".....الأباطرة لديهم كرامة."

همست تلك الكلمات في الهواء الجاف، كانت ناعمة، لكنها ملأت المكان بحضور غير مريح.

تناثرت الغيوم في السماء الرمادية، واخترقت أشعة الضوء الأبيض الفراغ، ملقية تباينًا بين النور والظلال على كل ما هو أدناه.

طَق—

تبع الصوت خطوة ثقيلة، حيث ظهر شخص فوق منصة عالية ومسطحة، متطلِّعًا إلى مدينة عظيمة تمتد أسفلها.

امتدت الهياكل الشبيهة بالقلاع والأبراج الشاهقة تخترق السماء، مكونة مشهدًا شاسعًا ومهيبًا. امتدت الجسور من المباني، تربطها ببعضها البعض، بينما وقفت حشود غفيرة في الأسفل. كانت مدينة شاسعة تمتد إلى البعيد، ولا تتوقف إلا عند جدران سوداء شاهقة تحيط بها بالكامل. حجم الجدران الهائل والتشققات الخافتة التي زينتها أضافت إلى الشعور بالرعب الذي ملأ الأجواء.

خفقان~

مُرتديًا درعًا داكنًا مهيبًا، وممسكًا بسيف أسود طويل، راقب الشخص المدينة بصمت بينما رفرفت عباءته برفق في الهواء.

"....الجنود لديهم إيمان."

تركزت كل الأنظار على ذلك الشخص الذي وقف فوق المنصة، بينما كان يحدق في البعيد. كان الهواء مشبعًا باليأس والتوتر.

بإغلاق عينيه، أنزل الرجل clad بالسواد سيفه ببطء بكلتا يديه.

طَنين!

تردد صوت حاد عندما لمس السيف المنصة.

خفقان~

في صمت اللحظة التي تلت ذلك، كان الصوت الوحيد الذي يتردد هو الخفقان الهادئ لعباءته.

"....والمواطنون لديهم سلام."

ازداد الإحساس بالأزمة الوشيكة مع ازدياد خشونة صوته. في البعد المجهول، كان نظره مُثبّتًا على شيء ما.

ما وراء أعمدة الضوء الشاهقة والجبال العالية.

قبضة.

خلف القناع الداكن الذي أخفى وجهه، شدَّ على أسنانه وهو يشعر بشيء يغلي في صدره. كان يتصاعد ببطء، مما جعل جسده كله يرتجف.

ثم، وكأنه يدرك مصيره المحتوم، كرر الكلمات ذاتها مجددًا.

لكن هذه المرة، لم يقم بكبح صوته.

مع كل جملة، علا صوته تدريجيًا.

"الأباطرة لديهم كرامة!"

"الجنود لديهم إيمان!"

"والمواطنون لديهم سلام!"

وبصوت جاف، صرخ بأقصى قوته:

".....لكن كل ما لدي هو العدم!!!"

إمبراطورية من العدم!

مشدّدًا قبضته على مقبض سيفه، رفعه الإمبراطور ببطء إلى الهواء، وهو يصرخ باتجاه الأفق المجهول.

"تعالوا!!"

اخترق صوته الهواء، بينما اشتدت الكآبة التي تحيط بالمدينة. وصلت كلماته إلى مسامع الآلاف المحتشدين أدناه، ومع ذلك...

"لقد أخذتم مني كل شيء بالفعل! لا أخافكم!"

لم ينبس أيٌّ منهم ببنت شفة، وهم يحدقون به بصمت.

لا، بل إلى الخاتم الذي كان في إصبعه.

"تع—!"

فووم!

فجأة، اخترقت السماء الرمادية شعاع ضوء ناعم، لكنه صامت.

ساد السكون العالم لحظة سقوطه.

ما زالت شفتا الإمبراطور تتحركان، لكنه لم يعد يسمع صوته.

وكأن العالم بأسره قد خفت صوته.

"....."

ثم، كما لو أن سلّمًا من الضوء قد تشكّل داخل العمود، بدأ شخص في الظهور، نازلاً على درجات وهمية بخطوات هادئة.

كان الضوء مبهرًا، يكاد يكون نقيًا لدرجة تتجاوز استيعاب العيون الفانية، ومع ذلك نزل الشخص بأسلوب يبعث على الرهبة.

طَك، طَك—

تردد كل خطوة في أذني الإمبراطور، إيقاع بطيء متناغم مع دقات قلبه المتسارعة.

كانت ملامح الشخص غير واضحة، مطموسة بسبب الوهج الشديد، لكن زوجًا من العيون الصفراء اخترقت ذلك الضوء الساطع.

مع كل خطوة، ازدادت برودة الجو.

تغلغل صقيع غير طبيعي في الهواء.

أصبح الهواء كثيفًا، خانقًا، بينما انتشر شعور واضح بالرهبة.

"هاه... هاه..."

تسارعت أنفاس الإمبراطور تحت القناع، وتعرّق جبينه بغزارة.

