نام تشن تشانغ آن ليلته تلك نوماً هنيئاً لم يعرف له مثيلاً؛ فالحياة دون الحاجة للتودد لسكان قصر أمير هواينان، ودون العيش في وجل دائم يترقب فيه نظرات الازدراء، كانت تفيض بسكينة غير متوقعة لم يختبرها منذ سنوات.

في اليوم التالي، لم يستيقظ إلا وقد ارتفعت الشمس عالياً في كبد السماء. تحسس عقد قطع العلاقات المخبأ في ثنايا ثوبه، وانطلق بخطى وئيدة هادئة نحو القصر.

وعند البوابة، أبصر مدير المنزل العجوز، العم هو، وهو يخرج بظهره المحني وجسده المنهك. في تلك اللحظة، تحركت المياه الراكدة في قلب تشن تشانغ آن الذي ظن أنه لم يعد يبالي بشيء.

"العم هو."

كان العم هو هو النسمة الوحيدة في ذلك القصر القاحل؛ فكلما نال منه بطش الأخوات وتنمرهن، سارع العجوز لمواساته وتضميد جراحه، وكان يذرف الدموع سراً وهو يراه يُعامل كالدواب ويقتات على الفضلات.

لكن يا للأسف، فالأخيار لا يعمرون طويلاً؛ ففي حياته السابقة، تسبب تشن فوشنغ في موت العم هو غرقاً في بئر الفضلات، نكالاً له لأنه تجرأ يوماً وطلب منه الرحمة بـ تشن تشانغ آن والكف عن التنكيل به.

حين لمح العم هو الفتى، اعتلت وجهه علامات الاضطراب والقلق الشديد.

"يا سمو الابن التاسع، أين تواريت بالأمس؟ لقد كدت أموت هماً عليك!"

"الحمد لله على سلامتك.. هل أكلت شيئاً؟"

أخرج العجوز رغيفاً بسيطاً كان يخبئه في ثوبه وقال بإلحاح: "كلْ هذا بسرعة! لقد عاد والدك وهو في حالة غضب عارم، اذهب إليه واستعطفه، وسينقضي هذا البلاء."

لم يملك العم هو، بصفته خادماً، ما هو أغلى من ذلك الرغيف الذي يحمل دفء جسده. اهتزت مشاعر تشن تشانغ آن للحظة، لكنه هز رأسه بجمود وانفصال عاطفي واضح.

"لن أستعطف أحداً."

"يا بني..."

"العم هو، استمع إليّ جيداً،" قاطع الفتى نصيحة العجوز بلهجة قاطعة لا تقبل الجدل.

"إن استطعت، فغادر بلاد 'تشو' وابحث عن غابة نائية تقضي فيها ما تبقى من عمرك بعيداً عن هذا المكان. أنا الآن لا أملك من أمري شيئاً، ولستُ في حال يسمح لي بأخذك معي وحمايتك."

تسمر العجوز مكانه بذهول؛ فقد قضى عمره في خدمة عائلة تشن لثلاثة أجيال، فكيف له أن يرحل الآن؟

لم يزد تشن تشانغ آن كلمة واحدة، فغياب القوة يجعل الحديث لغواً لا طائل منه. سار نحو فناء القصر، فتردد في أذنيه صوت الأميرة تشو وهي تشكو بمرارة وحنق.

"أيها الأمير، انظر كيف تمرد ذلك الأبله وتجاوز حدوده؛ سألتُه إن كان هو من كسر ساق جواد 'الثلج'، فصمت بوقاقة وازدراء؛ وحين جثا ابننا الحادي عشر ليتوسل له بقلب نقي، ضربه بلا رحمة."

"بل وزاد على ذلك أن غاب عن القصر ليلة كاملة، الله وحده يعلم في أي مكان قذر كان يغرق في الرذيلة!"

كان تشن تشان، أمير هواينان، رجلاً في الخامسة والأربعين، ذو سحنة عسكرية صارمة وملامح توحي بالهيبة والبطش؛ كانت شفتاه المطبقتان تنذران بأوامر قتالية وشيكة، وعيناه تشرقان بصرامة القادة.

