أسدلتُ ستار الماضي لكن .. نسيت إغلاق النافذة ..
..............................................
🐛........🦋
تعلمون كيف تبدأ قصص العودة حينما يأتي رجل يظهر عليه الثراء ويقول بصوت أجش للموجودين في منزل ما وحبذا لو كان سكان المنزل من الطبقة العامة {جئت لأخذ طفلي}
وبعدها يشهقون وفي الثانية التالية من الشهقة يقومون بتحليل DNA وفي اليوم التالي يصدر التحليل رغم أنه يحتاج لعدة أيام في الواقع كما يحدث في الدرامى المبتذلة (ما علينا🙄).
ومن ثُمّ يكون التحليل إيجابياً ويسلّمون الطفل لوالده بشعور من الرضى والإرتياح وهم يتركون الطفل يذهب مع شخص مجهول من يعرف ما دوافعه بأخذه من الاساس ثم تتحول حياته لصراع من أجل الصمود تتخلله العديد من مواقف المذلة والظلم وفي النهاية إما أن يموت منتقماً بشكل بائس أو يعيش سعيداً في مشهد له في حديقة مع عائلته السعيدة أو على شاطئ البحر (لا أعرف لماذا😑).
لألخص الأمر.. لن يحدث أي من هذا لأن ..
التوأم بصوت واحد " لأن هذه القصة ليست عن شخص واحد بل اثنين لديهما القدرة على احتلال العالم لو أرادا ذلك! "
فارس ملتفتاً لأميرة بتفكير " لحظة أيمكننا فعل ذلك؟"
أميرة رافعة كتفيها " الإمكانية متاحة لكن النية غير متوفرة لدي.. ماذا عنك؟ "
فارس مضيقاً عينيه بريبة لمن يراه " نعــ "
كاااات🎬!!
إذا أردتم معرفة المزيد عن هذين الشقيقين تعرفون ما عليكم فعله * ضحكة شريرة *
بسم الله بدأنا
.
.
.
.
في ميتم للفتيات على قدر المقبول من جودة التشييد كانت المشرفة التي بلغت التاسعة والأربعين مؤخراً تسير متجهة لإحدى المهاجع بوجه متجهم تتخلله الكثير من التجاعيد مطفية عليها طابع لشخصية لئيمة ونزقة تنفر منها الحيوانات والبشر على حد سواء.. إلا أن البشر مقيدون بأخلاق أساسية تمنعهم من الهسهسة بخشونة كلما حضرت.
كعب حذائها المنخفض كان يصدر وقعاً واضحاً عبر الممر ما جعل مجموعة من فتيات المهجع الثالث كن يجلسن في دائرة على الأرض يلعبن لعبة الورق ينتبهن لقدومها فأسرعن بإخفاء لعبة البطاقات أسفل أقرب الأسرة والتفرّق في زوايا الغرفة كي لا يتم توبيخهن على تضييعهن الوقت في الهراء التافه.. أي ضياع هذا؟
لطالما تسائلن.
أتتوقع تلك المرأة أن يستثمرن وقتهن في تعلم الفرنسية مثلاً؟
هن في ميتم.. والمشرفة يوجع مرارتها رؤية بشر يعيشون تحت سقف دون عبئ بدفع تكاليف المعيشة وإيجار المكوث تحته.. تريد رؤيتهن يعانين ولو عن طريق قيامهن بالأعمال المنزلية تحت كيل الصراخ والسباب فوق رؤوسهن ماسحة بلاط الأرض بكرامة كل وحده فيهن.
نعم .. النظر لتلك التعاسة والبؤس الخام ينزل على قلبها كالبلسم.
بمجرد فتحها للباب فجأة بوجه شرشبيلي تجولت بنظرها يميناً وشكالاً وكأنها تحاول ضبط شيء لا يرضيها لتُفلت لجام عصبيتها المسعورة من قيد السببية الواهن.
وقفت جميع الفتيات باستعداد منتظرات ما ستذلهن به لهذه الساعة من هذا اليوم.. عند الإعتياد على شيء أياً كان كروتين متكرر سيُفرض عليك تقبله غصباً عن حس المنطق السليم لديك وبالتدريج لن تعود ترى أين يكمن الخطأ به.
" ما الذي يحدث هنا؟! " صرخت المشرفة عندما لم تجد ضالتها.
" لا شيء سيدتي.. كنا ندردش ولا تقلقي أنهينا مهماتها جميعاً " ببتسامة متملقة قالت غيداء أكبر بنات المهجع وقد تم تنصيبها عريفة للمهجع الثالث بفضل كثرة تملقها للمشرفة والمديرة وبأسلوبها المهذب أمام البالغين فقط وأما في الواقع فهي متنمرة نموذجية.
خطت المشرف البدينة داخل المهجع مجعدة أنفها نافرة من عدم وجود شيء غير مرتب لتوبخهن شر توبيخ عليه ودون سابق إنذار اندفعت فتاة صائحة بحماس ملاحظة وجود المشرفة متأخراً بعد صياحها" لقد جاء رجل وسيم للغاية إلى الميتم! إنه في مكتب المديرة الأن! "
تعالات صيحات حماس جماعية أخرستها المشرفة بصراخها "صمتاً!"
فصمتت الفتيات مخفظات رؤوسهن بوجل وأعين شاخصة..
تنفست المشرفة بثقل بوجه إحمر من الغضب محرقة تلك الفتاة التي سببت الفوضى بنظرة تشبعت شرّاً وتوعداً.. ابتلعت الفتاة رمقها الجاف مرتعشة في مكانها ولم يكن بإمكانها غير الدعاء من أعماق أعماقها أن تنشق الأرض وتبلعها في هذه اللحظة وتنغلق مجدداً عليها.
القبض على الشعر من جذوره يعد نوع التطويع المفضل لدى المشرفة.. والبنت تعيسة الحظ شعرها قصير وخفيف وهو ما سيثير إمتعاض يد المشرفة التي لن تستطيع القبض عليه جيداً فستهوي عليها بلطمة قد تفقدها سناً أو تفجر طبلة أذنها كخطة بديلة.