شدّ قبضته على السيف حتى ابيضّت مفاصله.

"أنت... أخيرًا أظهرت نفسك."

بصوت أجش، خاطب الشخصية في السماء، مستعيدًا صوته أخيرًا.

بدا أن المشهد الملكي المهيب، بأبراجه وهياكله الضخمة، قد تلاشى في الخلفية تحت ظل تلك الشخصية المتوهجة.

عندما نظر الإمبراطور إلى ذلك الكائن المغطى بالنور، لم يشعر إلا بالرعب.

رغم وجود المدينة العظيمة أسفله، والآلاف من الجنود... شعر بضآلته.

قبضة!

خفت الضوء تدريجيًا، كاشفًا عن وجه شاحب وشعر أشقر بدا كأنه شعاع شمس متوهج.

توهّج ذلك الشخص وسط النور، وكأنه تجسيد للشمس نفسها.

بدا شعره، مثل خيوط الذهب المصهورة، يتراقص حول وجهه، مضفيًا على مظهره هالة إلهية.

ملامحه كانت جميلة بشكل مخيف، أقرب للمثالية، ومع ذلك... رأى الإمبراطور فراغًا في عينيه.

ذلك الفراغ جعل جسده كله يقشعر.

قطرة!

تساقطت قطرة دم من زاوية فمه، إذ عضّ على لسانه ليبقى متيقظًا.

أخذ نفسًا عميقًا ورفع رأسه لملاقاة عيني ذلك الشخص مباشرة.

"لقد كنتُ في انتظارك..."

رفع سيفه عاليًا، وصرخ بصوت أجش.

"....الفجر!"

تردد صدى كلماته في الأرجاء، حاملاً تحدّيه العنيد.

ووووم!

تألّق السيف في الضوء المتبقي، ليصبح منارة وسط الظلام المحيط.

توقف الكائن المتوهج، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شبحية.

"لقد أُعطيتَ تحذيرًا من قبل، أيها الإمبراطور."

كانت كلماته ناعمة، أشبه بلمسة خفيفة... لكنها حملت ثقلًا كاد يسحق روح الإمبراطور.

كانت ابتسامته خالية من الدفء، تبثّ قشعريرة في جسد الإمبراطور.

"لقد أخذتَ ما لم يكن لك أخذه. أنا هنا فقط لأستعيد ما سرقت."

حول نظره إلى المشهد المحيط، وهز رأسه بخفة.

"....ليس لدي اهتمام بأي شيء آخر."

ثم توقف، وهزّ رأسه مجددًا.

"لا، هذا ليس دقيقًا."

ألقى نظرة إلى الأسفل، وبدأ يهبط ببطء.

"ليس الأمر أنني لا أهتم... بل بالأحرى، 'هو' لا يهتم بأي شيء آخر."

"هو...؟"

ارتجف صوت الإمبراطور وهو يشاهد الشخصية المضيئة تقترب منه.

....كلما اقترب، كلما شعر الإمبراطور بمزيد من اليأس.

صرخ جسده كله تحت الضغط الرهيب الذي دفع مفاصله إلى الصرير.

"آه!!!"

صرخ الإمبراطور بأعلى صوته وهو يلوّح بسيفه نحو القادم.

كان هذا وقفته الأخيرة.

ووووم!

اشتعل الضوء من سيفه بينما هوى به، مُلقيًا بكل ما يملك في الهجوم.

لكن...

"آه."

ما إن رفع الإمبراطور نظره، حتى كان كل ما رآه يدًا تقترب منه.

كانت حركتها بطيئة، ومع ذلك، وجد الإمبراطور نفسه غير قادر على الرد، إذ تجمد جسده في مكانه. قبل أن يتمكن حتى من استيعاب الموقف أو بذل أي مقاومة، وصلت اليد إلى عنقه، وتجمد العالم بأسره.

"خَه!"

لهث الإمبراطور فاقدًا أنفاسه.

بعد لحظات، خرجت شخصية من خلف الضوء.

بعينين ذهبيتين متألقتين وشعر يرفرف تحت تأثير الرياح، وقف أمام الإمبراطور.

"أوِخ...!"

تحت قبضته، لم يستطع الإمبراطور سوى التلويح يائسًا.

في النهاية، لم يستطع سوى تمتمة كلمة واحدة.

"لِ-لماذا؟"

ما الخطأ الذي اقترفه ليستحق هذا؟

هل كان بسبب الدم؟

نعم، لقد أخذه ومنحه لشعبه.

كان لذلك الدم قدرة خاصة على إطالة عمر الإنسان.

وبصفته إمبراطورًا لإمبراطورية عظيمة، شعر بأنه ملزم بمشاركة هذه النعمة مع أقرب الناس إليه.

لكن… من كان ليظن أن ذلك الدم سيجلب مثل هذه الكارثة؟

لو كان يعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، لما لمس ذلك الدم أبدًا. أبدًا!