ابتسم تشن تشانغ آن ببرود وتحدث بصوت خالٍ من المشاعر: "يا سمو الأميرة تشو، من أين لي بالمال حتى أغرق في الرذيلة في الخارج؟"

التفت الأمير بزيّه العسكري الثقيل نحو مصدر الصوت، بينما رمقته الأميرة تشو وتشن تشون هوا بنظرات ساخرة؛ ظنتا أنه عاد ذليلاً منكسراً ليطلب الصفح والمغفرة.

حاول العم هو تدارك الموقف المشتعل: "أيها الأمير، السيدة كانت في غاية القلق على سلامته..."

قاطعه تشن تشانغ آن بحدة باردة: "العم هو، سمو الأميرة تشو صاحبة مقام رفيع، فكيف لها أن تأبه لحياة أو موت نفاية مثلي لا قيمة لها في نظرها؟"

دوى صوت ضربة قوية على الطاولة! استشاط تشن تشان غضباً، وانفجرت منه هالة مرعبة من السلطة والسطوة.

"تشن تشانغ آن! اِجثُ على ركبتيك فوراً!"

جثا الفتى بهدوء تام أمام الأمير، ووضع كفيه على الأرض وقال بنبرة خاوية: "الرعية تشن تشانغ آن يحيي أمير هواينان، دمتَ في عزّ ومنعة لألف عام!"

اكفهر وجه الأمير بصورة مخيفة وتصلبت ملامحه: "أيها العاق! أتريدني أن أؤدبك بنفسي لتعرف قدرك وتتعلم كيف تتحدث مع والديك؟"

رد الفتى بجمود وهو ينظر للأرض: "أيها الأمير، أنا مجرد فرد من العامة، ولم أقترف إثماً يحاسب عليه القانون، فلماذا تتوعدني بالبطش والتنكيل؟"

شد الأمير قبضته على مقبض سيفه حتى ابيضت مفاصله: "أنا والدك، وسلطتي عليك مطلقة فوق كل قانون! لماذا تناديها بـ 'الأميرة تشو'؟ ألا تستحق منك كلمة 'أمي'؟ ولماذا تناديني بلقبي الرسمي؟"

أخرج تشن تشانغ آن نسختي عقد قطع العلاقات ورفعهما بيدين ثابتتين لا ترتجفان.

"أيها الأمير، لقد أبلغتني الأميرة تشو بالأمس أنها تنتظر عودتك لتوقيع هذا العقد، وبمجرد توقيعكما سأنفصل عن هذه العائلة ولن أعود ابناً لكم. فكيف لي أن أناديكم بما لا أستحق؟ أليس في ذلك قلة أدب وتطاول على مقامكم الرفيع؟"

تجمدت نظرات تشن تشان، بينما تقدمت تشن تشيو يوي وانتزعت الورقتين من يده وهي تسخر باحتقار: "دعوني أرَ.. هل تعلم ذلك الأبله الذي يدعي الغباء كيف يخط عقداً؟"

فتحت الورقة، لتجد كلمات منسقة بخط بديع يفيض بالكبرياء والجزالة، خط لا يملكه إلا العلماء والفرسان.

"أرفع أمري لسماء العليين، وأجهر به في ظلمات الجحيم؛ لتكون السماوات والأرض شاهدة على ما أقول. أنا، تشن تشانغ آن، أنفصل طواعية وإلى الأبد عن قصر أمير هواينان. نغدو كالأغراب في الدروب، لا يلقي أحدنا السلام على الآخر. وإن أصر أمير هواينان على البحث عني أو إعادتي، فهو تحدٍ للقدر، وعقوبة ذلك هي الزوال من العوالم الثلاثة، دون أمل في تناسخ أو رجوع."

تسمرت تشن تشيو يوي مكانها؛ لم تكن الكلمات هي ما صدمها فحسب، بل ذلك الخط المتقن الذي يعكس قوة نفسية هائلة.. هل يعقل أن هذا من صنع يد هذا الحطام البشري؟

استشاط الأمير غضباً؛ فكلمات الفتى كانت كطعنات مسمومة موجهة لروحه وكبريائه. "العم هو! أحضر سوط العائلة فوراً! إن لم أقتلك اليوم وأطهر اسم العائلة منك، فلن أكون أمير هواينان!"

