العالم غرق في اللون الأحمر.
الدم تسرب وتغلغل في الأرض الجافة أسفله.
وقف شخص واحد وحيد في المركز، يتأمل عالمًا مغمورًا بالأحمر. إن جوهر "المفهوم" لدى الإنسان يتشكل من خلال تجاربه في الحياة ورغباته العميقة.
وكل ما عرفه كاليون منذ طفولته هو الدم.
لقد أراق وفقد كميات لا تحصى من الدماء.
"النجدة...!" "ارحمني!"
"لااا!"
كاليون قتل وقتل وقتل.
كل ما يعرفه هو القتل. من أجل النجاة في كهف تشكّل الدم، كان عليه أن يقتل. لم يكن هناك مكان للجبناء في ذلك الكهف. إما أن تقتل أو تُقتل.
"هـ-هاه..."
أسند كاليون يده على حجر خشن في الكهف، ناظرًا إلى أجساد الأطفال الذين هاجموه وقد باتوا بلا حياة.
كان تنفسه ثابتًا، لكن عينيه كانتا تحملان ثقلًا يتزايد مع مرور كل لحظة. وكان الصمت من حوله يصم الآذان، يتخلله فقط صوت تنقيط المياه المتكرر في أرجاء الكهف.
بدأت عيناه تلدغانه وهو يحدق في المشهد أمامه.
...وبارتجاف أسنانه، عض شفتيه حتى نزف.
"لنلعب لعبة."
"ادخل كهف تشكّل الدم واعتنِ بنفسك. لا تخسر أمام الآخرين، وتأكد من أن سلامتك هي أولويتك القصوى. إن فعلت، سأصنع لك بسكويتك المفضل حين تعود."
"اعتنِ بنفسي..."
تمتم بهذه الكلمات لنفسه، قبل أن يدير ظهره.
لا تزال كلمات والدته تثقل على ذهنه. كانت هي دافعه. عليه أن يعتني بنفسه... لقد وعدها.
لا يمكنه أن يموت.
من أجل البسكويت...
"النجاة."
تمتم كاليون، وهو يترنح إلى الأمام، ضاغطًا بيده على بطنه.
"...عليّ أن أنجو."
بووم—
اهتزت الأرجاء.
موجة صدمة قوية انتشرت بقوة بعدما تصادمت قبضتان، مرسلة انفجارًا من الرياح المضغوطة عبر المدرج. خيم الصمت على المدرج بأكمله، وكل الأعين كانت مركزة على الشخصين الواقفَين في مركز المنصة.
وكأن الهواء قد سُحب من المدرج، لم يجرؤ أحد على إطلاق نفس.
جوليَن وكاليون تبادلا النظرات، أعينهما متوهجة بدرجات عميقة من اللون الأحمر.
لكن، على عكس كاليون، فإن عيني جوليَن ومضتا باللون الأحمر للحظة واحدة فقط قبل أن يتلاشى اللون. بدا أن القوة قد غادرت جسده، وذراعه تقلصت وهي تفرقع وتتشقق، فاقدةً قوتها السابقة.
تردد كاليون لوهلة، متفاجئًا من التغير المفاجئ، لكنه سرعان ما شد ظهره وهيأ نفسه لضربة أخرى، غير مستعد لتفويت الفرصة.
غطت دوامة من الهواء قبضته بينما اندفع بها للأمام.
صفير الهواء علا، وفي أقل من ثانية، كانت قبضته بالفعل أمام جوليَن.
لكن جوليَن لم يظهر أي ملامح ذعر. شد عضلات الجزء السفلي من جذعه، وغمض عينيه مرة واحدة، فتحولت عيناه إلى الأحمر مجددًا.
تفجرت عضلات ذراعه مجددًا وهي تتشقق وتتمدد. وبإطلاق كل التوتر المتراكم في جسده، دفع قبضته بقوة انفجارية، مباشرة نحو كاليون.
بانغ!
وقع انفجار مرعب مرة أخرى.
تطايرت ملابس كاليون وجوليَن بعنف، ولم يتحرك أي منهما من مكانه. تبادلهما... خرج متعادلًا.
كما في السابق، عينا جوليَن عادتا إلى لونهما الطبيعي فورًا بعد التبادل، وذراعه تقلصت إلى حجمها الطبيعي. لاحظ كاليون هذا النمط، وراودته فكرة.
'....اندفاع قصير من القوة. لا يستطيع الحفاظ عليه لفترة طويلة.'
سارع كاليون بتنفيذ خطته. تنفس بعمق، وفرقع عموده الفقري وهو يتشنج. انفجرت طاقة مرعبة من جسده.
وبينما كان يحدق بجوليَن، وجه له لكمة أخرى.
بانغ!
