197 – رمح العدم ضدّ سيف المجرّة المشوّهة

 

 

 

كانت هناك مراحل بكلّ نطاق من المستويات الروحيّة، وفورما ينهي الساحر الروحيّ مرحلة ما كلّيّا، فإنّه يكون مؤهّلا للاختراق إلى النطاق التالي، لكنّ ذلك يكون أصعب بطبيعة الحال، ولا يمنحه فرصا جيّدة في بلوغ مراحل مرتفعة في النطاقات القادمة، ويتوقّف نموّه عند نطاق محدّد في النهاية، وفي المقابل كلّما أكمل مراحلَ أكثر سهُل اختراقه إلى النطاقات التالية وزادت فرصه في بلوغ مراحل عليا بها.

 

كانت موهبة إدريس الحكيم ضعيفة للغاية، لكنّه استطاع التعويض عن ذلك بحكمته السياديّة. أمّا إبلاس، فقد كان من أفضل عباقرة العوالم الروحيّة. قيل أنّ شخصا بموهبته الطبيعيّة لا يظهر إلّا مرّة في عشرة آلاف سنة.

 

كان بلوغ نطاق نهر العالم يتطلّب تجاوز اختبار تحت القوانين الطبيعيّة التي تحاول قمع انبثاق كيان مثل هذا. لقد كان الساحر الروحيّ الذي يتجاوز هذا الاختبار يدعى بـروحانيّ مبارك.

 

كان لذلك سبب وجيه؛ ففي الحقيقة، لم يكن هدف تلك القوانين الطبيعيّة النهائيّ هو قمع انبثاق كيان كروحاني مبارك إلى الوجود، وإنّما كانت كممتحِن يختبر أهليّة الشخص الذي يريد بلوغ ذلك النطاق، لذا سمِّي ذلك 'اختبار العالم'، وعرِف أيضا وغالبا بـ'اختبار الجدارة'.

 

وبعدما يتجاوز هذا الاختبار، يكسب الروحانيّ المبارك قطرات الحياة من جوهر العالم الروحيّ حتّى يصنع نهر عالمه الخاصّ. كانت قطرات الحياة هذه تغذّي نبع أرضه الواسعة حتّى يصبح في النهاية نهرا يمدّه بالحياة.

 

كان هذا النهر الروحيّ يمثّل حياة جديدة بالنسبة للساحر الروحيّ، أو على الأقلّ بدايتها. فبعدما يصير هذا النهر بحيرة، وتصير البحيرة بحرا، وينتهي إكمال النطاقات الأخرى، سيكون الساحر الروحيّ مستعدّا عندئذ لُيُمتحن من جديد ليُرى إن كان أهلا لاكتساب تلك الحياة الجديدة بأكملها، أم سيمنح حياته الخاصّة التي نمّاها كلّ الوقت الماضي بفشله.

 

كانت قوانين هذا العالم الطبيعيّة مبرمجة على اختبار هذه الكيانات التي تحاول تجاوز الاختبارات بدون استثناء، ولم ولن يمرّ سوى الجدراء. كان هذا هو السبب في كون عالم السحر والروح يتّخذ منحى النجاة للأجدر، وليس للأقوى.

 

على مرّ التاريخ، كان هناك العديد من العباقرة الأقوياء؛ إذ هزموا كلّ أعدائهم ومنافسيهم أثناء تسلّقهم إلى القمّة، لكنّهم فشلوا في الاختبار النهائيّ. وفي الجهة الأخرى، كان هناك أشخاص أخذوا وقتهم في الصعود ببطء وقوّوا أسسهم الروحيّة حتّى بلغوا ما لم يبلغه العديد من الأقوياء، وكان هناك آخرون استخدموا مخطّطات واستراتيجيّات لينجحوا في ذلك. كان ذلك خير دليل على نجاح الأجدر وليس الأقوى.

 

***

 

فاضت طاقة شيطان اليأس وغمرت العالم الواهن بأكمله جاعلة إيّاه يسقط في يأس عظيم. لم يتجرأ أيّ شخص على التفكير في مواجهة صاحب هذه الطاقة فاختبؤوا في جحورهم.