وكما خمنت الفتاة فقد تقدمت المشرفة نحوها مستغنية عن محاولة الشد ولطمتها مباشرة لطمة لفت وجه الفتاة للجانب الأخر وقالت بصوت تشبع بالتحقير وهي تكزّ على أسنانها " وإن جاء ملك إنجلترا فماذا إذا؟! .. أيا من كان فارغ البال الذي أتى لينتقي يتيمة قذرة من بينكن فما الذي يدعوكن للفرح وأنتن مجرد عالات تنتظر من يعطف على حالها البائسة ويؤويها؟ " قهقهت بلا فكاهة.. تلك القهقهة التي تخرج هازءة عند التذكير بأمر عام المعرفة نسيه الجميع.
ذات الوجنة المحترقة ظلت محفظة الرأس والدموع تقطر متساقطة على الأرض عند وصولها لرأس ذقنها. زميلاتها أبدين أسفاً صامتاً نحوها وتبادلن النظرات فيما بينهن.. نظرات لا تحمل أي معنا في الواقع.. فقط مجرد تأكد من وجود تعاضد معنوي يشمل الجميع تحت راية الأسف الذي لا ينفع بشيء.
" الحق يقال لا تختلفن عن الطفليات بشيء.. تتغذين على الشفقة في كل لقمة وفي كل قطعه ثياب تغطيكن قدر أكبر منها..حياتكن تتمحور حول أسف الأخرين لحالكن.. مؤسف كيف لا تستطعن إمتلاك حتى أقل قدر ممكن من عزة النفس أو الكرامة" بشفقة مصطنعة ولدت من رحم الإحتقار نبست وهي تطالع رأس الفتاة المنكس التي ما برحت تقضم شفتيها خانقة شهقاتها من العبور.
إرتفعت زاوية فم المشرفة في تهكم ثم دارت بعينيها على كل الوجوه التي ابتليت بتجرع المذلة قبل الحليب منذ الولادة.
تنفست هواء السكون القاتم ثم صرخت " أين المتخلفة التي أسمها رو؟! " فجأة!.. مرعشة بذلك أوصال كل الفتيات بلا استثناء.. تبادلن النظرات المتهربة فيما بينهن باحثات عن من ستتبرع وتجيب المشرفة ومع إطالة مدة الصمت نطقت فتاة تدعى ريم بتلعثم عندما رأت جبين المشرفة ينقبض بقسوة في ثلاثة خطوط منحنية جديدة " إإ نها في غرففففـ ـة الغـغغـ ـسيل فهو دورها "
أدارت المشرفة عينيها في قلة صبر " أتتوقعين مني الذهاب لجلبها بنفسي؟ إذهبي وأحضريها حالا! هيا تحركي! " صاحت بريم التي تشنجت من الجزع لتدفعها مَن بقربها من الفتيات للأمان حاثة لها على التحرك كي لا يزيد الوضع سوءاً فأجابت ريم المشرفة بارتباك وهي تنطلق خارج الباب على عجالة " حـ حاضر! "
جرت ريم نحو غرفة الغسيل ولم يخلوا جريها من التعثرات والإصدام بالأشخاص في طريقها فهي كانت من النوع الأخرق بشكل فطري والذي يتلعثم عند التوتر جسدياً وكلامياً.. عند وصولها ببعض الخدوش إثر سقوطها ثلاث مرات اثنان منها كانتا متجاورتي الحصول عندما حاولت النهوض من السقطة الأولى لتقع في أخرى ؛ وجدت على الطاولة الكبيرة التي تتوسط غرفة الغسيل ذات الطلاء الرمادي الكئيب هضبة من الملابس المتسخة التي لم تمس ولم يكن هناك أثر للمدعوة رو بأي مكان.
أنذرت أعين ريم بهطول دموع الإنهيار عندما تخيلت ما ستفعله المشرفة بها إن لم تجدها بسرعة.. جالت في الغرفة بشكل أخرق وهي تتمتم بارتياع " يا إلهي يا إلهي ماذا سأفعل؟ المشرفة ستأكلني! " تعثرت للمرة الرابعة ببلاطة أرض بارزة من مكانها لتسقط على الأرض مخففة هبوطها بكفيها هذه المرة... ثلاث تجارب كافية لتتعلم القيام برد فعل وقائي أخيراً.
فقدت ذراعاها القوة لحملها دون أن تكمل ثلاث ثواني من الرفع لتنزلق كل كف على جانبيها فارتطم ذقنها بالبلاط أسفلها وضاعت لمعة الفرح بهذا الإنجاز من عينيها ليحل على محياها معالم الألم والحزم وقُرب الشروع في نواح يندب حظها.
انحل رباط جأشها الضيف وكانت على وشك البكاء من وجع ذقنها وفكها.. لكمت الأرض تحتها عدة مرات من الألم وهي تندب حظها السيء لكنها تحاملت على نفسها صعوبة الأزمة مستجمعة لشتات نفسها ونهضت لأنها مضطرة ومدفوعة بالخوف والرهبة من العواقب وإلا لبكت في مكانها حتى الإرهاق.. عند نهوضها وهي تتأوة من خدش ذقنها الذي لسعته ملوحة دموعها رأت داخل البرميل الرمادي الواقع أمامها والذي يستعملونه في نقل الغسيل رأساً بشرياً ومباشرة أدركت أنها عثرت على ضالتها.
رفعت ريم يديها عالياً من الفرحة وسارعت إليها لتوقظها ولكن تراجعت قدمها للخلف تلقائياً عندما تذكرت كثرة الشائعات التي تدور حول هذه الفتاة من كونها ممسوسة من قبل الجنّ ؛ بسبب تصرفاتها الغريبة منذ قدومها لهنا مثل تواريها عن الأنظار أغلب الوقت وعدم تحدثها مع أي أحد كان رغم أنها تستطيع التكلم.
بعد التفكير عادة ما يتم تكليف مهمة الغسيل لأربع أفراد في اليوم الواحد كلّّ يتولى عملية الفرز ، الغسيل ، الكي ، ومن ثمطي الثياب. الظاهر أنه تم التملص من العمل من قبل شريكاتها في الدور عن عمد ليتجنبن التواجد معها في ذات المكان.
