"مـ… ماذا؟"
توقفت أنين إيفلين وهي تحدّق في زوج العينين العسليتين.
"ماذا قلتَ للتو…؟"
لمعت عيناها ببرودٍ خاطف، لكن نظرتها لم يكن لها أي تأثير على زوج العينين العسليتين اللتين ظلّتا تحدّقان بها بهدوء.
"ذلك الكاهن الذي انتهى به الأمر إلى مساعدتك… أنتِ من قتلته في النهاية، أليس كذلك؟"
"عمّ تتحدث؟"
كان الارتجاف قد غادر صوت إيفلين منذ زمن، وحلّ محلّه بردٌ يتناغم مع برودة المكان. وهي تحدّق به، تراجع زوج العينين العسليتين قليلًا، كاشفًا عن ابتسامة رفيعة.
"يبدو أنكِ ما زلتِ لستِ حرّة تمامًا."
"عمّ تتحدث؟"
"أريد فقط أن أسألكِ شيئًا. إن لم تكوني أنتِ من قتل الكاهن، فمن الذي فعل؟"
"لا أعلم، لكنه ليس أنا. الجميع قالوا إن ما حدث كان حادثًا. لا أعرف التفاصيل جيدًا، لكنني لم أكن أنا."
توقفت لحظة، ثم أضافت:
"أقول لك إنني لست أنا."
"وكيف أنتِ متأكدة من ذلك إلى هذا الحد؟"
"ماذا؟."
بدأت إيفلين تغلي من الغضب، ووجهها يتلوى بتهديد، ولكن قبل أن تتمكن من التصرف، تقدم جوليان وضغط بيده على رأسها، وأوقفها في مكانها.
"ماذا تفعل؟!"
"أتأكد فقط من أنكِ لا تفعلين أي شيء غبي"، أجاب جوليان بهدوء، ويده تضغط على رأسها. حاولت إيفلين المقاومة، لكن دون جدوى. كانت قبضة جوليان قوية للغاية، وقد استنفدت كل الطاقة داخل جسدها منذ فترة طويلة.
كانت تحت رحمة جوليان تمامًا.
"توقف! دعني أذهب!!"
وبالطبع، لمجرد أنها لم تستطع الإفلات بالقوة لا يعني أن إيفلين ستسمح لجوليان يفعل ما يشاء. استمرت في المقاومة، وأمسكته بكلتا يديها وغرست أظافرها في جلده.
"اتركني!!"
ملأت صرخاتها المكان، وظهرت عروق داكنة في جميع أنحاء وجهها الشاحب.
"ما الذي تفعله بحق الجحيم أصلًا؟! ما خطبك؟!"
وفي خضم غضبها، لم تلاحظ حتى الظلام الذي كان يتشكّل داخل عينيها. ببطء ولكن بثبات، بدأ الظلام يزحف.
مفسدًا إياها.
"….."
تحمل جوليان كل هذا في صمت، وظلت نظراته صافية وهو يتجاهل صرخات إيفلين ومقاومتها.
لم تتوقف إيفلين.
استمرت في الصراخ، وكانت كل صرخة أعلى من سابقتها.
"اتركني، اللعنة!"
"سأقتلك! سأقتلك ايها اللعين!!"
"لماذا لا تستمع إلي؟ اللعنة! اللعنة!!"
انغرست أظافرها بعمق في جلده، مما أدى إلى خروج الدم. وعلى الرغم من ذلك، لم يتركها جوليان.
حدق بها فقط.
"أكرهك! أكرهك!!! أكرهك ايها اللعين!!"
"دعني... أذهب!!"
ولكن سرعان ما بدأت شكواها تتلاشى.
"قلتُ لك… اتركني!"
"توقّف. قلتُ… توقّف… توقّف."
"لماذا؟"
"لماذا… لا تتوقّف؟"
"تـ… توقّف."
"ارجوك ."
أصبح صوت إيفلين أكثر هدوءًا حتى توقفت، ربما بسبب التعب الشديد أو إدراكها أنها لا تستطيع فعل أي شيء.
حتى الظلام الكامن في نظرتها توقّف للحظة.
عند ذلك، خفّت قبضة جوليان قليلًا. لكن صوته لم يلن—ظلّ باردًا كما كان دائمًا.
"قد لا تدركين ذلك، لكن عقلكِ كان فاسدًا منذ زمن طويل . الأمور التي تحدثتُ معكِ عنها سابقًا، أنا والآخرون… لقد لحقت بكِ أخيرًا، وهذه هي النتيجة. قد لا تعين ما حدث بنفسك، أو ربما نسيته، لكنكِ أنتِ من قتل الكاهن ذاته الذي ساعدكِ يومًا."
"تـ… توقّف"
هزت إيفلين رأسها، محاولةً إنكار كلماته. خرج صوتها ضعيفًا وغير ثابت، والإرهاق يثقل وجهها. لكن ذلك لم يكن مهمًا لجوليان.
لقد رأى كل شيء. كان يعرف الحقيقة المدفونة في أعماق عقلها.
