التمثيل صعب.
أدركت ذلك منذ اللحظة التي توليت فيها هذا النص.
أن تجسد المشاعر بشكل مثالي، وأن تؤثر في الجمهور دون استخدام أي قوى... لم يكن بالأمر السهل.
...كنت أعلم ذلك مسبقًا، لكنني لم أدرك مدى صعوبته إلا الآن.
خاصة عندما لم أكن أعرف الكثير عن الشخصية.
حاولت أن أندمج في النص، لكن ذلك لم يكن كافيًا. الكلمات وحدها لم تكن تكفي. كان هناك شيء ينقصني، شيء أساسي لم أستطع تحقيقه.
حاولت... حاولت وحاولت...
لكنني فشلت.
وفي النهاية، عندما نظرت حولي ورأيت كل العيون التي كانت مثبتة علي، شعرت بأن صدري يرتجف.
"لقد أوشك الأمر على الانتهاء."
...لكنني لم أحقق بعد ما أردت تحقيقه.
لم يكن هذا كافيًا بالنسبة لي.
ردود فعل الجمهور لم تكن كافية.
لم يكن بإمكاني التوقف.
خاصة عندما لم تنتهِ المسرحية بعد.
عليّ أن أندمج أكثر.
"هوووو."
في الصمت الذي كان يحيط بي، أغلقت عينيّ وأعدت تشغيل النص بأكمله في ذهني.
ديفيد.
كان أحمق.
أحمق بائس.
بدافع فضوله، انتهى به الأمر باكتشاف سر أحد زملائه.
اضطراب تشوه العاطفة—مرض ينهش حياة المرء كلما اختبر مشاعر معينة.
طالما تجنبوا الشعور بتلك المشاعر، يمكنهم أن يعيشوا حياة طويلة.
...لكن هل ستكون تلك الحياة ذات معنى؟
هل سيرضى المرء حقًا بأن يعيش بهذه الطريقة؟
منذ اللحظة التي توليت فيها النص، سألت نفسي هذا السؤال.
وجاءت الإجابة بسرعة...
معظم الناس لن يرضوا بذلك، لكن البعض قد يفعل. ديفيد لم يكن من هذا النوع. كان شخصًا يريد أن يعيش حياته لأقصى حد، ولهذا السبب كنت أجد صعوبة في الاندماج معه.
كان نقيضي تمامًا.
أنا كنت أعيش من أجل أخي، وليس من أجلي.
من يهتم بما أشعر به؟ طالما كان أخي بخير، فماذا كنت أُساوي أنا...؟
أنا... لم أكن أُساوي شيئًا.
كانت هذه الفكرة الأساسية عن نفسي هي التي منعتني من الاندماج مع الشخصية. كنا مختلفين لدرجة جعلت من المستحيل أن أرى نفسي فيه.
على الأقل، حتى اللحظة الأخيرة.
حتى المشهد الأخير.
رغم أنه كان يعاني من نفس المرض، إلا أن ديفيد لم يكن يبالي بنفسه، بل بذل كل ما في وسعه لمساعدة أميليا. حتى عندما كان ما يفعله يقتله ببطء، لم يتوقف عن مساعدتها.
لم أفهم لماذا ذهب إلى هذا الحد لمساعدة شخص بالكاد يعرفه.
منذ اللحظة التي علم فيها عن مرضها، كان بإمكانه أن يرحل ويمضي في حياته. لكنه لم يفعل. بل بقي بجانبها حتى آخر نفس له.
لماذا...؟
لماذا فعل ذلك؟
لكن سرعان ما أدركت السبب.
لقد فعل ذلك لأنه...
كان وحيدًا.
في مواجهة مرض لم يكن أحد يعرفه أو يفهمه، لم يكن أمامه خيار سوى أن يعيش حياته في صمت.
لم يكن مختلفًا عني كثيرًا في هذا الجانب.
أن تعاني في صمت.
... وكان هذا الفهم هو ما جعلني أدرك شخصيته أكثر.
فتحت عينيّ، ونظرت إلى المذكرات أمامي. كان هذا كل ما استطعت رؤيته.
بيد مرتجفة، أمسكت بالقلم وبدأت في الكتابة.
<كنت لأعطي أي شيء مقابل ساعة إضافية. مجرد ساعة واحدة. أريد أن أرى مسرحيتها. من المؤسف أنني لا أملك الكثير من الوقت. ساعتي تدق، وأشعر بجسدي يبدأ في الاستسلام.>
تردد صوتي في أنحاء المسرح.