ابتلعت ريم رمقها بإدراك.. إنها معها في ذات المكان وبل بوحدها!
إنطبقت ملامح ريم على بعضها في تعابير باكية مجدداً.. لا تدري ما العمل!.. أتواجه جِنّة هذه الفتاة وحدها أم شياطين المشرفة؟
أخذت تشد ضفيرتيها بتورط وهي تمشي يميناً فيساراً من فرط التوتر بطريقة أظهرتها وكأنها تقوم بطقوس منسية لأحدى قبائل المايا حول البرميل تتضمن شد الشعر والمشي في ذهاباً وإياباً.
مع تصاعد الصراع النفسي داخلها لمعت في رأسها فكرة رأتها حلاً وسطاً مثالياً ما دعاها للتوقف عن تقليد الهنود الحمر لتناظر البرميل وعلى وجهها ابتسامة مبالغ بها وجدت الفرج أخيراً.
في المهجع كانت المشرفة تنتظر ريم على أحر من الجمر وهي تسير ذهاباً وجيئة برتابة وتعبيرها ينم عن تداخل بالأفكار أو حيرة حول إنتقاء أي الأساليب العقابية ستستعملها على تلك الفتاة المستهترة التي تستخف بالأوامر ولو أسقط أحد إبرة في الغرفة لسمع صوت إرتطامها بالأرض من هيمنة الهدوء الذي بسط سيطرته على كامل أرجاء الغرفة مكان ثرثرة الفتيات المعتادة.
تنهيدات محجوبة تخرج من الأنوف ، هدوء رتيب ، نظرات تنشد عن آخر الأخبار يُرد عليها بارتفاع كتفين أو هزة رأس وفقط شيء واحد اجتمعت عليه كل القلوب والعقول الشابة هنا.
' متى ستأتي ديما وتجعل هذه الساحرة الشمطاء تغرب من هنا؟ '
" أسفة على تأخري! " هتفت ريم وهي تدخل الغرفة مولية ظهرها للداخل ساحبة مقبض البرميل بكلا يديها لتتوقف به قريباً من البقعة حيث وقفت المشرفة مناظرة لها بهدوء يسبق الزلزلة.
إشتعلت أعين المشرفة بنيران جهنم وصرخت بقوة هزّت البرميل في مكانه ومعه ريم التي أستندت كفيها لركبتيها بتعب " طلبت منك جلب فتاة وتجلبين برميلاً؟ هل أنتي حمقاء؟! "
تخبّطت ركبتا ريم ببعضهما من الرعب وجاهدت لشرح سوء الفهم لها ولكن الفزع ألجم لسانها تماماً وفقدت طريق إيصال صوتها لخارج حنجرتها وفيرخضم هلعها وأجراس الأنذار تضرب في أذنيها قال صوت نيابة عنها ليته لم يفعل " إخفيضي صوتك يا امرأة " سكون الغرفة ساعد على سماع الجميع له لكونه لم يكن مرتفعاً أو مشحوناً بل كان.. أمراً؟
مكان خروج تلك الجملة ذات النبرة المنزعجة جلعت كل الأعين في الغرفة تجحض بمزيج من التفاجئ والصدمة بما في ذلك عينا المشرفة التي صعقت من تلك الصفاقة التي لم تسمع مثلها طوال سنين عملها مبادلة النظر بين ريم والبرميل لتبرؤ ريم نفسها بالإشارة نحوه آخذ خطوة آمنة لليمين كدلالة على أنها ليست بصف من داخله.
نظر الجميع بلا استثناء ناحية البرميل بترقب وعدة ثوان مرت ليظهر منه رأس فتاة صغيرة ترتدي حجاباً أسود وكمامة طبية زرقاء اللون تقابل المديرة أمامها على بعد مترين وبضع تقريباً مقطوبة الحاجبين بإنزعاج بأعين سوداء يطغى عليها طيف أحمر داكن كلون الخوخ الفاسد منزوع الحيوية نصف مسدولة الأجفان.
تعافت المشرفة من صدمتها سريعاً عندما استقبحت ما حطت عينها عليه أكثر من أي شيء آخر لتصرخ منتفخة الأوداج بالفتاة التي تظهر من البرميل كما الأرنب من قبعة لاعب الخفة " كيف تجرؤين أيتها ال .. " قاطعتها الفتاة والتي كانت رو بلا أدنى ذرة من إبداء الإكتراث لغضبها نابسة وهي تخرج من البرميل بروية وبحذر نظراً لقصر قامتها مقارنة به :
" تخطي فقرة الشتائم فصوتك مريع لوحده ولا ينقصه بشاعة تضيفينها بالألفاظ النابية عليه.. أستغفر الله ، جعلتني أشكك في كونك الحلقة المفقودة بين الإنسان والحيوان بصوتك اللاإنساني من الناحية الذوقية " هبطت من البرميل لتظهر هيئتها القصيرة القامة بشكل أوضح وهي تقول الشطر الأخير من كلامها في عيني المشرفة مباشرة :
كانت ذات قمامة قصير تنسب لمن هم بالسابعة على أقل تقدير ، ذات حجاب أسود وكمامة طبية تخفي نصف وجهها ، وسترة واسعة بلون الحبر الأزرق من قماش الجينز بقلنسوة صفراء تحتها شعار لزهرة دوّار الشمس طُبِع على الظهر ، وتحتها فستان كحلي يصل حتى الكاحلين تعتليه مريلة بيضاء عند العنق على الطراز الراقي للأطفال ، وحذاء ذو جوانب غريبة قليلاً.
عقب قولها إنفلات بعض الضحكات من بعض الفتيات اللاتي غطين أفواههن بتدارك متأخر بينما البقية يرتعسن بصمت كابحات ضحكاتهن باستماته.. اكفهر وجه المشرفة بحمرة الغليان حتى بدت مقلتا عينيها على وشق السقوط من محجرها من شدة سعة تحديقها برو.
