يمكن للنظرات أن تكون سلاحاً ودرعاً معاً..

...................................................

🐌....🍄

الناس فضوليون بطبعهم وتراهم دائماً ما يبحثون بجد في شتى الأمور الغير واضحة والمستورة ليشعروا بنشوة إكتشاف شيء أو معلومة جديدة لم تكن لهم معرفة بها سابقاً بإزالة الستار من عليها ووضعها تحت الضوء.. وحتى لو لم تكن لهم أي فائدة أو صلة بتلك المعلومة وكانت تخص شخص آخر سيجعلون من ذلك دافعاً أقوى للحصول عليها بأي وسيلة كانت فقط لإرضاء ذواتهم النهمة لتصيّد التفاصيل والمتعطشة لابتلاع المزيد والمزيد من الباطنيات خادعين أنفسهم بشعور من متنكرين بقناع العالِم الفضولي المحب لجمع العلم والمعرفة دون إداراكٍ منهم أن أنوفهم التي يحشرونها بكل شيء تخترق ذلك القناع لتبرز بشكل كبير مُخَلِّفَةً مظهراً يتميز به المهرّج الأحمق وحده.

على النقيض هناك فئة قليلة تُخَالف الفئة السابقة وتعيش بالمعرفة التي تفيد في حياتها العملية واليومية فقط ولا تبتغي زيادة محصولها المعرفي لا بعلم أجوف عديم القيمة ولا بعلم يُنتفع به على نحو فائض عن حاجتهم وتلك الفئة تُعرف بـ ' اللامُبالين '

ويمكن تصنيفهم لنوعين من منظور ضيق : فاقدون للإهتمام ومن رَأوا الكثير من الأمور حتى خَمُل فضولهم وذَبُل.

رو يمكن وضعها على الحد الفاصل بين هذين الصنفين ولكن اليوم وبشكل غير مسبوق إضطربت ضربات قلبها لهولة عندما سمعت جملة أصلان بقوله ' لديك أخ توأم ' هذا الإضطراب كان شعوراً جديداً عليها خليطاً بين التفاجئ والإستحالية لحقيقة تواجد ما أنبأها به خلف ذلك الباب فكانت تحملق بالدرفة وهي تزاح من أمام مرآة بترصّد شديد نحو الداخل نابع من بئر الفضول الذي ظنّت أنه جاف منذ البداية لبناءه في خُلد صحراوي كخاصتها.

طرف حبل فضولها القصير كان حول تواجده عامة ونهايته خُتمت بتساؤلها عن كيف هو؟

و يا ثقل إحباط قد هبط عليها عندما رأت عُشّ غراب بجسم فزاعة راحت ضحية حرب أهلية أمامها.

شعره كان سميك الهيئة نسبة لشكلة الغرابي تتدرج خصلاته الطويلة قليلاً حتى تصير أكثر طولاً بقليل عند قفاه بينما تمتد خصلتان من صدغيه لأسفل شحمة كل من أذنيه بببضعه بوصات. عينه اليمنى سوداء واسعة ينعكس عليها بريق حيوي بينما تستتر أختها اليسرى خلف ستار غرته الطويلة بشكل متعمد.

يرتدي بنطال جينز يصل لأسفل ركبتيه وسترة بنفسجية طويلة الأكمام ذات سحاب مفتوح الشقين تظهر من بينه ضمادة طبية لفت حول معدته مُعلِمة عن تعرضه لإصابة ما لم تمنعه من الإبتسام نحوها الأن وهو يشابك يديه خلف ظهره مواجهاً لتوأمته التي مسحته بعينيها من أعلى لأسفل.

ليس تقليلاً منه أو نقداً.. حرفياً كانت تمسحه لتقوم بتحليل نوع شخصيته وبيئة عيشه ونمط سلوكه باستخدام علم الفِراسَة الذي تجيده بشدة :

موقفه هذا بأكمله مزيف لا جدال.. ومفتعل ببراعة أمكنته من نَسبِ ما يتصنّعه من ود وحماس كناتجين عن ترقّب دام كثيراً كما يُحسب عليه من طول انتظار دفعه ليهرع للوقوف متأهباً لاستقبالهم ما إن إلتقط صوت تواجدهم من خلف الباب.