"كل ذلك لأنه رفض أن يعلّمكِ المزيد. لأنكِ كنتِ يائسة للغاية لأن تصبحي شيئًا ما… أن تفعلي شيئًا ما، إلى درجة أنكِ سمحتِ للظلام بأن يفسدكِ للحظة. قد لا تتذكرين، لكنكِ فعلتِها. أنتِ… قتلته."
ارتجفت شفتا إيفلين، وواصل رأسها الاهتزاز وهي تتمتم بكلماتٍ مثل: "لا، هذا غير منطقي. لم أفعلها. أعلم أنني لم أفعل. أنتَ… تكذب!"
"قد لا تُدركين ذلك بنفسكِ، لكن"
لوّح جوليان بيده الحرة.
سـوووش!
وفجأة، تلاشى الظلام الذي كان يحيط بالمكان، وحلّ محلّه مشهد مختلف. مشهد شعرت إيفلين أنه مألوف على نحوٍ غامض.
هذا المكان…
"مـ… ماذا تفعل؟"
"إن لم ترغبي في الاعتراف به، فسأريكِ إيّاه بنفسي."
"تريني ماذا؟ ما الذي تـ…"
توقفت كلمات إيفلين فجأة حين شعرت بشفتيها تُطبقان بإحكام. اتسعت عيناها وهي تنظر إلى جوليان، لكنه لم يكن ينظر إليها. كان ينظر إلى مكانٍ آخر.
مكان بعيد.
وعندما تبعت إيفلين خطّ نظره، تجمّد وجهها.
كانت فتاة وحيدة تسير وسط امتداد طويل من الأزهار الصفراء، ورأسها منخفض ، بينما انسدلت خصلات من شعرٍ أرجواني على وجهها، مخفيةً ملامحها. كانت تتحرّك ببطء بين الأزهار، وشفاهها تهمس بالكلمات نفسها مرارًا وتكرارًا، بلا توقف، وكأنها تخشى أن تصمت.
"لماذا لا تستطيع؟ لماذا لا تستطيع…؟ لماذا لا تستطيع؟"
بدت الفتاة في نحو الخامسة عشرة من عمرها. وفي اللحظة التي استقرت فيها عينا إيفلين عليها، اندفع تيارٌ صاعق في جسدها، كالكهرباء التي تسري في أعصابها. توقّف الظلام الزاحف إلى نظرتها تمامًا، ووجدت نفسها تحدّق في المشهد وفمها مفتوح قليلًا.
هذا المكان…
هذا المشهد…
بدأ نَفَسها يثقل، وارتجفت شفتاها وهي تحاول استيعاب ما تراه.
لكن قبل أن تتمكن من ذلك، انتفض رأسها.
'مزيّف.'
'كلّه مزيّف.'
بدأت أصوات تهمس داخل عقلها.
'لا… لا تنخدعي بحِيَله. إنه يحاول التلاعب بكِ بذكرياتٍ زائفة. لا شيء من هذا حقيقي. كلّه مزيّف!'
"هـ… ها."
ارتجف صدر إيفلين، والظلام الذي كان قد توقّف عن الزحف في عينيها بدأ يتحرّك من جديد. لكن هذه المرّة كان مختلفًا. لم يعد الظلام عميقًا كما كان من قبل. كان أبطأ بكثير، ومع استمرار إيفلين في التحديق بالمشهد أمامها، بدأ الشكّ يتسلّل إلى قلبها.
'هذا مزيّف، أليس كذلك؟ لا بدّ أنه مزيّف. لا أذكر أيّ شيء من هذا. لا بدّ أن جوليان يحاول تزوير الأمور… نعم، لا بدّ من ذلك.'
ورغم أنها كانت تكرّر على نفسها أن كلّ ما تراه مزيّف، فإن الشكّ العالق الذي زرعه جوليان ظلّ باقيًا في أعماق ذهنها. كان كافيًا ليمنع الظلام من التهام عقلها بالكامل، بينما ركّزت إيفلين انتباهها على الفتاة.
وسرعان ما—
"ماذا تفعلين هنا؟"
تردّد صوت مألوف في أرجاء المكان.
توقّفت الفتاة الصغيرة الواقفة بين الأزهار، وبقي نظرها منخفضًا بينما ظهر شخص في المسافة البعيدة.
كان الكاهن يرتدي رداءً داكنًا عليه صليب أحمر لافت للنظر في منتصف صدره، ونظر إليها باستياء واضح، وكان تعبيره قاسيًا وغير مرحب به وهو يستوعب وجودها.
"ألم أخبركِ أننا سنتوقف هنا؟ لماذا قررتِ المجيء؟"
كانت نبرته صارمة، وكان الغضب واضحًا على ملامحه وهو ينظر إليها.
"هل تعلمين كم أنتِ بعيدة عن ملكيتكِ؟ لا معنى لوجودكِ هنا. لقد أخبرتكِ بالفعل أنكِ لستِ مؤهلة لهذا. لقد علمتكِ أيضًا تعويذة كما وعدت. في الواقع، وجودكِ هنا يؤخرني كثيرًا. ماذا ستفعلين إذا مات أحد مرضاي بسبب التأخير؟"
"….."
