الفصل 1: يقظة الشعلة
دوقية نجم الصباح، حقل نجوم القرش الذهبي، القارة العائمة للبرج الأبيض
مدينة جيانغ يوان، الأطراف، منصّة نشر بعيدة المدى للغاية لبحر النجوم المحطم
مع انطلاق شعاع بطول ألف متر نحو السماء، اختفت تمامًا مئة سفينة شعلة حربية كانت مصطفّة على المنصّة قبل لحظة، بعد أن نُشرت إلى حقل نجوم بعيد مجهول
في الوقت نفسه، على بُعد نحو 500 كيلومتر، في مدينة جيانغ يوان، إحدى المدن الخمس الكبرى للقارة العائمة للبرج الأبيض، تمامًا مثل مدينة جيانغ يوان
أكاديمية الشعلة الأولى في مدينة جيانغ يوان، سكن الذكور المبنى 3، خلع سونغ تشي خوذته الافتراضية وخرج من شبكة البرج الأبيض
ارتسم توتر على وجهه؛ ما شاهده قبل قليل كان بثًا مباشرًا لعملية نشر بحر النجوم المحطم بعيدة المدى الخاصة بدفعة التخرّج من أكاديمية الشعلة في مدينة جيانغ يوان
والمدينة التالية بعد مدينة جيانغ يوان كانت مدينة جيانغ يوان حيث يوجد هو، وبحكم كونه طالب تخرّج في أكاديمية الشعلة الأولى في جيانغ يوان، فهذا يعني أن المشهد الذي رآه قبل قليل في البث سيحين دوره هو أيضًا قريبًا
نشرٌ بعيد المدى في بحر النجوم المحطم، واستكشافٌ لذلك البحر المجهول — كيف لا يتوتر وهو على وشك اختبار الأمرين بنفسه قريبًا
وسط توتره، ومضة توقّع لمعت في أعماق عينيه، فهذه أيضًا فرصة نادرة؛ ما دام قادرًا على اقتناصها، فليس مستحيلًا أن يحلّق عاليًا
كانت هذه حقبة بحر النجوم المحطم الكبرى؛ قبل عشرات ملايين السنين تحطّم الكون المتعدد، وتبعثرت شظايا لا تُحصى من قارات كونية — بقايا تدمير عوالم لا تعد — عبر فراغ بحر النجوم المحطم
منذ ذلك الحين انتهت حقبة الكون المتعدد، وظهرت حقبة جديدة سمّاها الباقون من الحضارات — حقبة بحر النجوم المحطم
تلك الشظايا المتبقية من القارات الكونية اكتسبت مع مرور الزمن اسمًا جديدًا أيضًا — القارات العائمة لبحر النجوم المحطم
سرعان ما اكتشفت الحضارات المختلفة أنّ هذه البقايا الجوهرية القصوى بعد تحطّم العوالم المنفردة في حقبة الكون المتعدد، تضمّ في معظمها موارد نادرة لا تُحصى
للتنافس على تلك الموارد رفضت الحضارات الباقية أن تتراجع، فاشتعلت الحروب في أرجاء بحر النجوم المحطم كله
لملايين وعشرات ملايين السنين، وفي كل زاوية من بحر النجوم المحطم اللامحدود، كانت حضارات لا تُحصى تُباد وتُمحى في نهر الزمن في كل لحظة، وبالمثل كانت حضارات جديدة على شتّى الأنواع تنبثق باستمرار كالبراعم بعد المطر
وكانت حضارة الشعلة البشرية إحداها
داخل أراضي حضارة الشعلة، كان بوسع جميع مواطني الشعلة عند بلوغ 30 سنة الخضوع لعملية نشر بين نجمي بعيدة المدى عبر سفن الشعلة الحربية، لبدء رحلتهم في استكشاف بحر النجوم المحطم
وبالطبع، بفضل تحسين وتقدّم تقنيات الجينات بلغ متوسّط عمر مواطني الشعلة 140 سنة، وأصبح بلوغ 30 سنة بمثابة الوصول إلى سن الرشد بالفعل