تمت إهانتها أمام من لا تراهم لا أقل ولا أكثر من قمامة بشرية.. هذا وحده كان كافياً ليحمّلها على سحق عنق تلك القزمة المتخلفة أسفل قدميها بعد أن بسطت كبريائها كممسحة ليسخر ويدوس عليها مثل هولاء الأيتام القذرين.
الموقف كان قاسياً بما يكفي ليجعل ما بقي من عقلها يجن تماماً.. اندفعت هادرة بما يشبه صوت موض بري يدافع عن أراضيه تجاه رو التي دون أن يطرأ الهلع عليها من هذا الإنقضاض تراجعت لتقف خلف البرميل وأسقطته على جانبه متبعة ذلك بدفعه بكلا يديها دون بذل الكثير من المجهود - مجرد دفعة تجعله يدور للأمام وحده قليلاً ـ ليتقدم ويعرقل رجلي المشرفة المندفعة المدبدبة للأرض تحتها مثل فرس النهر فتنزل ركبتها على جذعه الأملس لينزلق هو بالتالي من أسفلها ويجعلها تهوي مصطدمة الوجه بعنف بالأرض بينما ثبت تحتها رافعاً ساقيها لأعلى.
كل ذلك حدث في لحظة سريعة جعلت الجميع يسكت سكتاً مهيباً مشحوناً بالفزع والصدمة.. تلك كانت سقطة قاسية حتى على المشرفة.
رمقت رو جثتها بضجر مستغنية عن تفقد انطباعات النظرات الكثيرة التي تحيط بها رامقة لها إما بالخوف والرهبة أو الحذر المفرط.. وطبعاً قلة مفجوعة لم تحد بعينيها عن جثة المشرفة بعد.
إلتفتت رو للفتاة التي كانت تقف خلفها بفم مفتوح على مصرعه ولم تكن تلك الفتاة غير ريم المذهولة بروعة رو - من وجهة نظرها -
" ماذا أرادت منّي غير المرحومة؟ " سألتها رو ناوية أن تعرف ما هي الأزمة العالمية التي تعذّر بتر قيلولتها بالهجوم عليها بمثل هذه القمامة السمعية التي يدّعون أنها صوت إمرأة بشرية؟
" أ ـ أ لا أعلم حقاً .. أعتذر " استفاقت من ذهولها عندما وجهت رو لها الكلام لتتلعثم مجيبة بحرج هامسة بآخر جزء مخفضة رأسها قليلا بخجل فهي لم تعطها كلاماً يفيد بأي شيء.. ستبقى دائماً الخرقاء عديمة الفائدة قولاً وفعلاً كما يصفها الجميع.
ريم التي كانت تعبث بأصابعها رأت في ضبابيه مجال رؤيتها عبور رو من جانبها فرفعت رأسها لتجدها قد عبرت الباب بالفعل تاركة تجمع الفتيات حول جثة المشرفة يثب للوراء كجمع قملات مفزوعة عندما قمن برفع رأس المشرفة ليجدن بركة دماء ليست بالصغيرة سكبت على البلاط زإلتصقت بوجهها لتنطلق صيحات هلع وذعر جماعية تردد صداها في الممر جعلت من ريم تتشنج وتحيد برأسها عن مراقبة ظهر رو يتقلص أكثر فاكثر مبتعداً عبر الممر.
' أحدث هذا الكثير من الضجة ' فكرت رو وهي تتثائب في الكمامة مدفونة الكفين في جيوب سترتها الواسعة حد وصول الأكمام لتغطية مفاصل يدها السفلية تزامناً مع مرور إحدى المعلمات من جوارها على عجالة لتتفقد أمر تلك الصياح المتعالية في المهجع الثالث.
' سيكون على مغادرة هذا المكان '
🐥
🧺
🧃
إنها فترة ما بعد الظهر.. شعاع الشمس ينحسر بتدريج بالكاد يلحظ ، تجمعات العصافير أقل صخباً وكأنهم ما تركوا أمراً إلا وثرثروا عنه حتى نفدت المواضيع والشائعات المتناقلة للوقت الحالي غير أن في الغد ستجد مجتمع الطيور قد عاد للزقزقة والتغريد مجدداً بأخبار جديدة من يعلم ما هي أو أهميتها.
ربما هي ثرثرة فارغة فحسب أو شجارات عائلية من نوع إحياء الحسابات المندثرة لتصفيتها من جديد وهو ما يجعلها تتجدد كل يوم.
رو كانت تسير بوطئ بطيء ليس به دفعة الوصول لوجهة معينة.. كانت تسير فحسب.. مدفونة الكفين في جيوبها بمحاذاة الجدار الذي يقابل صف النوافذ على الجدار المقابل.. تتداخل من حولها أصوات الفتيات وأحاديثهن التي لا تنتهي.
في المشهد الحيوي كله كانت بالكاد تلاحظ وكأنها تجلس على أنوف الناظرين فلا يمكن الإنتباه لها حتى استوقفتها مديرة الميتم وهي آتية نحوها بتعبير مستاء يفيض إنزعاجاً " ها أنتي!.. أين ذهبت المشرفة أرستلها لجلبك منذ ساعة؟! "
" في الجحيم " أجابت بنظرة ضجرة في عينيها فارتعش حاجب المدير بعدم تصديق ثم تنهدت مدلكة صدغها الأيمن بأعصاب مشدودة ممررة لها ما قالت وأشارت لها باتباعها سريعاً فليس لديها الوقت لتأديب غريبة الأطوار هذه.
عند وصولهما أمام باب مكتب المديرة حذّرت رو وهي تمسك مقبض الباب وعلى وشك إنزاله وهي تشزرها بعينيها " أقسم أنني سأحبسك في القبو مع الفئران إذا تواقحت على الزائر خلف هذا الباب.. هذه فرصتك الأولى والأخيرة لترحلي عن هنا لذا لا تفسديها فهمتي أيتها البليدة؟"
"عُلم " أجابت راكلة الباب الذي فتح قليلاً بيد المديرة التي باتت معلقة في الهواء وقتما علت محيا صاحبتها معالم البلاهة وهي ترى رمّانية الأعين تدخل بكل بساطة بعد ما صفقت الباب بالجدار.
