على عكس الماضي، لم يقترب "الملاك" مني بحذر.

ركض "الملاك" نحوي بمجرد أن لاحظته.

يداه النحيلتان لم تعودا مشبوكتين في وضع التوسل؛ بل ارتفعتا فوق رأسه، وأصابعه ملتوية كمخالب وهو يندفع نحوي.

"...."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي مع اقتراب يديه، مستعدتين للإطباق على عنقي في أي لحظة. دقات قلبي تسارعت بقوة بينما تلاقت عيناي مع عينيه الجوفاء الممتلئة بجوع مرعب.

تراجعت إلى الخلف، لكنني أدركت أنني عالق في مكاني.

«ما هذا...؟!»

اقترب "الملاك" أكثر.

وجهه أصبح على بعد أمتار قليلة فقط.

كنت أتنفس بصعوبة، وكأن الهواء قد سُحب من رئتي. شعرت وكأنني محاصر داخل عقلي.

هذه الحالة أدخلتني في فوضى ذهنية، لكن لحسن الحظ كنت أعلم كيف أتعامل مع هذا النوع من المواقف.

أخذت نفسًا عميقًا، وظهرت عدة سلاسل داخل عقلي.

كانت السلاسل تهتز كلما اقترب "الملاك"، لكن تعابير وجهي بدأت تهدأ، وجميع المشاعر التي شعرت بها بدأت تتخدر وتخفت تدريجيًا.

"....."

كان "الملاك" قد وصل إليّ.

مدّ يديه نحو عنقي، وأحكم قبضته عليه.

لم أعد أستطيع التنفس.

ألمي في العنق اشتد.

كان يبدو وكأنه سيخنقني حتى الموت.

لكنني بقيت ثابتًا، لم أشيح بنظري عنه ولو للحظة.

"...."

بدأت الدموع السوداء تنهمر من عيني "الملاك". تساقطت على الظلام أسفلنا، وذابت بداخله بهدوء.

كان يبدو وكأنه ينتظر رد فعل مني، لكن...

قلبي كان ثابتًا.

عقلي كان ثابتًا.

أنا كنت ثابتًا.

كرك كراك-

ظهر خط دقيق على عنق التمثال.

ببطء، بدأ هذا الشرخ يتسع، يزحف عبر الحجر البارد الذي يشكل التمثال. وخلال ثوانٍ قليلة، التوى رأس التمثال، محدثًا صوت طحن الحجر.

انقبض عنقي بقوة بينما استدار الرأس ليكشف عن وجه—وجه أعرفه جيدًا.

"س...ساعدني!"

كأنني استطعت تخيّلها وهي تتوسل إليّ، تحدّق بي من خلال عينيها الجوفاء.

كانت تلك "كيرا".

وجهها كان ممتلئًا بالحزن وهي تنظر إليّ.

كرك كراك-

اهتز التمثال مجددًا، ليُظهر وجهًا جديدًا.

رفرفة.

وجه جديد ظهر بعده.

رفرفة. رفرفة. رفرفة.

استمرّ التمثال في الدوران، عارضًا وجهًا تلو الآخر. ومع تعرفي على هذه الوجوه المألوفة، بدأت الأقفال داخل عقلي تهتز.

لكنني فهمت غايته.

«يريد إنهاكي ذهنيًا قبل السيطرة عليّ.»

بما أنني خضت قتالًا مرهقًا منذ لحظات، فقد كانت هذه هي اللحظة المثالية للتسلل إلى عقلي.

كان دفاعي ضعيفًا، وجسدي مرهق ومنهك.

الجدران الذهنية التي بنيتها على مدار عام كامل بدأت تُظهر تصدعات صغيرة، وكنت أشعر بوجوده يتسلل مستغلًا تلك الفجوات الدقيقة.

لكن ذلك لم يكن كافيًا.

«عليك أن تبذل جهدًا أكبر من هذا إن أردت اختراقي.»

||

"...."

مثل هذا لم يكن كافيًا لزعزعة كياني.

حاول التمثال أن يغوص أعمق في عقلي، لكنني قاومت.

"حسنًا..."

تحدثت أخيرًا، ناظرًا بعمق في عيني التمثال الجوفاء، وللحظة عابرة، خُيّل إليّ أنني رأيت شيئًا في تلك العيون.

لكنه كان مجرد وهم.

رفعت يدي، وضغطت على اليدين الحجريتين القابضتين على عنقي.

ومن دون أن أشيح بنظري، أخذت نفسًا عميقًا، ومددت إصبعي إلى ذراعي اليمنى، حيث ظهر وشم مألوف.

«لم أكن أريد اللجوء لهذا... ولست متأكدًا إن كان سينجح بما أنك لست كيانًا حقيقيًا، ولكن إن سمحت لي...»