منذ إشعال بذرة مصدر الشعلة قبل أكثر من 300,000 سنة، صار هذا عرفًا تلتزم به جماعة حضارة الشعلة كلها؛ فالمواطنون النظاميون فوق سن 30 يمكنهم محاولة إيقاظ بذرة الشعلة لديهم، وربط سفينة شعلة حربية، وبدء استكشاف حقول النجوم
ينهبون الموارد في حقول النجوم الغريبة، ويعزّزون سفن الشعلة الحربية، ويرفعون مستويات الحياة، وبذلك يواجهون الحضارات الغريبة المتزايدة قوة على حدود حضارة الشعلة ويدافعون عن أراضيها
يمكن القول إن إيقاظ بذرة الشعلة والتحكّم بسفينة شعلة حربية هو أهم فرصة في حياة كل مواطن من حضارة الشعلة؛ فبمجرّد نجاح الإيقاظ والحصول على سفينته الخاصة يصبح ذا مكانة على الفور
وإذا استطاع لاحقًا ترقية سفينة الشعلة إلى رتبة أعلى، فلن يكون من الصعب أن يقتطع لنفسه إقليمًا، ويصبح سيد مجال نجوم واسع، ويحظى بعمر طويل، ويدخل بذلك مصاف النبلاء في حضارة الشعلة
كبح سونغ تشي مشاعره غير المعتادة، ونهض، وافتح ساقيه على وضعية الفرس، ورفع يديه معًا كفّيه إلى الأعلى ثم فتحهما ببطء
كانت هذه وضعية التدريب القياسية لتقنية التوجيه
وبحسب بيانات رسمية موثوقة لدى حضارة الشعلة، فإن تقنية التوجيه التي طوّرتها حضارة الشعلة عبر عشرات آلاف السنين لا تقوّي الجسد وترتقي بمستوى الحياة فحسب، بل تزيد أيضًا بفاعلية من معدّل نجاح إيقاظ بذرة الشعلة؛ فقبل سن 30 كلما ارتفع مستوى إتقان تقنية التوجيه زادت فرصة نجاح الإيقاظ
أما لماذا حُدِّد سن إيقاظ بذرة الشعلة عند 30
فالأمر بسيط؛ على أساس متوسّط عمر يبلغ 140 سنة، فإن إيقاظ بذرة الشعلة والتحكّم بسفينة شعلة عند 30 يمنحان الناس وقتًا كافيًا لممارسة تقنية التوجيه، ما يرفع كثيرًا معدّل الإيقاظ، ومن دون إهمال تعلّم معارف بحر النجوم المحطم الأساسية، فتتقلّص معدّلات الوفيات لاحقًا في استكشاف حقول النجوم الغريبة بعد نجاح الإيقاظ
أما المئة سنة الباقية فهي كافية تمامًا لتعزيز سفن الشعلة لاحقًا ورفع مستوى حياة المرء أكثر، فيحقق بذلك ثلاث فوائد بضربة واحدة... بعد ثلاث ساعات أنهى سونغ تشي تدريبه
بعد أكثر من عشرين سنة من التدريب المتواصل بلغ مستوى تقنية التوجيه لديه المستوى 4، وأي تقدّم أبعد من ذلك لن يتحقّق في وقت قصير
كان الظلام قد حلّ في الخارج، ولم تكن لديه نيّة لمواصلة التدريب؛ بعد غسل سريع ذهب مباشرة إلى السرير
كان الغد يوم يقظة الشعلة، والحصول على قسط كافٍ من الراحة أهم من أي شيء آخر... في اليوم التالي، ساحة أكاديمية الشعلة الأولى في جيانغ يوان
كان حفل الإيقاظ قد بدأ مبكرًا
“تشانغ ليلي، يقظة الشعلة ناجحة، الجودة ‘عديمة اللون’. التالي، تشو بنغفي”
فيما أعلن موظّف مكتب الشعلة من البرج الأبيض بصوت عالٍ، اختلفت ردود فعل مئات الطلاب أسفل منصّة الإيقاظ
بعضهم تنهد بخفوت، لكن معظمهم أظهر في عيونهم غبطة