لم تقل أنها سَتُنفّذ.
كان الزائر يجلس على أحد الكرسيين المتواجهين أمام المكتب الخشبي ينتظر عودة المديرة بالفتاة التي بحث عنها طويلاً شاغلاً صوت الهدوء المطبق بالنقر على مسند كرسيه بوقع متتابع متوتر منتظراً اللحظة التي يفتح بها ذلك الباب وتطل منه فلذة كبده الضائعة بفارغ الصبر..
هذا ماكان عليه قبل أن يفاجئه اصطدام درفة الباب بالجدار بقوة مشبّهاً على ذلك الفعل أسلوب شقيقه الهمجي في التعامل مع الأبواب.
تلقائياً حول رأسه جهة الباب مقتطب الحاجبين باستغراب تزامناً مع دخول رو بخطوتين التي توقفت في منتصف ثانيهما عندما تقابلت عيناها الرمانّية مع خاصته الذهبية المتعجّبة التي سُحِبت بعطف نحو لهفة مرتبكة.
تسمّرت رو مكانها ترمق ذلك الرجل بنظرة مندهشة إن صح القول لإرتفاع جفنيها العلويين ببوصة دامت لثانيتين وربع تماماً قبل أن تعود لإسدالهما بضجر كستائر خريفية باهتة الألوان وتقدمت لتجلس مقابلة له وكان شيئاً لم يكن.
حدق الرجل بها بأعين لانت كهلال ليلة ربيعية مدققاً النظر في كل تفاصيلها الخارجية. إعتلت شفتيه ابتسامة حزينة تنعي كل تلك السنين التي أودت برؤيته لكيفية نموها إلى هذا الحد نحو ظلال الفراق.
واقع الأمر كان هو من دعته الفتاة بالوسيم وفقط لو أعطيت فرصة لشاركت مظهره مع بقية الفتيات لتهافتن مقبلات مكتب المدير لرؤيته :
كان طويل القامة وعريض المنكبين ، ذو شعر أسود تخللته بعض خصل الشيب التي زيّنت ذقنه ذو اللحية المشذبه في خطين أبيضين. صاحب بشرة حنطية وأعين لا يليق بها وصفها بالعسلية إطلاقاً ؛ فقد كانت مثل قرص من النحاس الأصفر المصقول خال من أي شوائب لونية أخرى غير أن أطرافه التي تحيط بالحدقة احترقت للون أشبه لبنّ قهوة برونزي يعانق المركز الأسود.
في تلك اللحظة عيناه التي تحيطها تجاعيد حنونة كانت تتوقد بالعاطفة وكأنه يعانق ذلك الكيان الصغير عن بعد دون كلمات مغيّباً عن نظرة الكيان التي تبدوا كمن يقطن مغارة عقله حالياً.
على الجانب راقبت المديرة ذاك التواصل البصري الذي لم يكن تواصلاً بأي شكل من الأشكل مترددة في قطع اللحظة لبرهة حتى تنحنت ظناً منها أنا أثارت انتباه الرجل الذي أعطى أذنه لها بالفعل لكن دون أن يحيد بنظره عن من أمامه.
اقتطب حاجبا المديرة من ذلك لكنها سارعت بأخذ نبرة لطيفة مهنية وقالت وهي تشير لرو بيدها بتقديم " هذه هي رو و.. "
" كُسرت! .. المشرفة لقد كسر أنفها! " قاطعها صياح إحدى الفتيات تركض عبر الممر خلفها حيث كانت الفتاة تصيح بفرح وكأنها تُبشّر بظهور هلال العيد بدلاً من الإبلاغ عن إصابة أحدهم راكضة خلف الممرضة التي تتجه على عجل نحو مهاجع النوم حيث يلحقها في الخلف جمع كبير من الفتيات اللتين يتقافزن بسعادة صريحة حول ما حدث للمشرفة اللئية.
تشنجت تعابير المديرة وراودها بشعور بالعار على هذا الموقف المخزي الذي يظهر إنعدام كفؤها في إدارتها للمكان.. جزت على أسنانه راسمة ابتسامة مهنية مشوبة بالغضب المكبوت مسأذنة " إعذرني سأضطر للذهاب قليلاً لتفقد حالة المشرفة " وخرجت مغلقة الباب وراءه بأعين تقدح شراراً متوعداً المتسبب بهذه الفوضى دون أن تنتظر سماع الإذن من الزائر.
المتسببة كانت تجلس باسترخاء تام ما جعل ظهرها ينحي بشكل منزلق على ظهر المقعد. تتمدد ذراعاها على جانبيها وقدماها تتدلى في الهواء وهي تناظر الرجل الذي يجلس أمامها منحياً للأمام قليلاً وهو يمسك معصم يده اليمنى باليسرى مسند السواعد إلى أعلى من ركبتيه.
خروج المديرة جعله يستعيد تركيزة الذي شتته الكثير من الأفكار المتعلقة بابنته أكبرها رغبته العارمة في رؤية وجهها إلا أنه خشي إحراجها لو طلب ذلك في لقائهم الأول لذا قرر بدء الحديث وتعريفها من يكون بعيداً عن رغباته الشخصية الخاصة.
سألها بصوت هادئ حاول جعله مراعياً " أتعلمين من أكون؟ " كانت هناك إنقباضة في يده التي تمسك بمعصم الأخرى المتدلية مع طرحه السؤال المترقَّب.
أجابت بملل " لو كان اسمك مكتوباً على وجهك لعلمت"
صدمة!.. تبعها عقده لحاجبيه قليلاً على ردها الوقح ليقول بنبرة تبرّأت من المراعاة لتبكي في الزاوية " أدعى أصلان وأنا أكون والدك " ثم صمت منتظراً كيف ستتعامل مع هذا مع تسلل الخوف إلى قلبه بعض الشيء.
تبا! لم يرد أن يكون جافاً هكذا وهو يخبرها بالأمر لكن فات الأوان.
" همم تابع " هممت رو بضجر.