لو لم تكن المشاعر شيئاً مكشوفاً لها وخصوصاً عدم تلائمها حالياً مع ما يُظهره من موقف إيجابي مرحّب لكانت خُدعت مثل أي أحد بهذا القناع المصنوع باحترافية والملبوس كما يجب له أن يكون دون غبار عليه.. إنه ممثل صغير ذو خبرة مثيرة للدهشة في تقمّص ما يبديه من تعابير الوجه وتأديته لحركات جسدية مدروسة مخطط لها مسبقاً بعناية لتظهر منسابة في مجرى سير العفوية ببراءة.

بادرته' العفوية' تلك بالوقوف أمام الباب متكلفة في النخاع.. إنه عبارة عن مجرد أداء جهزه مسبقاً للظهور بالصورة التي يريدها في مشارف حصول هذا الموقف الذي كان على علم مسبق بحدوثه كما يبدوا..

أسلوب تفكيره التخطيطي المنتهز لما سيحدث تالياً جعل رو تستنتج أنه يلجئ للتمثيل في أغلب المواقف أو ربما في كلها. ومن الجلي أمامها أنه تلقى تدريباً على يد محترف ولم يكتسب مهارت تلك في إخراج أفعاله المستقبلية بهذا الإتقان عن طريق الموهبة الخام وحدها بل تم صقله أداءه على الصعيد الفكري والجسدي لدرجة صار التمثيل جزءًا لا يتجزأ من ذاته. لا يفصل بين الأداء وبين حياته الشخصية بل يغتنم كل فرصة ممكنة للعب دور يُقنع عبره الأخرين بأن ما يعرضه أمامهم من شخصه هو ما يكون عليه فعلاً.

بعبارة أخرى.. هو متفاني التزلّف حتى النخاع ويسعى لكسب الإعجاب ونيل الرضى بطرق غير صادقة وملتوية.

وحسب مشاعره المقروءة لها من خلال قناع الحماس الطفولي الذي يضعه فغايته الرئيسية الأن هي استحسان صورته أمام الأب.

' شخصيته ملتوية أكثر من الأمعاء الدقيقة '

أخذت فكرة عن شخصيته الدودي فاتنتقل لمظهره..

بُنيَة متوافقة مع معايير من هم بسنه لكن يعاني من بعض النحالة ولا تظهر عليه علامات التجويع ' غذاءه يعتمد على سد الحاجة وليس تحصيل الفائدة كالخبز '

يتشارك معها ومع والده بذات البشرة الحنطية إلا أن خاصته باهتة تفتقر للنظارة الطبيعية ' لا يتعرض للشمس كثيراً قد يبدأ نشاطه في وقت متأخر من النهار أو أول الليل'

ضوء المصباح الذي يفصل بينهم يسلط أشعاعه فوق رأسه ما غشى وجهه بظل خفيف عزز لمعة عينيه ما جعل رو تأخذ لمحة عن لون التي تلمع من بين شقوق خصلات وسبب تغطيتها.. عسلية صافية تعارض خام الفحم.

يمتلك لون عينين مختلف كلياً عن بعض وهو سبب تغطيته لأكثرها لفتاً للإنتباه' خاض تجارب علمته طمس تفرّده '

والأهم.. الإصابة.. لا يمكنها معرفة نوعها من فوق الضماد ولا يظهر عليه مؤشرات على الألم بمعنى أنها ليست حديثة الوقوع لكن فتحه لشقي السترة قد ينم عن كونها لا تزال تؤلمه إلى حد ما.

الخلاصة هنا هي أنها تقف أمام كتلة من خربشات متشابكة من ماضي مضطرب للغاية.

قامت رو بتلك المعالجة بكاملها في لمح بصر أصلان الذي إستغرب ظهور سحابه من رمادية فوق رأسها وهي متدلّية الوقفة كالزومبي المنهك.. همّ بسؤالها بتردد عما حصل لها ولكن سبقه سؤال الفتى بحماسة " أهذه توأمتي؟ " ما جعله يبتلع كلماته صابّاً إهتمامه على جعل لقاء ابنه أفضل من خاصته.

" نعم.. ألقيا التحية على بعضكما " قال أصلان وهو ينظر لرو من جانب وجهه بعدم إطمئنان من كيف سيكون تفاعلها مع الصبي.. تقدم الفتى ناحيه رو ومد يده لمصافحتها ببتسامة ودّيّة نابساً " أنا فارس سعيد بلقائك جداً يا أختي! "

نظرت رو لديه المعلقة في الهواء لثوان ثم مدّت يدها لمصافحته وما إن تلامس كفّاهما ببعض سرت شحنة كهرباء ساكنة في يد فارس فسحب يده مطلقاً تأوّهاً محركاً ليده في الهواء بألم.

"ماذا حدث؟!.. أيدك بخير؟" سأل أصلان جاثياً على ركبه واحدة وهو يتفقد يد فارس الذي امتقع وجهه بحرج أجاب بلا إهتمام وكأنه ليس بالشيء المهم" نعم مجرد شحنة كهرباء سخيفة" متحاشياً النظر بعين والده لأنه محرج ويكابر على ذلك.. شطراً ظاهرياً وآخر حقيقياً.

ربّت أصلان على رأس فارس فعبس الأصغر بشكل خشن لطيف أغرى الأكبر بألا يرغب في التوقف عن التربيت عليه فهو يشبه القط عندما يتصرف بخشونة كرد فعل على شعوره بالإحراج.

توقف أصلان عن إثارة غيظ الأصغر في النهاية مستديراً ناحية رو ليتفقدها فكانت تحدق بباطن كفها بشرود أثار حيرة أصلان عن ماهية ما تفكر به تلك القصيرة ذات اللسان السليط" ما رأيكما بتناول بعض البيتزا؟ " عرض أصلان بعد أن تنهد بصمت آخذاً رأي فارس عن طريق تعابيره والتي ابتهجت لذكر اسم الفطيرة المسطّحة الشهية ثم حرك ناظريه صوب رو التي طالعته بنظرة جافة ويبدوا أن الإرسال قد انقطع عندها مجدداً فقد ظهرت على محياها تلك النظرة التي تربكك عن أين تنظر بالضبط رغم أنها تقابل عينيه الأن إلا أن وعيها لا يبدوا نشطاً.. حاضر.. لكن متجزء بين الواقع وأفكار من نوع ما.

ابتلع رمقه شاعراً بالجفاف ثم ربت عليها هي الأخرى بعد تردد في مشارف الهموم بنزول راحة يده على رأسها ولم تبدي هي تفاعلاً أو استجابة على ذلك ما جعل الأكبر يزفر من أنفه رامقاً لها بنظرة حانية من النوع الذي لا يعلم ما العمل معها وهو يفرك رأسها بخفة حتى رفع يده عنها واستقام متوجهاً للمطبخ لطلب البيتزا.

تُرك التوأمان وحدهما كل واقف يحدق بالآخر لفترة وجيزة كانت بالكفيلة للعب على إعدادات مؤشر عدم الراحة لدى فارس فقال محاولاً فتح حديث معها عسى أن تكف عن محاولة إختراق روحه أو تدرك أنهم لم يتفقوا على القيام بمسابقة تحديق وأنها تظهر بمظهر غريبة أطوار مريبة الأن " أتحبين ألعاب الخفّة؟ " سأل ببتسامة مرتبكة واقعية هذه المرة مع إرتفاع طرف شفته بشكل إجباري يوصل لأي مبصر أنه يجامل مع طبقة حيرة تردء عنه إشهار الملامة في ما بعد.

" لا " أجابته بآلية وبنفس النظرة مجهولة العمق فزاد ارتباكه من هذا الرد المُقفل وزاد إنشداد ابتسامته الإجبارية في سأم واضح " إمم... ماذا عن الألغاز؟ أتحبين حلها؟ "

" لا " أجابت مجدداً فأنكس فارس رأسه بإحباط.. تحول الجو من غير مريح إلى محرج بشكل كبير.

يُفترض أن تقول شيئاً قريباً طالما أنزل رأسه بزاوية تسعين والتي تثير ضيقاً للعين التي باتت عُليا في المقبلات القريبة وجهاً لوجه.

دورها لتشعر بعدم الراحة لتهيُّئ كونها مستبدة!

" أتحاول إيجاد قواسم مشتركة بيني وبينك عبر ذكر ما تُفضِّله لتتولد بشكل طبيعي محادثة ودية بيننا نتشارك فيها ذكر الأشياء التي نُفضلها حتى يتمهد لك جسر للتعرف عليّ؟ " سألت وهي تناظر رأسه المخفض أمامها والذي رفعه بملامح مصعوقة لما تفوّهت به تواً.

رمشت مرتين مُراقبة تغير تعابيره المصدومة وكأنها أخبرته شيئاً صاعقاً مثل أنها تمتلك مفعلاً نووياً داخل أنفها.. فغر فاه فارس بعدم تصديق متشنج العين والشفاه باستنكار ' طالما أنها تُدرك ذلك بالفعل فلما لا تجاريني بدل سدّ الطريق للحديث كالجدار! وما بال هذا الوصف الدقيق والأسلوب المتحاذق؟ ' فكر فارس داخلياً.

راودته هاجس سيئ أراد تجاهله لكن من هو ليتجاهل نفسه؟

" أنتي أحد غريبي الأطوار شديدي الذكاء؟ " سأل آملاً أن تستمر على ذات النهج وتنفي ذلك.

" نعم "

ويا لها من خيبة لم تُخَب فقد كان سؤال بلاغياً إجابته واضحة منذ البداية " أوه يا إلهي" غمغم فارس مغطياً وجهه بكف يده بتورط ممزوجة بالضيق وداخلياً كان يقتلع شعره من جذوره بانهيار.

حدّثه والده عن كونه يملك توأمة وقد نزل عليه الخبر كالصاعقة حينها ولاحقاً بتخطيه للصدمة وذبح النكران بيديه والقيام بجلسة من التفكير العميق على البساط معقود الأذرع والساقين ومشاورته لنفسه رأى أنه ليس بالأمر الكارثي وهناك عدة إيجابيات رائعة وفوائد..

' يمكنك جعلها تجلب لك الماء كلما شعرت بالعطش' همست له نفسه كنسيم شبحي ليوافقها الرأي مستحسناً ما يسمع " نعم الذهاب للمطبخ مزعج "

' يمكنك جعلها تغسل جواربك عوضاً عنك ' همست نفسه مجدداً بنبرة ذات ابتسامة ليرد بالتأييد " بلى غسلها بنفسي مزعج "

' يمكنك جعلها تجلب لك جهاز التحكم عندما يكون بعيداً عن متناولك ' أضافت بنبرة مكتومة الضحكة وكأن إغراءاتها تزداد جاذبية حتى بالنسبة إليها ليوافقها مجدداً "أجل النهوض لجلبه مزعج.. لحظة! متى صرت كسولاً اتكالياً هكذا؟ "

انبثق هذا السؤال في رأسه لتَصمت نفسه لبعض الوقت فيراوده التريّب من ذلك

" مرحباً؟ .. "

' احم! شردت للحظة.. لست كسولاً.. بل مصاب! ' قالت نفسه متداركة صمتها ولحسن حظها زالت عنه نظرة الريبة ليوافقها ببتسامة مقتنعة لتزفر براحة " آه صحيح معكِ حق! أنا مريض وأحتاج للرعاية! " اتفق مع نفسه وقد حسم أمره سيستغـ.. احم.. سيستعين بتوأمته في خدمـ.. مساعدته.

