الفصل 45: موجّه ترويض الوحوش الخاص بك
…من هذا؟
اتّسعت عينا جيان نينغ حتى كادت تحدّقان خارج محجريهما
فإذا بطائر كركي يهبط من جهة الأفق، يقترب منها شيئًا فشيئًا
كان جناحاه أبيضين كالثلج، وكل ريشة فيهما كأنها تشع ضوءًا لطيفًا
وفوق ظهر الكركي رجل يرتدي رداءً طويلًا بلون أبيض قمري
ابتلعت جيان نينغ ريقها بتوتر
«ه-هذا… ما زال العالم الحديث؟»
«نظام الزراعة الخالدة… إلى أين أخذني؟»
لكن المشهد من حولها لم يتغير مطلقًا
منزلها ما زال في مكانه، والبناء غير المكتمل في البعيد ما زال كما هو
يبدو أنها بالفعل ما زالت في الزمن الحديث
هبط الكركي بثبات على العشب داخل فناء بيتها، ونزل الرجل عنه، ثم رفع بصره إليها
لا تدري إن كان ذلك تجاوبًا بين المزارعين الخالدين أم لا، لكن ما إن ظهر الرجل حتى شعرت جيان نينغ بضغطٍ هائل يطبق على صدرها
رفعت يدها، وحركت شفتيها المتصلبتين بصعوبة وقالت بأدب
«هاي، أهلًا»
…لكن ما الذي جاء من أجله؟
اقترب الرجل منها
كان شعره أسود حالكًا، مرفوعًا في كعكة عالية ومثبتًا بدبوس من اليشم الأبيض
وتدلت خصلات مبعثرة على جانبي وجهه فأضفت عليه شيئًا من التراخي
ملامحه حادة واضحة، وفي عينيه بريق فطري من الخطورة والحدّة
مظهره بالكامل… لا تراه إلا في مسلسلات الخيال عن الزراعة الخالدة
مهما نظرت إليه جيان نينغ، لم تشعر أنه شخص من العصر الحديث
قال وهو يبسط كفيه
«سو يوفنغ، موجّه ترويض الوحوش الخاص بك»
ما إن سمعت جيان نينغ ذلك حتى فهمت فورًا
إذًا هذا هو «مكافأة المهمة»
هذا النظام لم يخبرها مسبقًا
كانت تظن أنها ستحصل على «دليل إرشادي» لترويض الوحوش
لكن اتضح أنه كافأها… برجل
تقدمت نحوه، وقلّدت تحية «ضم القبضة» التي تراها في المسلسلات كي تبدو أكثر أدبًا
«مرحبًا، أنا جيان نينغ، أشكرك على تعبك في هذه الأيام، هل أناديك… أستاذي؟»
انخفضت عيناه السوداوان قليلًا وقال ببرود
«لا حاجة»
شعرت جيان نينغ فورًا بأن ضغطًا غير مرئي يشتد حولها
فكّرت قليلًا… يبدو أنه لا يحب هذا اللقب، فغيّرت أسلوبها
«إذًا أناديك معلّم، هل يناسب؟ معلّم سو؟»
لوّح سو يوفنغ بيده بلا مبالاة
«كما تشائين، متى نبدأ توجيه ترويض الوحوش؟»
كان في نبرته شيء يشبه «التعجّل لإنهاء المهمة»
رأت جيان نينغ أن عدّاد الأيام الثلاثة قد بدأ بالفعل
وهي تريد استغلال الوقت لأقصى حد، تتعلم قدر ما تستطيع
«نبدأ الآن، تفضل بالدخول يا معلّم سو»
أشارت بيدها للداخل ودعته يتقدم
كانت تحمل في بطنها أسئلة كثيرة
لكن بما أنهما تعارفا للتو، شعرت أنه ليس من اللائق أن تستجوبه منذ اللحظة الأولى
ستنتظر حتى يتعارفا أكثر
وحين مرّ سو يوفنغ بجانبها، تباطأ قليلًا وحدّق فيها لثوانٍ
ثم تقلّصت حدقتاه وكأنه تذكّر شخصًا من الماضي
«إنها أنت!»
رفعت جيان نينغ رأسها والتقت نظرته
ومن نبرة صوته بدا وكأنه…
«هل تعرفني من قبل؟»
مسحها بنظرة سريعة
كان شعر جيان نينغ بطول خصرها مربوطًا على عجل في كعكة فوضوية
وترتدي قميصًا واسعًا أزرق فاتحًا بأكمام قصيرة
وفي معصمها خيط أحمر
أما أسفل ذلك فشورت أبيض كشف ساقين طويلتين مستقيمتين ناصعتين
قال ببرود
«لا يبدو كذلك… لعلي أخطأت»
ثم أضاف في نفسه أن السيدة نينغ التي يعرفها كانت متعالية وفخورة
ولن تكون بهذه الهيئة المستهترة
شعرت جيان نينغ أن في عينيه شيئًا من الاحتقار
فشدّت على أسنانها وهي تفكر بغضب: "يا له من موجّه سيئ… لو أنهم أعطوني كتيّبًا كان أفضل!"