تشنجت ملامح أصلان في تيه استعاب " أُتابع؟ "
" تمام فهمت أنك والدي ماذا بعد؟ "
هل هي جادة؟ ما سرعة التقبّل هذه؟
إعتدل أصلان في جلسته وقد ظهر على محياه تعجب كبير واقتطاب مستنكر" اقتنعتي بهذه البساطة؟ ألستي متفاجئة أو مصدومة حتى؟ "
" هل يفترض أن أنهار وأنتف شعرك في نوبة غضب لترضى بأني اقتنعت؟ " قالت رافعة حاجبها له بسخرية.
" يا طفلة من أين لك بهذا اللسان السليط؟ " سألها أصلان منجرفاً مع صدمته.. رسمياً فسد الأجواء حتى بالنسبة إليه.
أجابته مبتسمة بسخرية وراء الكمامة " من البقالة.. حصلت عليه كمفاجئة في بيضة شكلاته "
إرتفع طرف فمه في ابتسامة مصدومة.. أخلاق البنت ضاعت في مهب الريح وهي أكدت ذلك بقولها بتململ جلي " أيا كان السيناريو العاطفي الذي توقعت حدوثه فأبلغك أنه لن يحدث لذا إعفنا من الخوض في التمهيدات المراعية واقفز للخلاصة "
*سكراش * هذا كان صوت تكسّر انطباع أصلان الأولي عن كونها طفلة خجولة ولطيفة.
' لا يحق لي النقد.. فكونها أصبحت هكذا غلطتي' فكر في ذارفاً دمعة وهمية في نفسه متحسراً على ذاك الإنطباع اللطيف الذي أمسى حلماً.
أخذ نفساً عميقاً وزفره مدلكاً عنقه محتاراً قليلاً ثم رفع رأسه بنظرة كلها عزم وإصرار " جئت كي أخذك معي وأعيدك إلى المنزل " وداخلياً كان قلبه يخفق بخوف من سماع الرفض.. ذلك الأسلوب الغير مبالي قد ينم عن الضغينة أو أسوء.. الكره.
ومثل ما أنه ينتظر سماع القرار من ملكة متجبرة إصدار أمر بقطع الرؤوس عندها مثل شربة ماء صُفق الباب بقوة جاذباً انتباهه لأربعة نساء يقفن خلفه.. اثنان منهما تسند سيدة بدينه تظهر عليها علامات الدوار والترنح تغطي أنفها بمنشفة تشبعت بالدماء بأعين زائغة تتأرجح بين الوعي وضده وقربها تقف المديرة منتفخة الاصداغ من غضبها الجحيمي الموجهة بالكامل نحو رو.
ببطئ رقبة رجل آلي صدأة المسننات وبحاجة إلى التشحيم عاد بنظره إليها ليجدها ملتفتة نحو الجمع الغاضب بنظرة لا مبالية رفعت من حدة هاجسه من كونها السبب في حالة تلك السيدة المزرية.
نظرت له من طرف عينها قائلة بوقاحة جعلت وريداً نابض ينبثق في جبينه " سمعت أن الرجال لا يتراجعون في كلامهم.. أهذه إشاعة؟"
.
.
.
بعد دفع أصلان لتعويض مالي ليس بالقليل عن أنف المشرفة الذي إنكسر إنسحب من المكتب هرباً من سماع خطبة مستهجنة حول تصرفات ابنته واللتي كان من المتوقع منه أن تستمر إلى المساء إذا أعطى مجالاً لذلك.
أخذ يسير بتعابير مكفهرة جامدة في الممر متوجهاً للبوابة الأمامي بصمت رفقة رو التي لم تحاول مجارات خطواته ما جعله يبطئ من سيره عمداً في موقف متضارب بين الإستياء الصامت والمراعاة.
" ضيعت أموالك هباء لو إشتريت فلفلة كبيرة ليضعوها مكان أنفها بدل تكليف نفسك .. أبلع العلكة إذا أنفقت كل المال على ترميم وجهها المفلطح" قالت مستسخرة قدر المال الذي دفعه ليرمقها أصلان بنظرة جانبية حادة من نوع يطالبها بالصمت إلا أنها طرفت بعينيها مرتين قائلة بنبرة باردة دون تأثر بعيون الصهريج خاصته :
" أرخي عضلات وجهك.. كل الإناث هنا يدمنّ مسلسلات المافيا وسيأكلنك بأعينهن "
رفع أصلان نظره عنها ليستطلع فوجد الفتيات والعاملات في الميتم المتناثرات هنا وهناك ينهلن عليه بنظرات الإعجاب والهيام ما جعله يتوقف مكانه ويغطي عينيه بكفه واضعاً يده الأخرى على خصره في وقفه ضيق وتعب جعلت القلوب الشابة وغير الشابة تتطاير.
زفرت رو من أنفها بسأم ثم شدت سترته الجلدية البنية جاذبة انتباهه إليها فأنزل يده ليجدها رفعت ذراعيها لأعلى وعلى ما يبدوا تطالبه بحملها.. تردد قليلاً ثم انحنى رافعاً لها عن لأرض بمنتهى الحرص ثم تابع سيره تعاقباً مع قولها له" آمل أنك قرأت الأذكار فلا تفلِقُك عينٌ على النهار "
إرتفعت زاوية ابتسامة جانبية على وجهه على قولها لم يستطع إحباطها " أتخشين علي من الحسد؟ " ملكة الجليد بكل جبروتها تغار عليه؟.. وقع هذا راق له.
ردّت رو بضجر وهي ترتكز بمرفقها على كتفه " يمكنك إعتماد هذا التفكير "
من إلتوائية جوابها ابتسم بمكر مقرراً مشاكستها قليلاً " هذه طريقة مراوغة لقول أنك تغارين علي "
" هل أعرِفُك لأفعل؟ " سألت وهي تناظره من طرف عينها.. سؤال بلاغياً.
من قسوة الجملة واضحة المعنى عليه قرر إنهاء الحديث هنا مبتلعاً شعور المرارة في جوفه مع نزيف نابضه المكلوم غدراً باختبارات الحياة القاسية.