وفي الوقت نفسه، بدأت الذكريات تتدفق أمام عينيّ.
كانت مشاهد المسرحية.
من المشهد الأول عندما رأيت أميليا لأول مرة، إلى المشهد الأخير حيث ابتسمت وبكت.
استمرت المشاهد في التكرار في ذهني بلا توقف، مثل فيلم يُعرض أمامي، وقبل أن أدرك، بدأت أفقد الإحساس بالفرق بين الواقع والخيال.
كنت أندمج ببطء.
ديفيد...
كنت أصبح ديفيد.
||||
ارتجفت يدي. بدأت المشاعر تغمر عقلي.
<لن ترتكب خطأً أثناء المسرحية، أليس كذلك؟ أثناء التدريبات، كانت ترتكب بعض الأخطاء بسبب التوتر. آمل ألا يحدث ذلك... لا أريده أن يحدث...>
شعرت بألم غريب يغزو صدري.
جعل يدي ترتجف أكثر، وشفتي تهتز.
أغمضت عيني بقوة، ثم ضغطت القلم بقوة أكبر على الورقة، مما تسبب في تجعدها قليلًا.
<لكن عليّ أن أعترف، وجهها المتوتر يبدو لطيفًا جدًا. من عينيها التي ت dart بخوف في كل مكان، إلى احمرار وجهها بالكامل...>
"هاهاها."
ضحكة خرجت من شفتي بينما كنت أكتب.
المشهد تكرر في ذهني، ولم أستطع منع نفسي من الضحك.
<...أريد أن أراه مجددًا.>
عاد الألم إلى صدري.
كان أكثر إيلامًا من ذي قبل.
كلما ازداد اندماجي، ازدادت المشاعر والألم.
كنت... أشكّل هوية جديدة تمامًا في ذهني.
خربشة~ خربشة~
استمرت يدي في الحركة رغم المشاعر الطاغية التي كنت أشعر بها.
...الوقت كان ينفد.
كم من الوقت تبقى لي؟
كان بإمكاني أن أشعر بجسدي يضعف مع كل ثانية تمر. أصبح التركيز أصعب، والذكريات التي غمرت ذهني تدفقت بسرعة أكبر.
تسارعت وتيرة الكتابة مع ذلك.
سكبت كل شيء في المذكرات.
<لا، ليس هذا هو الأمر. أريد أن أرى وجهكِ مرة أخرى. أريد أن أرى مسرحيتكِ. أريد...>
"...."
اهتزت يدي أكثر.
كلما كتبت، زاد الألم في صدري.
بدأت أشعر باليأس.
كان الألم مخيفًا، جعل من الصعب عليّ التركيز. لكن لم يكن بإمكاني التوقف. كنت بحاجة لإنهاء كلماتي الأخيرة.
كنت بحاجة إلى...
"خه."
ضغطت على أسناني، واستخدمت آخر ما تبقى لدي من قوة لكتابة الكلمات الأخيرة.
كنت بحاجة إلى ذلك. كان عليّ...
أنا...
خربشــة... خربشــة...
<...رؤيتكِ.>
"تاك."
سقط القلم من يدي.
فجأة، أصبحت رؤيتي مشوشة. بالكاد استطعت أن أرى، ولم أستطع التنفس. شعرت برأسي خفيفًا، وذراعيّ واهنتين.
عندما رفعت رأسي، رأيتهم.
آلاف العيون التي كانت مثبتة عليّ.
رأيت الدموع تتدفق على وجوههم، والصدمة ترتسم في أعينهم.
نظراتهم...
لقد تغيّرت.
"آه."
ابتسمت حينها.
لكن ليس بسببهم.
بل بسبب شخص آخر. ظهرت صورتها في ذهني مرة أخرى، وعندها أدركت ما كان ذلك الألم في صدري.
■المستوى 1. [حب] نقاط الخبرة + 10%
مع طرفة عيني، اختفى الإشعار.
وفيما خيّم الصمت على العالم، فتحت فمي.
"صحيح، لقد نسيت أن أقول هذا."
سمعت صوتي يصل إلى كل زاوية في المسرح.
"على عكسك..."
وبينما غرق العالم في الظلام، واصلت الابتسام.
"....لقد كان حبًا، وليس فرحًا."
مشاعري المشوشة.
كان المسرح بأكمله في حالة من الصمت باستثناء بعض النشيج الخفيف الذي صدر من بعض المتفرجين. مع انهمار الدموع على وجوه البعض، كانت كل الأنظار مركزة على الرجل الوحيد الذي كان يقف بجانب المقعد.