"....هكذا تسير الأمور ببساطة. الدم في الأصل ملك لنا، ونحن هنا فقط لاستعادته. وبما أنك قد استهلكته، فليس أمامك خيار سوى الموت. اعتبر نفسك غير محظوظ."

"أوخ!"

لاهثًا، أمسك الإمبراطور بالساعد الذي كان يطبق على عنقه بكلتا يديه.

لم يبذل أي قوة، بل نظر للأسفل فقط.

وهناك، كانت آلاف العيون تحدق به.

وجوه مألوفة، لكنها في ذات الوقت غريبة.

لم يكن لدى أي منهم وعي واضح، فقد تحولوا إلى وحوش بلا عقل.

هذا كان نتيجة يأسه.

لمواجهة هذه الشخصية التي أمامه، لم يدخر شيئًا.

ضحى بكل شيء.

ومع ذلك… خسر كل شيء.

"أوهه...!"

لاهثًا في أنفاسه الأخيرة، ثبتت نظراته على تلك الحدقتين الصفراء المتألقة.

وكان هذا آخر شيء رآه قبل أن يسمع همسة خافتة في أذنه.

"....ارقد بسلام."

كرا كراك—

تردد صوت تكسير، ثم ارتخت جثة الإمبراطور في يد الرجل.

وفجأة، عمّ الصمت العالم، بينما توهجت عينا الرجل الذهبية بشدة.

ازدادت حدتهما حتى تحول العالم من حولهما إلى بياض ناصع.

وووش!

سرعان ما تلاشى جسد الإمبراطور إلى غبار ناعم، بينما سقط درعه وإكسسواراته على المنصة.

"....."

في صمت، أغلق الرجل عينيه.

ثم استدار ونظر إلى الأسفل، حيث تجمعت آلاف الأشخاص.

كانوا جميعًا في حالة ضياع وذهول.

"هذا لن يجدي نفعًا."

بخطوة واحدة، ظهر أمام أحد الواقفين أسفل المنصة.

كان شابًا ذو بنية قوية، بشعر أحمر قصير وعينين عسليتين.

تأمل الرجل ملامحه قليلًا، ثم أمال رأسه.

"همم، ليس سيئًا."

ثم، وهو يمد يده للأمام، وضعها على رأس الشاب.

مرة أخرى، تلون العالم بوميض ساطع انتشر إلى المناطق المحيطة.

لم يستمر ذلك طويلًا، ولم تظهر أي تغييرات واضحة على الشاب.

لم تكن هناك أي تغييرات حقيقية... باستثناء لون حدقتيه.

لم تعودا عسليتين.

بل أصبحتا...

ذهبيتين.

"دورست غايوس ميغرايل."

تمتم الرجل باسمه، قبل أن يرتسم على وجهه ابتسامة.

".....إنه اسم مثير للاهتمام. نعم، ستكون مناسبًا."

ثم استدار وهز رأسه برضا، وهو يمسح وجهه بيده.

تضاءل وهج عينيه، وأصبحت ملامحه أكثر 'طبيعية'.

"قل لي..."

وبعد أن انتهى، توجه بالكلام إلى دورست الذي لا يزال يبدو كزومبي فاقد للعقل.

"ما الاسم الذي ينبغي أن أختاره لنفسي؟"

"....."

للحظة، بقي دورست صامتًا، قبل أن يفتح فمه.

"أطلس."

"....أطلس؟"

تمتم الرجل بالاسم بصوت خافت، قبل أن يومئ برأسه بصمت.

"همم. ليكن. هذا ما سأدعى به من الآن فصاعدًا."

استدار، متتبعًا بعينيه المشهد من حوله.

"أطلس ميغرايل. سيكون هذا اسمي الكامل..."

لكنه فجأة تجمد في مكانه، إذ بدأت ملامحه والمحيط من حوله يتغيران.

انحرفت عجلة الزمن، وتحول المشهد.

انهارت المباني إلى غبار، محفورة بندوب لا تحصى من الحروب بين البشر والوحوش.

نما الأشجار وانتشرت، مستردة الأرض التي فقدتها.

وفي مكان ليس بعيدًا عن موقع المدينة القديمة، نشأت مدينة جديدة بهياكل شامخة، وسرعان ما أحاطت غابة كثيفة بالمكان.

"تشيب! تشيب~!"

تردد صوت زقزقة العصافير في الهواء، بينما تردد صدًى آخر وسط الأدغال.

"رستل!"

خرجت شخصية شابة من بين الشجيرات، متوقفة أمام بقعة معينة.

"هم؟"

نظروا للأسفل، حيث لاحظوا شيئًا مشعًا.

مدّوا يدهم نحوه تلقائيًا.

"ما هذا...؟"

كان خاتمًا.

خاتمًا فضيًا بنقوش معقدة.

2025/04/01 · 5 مشاهدة · 1418 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2025