" ستتعرفين علي مع الوقت "
عند خروجهم من البوابة الأمامية للميتم تجمهر حشد من الفتيات بمختلف الأعمار واخذن يراقبن أصلان من الخلف وهو يحمل من حُفَّت بنظرات من الحسد العميق والغيرة الخالصة بدلاً من كلمات الوداع و ما كان ردّ رمّانية على ذلك رفعها ليدها دون تلويح من فوق كتف والده هاتفة " الوداع أيها الأيتام البائسون.. إنه والدي الحقيقي للعلم"
جحضت أعين أصلان لما قالته مسرعاً من مشيته إلى هرولة كمن يهرب من موقع جريمة وخلفه تعالت الصيحات المقهورة وصوت النحيب في موجة إنهيار عصبي جماعي كبيرة النطاق وكأن جميع من بالخلف تم الحكم عليهم بقطع رؤوسهم.
رفع أمامه المذنبة بهذا لتقابل وجهه بأعين ضجرة فقال بتأنيب مستنكر وهو مواصل سيره خارجاً أرض الميتم عبر البوابة" ما هذا الذي قلته؟.. كيف يمكنك أن تقولي شيء هكذا في وجوه كل هولاء الأيتام فقط لأنك لم تعودي كذلك؟! أين تعاطفك يا طفلة!! "
لم يكن صوته جازراً بالضرورة بل لم يكن يفهم سبب فعلها اللئيم. ولا ينكر.. هو لن يقبل مثل هذه التصرفات المؤذية على الإطلاق فلم يواري نقمه ضيقه.
" لم يولد بعد " أجابت سؤاله بسخرية موجهة لنفسها حقيقة.
زادت العقدة بين حاجبي أصلان ونبس بنبرة منفعلة نسبياً " لا مجال للسخرية بشأن هذا! هذا أمر في غاية الجدية!.. أولاً تكسرين أنف سيدة أستغرب حتى كيف وصلت له بقامتك الشبيهة بالسنافر ، وتقومين بتصعيب تواصلي معك بقيامك بالسخرية كل دقيقة والان؟!..تجعلين أكثر من خمسين فتاة يندبن بحرقة وكأنهن أرامل حرب بسبب كلامك الجارح! .. كيف لك أن تكوني هكذا؟ "
كل تلك الأفعال والأحداث الكبيرة المتوالية أرهقت قوته العقلية حتى عبّر بما كان يدور في خلده منذ فترة لكن لم يجرؤ على التفوه به.. أو فعل؟
لقد ندم.. لقد ندم في الثانية التالية مباشرة لكنه لم يعتذر أو يتراجع رغم أنه كان على وشك فعل ذلك إلا أنه بقي واقفاً وهو يرفها أمامه منتظراً رد فعل وليس إجابة مرتدياً الإستياء فوق الندم رغم أن الأخير قياسه هو الأكبر.
' دافعي عن نفسك ، قومي بلومي ، شُدي شعري إذا أردتي.. فقط أظهري لي أنك تملكين قدراً من الإهتمام! '
لسبب ما بدت طفلته صعبة المراس على نحو غير مألوف.
لا يجد وصفاً فليس بروداً أو لا مبالاة بل شيء قد يكون أعمق.
وإمكانية معاناتها من تجربة قاسية أضرت بنموها أخافته.
" ما سبق مجرد غوغاء عشوائية وليست بالشيء الكبير.. أنظر. لتدع عنك أمري وتضعني في أي ميتم غير هذا ولتجلب لنفسك طائر كناري مرهف الإحساس لأنك لن تتحملني "
الطيف الأحمر كان يتمايل كذرات عطر تطوف في العدم الأسود وهي تنبس ما قالت بذات الضجر المعهود في تلكما العنين وهو ما أثار حنق والدها بشدة ودفعه لإجلاسها على مقدمة سيارته واتخاذ مسافة بينه وبينها ليدير ظهره لها ويبدأ تمتمة غير مفهومة الكلمات وهو يتخصر كلا جانبيه مغمض العينين ومتشنج الفك.
مر ما يربو لدقيقة له وهو على تلك الوقفة بينما تطالعه رو بجلسة منحنية من فوق غطاء السيارة وكأنها دمية قطعت خيوطها فلا تقوى على نصب ظهرها كما يجب.. أنهى أياً ما كانت التعويذة - كان يدعوا ربه في الواقع -التي رددها لنفسه آخذاً نفساً عميقاً من أعلى زافراً له ببطئ لأسفل فشعر باتزانه يعود إليه ثم بشكل شبه أتوماتيكي دون تمهيد استدار عائداً لها فيما يشبه مشية دمية جندي بريطاني متوقفاً أمامها ليقرفص على الأرض باسطاً كفيه أمامها في دعوة 'لتبادل الجراثيم'
شعر بنظرتها لكفيه تقول ذلك فامتقع وجهه بحرج نفاه بتعابيره اللامبالية ظاهرياً لما بدر وانتصب مصفياً حلقه وعزم التخلي عن أسلوب ' أميرة والدها ' في إيصال ما سيقوله وقرر إعتماد أسلوب ' اسمع وأفهم ، واضح؟'
استند بيده على سطح المحرك على جانبها الأيمن مميلاً جذعه لها لتتلاحم ذهبيتاه مع رمّانيتيها كأنهم من في مواجهة محتدمة بين طرفين أكثر صلابة في العزيمة من بعض.
" اسمعي أنا والدك وأنتي ابنتي .. أنتي كنتي وستظلين دائماً مسؤوليتي وقطعة مني لن أتخلى عنها أبداً أو أستبدلها بطائر للزينة " رفع حاجبه قليلاً منزلقاً لوضع الشرطي السيء دون أن يشعر إلا أنه كان بحاجة ترسيخ هذا الكلام في عقلها.. أن التخلي ليس كلمة تستعمل في قاموسه.
" إذا أخطأتي سأريك أين يقع الصواب.. إذا كسرتي شيئاً سأصلحه لك.. أريدك أن تعلمي أن هذه اليد وجدت أساساً لأجلك وليست لتقدير حِملِك إذا كان يستحق أم لا.. كلامي واضع يا خفيفة؟ " رغم نظرته الجدية الثاقبة وجد نفسه يقلد سخريتها كرد إعتبار عما سبق من فقع مرارته.