مع أنّ كل المواطنين النظاميين في حضارة الشعلة يستطيعون محاولة إيقاظ بذرة الشعلة عند 30، فإن معدّل النجاح ليس مرتفعًا فعلًا؛ ووفق المتوسّط في أكاديمية الشعلة الأولى بمدينة جيانغ يوان خلال الأعوام السابقة، إذا استطاع 4 من كل 10 طلاب الإيقاظ فذلك يُعدّ ممتازًا
وكان هذا في أكاديمية جيانغ يوان الأولى المرموقة الثرية؛ أمّا معدّلات النجاح في الأكاديميات الأخرى داخل المدينة فستكون أدنى فقط
وسط الحشد شعر سونغ تشي بالغبطة مثل معظم الناس، وفي الوقت نفسه قبض قبضتيه بتوتّر شديد
“ثلاثون سنة، كل شيء يتوقف على اليوم”
وبينما كان يفكّر بذلك دوّى الإعلان مجددًا
“تشو بنغفي، فشلت يقظة الشعلة. التالي…”
“جاو يونفِنگ، يقظة الشعلة ناجحة، الجودة ‘عديمة اللون’”
…ومع تتابع الطلاب نجاحًا وفشلًا، جاء سريعًا دور الصف 5 من السنة 10 حيث يدرس سونغ تشي
“التالي، صن هاو”
عند سماع ذلك ارتجفت القامة بجوار سونغ تشي، بطول يناهز مترين وتشبه دبًا أسود
ولمّا رأى ذلك ربت سونغ تشي على كتفه برفق، مشيرًا إليه أن يهدأ
“هاوزي، حظًا طيبًا”
الرجل الضخم المسمّى صن هاو كان واحدًا من قلّة الأصدقاء المقرّبين لسونغ تشي في الأكاديمية
أومأ صن هاو بلطف وخطا نحو منصّة الإيقاظ
بعد لحظات
“صن هاو، يقظة الشعلة ناجحة، الجودة ‘بيضاء’”
فورًا تعالت شهقات الدهشة من بين صفوف الطلاب
ومن المعلوم أنّ بذور الشعلة، مع أنّها جميعًا تُوقَظ، فإن جوداتها تتدرّج؛ أدناها عديمة اللون، تليها البيضاء، ثم الزرقاء، فالأرجوانية، وهكذا
ولا تستهِن بكون البيضاء الثانية من أسفل؛ فهي لا تظهر إلا عند واحد من كل عشرات ممّن ينجحون في الإيقاظ، أمّا جودات مثل الزرقاء والأرجوانية فاحتمال إيقاظها منخفض منخفض للغاية
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سونغ تشي، سعيدًا بحق من أجل صديقه الأقرب
وكما هو متوقّع، ما إن نزل صن هاو من المنصّة حتى استقبله سريعًا كثير من الزملاء؛ حتى أولئك الذين لم يتبادلوا معه سوى كلمات معدودة طوال عشر سنوات تجمّعوا حوله الآن آملين توطيد المعرفة
ليس لأنّ الجميع حاسِبون، بل لأنّ صن هاو في هذه اللحظة كان فعلًا مطلوبًا
فبذرة شعلة ذات جودة بيضاء تعني أنّ المجموعات المالية الصغيرة، وجمعيات التجارة، والعائلات، وسواها من القوى الخارجية ستكون مستعدّة قطعًا للاستثمار؛ وما إن يوافق صن هاو ويوقّع اتفاق استثمار قانوني حتى يحصل سريعًا على موارد معتبرة لتعزيز سفينة الشعلة الحربية، وبذلك ستتفوّق سرعة ترقيتها اللاحقة كثيرًا على سواها من المُوقَظين
فالمستوى الابتدائي لسفينة الشعلة هو 0، والترقيات اللاحقة وتقوية المكوّنات المختلفة تتطلّب موارد كبيرة؛ ومن دون دعم مالي كافٍ ستكون وتيرة الترقية بطيئة للغاية
“التالي، سونغ تشي”
بعد أربع حالات فشل متتالية جاء أخيرًا دور سونغ تشي
وبجواره ألقى صن هاو عليه أيضًا نظرة مشجّعة
أخذ سونغ تشي نفسًا عميقًا، وكبح توتّره في قلبه، وخطا نحو منصّة الإيقاظ
على المنصّة العالية، وبإرشاد موظف مكتب الشعلة، مدّ سونغ تشي يده اليمنى نحو اللهيب المظلم الهاوي أمامه
كان ذلك اللهيب المظلم الهاوي يُسمّى «بذرة مصدر الشعلة». وعلى الرغم من أنّه ليس الشرارة الأصلية القادمة من حقل النجوم المركزي لحضارة الشعلة، فإنه منبثق منه، وقادر على معاونة الجسد البشري في إيقاظ بذرة الشعلة ورفع معدّل النجاح
شعر سونغ تشي بدفء يغمر راحة يده اليمنى، وكأن لحظة واحدة مرّت، وكأن عشرة آلاف سنة انقضت؛ ولمّا وخز إحساس الإبرة مركز كفه اليمنى فتح أخيرًا عينيه المطبقتين بإحكام
وقبل أن يستوعب، كان الإعلان قد وصل إلى أذنيه
“سونغ تشي، يقظة الشعلة ناجحة، الجودة ‘عديمة اللون’”
عند نزوله من منصّة الإيقاظ اختلط على سونغ تشي الفرح والقلق
كان الفرح في نجاح إيقاظ بذرة الشعلة، ما سيجعل دربه نحو الارتقاء أكثر سلاسة، وأنّ جهود ثلاثين سنة لم تضع هباء
وكان القلق في جودة الشعلة؛ فبذرة شعلة عديمة اللون، بوصفها الأدنى، سقفها منخفض جدًا. قد تسير الأمور على ما يرام في البدايات، لكن إن لم يستطع تحسين جودتها فسيتباطأ تعزيز سفينة الشعلة مع مرور الوقت حتمًا، فيسدّ طريق ارتقائه لاحقًا
“هس!”
وبينما هو شارد داهم صدره إحساس حارق مفاجئ، فتقلّصت عينا سونغ تشي وقد أدرك شيئًا، وفكّر في نفسه
“رمز أسواق بحر النجوم المحطم يسخن. ما الذي يحدث؟ لقد مرّت 30 سنة، وهذه أول مرة يحدث فيها هذا”
عاد إلى صفّه ووقف في التشكيل وملامحه حائرة، لكن في عيون الآخرين بدا كأنّه محبط
“أخي تشي، لا تُكثر التفكير. يمكن رفع جودة بذرة الشعلة. العديمة اللون ليست سيئة جدًا…”
ظنّ صن هاو أنّ سونغ تشي قد تحبّط فسارع إلى مواساته
هزّ سونغ تشي رأسه بلطف مشيرًا أنّه بخير، ولم تكن ابتسامة متكلّفة؛ إذ لم يكن منزعجًا كثيرًا حقًا
في اللحظة التي ظهر فيها حكم «عديمة اللون» شعر ببعض الخيبة، لكنه تماسك سريعًا
وكما قال صن هاو يمكن تحسين رتبة بذرة الشعلة، وإن كان ذلك شديد الصعوبة ويحتاج إلى موارد خاصة نادرة للغاية؛ لكنه بوصفه عابر عوالم كان واثقًا أنّه قادر على رفع رتبة بذرة شعلة نفسه تدريجيًا
نعم، كان عابر عوالم، وقد انتقل وهو جنين
وما كان يشغله في هذه اللحظة هو الرمز المعلّق على صدره: رمز أسواق بحر النجوم المحطم
فبوصفه المحرّك لعبوره، الذي حمله جنينًا من حياته السابقة على الكوكب الأزرق، بات خلال هذه الثلاثين سنة متيقّنًا تمامًا أنّ رمز أسواق بحر النجوم المحطم هذا هو ميزته الذهبية
وكيف لا يهتمّ إذا كانت ميزته الذهبية تمرّ بتحوّل مجهول
ومع فضوله الشديد لم يكن بوسعه إخراجه وفحصه علنًا، ولحسن الحظ خفَّ الإحساس الحارق تدريجيًا بعد وقت قصير
حوالي نصف ساعة لاحقًا كان حفل الإيقاظ لجميع طلاب التخرّج في أكاديمية جيانغ يوان الأولى قد اكتمل
من إجمالي يزيد على 600 طالب، نجح أقلّ من 200 في إيقاظ بذرة الشعلة لديهم
صرخات، ضحك، شهقات، عويل… امتلأت الساحة حالًا بالضجيج، بين سعيد وحزين
فمن الآن فصاعدًا ستختلف مسارات حياة المجموعتين تمامًا