 

لم تكن طاقة إدريس الحكيم بندّ لها أيضا؛ استطاعت فقط أن تصارعها من أجل إنارة هاوية اليأس تلك التي يكاد العالم الواهن يسقط فيها. كان إدريس الحكيم في هاته الأثناء كقمر يضيء الظلام السحيق، وكان نوره بالكاد يجعل الرؤية واضحة لأولئك الذين لا يزالون يبحثون عن ضوء الأمل.

 

كان السيف الهلاليّ الأزرق في يد إبلاس كقطعة من نجم أزرق يجعل الشمس تبدو كشعلة ضئيلة، وكان شيطان اليأس كمخلوق جبّار يمكنه تلويحه ومحو باقي النجوم والمجرّات به.

                                                         

كان رمح إدريس الحكيم الأحمر خلّابا ومهيبا، وبدا كما لو أنّه صنِع من دماء مخلوقات جبّارة لا تعدّ ولا تحصى. كان يملك قمعا يطبّقه على العالم وقواعده فيحكم بما يشاء.

 

لم يمرّ وقت طويل على انتهاء الاثنين من استعداداتهما، لكنّ تلك اللحظات القصيرة مضت كأنّها عصور انقلبت فيها الهاوية أملا تارة، واختفى النور متحوّلا إلى ظلام عميق تارة أخرى. كانت تلك العصور من صنع ذينك الاثنين لا غيرهما.

 

*ززن* *بووم*

 

وفي لحظة، انشقّت سماء العالم الواهن وسقط منها ضوء أحمر يحيطه ضوء فضّيّ بينما تحرّكه رياح تستطيع تحريك الكواكب والنجوم. اتّخذ الضوء الأحمر شكل رمح عملاق، بينما كان الضوء الفضّيّ سرابا للنجوم التي غلّفته حتّى كادت تغطّيه، ثم التفّت حولهما زوابع وأعاصير جعلت الضوءين يتوهّجان أكثر فأكثر في كلّ جزء من الألف من الثانية.

 

كان يتحكّم في هذا الرمح العملاق إدريس الحكيم، ولم يكن ممكنا رؤيته قطّ إلّا إذا كان الشخص يملك عينين جيّدتين للغاية كعينيْ حقيقة إبلاس.

 

ارتجف الهواء تحت إبلاس وانشقّت الأراضي ثم تحولّت إلى غبار، وكلّ ذلك كان بسبب الضغط الذي تولّد من طبقات الهواء الزجاجيّة المشوَّهة التي ظهرت وأحاطته من جميع الجهات. كانت هذه التشوّهات الزجاجيّة كأشكال خماسيّة عديدة متداخلة فيما بينها، ولم يكن ممكنا مرور أيّ شيء عبرها.

 

صرخ إدريس الحكيم الذي ظهر من العدم فجأة: "رمح العدم!"

 

كان هجومه ذاك أحد أقوى هجماته. لقد حوى كلّ تقنياته مجتمعة مرّة واحدة.

 

اختفى إدريس الحكيم في كلّ جزء من الألف من الثانية فبدا كأنّه ينتقل عبر الفضاء ويتجاوز الزمن. لقد كانت تحرّكاته تلك تتجاوز مستوى الإمبراطور الروحيّ بكثير ولم يكن ذلك ممكنا إلّا عن طريق شيء واحد – الفنون القتاليّة، وليست أيّة فنون؛ لقد وجب أن يكون أصلها سامٍ أو لن يكون لها هذه الفعّاليّة والمثاليّة.

 

كان إبلاس مبتسما عندما كان يستعدّ لذلك الهجوم من غريمه، وفي لحظات كان قد شوّه جزءا كبيرا من المنطقة المجاورة، فبدا كما لو كان قد أنشأ عالما ثانويّا يمكنه التحكّم فيه كما يشاء. لقد كان نتاج فنّه القتاليّ الروحيّ.