'ثَد!'
سقط دفتر المذكرات من يده، وأغمض عينيه.
منذ بداية المسرحية، لم يكن له حضور بارز.
كان يبدو أشبه بشخصية ثانوية إلى جانب البطلة الرئيسية. هي كانت النجم، الشخص الذي لم يستطع الجمهور أن يشيح نظره عنه.
....إلى أن جاءت اللحظة الأخيرة.
في المشهد الأخير، كانت كل العيون موجهة نحوه. لم يكن هناك من ينظر إلى غيره.
لقد سرق الأضواء.
بابتسامة رقيقة على شفتيه، استند إلى المقعد بنظرة حزينة.
"ه-هل مات؟"
"...إذًا، لم تتح له فرصة مشاهدة المسرحية؟"
وقع الإدراك على بعض الحضور كالصاعقة، ما دفع دموعهم للانهمار بغزارة.
كان مشهدًا جعل بعضهم يحيد بنظره، غير قادر على النظر أكثر، إذ كان المنظر يخطف الأنفاس.
وببطء، تلاشت الأضواء المحيطة بالمسرح، وغمرت الظلام كامل جسده.
'طَق'
كان حينها أن سمع الجميع صوت خطوة واحدة.
وحين نظر الجمهور، ظهرت شخصية مألوفة في منتصف المسرح. بدت مختلفة عن الماضي. كانت أكبر سنًا الآن، ليس كثيرًا، لكنها بدت في أواخر العشرينيات.
لم يكن هناك خلفية، ولا إضاءة فاخرة.
فقط هي، والجمهور.
'تقطر... تقطر...!'
مع انهمار الدموع على وجهها، نظرت إلى الحضور.
[العالم مكان قاسٍ.]
بدأت تمثيلها، وغرق المسرح في الصمت.
وكأنهم قد نُقلوا إلى عالم آخر، وجدوا أنفسهم غير قادرين على صرف أنظارهم عنها. بينما انهمرت الدموع على وجهها ووجوه الجمهور، أفرغت كل مشاعرها في أدائها.
على ذلك المسرح، مثلت بكل كيانها.
لقد... أطلقت العنان لنفسها.
'خدش~ خدش~'
صوت الكتابة تردد، وصوتها تداخل معه.
<غادر ديفيد عندما كان في السادسة عشرة. هناك وجدت هذا الدفتر وقرأت كل شيء. ذلك الأحمق... حتى في موته، كان يحمل تلك النظرة الغبية على وجهه.>
غطى صوتها الرئيسي.
<بعد وفاته، لم أتوقف عن التمثيل أبدًا. لقد جعلني أدرك أن الحياة تستحق العيش، حتى لو كانت قصيرة.>
أضاء جسدها تحت أضواء المسرح.
<أصبحت مشهورة إلى حد ما. حسنًا... لقد فزت بعدة جوائز، ولم أعد أستطيع الخروج من منزلي دون أن يتم التعرف عليّ. هذا يُعد نجاحًا، أليس كذلك؟>
كانت مثل الشمس.
تضيء أمام الآلاف.
<...لكن حسنًا، أعتقد أن وقتي قد حان أيضًا. من المفترض أن أُتم الخامسة والعشرين بعد يومين، لكنني أعلم أنني لن أصل إليها. العالم يعرف بالفعل عن مرضي، ويعرفون أيضًا أن هذه هي مسرحيتي الأخيرة. أنا سعيدة لأن الكثير من الناس جاءوا.>
بدأت حركات أميليا تبطأ في منتصف التمثيل، مما أوضح أن جسدها بدأ يخونها.
ورغم ذلك، واصلت التمثيل.
<يسعدني أن الكثير من الناس يستطيعون الشعور بما أشعر به. بما جعَلْتني أشعر به.>
رأى الجمهور كل شيء.
جهدها.
<أنا سعيدة جدًا لأنني التقيت بك.>
تدريجيًا، بدأ تمثيلها يهدأ.
كان يقترب من الذروة، وصوتها بدأ يخفت مع اقتراب نهاية المسرحية.
<على مدار السنوات التي مرت، لم أنسك أبدًا، ديفيد.>
"هاا.. هاا..."
بحلول الوقت الذي انتهت فيه، كان تنفسها ثقيلاً، والعرق يتصبب من جانب وجهها.
لكن الأهم من ذلك، أن الابتسامة لم تفارق وجهها.
<لأنه منذ أن التقيت بك، لم...>
'طَق طَق-'
انطفأت الأضواء.
<...أتوقف عن الابتسام أبدًا.>