قالت تشن تشيو يوي بخبث وابتسامة شماتة: "أبي، سأحضره أنا!"

سأل تشن تشانغ آن ببرود ثلجي: "لقد نلتُ عقابي بالأمس من الأميرة تشو بسبب اتهامي بكسر ساق الجواد. وهي من وعدتني بإنهاء الأمر بتوقيع العقد عند عودتك، فلماذا تُنفذ فيّ حكم العائلة الآن؟ هل يبطش أمير هواينان بالضعفاء العُزّل، أم أن الأميرة تشو تنكث وعودها أمام الملأ؟"

لقد حاصره الفتى بمنطقه الحاد. لكن الأمير رجل حرب لا يعرف لغة الجدل، فاستل سيفه وهو مغمد وضرب به رأس تشن تشانغ آن بكل ما أوتي من قوة!

لم يحاول الفتى تفادي الضربة أو التراجع خطوة واحدة، بل مد عنقه ليتلقاها مباشرة برأسه! دوى صوت الارتطام الثقيل، وسقط تشن تشانغ آن مترنحاً وقد غامت الرؤية في عينيه، بينما انفجر جرح غائر في جبهته قذف بالدماء الساخنة لتلطخ غمد السيف وملابس الأمير.

ذهل الأمير وتراجع خطوة، وتجمدت الأميرة تشو وتشن تشون هوا في مكانهما بصدمة.. لماذا لم يدافع عن نفسه؟

"سمو الابن التاسع!" صرخ العم هو وهو يهرع إليه بجسده المرتجف: "ارحمه أيها الأمير! سأستدعي الطبيب حالاً قبل أن يلفظ أنفاسه!"

"توقف!" استجمع تشن تشانغ آن قوته رغم الدوار الشديد ونزيف الدم الذي غطى وجهه.

"أنا مجرد رعية من الرعاع، وحياتي لا قيمة لها. أيها الأمير، لقد نزفتُ اليوم ما يكفي من الدماء لرد دين الدم الذي جرى في عروق الأميرة تشو حين ولدتني."

مسح الدماء عن عينيه بيده الملطخة وتابع بصوت أجش مكسور: "أما عن نفقات السنوات الست التي قضيتها هنا، فخمسة تيلات في الشهر تعني ثلاثمائة وستين تيلة فضية. وفي غضون أشهر قليلة، سأعيدها لكم خمسمائة تيلة مع الفائدة الكاملة."

"وقع العقد الآن، ولينقطع كل ما بيننا من وشيجة!"

جاء الطبيب مسرعاً، لكن الفتى صده بيده الملطخة بالدماء وقال بلهجة انتحارية ويائسة:

"إن كان هذا لا يرضيكم، فاحسبوا كل لقمة أكلتها وكل شربة شربتها مالاً وسأدفعه مضاعفاً! وإن عزّ عليكم المال وضقتم به ذرعاً، فلا يتبقى لي إلا أن أفعل ما فعله الأبطال في الأساطير القديمة.."

"سأكشط لحمي رداً لفضل الأب، وأقطع عظمي رداً لفضل الأم! فقط وقعوا ذلك العقد ودعوني أرحل عن هذا الجحيم!"

________________________________

💡 [ هامش ثقافي: أسطورة نيتشا ] 💡

تشير عبارة "تمزيق اللحم للأب ونحت العظام للأم" إلى أسطورة صينية قديمة تعبر عن ذروة التضحية لقطع صلة الدم؛ حيث انتحر البطل الأسطوري نيتشا بتقطيع جسده ليعيد لوالديه الدين الجسدي ويتحرر من سلطتهما نهائياً .

الرواية على المدونة الآن تحتوى على 8 فصول

2025/12/29 · 178 مشاهدة · 1246 كلمة
نادي الروايات - 2026