تمكن جوليَن من صد اللكمة بلكمته، لكن كاليون لم يتوقف. أطلق التوتر في عموده الفقري، ووجه لكمة بيده الأخرى.
سوش!
صفّر الهواء بعنف مع اندفاع قبضته، وجوليَن حدق بها بتعبير بارد غير مكترث. تم إغلاق مشاعره الستة الأساسية، وبينما كان يراقب القبضة القادمة، شد ساقه اليمنى إلى الوراء، قبل أن يرمي قبضته اليسرى.
بانغ!
تردد انفجار آخر.
لكن كاليون لم يتوقف. ازدادت حمرة عينيه بينما بدأ يوجه قبضته اليمنى مجددًا.
بام، بام، بام، بانغ-!
بدأ كاليون في تحريك ذراعيه وتوجيه لكمات ثقيلة دون توقف. كلاهما كان في حالة تعادل، لكن على عكس جوليَن، بدأت الجروح بالظهور في جسده.
بووم! بووم! بووم!
تحركات كاليون أصبحت سلسة، ساقه أشبه بسوط ضرب أولًا، تلتها ضربة ركبة قوية.
دون توقف، أدار ذراعه في قوس وحشي، ضاربًا بظهر قبضته قبل أن يوجه ضربة مطرقة بيده الأخرى. كل هجمة أصابت هدفها بسرعة مذهلة، في حركة واحدة سلسة.
سبلاش-!
تناثرت الدماء من جسده، ملطخة المنصة أسفلهم، بينما أطلق قبضاته الواحدة تلو الأخرى.
من وجهة نظر الجمهور، بدا كاليون وكأنه شيطان دموي. كان جسده مغطى بالكامل بدمائه التي بدأت تعود إليه تدريجيًا، مما جدد زخمه وزاد الضغط على جوليَن.
وبينما كانت قوة الضربات تتزايد، بدأ جوليَن بالتراجع قليلًا. لحسن الحظ، كانت مشاعره الستة الأساسية مغلقة.
كان قادرًا على الحفاظ على هدوئه ورباطة جأشه بينما يتعامل مع هذا الهجوم العنيف المتواصل.
كانت هناك كرة حمراء واحدة تطفو في ذهنه، تتسلل ببطء نحو ذراعه قبل أن يحررها ويقبض مجددًا.
بانغ! بانغ!
في كل مرة تتصادم قبضتاهما، كان الأمر يبدو كما لو أن قنبلة انفجرت. الأرض من تحتهم كانت تهتز، وتترك وراءها حفرًا مشتعلة تتصاعد منها سحب دخان خفيفة.
سوش!
استمر كاليون في توجيه اللكمات الواحدة تلو الأخرى. كآلة لا يمكن إيقافها، كانت قبضاته تمطر على جوليَن، الذي لم يكن قادرًا إلا على الرد بقبضاته الخاصة.
وسط انفجار تلو الآخر، تشتت الهواء بينما اهتزت المنصة.
ومع تقدم القتال، بدأ جوليَن بالتراجع تدريجيًا.
'إنه يعمل...!'
كما توقع كاليون، لم يكن جوليَن قادرًا على مجاراة هجماته المتواصلة. قبل كل ضربة، كانت عينا جوليَن تعودان إلى لونهما الطبيعي قبل أن تتحولا إلى الأحمر مجددًا.
كانت قوته تصبح مرعبة في كل مرة تتغير فيها بؤبؤاه إلى الأحمر، لكنه لم يكن قادرًا على الحفاظ على هذه الحالة طويلًا. أو ربما كان يُقيّد نفسه...؟
بانغ-!
"آكه....!"
بينما كان جوليان يُدفع إلى الخلف، أبقى نظره ثابتًا على كايليون الذي يقترب خطوة بعد خطوة. وكل خطوة من خطوات كايليون كانت تهبط على الأرض بوقع عنيف.
"هاه... هاه..."
كان تنفس جوليان متقطعًا، وبينما كان يحدّق في كايليون الذي لم يشاركه الإرهاق ذاته، اهتزت القيود التي كانت تحبس مشاعره.
كان ذهنه يصرخ من الألم.
وبيدٍ واحدة صالحة للاستخدام، أجبر نفسه على استخدامها، ومع كل مرة، كان يشعر بعظامه وعضلاته تتشقق وتتمزق.
الاستمرار على هذا الحال لن يفيده بشيء.
"فوووش!"
اقتربت قبضة كايليون منه.
كانت سرعة وقوة تلك القبضة مرعبتين تمامًا كأول مرة هاجمه فيها، وبينما حاول جوليان أن يتحرك، صُدم عندما أدرك أن جسده لا يستطيع التحرك مطلقًا.
عندها فقط، فهم الأمر.
"آه...!"
لقد غمره الإرهاق.
"هاه... هاه..."
وبينما كانت القبضة تقترب من صدره، أدرك جوليان الحقيقة.
(تحرّك... تحرّك!)
فهم جوليان أن لمسة واحدة من تلك القبضة ستكون كافية لخسارته، لكن... جسده ببساطة لم يعد يطاوعه.
وكأن قدميه التصقتا بالأرض، ولم يعد جسده يستجيب لإرادته، فبقي في حالة من العجز التام.
"طنين... طنين..."
اهتزت قيود مشاعره بعنف.
القبضة أصبحت أقرب، تكبر شيئًا فشيئًا في عينيه.
كان شعور الهلاك يقترب منه، بينما كان يحدّق في القبضة القادمة نحوه، وشفتيه تنزفان بعدما عضّها بلا وعي.
"كـ...!"
في تلك اللحظة، تحوّلت عينا جوليان إلى اللون الأحمر القاني.
بانغ!
اهتز ذهنه.
وانكسرت القيود التي كانت تقيد "الغضب".
وفي لحظة يأس، تمتم بكلمة: "غضب".
ووجّهها نحو نفسه.
وبراحته على صدره، شعر جوليان بجسده يغلي، ورؤيته تلوّنت بالكامل بالأحمر، وعضلاته اشتدت، ومفاصله بدأت تُصدر أصوات طقطقة.
كان مفهوم جوليان بسيطًا:
كلما شعر بعاطفة أقوى، ازدادت قوته. كانت قوته تعتمد على عمق الشعور الذي يملكه.
وفي هذه الحالة، ومع تدفّق "الغضب" في جسده، ازداد بشكل هائل، حتى أن القبضة القادمة نحوه بدت وكأنها مصنوعة من القطن.
ومع احمرار وجهه بالكامل، تقدّم جوليان خطوة وأطلق قبضة هو الآخر. كل القوة التي كانت مضغوطة في ذراعه انفجرت في لكمة واحدة، حتى بدأ الدم يسيل من يده.
"آغخ!"
اتسعت عينا كايليون عند رؤية تلك اللكمة. كل شيء حدث بسرعة، لدرجة أنه بالكاد استطاع الرد.
كل ما استطاع فعله هو مضاعفة قوة ضربته المرعبة.
اقتربت اللكمتان من بعضهما.
ثم...
اصطدمتا.
||
||
للحظة عابرة، ساد الصمت العالم. ومع تصادم اللكمتين، توقّف كل صوت، وكأن الهواء ذاته قد سُحب من العالم، محولًا إياه إلى فراغ.
كان الصمت مخيفًا للغاية.
لكنّه لم يدم طويلًا.
بوووم!
انفجار رهيب مزّق ذلك الصمت، محطّمًا المنصة تحت أقدامهم، متسببًا في تطاير الشظايا والحطام في كل اتجاه.
ظلّ كايليون وجوليان في وضعيتهما لبضعة ثوانٍ، قبل أن يبهت وجه كايليون ويخرج دفعة من الدم من فمه.
"كيهك!"
طار ذراعه للخلف بقوة هائلة، وتشققت عظامه بوضوح بينما ترنّح عدة خطوات، حتى توقف على بُعد متر واحد من حافة المنصة.
"آرغ!"
أطلق صرخة تمزق القلب. كان بالكاد يشعر بذراعه.
لا، لقد انكسرت.
"هاه... هاه..."
الألم كان ينخر في عقله، لكنه رأى أن جوليان لم يكن بحال أفضل.
ذراعاه كانتا في حالة سيئة أيضًا.
"أورغ."
بصق كايليون دفعة أخرى من الدم.
تناثر الدم على الأرض، وانتشر ببطء، حتى غطّى مجال رؤيته.
"النجاة..."
تمتم بها.
وهو يشعر بكل جزء من جسده يتألم، رأى نفسه فجأة يتضاءل. رأى نسخة صغيرة منه، تقف داخل بركة من الدماء، ممسكًا بجسد مليء بالجروح والكدمات.
تذكّر فجأة الجوع الذي شعر به ذات يوم.
تذكّر الدماء التي نزفها.
تذكّر عدد الذين قتلهم.
كان هذا لا شيء.
رفع رأسه من جديد، وعيناه احمرّتا من جديد.
بدأت الدماء التي تحت قدميه تنكمش، عائدة إلى جسده، ومعها بدأت جراحه تلتئم، وذراعه تُصدر أصوات تكسير أثناء إعادة تشكيلها.
رغم أن جسده كان يتعافى، إلا أن عقله بدأ يُظلم.
لم يكن يرى جيدًا.
جراحه تشفى، لكن وعيه يضعف.
"آرغخ!"
لكن غريزته للبقاء دفعت به إلى الأمام.
الكلمات التي قالتها له أمه دفعته نحو الأمام، نحو الشكل الضبابي الواقف في الطرف المقابل، المتمايل كأن نسمة واحدة قد تسقطه.
دق! دق! دق!
كانت خطواته تضرب الأرض بثقل، متزامنة مع نبضات قلوب الجمهور.
اقترب من جوليان، وزخمه يزداد مع كل خطوة. الأرض تتشقق تحت قدميه مع كل حركة.
دق! دق!
وسرعان ما وصل إلى جوليان.
ومن خلال رؤيته المشوشة، عضّ كايليون على أسنانه وشدّ عضلات جسده كلّها، موجّهًا كل الطاقة التي جمعها في ضربة أخيرة يائسة.
الهواء من حول جوليان تشقّق بفعل الطاقة، وظهرت دوائر سحرية لا تُعد، تحاصره بدقة قاتلة، مستعدة للانقضاض.
"|"
هذه التحوّلات المفاجئة جعلت الجميع على أطراف مقاعدهم، يحدقون في المشهد بحبس أنفاس.
فوووش!
سقطت القبضة، والهواء يصفر من شدتها، بينما أذنا كايليون التقطتا كل ذبذبة.
في تلك اللحظة، ورغم أنه لم يكن يرى، كان يشعر بكل صوت حوله. من دقات قلبه، إلى صفير قبضته، إلى شهقات الجمهور.
كان يشعر بكل شيء.
... وهناك، سمع تمتمة خافتة:
"فرح."
تلاشت صورة جوليان من أمامه، وكايليون رمش بعينيه، غير قادر على تمييز ما إذا كان ما رآه حقيقيًا. ولكن في اللحظة التالية، شعر بشيء بارد يضغط على مؤخرة عنقه.
حدث ذلك بسرعة لم تسمح له برد الفعل.
وبحلول الوقت الذي أدرك فيه ما جرى، سمع تمتمة خافتة من خلفه:
"حزن."
كرا-
صدر صوت تشقق في الهواء. بدا وكأنه قادم من العقد الذي كان يرتديه.
لكن كايليون لم يكن لديه وقت للتفكير فيه، إذ انفجر رأسه بألم ساحق.
كان ذلك الألم... أكثر مما يمكن تخيّله.
كان يعلم أن قوة السحر العاطفي التي تنتقل عبر اللمس والصوت مختلفة.
لكن بهذا الشكل...؟
"آه..."
(إذًا... هذه هي قوته الكاملة؟)
لقد كانت...
طاغية.
"آرغكخخخ....!"
انكمش قلبه، وبدأ جسده يرتجف.
كرا كراك!
ارتفع صوت التشقق وسط صرخاته. وبدأ شيء ما يلطخ طرف عينيه، وقبل أن يدرك، عادت لون عينيه إلى طبيعته.
واكتسحته موجة من الألم والإرهاق في تلك اللحظة.
كراك!
صدر صوت كزجاج يتحطم، وسرعان ما غرق العالم من حول كايليون في الظلام، بينما شعر بجسده يسقط على الأرض.
دق!
وسط الظلام الذي اجتاح وعيه، وجد كايليون نفسه محاطًا باللون الأخضر. كانت الأرض مسطحة، وقدماه تلامسان العشب برفق.
كانت الذكرى لا تزال حديثة في ذهنه.
كان ذلك اليوم الذي عاد فيه من "كهف تحوّل الدماء".
"لقد نجوت."
تذكّر كيف تمتم بذلك.
وكانت هناك قطعة بسكويت في استقباله بينما خفّض رأسه ونظر إلى الإطار أمام شاهد القبر.
وبجانب الإطار كانت هناك رسالة.
احتوت على كل ما لم يكن يستطيع فهمه حينها.
"آه، فهمت الآن."
عندها أدرك الحقيقة.
كانت أمه هي من سجلته في "كهف تحوّل الدماء".
لم يتبق لها سوى أيام قليلة لتعيش.
وعندما علمت أنه سيموت بدونها، سجلته فيه، على أمل أن تعطيه فرصة واحدة على الأقل.
دخل دون أن يعلم.
وحين عاد، لم يجد سوى شاهد قبر، وإطار، ورسالة، وقطعة بسكويت.
وكانت آخر كلمات في الرسالة:
===
لقد وفيت بوعدك. اعتنيت بنفسك.
فقط استمر بذلك كل يوم.
– مع الحب، أمك.
وقد ظل وفيًا لتلك الكلمات.
حتى لو رسم ذلك صورة سيئة عنه في أعين الآخرين.
سيفعل أي شيء لينجو.
"الفائز هو..."
وأثناء غرقه في وعيه، استطاع سماع الإعلان الأخير:
"...جوليان إيفينوس من إمبراطورية نورس أنسيفا."