"...سأرى حزنك."

ضغطت على الورقة الثانية.

أصبح العالم الذي كان بالفعل مظلمًا، أكثر ظلمة، واختفى "الملاك" من أمامي.

جسدي خرج عن سيطرتي، وشعرت بإحساس مألوف يتسلل إليّ.

كما لو أنني خرجت من جسدي فجأة، بدأت أفقد كل حواسي.

«هذا الإحساس... مر وقت طويل منذ آخر مرة شعرت به.»

استسلمت للإحساس لبضع ثوانٍ أخرى، قبل أن يبدأ العالم من حولي بالتغير. الأرض تحت قدمي أصبحت صلبة، وبدأت مبانٍ شاهقة في الظهور، تلوح في الأفق فوقي.

وفوقها، شمس بيضاء تتعلق في السماء، تلقي ضوءًا باهتًا وباردًا على السماء الرمادية.

أسفلها، ظهرت مجموعة من الهياكل الضخمة، تصميمها يذكرني بتصاميم "الإمبراطورية الرومانية"، لكنها بُنيت بالكامل من الرخام الأسود. الحجر الداكن لمع تحت ضوء الشمس البيضاء، مانحًا الهندسة المعمارية هالة مشؤومة تتوافق مع الأجواء العامة للعالم.

كانت الشوارع مزدحمة بالناس، يرتدون عباءات وتنانير غريبة وهم يمشون فوق الطرقات الحجرية غير المرتبة.

"...."

راقبت كل هذا بصمت.

وذلك حين رأيتها أخيرًا.

فتاة صغيرة كانت جالسة على أحد المقاعد في المدينة، شعرها الأسود مربوط في ذيل حصان يتدلى على كتفها الأيسر. خدودها الممتلئة ترتجف بلطف بينما كانت تقضم قطعة خبز صغيرة، وعيونها متسعة بسعادة وهي تتذوق الطعام.

كانت الفتاة لا تبدو أكبر من عشر سنوات، ووقفت بجانبها امرأة طويلة صارمة الملامح ذات شعر أشقر قصير وعيون زرقاء.

من طريقتها في الوقوف، والدروع الخفيفة التي ترتديها، بدا أنها حارسة شخصية لتلك الطفلة.

نظرت من حولها بتركيز، ثم لمست الفتاة الصغيرة بلطف.

"هيا بنا."

"...نعم؟"

"هيا بنا."

"؟"

أمسكت الحارسة بيد الفتاة وسحبتها قليلاً، مساعدًة إياها على النهوض من المقعد.

"هيا بنا."

سحبتها مبتعدة.

وخلال ذلك، لاحظت شيئًا.

تلك الفتاة...

عيناها غير مركزتين.

«يبدو أنها... عمياء.»

لكن ذلك لم يكن هو الأمر المهم.

نقلت نظري إلى الحارسة، ونظرت تحديدًا إلى الرمز المحفور على ظهر درعها.

لقد كان...

ورقة برسيم بأربع أوراق.

***

كانت المنصة مغطاة بالحفر، وسطحها مليء بالشظايا المحطمة وبقايا ما كانت عليه سابقاً.

تجعدت خيوط من الدخان من الحطام، وكانت درجة الحرارة المحيطة بالمنصة أعلى قليلاً من حرارة العالم الخارجي.

كانت الطاقة السحرية المتبقية تتطاير في الهواء بينما كان ليون وأميل واقفين على طرفي النقيض.

"هااا... هاا..."

أنفاسهما كانت ثقيلة بالتساوي.

لم يبدو أن أياً منهما مصاب، لكن ملابسهما وشعرهما كانا في حالة فوضى تامة.

كانت عينا ليون سوداء تماماً، بينما كانت عينا أميل بلون رمادي داكن.

"واو..."

همهم كارل بصوت خافت وهو يشاهد التفاعل من الاستوديو. شعر ذراعيه كان منتصباً بالكامل، بينما كان فمه جافاً.

القتال... كان لا يُصدَّق.

"من كان ليظن أن ليون وأميل قادران أيضاً على استخدام نطاق؟ هذا أمر حق–"

"مفهوم، وليس نطاقاً."

قاطعته يوهانا بسرعة، مستفيقة من شرودها.

وبعد أن أدركت ما قالته، شرحت نفسها.

"النطاق ما يزال بعيداً عنهما. لكي يتمكن الشخص من تجسيد أفكاره وتجارب حياته، يحتاج إلى كمية كافية من الطاقة السحرية. إذا لم يستطع الجسد مواكبة ذلك، فلن يتمكن من تطوير مفهومه إلى نطاق، حتى لو نجح في خلق المفهوم ذاته."

هزت يوهانا رأسها، مفكرةً في جميع الأشخاص الذين عرفتهم واضطروا للتخلي عن طموحهم بسبب وصول أجسادهم إلى حدودها.

إذا لم يستطع الجسد تحمل الطاقة السحرية اللازمة لتجسيد النطاق، فسيظلون عالقين في المستوى الرابع إلى الأبد.

تنهدت يوهانا وشرحت ذلك كله للجمهور.

"لهذا لا يمكن تحقيق النطاق إلا في المستوى الخامس. لأنه عندها فقط يمتلك الشخص الطاقة السحرية الكافية لتجسيد أفكاره بشكل سليم."

لكن للأسف، كان كل الانتباه مركزاً على ليون وأميل، ولم يُعر أحد كلامها أي اهتمام.

بابتسامة عاجزة، كل ما استطاعت فعله هو خفض رأسها ومتابعة النظر إلى ليون وأميل.

وفجأة، ظهرت نقطة بيضاء في عين ليون.

بدأت القوة تتدفق إلى جسده.

مفهومه كان "السماء".

وحيداً في وسع وظلام الليل، ما كان يلمع فقط هو القمر والنجوم. مفهومه لا يزال غير مكتمل، مقتصراً فقط على جانب "الليل" من "السماء". ومع ذلك، كان هذا كافياً لتعزيز قدراته بشكل كبير.

وبينما ظهرت نقطة أخرى في عينيه، رمش بعينيه واختفت النقطة.

بدأت القوة تتدفق في كل جزء من جسده.

شعر ليون بالقوة تتغلغل في كل جزء من جسده بينما بدأ عقله بالانتعاش.

لم يكن التأثير بنفس قوة كايليون، ولم يكن بنفس طبيعته أيضاً. فعقله فقط هو الذي انتعش، أما جسده وطاقته البدنية فلم يتغيرا.

كل ما شعر به هو تيار خفيف يمر عبر جسده، مما سمح له بمتابعة القتال.

"هوووه."

جلب سيفه إلى الأمام، وأخذ ليون نفساً عميقاً، ثم خطا خطوة متقدمة وهو يوازن قدمه مع جسده.

أما أميل، فوقف في الجهة المقابلة دون أن ينبس بكلمة.

كان هو الآخر مشغولاً بضبط نفسه.

مع أصوات "طقطقة" و"تشقق"، بدأ جسده يخضع لتغييرات كبيرة. ومع تغير جسده، تغير أيضاً الغشاء الرقيق الذي كان يحيط بسيفه.

أصبح أرق حتى كاد يختفي تماماً.

ارتفعت هالته، وعندما رفع رأسه، رأى أميل أن ليون يستعد للهجوم.

شعر بابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه عند رؤية ليون.

"حسناً."

وكأن بينهما اتصال عقلي، تحركا في نفس اللحظة. جسد ليون تلاشى للأمام، مختفياً عن الأنظار، بينما ظل أميل هادئاً ومتزناً، موجهاً سيفه للأمام.

تموج الفضاء حول سيفه.

ظهر ليون خلف أميل، وسيفه مرفوع، مستعد ليوجه ضربة نحو عنقه، لكن...

قبل أن يتمكن من تنفيذ الضربة، اهتزت عيناه.

سيف أميل...

كان موضوعاً مباشرة بجانب عنقه.

في تلك اللحظة، بدأ عقل ليون يعمل بسرعة، باحثاً عن طريقة لتفادي الضربة، لكنه توقف حين أدرك أن سيف أميل مرّ عبر رقبته دون أن يؤذيه.

رمش بعينيه، وأدرك أن كل ما رآه كان مجرد وهم.

كان ظهر أميل أمامه تماماً.

لم يتردد ليون. مد سيفه للأمام، مستعداً للطعن، عندما...

توقف جسده مرة أخرى.

"...هاه...!"

دون وعي، تراجع ليون عدة خطوات إلى الوراء.

"ما الذي أفعله هنا...؟"

"...لماذا أقاتل؟"

"لقد وصلت بعيداً، وأنا متأكد أن جوليان يستطيع أن يتولى الباقي. يمكنه أن يفوز بدلاً عني."

"نعم، أظن أن هذا كافٍ."

"حظاً سعيداً يا جوليان."

بدأت أصوات تتسلل إلى أعماق روحه، تهمس في ذهنه بشكل مستمر. همساتها وكلماتها جعلته يشعر بالإرهاق.

شعر بأن عقله فارغ، وجسده فارغ، وقلبه فارغ.

لم يعد يريد فعل أي شيء.

"أريد أن–"

تراجع ليون مرة أخرى، رافعاً رأسه لينظر إلى أميل الذي ابتسم له وهمس قائلاً:

"مفهومي..."

تحولت عيناه إلى لون رمادي أعمق.

"...هو الوحدة."

2025/04/05 · 5 مشاهدة · 1405 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2025