عملاقة، أشجارها تتلوى كأنها أجساد بشرية معذبة.
أخرج ليوين خنجره، ولامس نصله بيده الملطخة بالظلام. لم يكن مهتماً بالوحوش، ولا بالطلاب الذين سيصرخون رعباً في الأرجاء. كانت عيناه تبحثان عن شيءٍ واحد فقط وسط هذا الضباب الأخضر المريب.
"غابة.. وحوش.. وقتل بلا عواقب،" همس ليوين بصوتٍ مشحون بالمتعة المريضة، بينما بدأت هالة الظلام تتسرب من قدميه لتندمج مع ظلال الأشجار. "هذا هو ملعبي المفضل."
تحرك ليوين بخفة مختفياً داخل عمق الغابة، ليترك وراءه رائحة الموت التي بدأت تزحف نحو الطلاب الآخرين الذين لم يدركوا بعد أنهم محبوسون مع وحشٍ لا يعرف معنى "المحاكاة".
---