 

فجّر بعد ذلك طاقته الروحيّة التي كانت خالصة لدرجة لا تصوّر. كانت الطاقة الروحيّة الخاصة بنطاقات الأرض مجرّد قمامة أمامها، فما بالك بكم هي نفاية كانت الطاقة السحريّة أمامها؟ لقد كانت هذه طاقة روحانيّ مبارك تجاوز اختبار الجدارة وجعل طاقة جوهر العالم ملكا له.

 

فلو كان السحرة والسحرة الروحيّون يستنزفون طاقة العالم، فلقد كان سحرة لنطاقات الروحانيّة يستنزفون طاقة جوهر العالم، وكانت تلك الطاقة مباركة ويمكنها إحداث تغيّر في قوانين هذا العالم على يد الروحانيّ المبارك. ولهذا كان العالم مبرمجا على عدم ترك أيّ شخص يحصل على هذه الميزة إلّا بتجاوزه اختبار العالم.

 

غمرت هذه الطاقة ذلك العالم المشوّه فتحوّلت مباشرة إلى شموس تحرّكها عواصف، وفي مركزها تواجد سيف هلال الألف عصر، وكان يمدّها بالطاقة اللازمة كوسيط بينها وبين شيطان اليأس. لقد كان يبدو ذلك العالم المشوّه كمجرّة تخلّلتها نجوم سبحت بينما تصنع موجات تموّجت فزادت المجرّة تعقيدا.

 

تكوّن بحر نجوم هائج عاصف وانطلق ليجابه رمح العدم. كلّ ذلك جرى بتحكّم إبلاس الذي صرخ أيضا: "سيف المجرّة المشوَّهة!"

 

*باام*

 

التقت المجرّة المشوّهة برمح العدم واختلطت قوانينهما فجعلت من قوانين العالم الواهن عديمة الفائدة. كلّ شيء أصبح تحت سيطرتهما ولم يعد هناك منطق خارجيّ يمكنه شرحهما. لقد كانا أبعد وخارج سلطة هذا العالم، وتحت سلطتهما تحوّل العالم الواهن إلى كوكب يكاد ينكسر من شدّة الاهتزاز الذي كان يحدث به، لكنّه كان لا يزال عالم سحريّا ولم يكن من السهل تدميره. ومع ذلك، تشتّت الجبال المحيطة وجفّت الأنهار المجاورة وأظلمت السماء.

 

وفي المقابل، استمرّ رمح العدم في اختراق كلّ شيء مبيدا كلّ ما يعترض طريقه على يد إدريس الحكيم. لقد كانت قوّة هذا الرمح مدهشة للغاية وفاقت كلّ المتوقّعات. لقد كان ذلك بسبب خاصّية الرمح الخشبيّ الأصليّة - مضاعفة الطاقة السحريّة!

 

كانت طاقة إدريس الحكيم كإمبراطور روحيّ أقلّ بكثير من طاقة روحانيّ مبارك، وأقلّ نقاوة منها، لكنّه كان بإمكانها تعزيز طاقته وجعلها تنمو بشكل مرعب عبر قدرة الرمح الخشبي. لقد كان ذلك مثلما حدث مع باسل في معركته الأخيرة ضدّ هدّام الضروس.

 

كان سرّ قدرة هذا الرمح الخشبيّ يكمن في أصله. لقد كان مجرّد غصن ورث قدرة الشجرة الأمّ في الواقع. لقد كانت هذه القدرة تسمح له باستنزاف طاقة المستخدم واستخدامها كمحفّز يجعله يشفط طاقة العالم حتّى يضاعف الطاقة التي تلقّاها مسبقا من المستخدم.

 

ولكن لم يكن هذا هو الجزء المرعب في هذا الهجوم، لقد كان ذلك بسبب ما جعل إدريس الحكيم يُلقَّب بخبير الفنون السامي السياديّ.

 

لقد كان ذلك بسبب تحرّكات إدريس الحكيم حامل رمح العدم التي لم يستطِع إبلاس رؤيتها حتّى لو كان روحانيّ مبارك إلّا بعدما استخدم عينيْ حقيقته بكامل قوّتهما.