" واضح يا شمس الدين" قالت مضيقة عينيها بإنزعاج من شدة السطوح.. الشمس رمت بأشعتها فوق رأسه معززة من لمعان عينيه بحجب محياه تحت ظل أسود وهو يدلي بخطبة مؤثرة لم تحرك بها عاطفة غير شعور النعاس.. أحدهم قوطعت قيلولته هنا للعلم.
" ألا يمكنك أخذ شيء بجدية؟ " قال ببتسامة يائسة بقيت بعد أن إستنفدت كل شيء آخر عنده.
" عمو أنا في التاسعة " قالت بضجر ليهز رأسه نابساً ' بخطأي ' خافته على نسيانه الذي لم يكن.. الظاهر أن الساخرين هم نقيض الأطفال الحساسين وهكذا هي القضية.
ترى كيف سيكون اجتماعهما يا ترى؟
بدأ ذلك يؤقره.
صعد كلاهما للسيارة ذاهبين نحو الفندق الذي ينزل به أصلان فاستغلت رو طول المسافة لتستأنف قيلولتها فكانت الرحلة هادئة بشكل أراح طاقة الوالد النفسية المستهلكة.
بعد ما يربو لساعة توقفت عجلات السيارة عن الدوران في موقف الفندق ومعها فتحت رو عينيها سائلة دون أي مقدمات وهي تنظر للأفق عبر الزجاج الأمامي " كيف عثرت علي؟"
تصنم أصلان من هذا السؤال المباغت على حين غرة.. لحظا من الإرتباك والتوتر حتى أجاب بهدوء مفتعل وهو يَفُكُّ حزام أمانه ويفتح مقبض بابه تبعاً لذلك " لعب الحظ دوراً كبيراً في ذلك "
" سألتُ عن كَيْفِيّة ذلك وليس صاحب الفضل بذلك " حولت نظرها نحوه رافضة تلك كإجابة إلا أن أصلان لم يغير في نسق قوله شيئاً ورد محرراً حزامها الخاص " يُمكنك القول أنني إتبعت حدسي وأصاب "
" إتبعت حدسك بدخول ذاك الميتم دوناً عن سواه وفي دولة غير دولتك؟ أهو حدس يغطي شبكة دوائر الطول والعرض؟ " قالت بتهكم.
لم يتعجّب أصلان من معرفتها بكونه ليس من هنا فهذا يظهر عليه بشكل جلي ..أجاب متصنعاً البراءة والإنبهار بنفسه مراوغاً بوضوح " رأيتي كيف يمكن للحدس أن يكون خارقاً في بعض الأحيان؟ "
ردّت ترفع يديها قليلاً بانبهار مصطنع رتيب الوقع مقلّدة لهجته موطنه " دنتا عدّيت قلب الأم بمراحل جغرافية يا شيخ ، دا GPS أبوي دا يا جماعة ولا إيه؟ "
ضحك أصلان بقوة على كلامها ثم ترجلا من السيارة داخلين للفندق سائرين في ردهته حتى وصلا للمصعد فدلفا إليه بعد أن خلا من ركّابه وتبعهما في ذلك امرأة متوشحة بالسواد مكتحلة الأعين بكحل ناري برفقة رجل يرتدي نظارة شمسية وقميص أبيض ذو أزرار علوية مفتوحة غير مرتب الهيئة فوق بنطال أسود يُدِخل أحد طرفي قميصه داخله ويترك الأخر خارجاً.. على نحو لافت كان يرتدي قفازاً جلدياً أسود بإحدى يديه دوناً عن الثانية بينما يتموضع قفازها الأخر داخل جيب بنطاله.
ضغط صاحب النظارة الشمسية زر الطابق الخامس بيده العارية التي نقش وشم مصباح متفجِّر على طول معصمها فانغلقت أبواب المصعد وبدأ صعوده لأعلى.
كانت المرأة المتوحشّة باللون الأسود تعقد ذراعيها وهي ترمق أصلان بنظرات لم يلقي لها بالاً مبقياً عينيه على الباب أمامه بينما صاحب النظارة كان يتابع تغير الأرقام على الشاشة فوقهم وهو يصفّر باستمتاع سببه غير معروف مراقباً التشويش الخفيف الذي ظهر على الشاشة وتذبذب الإضاءة لعدة مرات قبل أن تتوقف وتستقر ليقهقه مع نفسه بشكل مريب لم يلقي له أحد من المتواجدين بالاً غير رو التي نظرت له بطرف عينها.
أزاحت رو نظرها عن ذلك الرجل الغريب موجّه مقلتيها للباب لتحدق به بنظرة تشابه خاصة أصلان وبقي الحال على ذلك حتى فتح المصعد أبوابه ليخرج كلا الشخصين الآخرين ملقيين نظرات مختلفة على أصلان قبل خروجهما وسط معاودة ذو النظارة الضحك مع نفسه من جديد.
ضغط أصلان زر الطابق الرابع فأغلق المصعد أبوابة ونزل إليه وبعد مسير صامت لم تجرى فيه أي نوع من المحادثات في الممر ذي البساط الأحمر ؛ وصلا لغرفة رقم (218) ليهمّ أصلان بفتح قفل الباب باستخدام المفتاح الخاص بغرفته ولكن طرأ شيء في باله جعل عينيه تتوسع بتذكُّر " نسيت إخبارك .. لدي أخ توأم"
قال جملته تزامناً مع فتحه الباب فظهر أمامهما فتى صغير بدى عليه أنه وقف أمام الباب ما إن سمع صوت رأس المفتاح يدخل في ثقب القفل ليستقبل القادمين صبي صغير بهالة مشرقة يبتسم بحماس
وكأنه كان ينتظر مجيئهما بفارغ الصبر..
" بقدونس" همست رو بنبرة مائلة للمأزق أو مكان الشتم ربما.
🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉
رو.. كيف تعرّفونها 😏✌️؟