قال سو يوفنغ مباشرة
«أنتِ تسبّينني»
دخلت جيان نينغ وجلست على حصير صغير في غرفة المعيشة
ثم ربّتت على حصير آخر بجانبها بابتسامة
«لا لا، أنت تتخيل، تفضل يا معلّم، اجلس… ولنبدأ توجيه ترويض الوحوش»
لم يجادلها سو يوفنغ
فلولا أن ذلك النظام اللعين جاء إليه وقال إن لديه طريقة «ليجعله يموت»
لما وافق أصلًا أن يأتي هنا كموجّه لترويض الوحوش
هو… سيد من سادة عالم الشياطين
فكيف يعلّم شخصًا لم يستقر حتى في مرحلة تنقية الطاقة ترويض الوحوش؟
إنها مزحة
سأل
«هل درستِ أساسيات ترويض الوحوش، وأصلها وتطورها؟»
هزّت جيان نينغ رأسها بصدق
«يا معلّم، لدي مهارة ترويض الوحوش… لكني لا أعرف عنها شيئًا، الآن فقط أستطيع فهم بعض لغة الحيوانات والتحدث معها»
نظر إليها سو يوفنغ نظرة واحدة، وكأن شعورًا بالعجز الاستسلامي مرّ به
«حسنًا، إذًا سأبدأ من أبسط المعلومات»
أومأت جيان نينغ
«حسنًا»
كانت عيناها مستديرتين، ممتلئتين بشغف التعلّم
بعد نصف ساعة
كان صوت سو يوفنغ ينساب بهدوء كجدول صافٍ
«ترويض الوحوش بدأ أولًا بعقد عهود مع الحيوانات البرية، كي يحصل البشر على الطعام ويحافظوا على أراضيهم في بيئات قاسية
وفي عالم الزراعة الخالدة، الأساليب والحبوب والكنوز والتشكيلات هي الأساس، لكن أغلب المزارعين يعقدون عقودًا مع وحوش روحية
ولكل وحش روحي ما يبرع فيه، لذا توجد طوائف متخصصة في ترويض الوحوش تعمل على إكثار الوحوش الروحية وبيعها… مثل كركيي ذي الريش الأسود…»
أسندت جيان نينغ كفّها على طاولة غرفة المعيشة، واتكأت برأسها على يدها
ثم لم تستطع منع نفسها من التثاؤب
هذا الدرس… منوّم جدًا
وفجأة شعرت بألم حاد في جبهتها
ففتحت عينيها فورًا، واستقامت جالسة بجدية
«يا معلّم، أنا أسمع!»
تابع سو يوفنغ
«مثل كركيي ذي الريش الأسود، يقطع في يوم واحد مسافات شاسعة
وعند القتال تتحول أجنحته إلى سهام
ولا يقدر أي مزارع تحت مرحلة النواة الذهبية على صد ضربة واحدة منه
ويمكنه مجابهة مزارع في مرحلة الروح الوليدة»
ثم سأل
«هل لديك وحش روحي؟»
أومأت جيان نينغ
«أظن… نعم، ربما»
قال سو يوفنغ ببرود
«عندك أم لا؟ لا يوجد شيء اسمه ربما، استدعيه لأراه»
رفعت جيان نينغ صوتها باتجاه الباب
«شياو باي! أوريو!»
ركض القط الأبيض الصغير بسرعة نحوها، وبدأ يحك رأسه بكفها وهو يغمض عينيه براحة
أما أوريو وكلب الألاسكا فكانا قد ذهبا للعب في مكان ما
يبدو أنهما لم يسمعا نداءها فلم يأتيا
قدّمت جيان نينغ القط قائلة
«يا معلّم، هذا أحد وحوشي الروحية»
رمقه سو يوفنغ بنظرة
وظهر في عينيه أخيرًا شيء من التأكيد
«بمستوى زراعتك المتدني… تمكنتِ من ترويض قطّ استقصاء روحي نادر من الدرجة الدنيا
حظك ليس سيئًا»
اتسعت عينا جيان نينغ دهشة
«قط استقصاء روحي؟»
«نعم
قط استقصاء روحي نادر من الدرجة الدنيا
شمّه وبصره استثنائيان
ويتغذى على فئران الظلّ وأسماك البلّور
وله قدرة فطرية على الاستطلاع
لكن قطّك ما زال صغيرًا، وطاقة الروح في جسده قليلة
بعد أن تعقدي معه عقدًا، ربّيه جيدًا
وعندما يبلغ، لن يحرس المنزل فقط… بل ستكون قوته القتالية أيضًا غير عادية»
سألت جيان نينغ بفضول
«وكم تبيع طائفة ترويض الوحوش مثل هذا القط النادر؟»
«غالبًا ما تُسعَّر الوحوش النادرة من الدرجة الدنيا بين عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من أحجار الروح
لأن لديها سلالات خاصة أو مواهب فطرية
هل تنوين بيعه؟»
هزّت جيان نينغ رأسها بسرعة
«طبعًا لا، كنت أسأل فقط عن السوق»
وأثناء حديثهما، دخلت عدة قطط أخرى
كانت تخشى أن تُطعم جيان نينغ شياو باي وحده مكافآت القطط سرًا
فقد ضبطوها تفعل ذلك أكثر من مرة
نظر سو يوفنغ إلى القطط وسأل
«هل أنتِ من طائفة ترويض الوحوش؟»
أجابت جيان نينغ
«لا»
قال بحدة
«إذًا كيف لديك هذا العدد من الوحوش الروحية النادرة من الدرجة الدنيا؟ لا يكثرها إلا طائفة ترويض الوحوش»
أرادت جيان نينغ أن تشرح، لكنها شعرت أن الأمر سيبدو معقدًا جدًا
فاكتفت بالقول
«يا معلّم… هذا ليس عالم الزراعة الخالدة»
تأمل سو يوفنغ المكان وقال
«لا عجب
حتى مع تشكيل تجميع طاقة الروح، طاقة الروح هنا رقيقة جدًا
أين نحن؟»
قالت جيان نينغ
«هذا هو العالم الحديث
لا أحد هنا يزرع الخلود… ربما أنا الأولى»
نظر سو يوفنغ إليها بفضول
وفجأة… بدا المشهد وكأن جيان نينغ هي من ستبدأ بإعطائه درسًا