على الرغم من كلماته، لم تتحرك الفتاة الصغيرة.
ظل رأسها منخفضًا، وظل تعبيرها مخفيًا بشعرها المنسدل.
عند رؤية ذلك، لم يزد الكاهن غضبًا. بل على العكس، رقّ وجهه تدريجيًا وهو يمشي نحو الفتاة الصغيرة ويمسك بكتفها، ويخفض جسده ليقابلها في مستوى النظر.
"اسمعي."
رقّت نبرته أيضًا.
"أتفهم أنكِ تريدين المساعدة. مع أنني لا أفهم ما الذي يدفعكِ إلى هذا اليأس، إلا أنني أتفهم رغباتكِ. حقًا. ومع ذلك، هناك خطوات للأمور. أنتِ الآن تحاولين التعجل في الأمور بسرعة كبيرة. أنتِ ما زلتِ غير مستعدة بعد."
توقّف الكاهن، وملامحه الناعمة على غير العادة تزداد ليونة.
"أنتِ تريدين تحقيق شيء ما، أليس كذلك؟ تريدين مساعدة شخصٍ عزيز عليكِ. تريدين إثبات أنكِ قادرة على أن تكوني مفيدة. لكن عليكِ أن تفهمي هذا… الرغبة في المساعدة وحدها لا تكفي. من دون القدرة، لن تتمكّني من فعل أي شيء. عليكِ أن تتحلّي بالصبر. أن تتعلّمي. أنتِ ما زلتِ صغيرة. أمامكِ الكثير لتتع—"
رشّ—!
كان الأمر مفاجئًا.
لم يره أحد قادمًا حقًا.
لا الكاهن، ولا إيفلين التي كانت تشاهد كل شيء.
لم يتوقّعه أحد.
ثُد!
تلطّخت العشب الأخضر بالدماء بينما انهار جسدٌ على الأرض. بقيت عيناه مفتوحتين على اتساعهما، وقد تجمّدت الصدمة على ملامحه. وعلى مقربةٍ منه، وقفت الطفلة الصغيرة بلا حراك، ويدها الصغيرة مبللة بالدم. ببطء، رفعت رأسها، كاشفةً عن زوجٍ من العيون الداكنة، الخاوية، تحدّق إلى الأمام.
ثم—
"ها… ها. ها. "
بدأت ضحكاتٌ تتردّد من شفتيها، وعيناها تزدادان ظلامًا مع كل ثانية تمرّ. كان واضحًا أنها بدأت تفقد صوابها.
وهو يحدّق في المشهد، لوّح جوليان بيده.
توقّف المشهد، ثم استدار لينظر إلى إيفلين الحاضرة أمامه.
لم يكن هذا نهاية المشهد. كان هناك المزيد، لكنه لم يستطع أن يريه لها. لم يستطع أن يريها نويل. أو، على وجه الدقّة، ألدريك. لقد كان يراقب طوال الوقت، تاركًا المشهد يسير حتى نهايته.
حتى جوليان نفسه لم يفهم تمامًا سبب ذلك. أراد أن يسأله، لكنه لم يستطع. كان عليه أن ينتظر حتى يراه مجددًا.
مرة أخرى، غرق كل ما حولهما في الظلام.
ساد صمتٌ ثقيل بين الاثنين، إذ لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة.
ولكن سرعان ما-
"إنه… مزيّف."
دوّى صوت إيفلين الأجشّ.
كانت عيناها تبدوان خاويتين، لكن الظلام لم يكن بارزًا كما كان من قبل. كان جوليان يشعر بذلك. الشك في نظرتها. صرخت بكلمة 'مزيّف'، لكنها في أعماقها كانت تعرف أن كل شيء حقيقي. أن لا شيء من الأمور التي عرضها لها كان مزيفًا.
"لا يمكن… ك-كيف يكون هذا ممكنًا؟ لابد أن يكون مزيفًا. أنا… كنت-"
"انظري."
لم يقل جوليان أي شيء مميز. لم يلقي عليها محاضرة، ولم يفعل أي شيء سوى التلويح بيده.
سووش-!
وبينما كان يفعل ذلك، ظهرت مرآة.
كانت مجرد مرآة بسيطة، لكن في اللحظة التي نظرت فيها إيفلين إليها، تجمد تعبيرها. استوعبت كل شيء دفعة واحدة. من شعرها الأشعث إلى وجهها الشاحب. لكن أكثر من أي شيء آخر، ظل انتباهها مثبتًا على عينيها.
تلك العيون الداكنة.
ارتجفت عينا إيفلين بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وتقلبّت مشاعرها بشدة.
وقف جوليان أمامها، وفتح شفتيه ببطء.
"أعتقد أن هذا يكفي."
مدّ يده نحوها.
"حان الوقت لتستيقظي من غفلتك أخيرًا."
—————-
اخيراً كاتب تذكر ان عنده رواية ثانية