 

ضحك إبلاس ثم تحكّم في سيفه الهلاليّ من بعيد ولم يتجرّأ على الالتحام مع إدريس الحكيم عن قرب. لقد كان متأكّدا من تعرّضه لجراح بالغة لو التحم معه بشكل مباشر.

 

. كانت المجرّة المشوّهة تطلق أضواءها الغريبة في جميع الاتجاهات، بينما تتفرقع نجومها كقنابل نارية، وشحذت العواصف ذلك فكوّنت كمّا هائلا من النيران الزرقاء التي اندمجت في النهاية بالسيف الهلاليّ الأزرق، والذي اخترق بعد ذلك المجرّة المشوّهة نفسها ليخلّف دويا هزّ العالم الواهن بزلازل لم تتوقّف إلّا بعد مرور وقت طويل.

 

التقى رمح العدم بسيف المجرّة المشوّهة فجعلا عشرات الأميال تتحوّل إلى غبار كآثار لاصطدامهما، وسبّبا الرعب والفزع لناس العالم الواهن من هولهما.

 

كلّ الأشخاص المهمّين ردّدوا بهلع: "أيّ أهوال هذه؟!"

"أهوال نهاية عالمنا قد حلّت!"

 

حاول سيف المجرّة المشوّهة بكلّ ما يملك من قوّة اختراق رمح العدم، لكنّ إدريس الحكيم كانت له اليد العليا هنا باستخدامه شيئا آخر غير الطاقة الروحيّة بشكل مباشر.

 

فلو كان شيطان اليأس قد استخدم طاقته الروحيّة مباشرة وفنّه القتاليّ الروحيّ عن بعد، فلقد كان إدريس الحكيم يفعل الاثنين بشكل مباشر ممّا منح له أفضليّة. وبالطبع لم يكن إبلاس ليتجرّأ على الاقتراب من إدريس الحكيم وهو في هذه الحالة بسهولة.

 

انشقّ الهواء وظهرت فراغات بنفسجيّة إثر شدّة الالتقاء بين السلاحين الروحيّين؛ لقد كان ذلك الالتحام عظيما لدرجة مهولة. حتّى قوانين العالم انكسرت وصُنِعت شروخ فضائيّة أصبحت مباشرة بوّابات لمأوى العدم.

 

وتحت تحكّم وتحليل إدريس الحكيم، وبصيرته السحيقة، أَضعِف كلّ شيء بشكل كبير ثمّ نُفِيَ إلى ذلك العدم. لقد كان كلّ ذلك ممكنا لأنّه كان إدريس الحكيم، خبير الفنون السامي السياديّ.

 

صرخ شيطان اليأس: "نعم! هذا هو خبير الفنون السامي السياديّ. هذا هو الشخص الذي هابته العوالم الروحيّة وعجزت الكثير من الشخصيات العظمى عن قتله."

 

فتح ذراعيه على مصراعيهما ثم أكمل بشكل هيستيري: "لا أحد غيرك في العوالم الروحيّة يمكنه أن يكون منافسا جديرا لي. نعم، كلّ العباقرة مجرّد حشرات أمامي، إلّا أنت يا حكيم؛ ولهذا تعجبني، أنت يا من أجبرت كلّ عباقرة العوالم الروحيّة على سلك الطريق الطويل واحتكرت الطريق المختصر. اليوم، باعتباره كآخر يوم لك، أنا أقرّ بأنّك الأفضل!"

 

"نعم، أنت الأفضل يا مستخدم ثلاثة فنون قتاليّة روحيّة ذات أصل سامٍ!"

 

كان هذا هو ما أرعب العوالم الروحية بشأن إدريس الحكيم. لقد كان ذلك بسبب كونه يستخدم ثلاثة فنون قتاليّة سامية بينما اقتصر الأمر على فنّ قتاليّ واحد لباقي السحرة بجميع مستوياتهم! لقد كان أفضل مستخدم فنون قتاليّة! لقد كان خبير الفنون السامي السياديّ!

 

من تأليف Yukio HTM

 

أتمنّى أن يعجبكم الفصل. أرجو الإشارة إلى أيّ أخطاء إملائية أو نحوية.

إلى اللّقاء في الفصل القادم.

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus