"م-ماذا...!؟"

لم أرد أن أصدق ذلك.

لم يكن للأمر أي معنى، لكن بينما كنت أحدق في الرسم، عرفت دون شك أنه كان أخي.

من ملامح وجهه إلى عينَيه الخضراوَين الفريدتَين اللتَين كانتا تميزانه دائمًا حين نخرج سويًا.

لم يكن هناك شك، لقد كان هو.

"مورتوم"

الشكوك القليلة التي كانت تراودني حول كون "مورتوم" هو أخي اختفت في تلك اللحظة. كان هذا دليلاً لا يمكن إنكاره على أنه ما زال حيًا.

وإلا، لماذا كانت سترسم صورته..؟

أو، هل هناك سبب آخر؟

راقبت الفتاة العمياء في صمت.

كانت يدها الصغيرة تواصل الرسم، تضيف المزيد والمزيد من التفاصيل.

كان الرسم يفتقر للألوان، لكن بينما كنت أحدق فيه، شعرت وكأنه قد دبّت فيه الحياة.

شعرت وكأنه... حيٌّ داخل الرسم.

"من تكون هذه الفتاة الصغيرة؟"

كلما نظرت إليها أكثر، زاد فضولي.

كنت قد خطوت خطوةً للأمام لأتأملها بشكل أفضل، حين توقفت فجأة.

!!

حولت نظري بعيدًا عن يدها، ونظرت إلى وجهها، ولاحظت عينيها.

كانتا سابقًا خاليتين من الحياة، لكن هذه المرة... كانتا فارغتَين تمامًا. كأن بؤبؤيها قد اختفيا.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي بينما أحدق في الفتاة الصغيرة.

كان هناك شيء مخيف فيها لا أستطيع تفسيره.

كلاك-

انفتح الباب فجأة، ودخل عدة أشخاص يرتدون السواد إلى الغرفة. خلفهم، رأيت نفس الحارسة التي رأيتها من قبل، بوجه جامد وهي تنظر إلى يسارها، حيث ظهر رجل ذو شعر أبيض طويل وشارب.

كان يملك هالة من السلطة، ومن طريقة تعامل الجميع معه، بدا أنه ذو مكانة عالية.

"الملك ربما..."

لم أكن متأكدًا، لكن المشهد أمامي بدا في غاية الأهمية.

"تيريزا."

تنحى الرجال ذوو الملابس السوداء جانبًا، مفسحين الطريق للملك ليتقدم. وبينما كان يتحرك، ألقى نظرة سريعة عليهم. كان كل واحد منهم يحمل صليبًا أبيض في منتصف صدره، وكانت هيئتهم توحي بأنهم سحرة.

خشخشة خشخشة~

رغم كلمات الملك، لم تجب الطفلة، واستمرت في إضافة اللمسات الأخيرة إلى رسمها.

نظر الملك إلى الرسم، وتغيرت ملامح وجهه قليلًا، ثم التفت إلى الرجال السود.

"ابدأوا."

بمجرد أن أصدر أوامره، بدأ الرجال بالتحرك في أنحاء الغرفة، محيطين بالطفلة التي بدت وكأنها غير واعية لما يحدث حولها.

بينما اتخذوا مواقعهم، ظهر دائرة سحرية أرجوانية ضخمة أسفل السرير، وبدأت تغمر الغرفة بضوء أرجواني باهت.

هبّت نسمة هواء لطيفة في أرجاء الغرفة، وتناثر شعر الفتاة على وجهها.

خشخشة~

استمرت يدها في التحرك على الورقة.

بدا وكأنه لا شيء يهمها سوى الرسم.

كنت أراقب المشهد في صمت، وشعرت وكأنني أغرق في أعماق البحر، وأن التنفس صار أكثر صعوبة.

شعرت بالاختناق.

فووووم!

كسر طنين خافت الصمت المتوتر، وأصبحت الدائرة السحرية أكثر توهجًا.

غمرت الغرفة بأكملها أضواء ساطعة تركزت على الفتاة الصغيرة. تلاعب الضوء العنيف بثيابها وشعرها، كما لو أن عاصفة ضربت المكان فجأة.

وبحلول الوقت الذي هدأ فيه كل شيء، كانت الغرفة في حالة فوضى. الأثاث مقلوب، والأوراق مبعثرة. أما الرجال السود فقد شحب وجوههم، وتحطمت الثقة التي كانوا يتمتعون بها، لتحل محلها نظرات جادة.

التفتوا إلى الملك، الذي كان يراقبهم بقلق.

"لا..."

تكلم أحدهم، وصوته مبحوح.

ارتجفت حدقتاه وهو ينظر إلى الفتاة التي ما زالت تبدو غير متأثرة بكل ما حدث.

"هـ...هوا."

أخذ نفسًا عميقًا، وتراجع خطوة إلى الخلف.

رفع يده المرتجفة، وأشار نحو الفتاة.

"جلالة الملك..."

خرج صوته منهكًا، فيما انتفخت عروق رقبته.

اقتربت أكثر، أحاول أن أسمع بوضوح. شعرت أن كلماته القادمة ستكون في غاية الأهمية.

ربما تكون مفتاحًا لمعرفة ما حدث لأخي.

ربما—

"...كما كنا نخشى...! إ-إنها ممسوسة."

لم أكن مستعدًا للكلمات التي خرجت من فم الرجل ذي اللباس الأسود. كأن صاعقة ضربت عقلي، وسقط بصري على الفتاة الصغيرة التي توقفت أخيرًا عن الرسم.

تغيرت ملامح الملك، ولوّح بيده.

"الكهنة!"

صوته دوّى، بينما تراجع الرجال ذووا اللباس الأسود بسرعة.

انفجر من جسد الملك ضغط هائل بينما كان ينظر إلى الفتاة بقلق وغضب شديدَين.

"من أنتِ...؟"

رنّ صوته العميق في الغرفة، وارتجفت النوافذ الزجاجية من شدته.

قابلت كلماته لحظة من الصمت.

تصاعد التوتر، ورأيت الجميع يتجمد في أماكنهم بينما رفعت الفتاة الصغيرة رأسها، كاشفة عن عينيها الخاليتَين من الحياة.

"ما رأيك؟" أخيرًا تكلمت، وصوتها الطفولي تردد في أرجاء الغرفة.

طوال الوقت كانت تنظر نحو الملك، الذي بدأ يتوتر. ورغم ذلك، لم يكن ملكًا عبثًا.

رغم الموقف، حافظ على رباطة جأشه.

"...ماذا فعلتِ بابنتي؟"

"هذا ليس سؤالي."

بدت الفتاة الصغيرة وكأنها محبطة وهي تضع الورقة جانبًا وتحاول النهوض من السرير. ولكن، ما إن تحركت حتى تحرك الجميع في الغرفة على الفور، محاطين بها بوجوه متوترة.

ظهرت دوائر سحرية، وسُحبت السيوف، كلها موجهة نحوها.

"لا تتحركي."

تكلم الملك، وصوته العميق يتردد مرة أخرى.

انفجرت منه قوة هائلة، غمرت الغرفة بالكامل.

راقبت المشهد في صمت، وكانت عيناي مثبتتَين على الملك.

"إنه قوي إلى حدٍّ ما."

لم يكن بقوة دليلة أو بعض الأساتذة، لكنه كان قويًا نوعًا ما.

وبما أن هذا كان في الماضي البعيد، فالأمر منطقي.

أقوى شخص في الماضي كان على الأرجح أضعف بكثير من أقوى شخص في عصرنا الحالي.

......

وسط جميع الدوائر السحرية والسيوف، لم يكن أمام الفتاة الصغيرة أي خيار سوى أن تتوقف عن الحركة.

تحدث الملك مجددًا:

"سأسأل مرة أخرى، من أنتِ؟ ماذا تريدين؟... وماذا فعلتِ بابنتي؟ أجيبي وأنا لا زلت أطلب بلطف. وإلا، لديّ وسائل أخرى للحصول على المعلومات منك."

||

وقفت الفتاة الصغيرة في صمت لبرهة، تمعن النظر في وجوه الحاضرين.

للحظة قصيرة، شعرت وكأن نظرتها توقفت عندي، وسرت قشعريرة في جسدي بالكامل.

رغم أنني لم أكن أملك جسدًا ماديًا، شعرت بعرق بارد يتصبب من كل جزء فيّ.

وانقبض قلبي.

قالت الفتاة الصغيرة أخيرًا، بصوت هادئ بشكل مريب بينما تسللت ابتسامة إلى ملامحها الناعمة:

"لقد جئت لأسترد."

تحولت حلاوة تعابير وجهها إلى شيء مقلق، مما بعث قشعريرة في أرجاء الغرفة.

"تسترد...؟" ضيّق الملك عينيه، وكأنه يحاول تذكّر شيء ما.

بدا مشوشًا في البداية، لكن تعابير وجهه تغيرت فجأة.

"آه، يبدو أنك تذكرتِ."

قهقهت الفتاة الصغيرة، ضحكتها كانت ناعمة لكنها مشؤومة، يتردد صداها في الغرفة.

"آه، ولكن..."

"لا يوجد لكن."

جلست الفتاة الصغيرة على حافة السرير، متقاطعة الساقين.

"أين هو؟"

بدأت ابتسامتها في التلاشي تدريجيًا، فيما أصبحت عيناها أكثر شفافية.

"الدم، أين هو؟"

||

شحبت ملامح الملك وبدأ جسده يرتجف.

بدا عاجزًا تمامًا عن الكلام، وأثناء مراقبتي له بدأت أستوعب ما يحدث.

لقد شهدت مشهدًا مشابهًا من قبل.

...إمبراطورية العدم.

هل يمكن أن يكون...؟

اتسعت عيناي حين قفزت الفتاة الصغيرة من على السرير.

"لا تتحرّك—!"

حاول الكهنة والحراس إيقافها، لكن كل ما تطلّب الأمر هو نظرة واحدة منها ليتوقفوا عن الكلام.

طَق!

انكسرت أعناقهم للخلف.

طَخ!

تجمدت الغرفة في صمت بينما اقتربت الفتاة من الملك الذي بدأ يتراجع إلى الوراء.

"هـذا..."

بدا أنه يريد قول شيء ما، لكن الكلمات علقت في حلقه.

رغم صغر حجمها مقارنة به، إلا أن الفتاة بدت أطول وأكثر رهبة من الملك الذي أصبح وجهه شاحبًا بالكامل ومتعرقًا.

كانت عيناه ترتجفان، وشفتيه باهتتان.

"كـان من أجل... ابنتي."

"أعلم ذلك."

توقفت الفتاة الصغيرة.

"كنت تحاول إنقاذ ابنتك التي كانت تحتضر. في يأسك، أخذت الدم وحاولت إعطاءه لها."

||

توقف الملك، عاجزًا عن الكلام.

وقفت في صمت، أستمع إلى كل ما يُقال وأصل إلى فهم مفاجئ.

حينها التفتُّ أنظر إلى الفتاة الصغيرة.

(جامِعة...؟)

كنت أعرف كل شيء عنهم، وشعرت بالتوتر وأنا أعلم أن قليلًا من دم مورتم يجري في عروقي.

هل سيأتون من أجلي أيضًا...؟

قالت الفتاة الصغيرة، وقد أصبح صوتها باردًا:

"الأفعال لها عواقب."

"آه..."

صدر صوت غريب من فم الملك بينما استطاع أخيرًا إيجاد صوته. وبوجه شاحب، تحدث:

"أستطيع... أن أصلح هذا."

"حقًا...؟"

أمالت الفتاة الصغيرة رأسها، وظهرت ابتسامة مجددًا على وجهها.

"وكيف ذلك؟"

"أ-أنا..."

"إذًا لا تستطيع."

"أنا...!"

"شش."

وضعت الفتاة الصغيرة إصبعها على شفتيها، وساد صمت مطبق في الغرفة، كما لو أن كل الأصوات قد امتصت منها.

استدارت، ووضعت يديها خلف ظهرها وسارت نحو النافذة، تحدق في الشمس البيضاء الساطعة التي علقت في السماء.

طوال الوقت الذي تحدثت فيه، بقي الجميع مجمّدين في أماكنهم، غير قادرين على الحركة.

راقبت المشهد بعبوس.

(....هل هي حقًا جامِعة؟)

لسبب ما، بدت "هي" مختلفة قليلًا عن أتلاس.

هياااك—

صرخة مفاجئة قطعت أفكاري.

فزعًا، نظرت عبر النافذة، وهناك رأيت المشهد.

هياااك—

رجل يخنق امرأة مارة. بدت عيناه مملوءتين بالجنون، والجميع من حوله يحاولون انتزاعه عنها.

"...كما قلت، الأفعال لها عواقب."

اهتزت عينا الملك عند سماع كلماتها.

تحرك فمه، لكن لم تخرج أي كلمات.

كل الأصوات اختفت من الغرفة.

هياااك—

صرخة أخرى مزقت الهواء، تلتها صرخات أخرى بسرعة، حتى غرق العالم في جوقة من الصيحات المتألمة.

تجمّع الدم على الأرض، يصبغها باللون الأحمر.

وقفت في صمت، أشاهد كل ذلك يحدث لوقت لا أعرف مدته. ولم أفق من صدمتي إلا عندما رأيت مجموعة من الناس مصطفين تحتي، أجسادهم جامدة، ورؤوسهم مرفوعة، وكل منهم يحمل رأسه المقطوع بين يديه المرتجفتين.

كان مشهدًا يرعب الجسد والروح.

(هممم؟)

قبض شيء غريب على صدري بينما حدقت في المشهد.

(ما هذا بحق الجحيم؟)

وتمكنت من معرفة ما هو...

لماذا كنت أشعر... بالفرح؟

||

شاهدت الفتاة الصغيرة كل ما يحدث في صمت، وتعابير وجهها لا تُقرأ. ببطء، رفعت رأسها ونظرت إلى الشمس البيضاء التي تلوح في السماء.

أصبحت عيناها الجوفاء أكثر فراغًا، وفتحت فمها مستعدة للكلام من جديد.

اقتربت لا شعوريًا، أرهف سمعي لأسمعها.

شعرت أنني بحاجة لسماع هذه الكلمات.

كان عليّ أن—

"ماذا أريد؟"

رمشت بعينيها، واختفت البؤبؤات تمامًا من عينيها.

"...أريد أن أعكس السماء."

2025/04/05 · 4 مشاهدة · 1427 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2025