وبالتأكيد هي لن ترفض معاونته فكيف لها أن تتجاهل هذه كتلة الجاذبية هذه وهي تتعذب وحدها في صمت وأسى؟

' يـِــششش.. لم أحسب حساب كونها غريبة أطوار ' قالت نفسه بمزيج من التورط والإستصعاب ليخنقها فارس داخلياً في خياله بغلّ متناسياً أمر رو التي للآن تحدق به لكن بنظرة ضجرة هذه المرة وليست تلك العميقة المخيفة.

أنزل فارس يده المحبطة عن وجهه رامقاً لها بعبوس خلف رداء التكلف " اسمعي لنكن واضحين.. سواء أكنّا توأماً أو حبتي فول أنا هو الرجل هنا لذا ستستمعين لكل ما أقوله! " قال بنبرة آمرة وقد كان يشير لنفسه بإبهامه في البداية ثم إليها بسبّابته عند نهاية كلامه.. لا يحب لعب دور الديكتاتوري على طفلة معتوهة لكن عليه فرض سيطرته عند أول لقاء طالما أن الديبلوماسية لم تعمل.

يعيش التفكير القبلي!

" هذا الكلام يُطبّق في زمن العصر الجاهلي نحن في عصر المساواة بين الجنسين يا متخلّف " ردّت بنظرة ضجرة جاعلة موقف فارس الشديد ينقضُّ كجدار بيت قديم التشييد.

عاد أصلان من المطبخ بعد إجراءه لاتصالين إلى الردهة حيث التوأم لازالا بذات المواقع التي تركهم عليها مع وجود فوارق موقفيّة.. عند فارس الذي وجده يقف متصنماً بتعبير يشبه من تلقى صفعة غادرة حيث كانت يده متجمدة في الهواء وهي تشير لرو التي ترمقه بضجر ويبدوا أن الإرسال قد عاد إليها.

ذكّره هذا المشهد بتلك الأسطورة اليونانية لا يتذكر تفاصيلها عن وحش يحول الناس لتماثيل عند نظرهم لعينيه بشكل مباشر.. طريف حسب رأيه الخاص.

إستشعر فارس حضور والده فأدار رأسه له بتصلب وكأن مساميراً صدأة مثبتة في عنقه باقياً على ذات وضعيته المتخشبة ليناظر وهو مجروف بالصدمة والده الذي يقف عاقداً ذراعيه بانتظار للآتي مع بعض التكامل في محياه.

فتح فارس ثغره ناوياً الإدلاء بشكوى كبيرة لكن الكلمات كانت تتزاحم داخل حلقه بسبب أثر الرد الذي صفع كبريائه على قفاه فلم يكن بقادر على فضّ ذلك التزاحم الخانق في حنجرته من فرط الشعور بالإهانة حيث لم يعرف إنتقاء مصيبة لها.

" فارس إبتلع لعابك وقل ما تريد بتروٍ " قال أصلان بعد ما رأى خط لعاب يسيل من ثغر الفتى المشروع كنفق قطار.. مسح فارس لعابه بكمه سترته بسرعة مستدركاً تنبيه والده له ثم صاح بغضب لأصلان مشيراً لرو بسبابة بدت وكأنها تطالب بنفيها بعيداً " لقد وصفتني بالمتخلّف! " أزال أصلان ناظريه عن القط الهائج نحو ملكة الجليد التي هزّت رأسها بالإيجاب قبل أن يسأل إن كانت فعلت ذلك أم لا.

رائع.. إنتقلا بالفعل لمنطقة شجارات الإخوة التافهة والعقيمة.

تنهد مدلكاً صدغيه بملامح مشدودة. أولاً الاتصال في المطبخ بأن عليه العودة للعمل خلال يومين بأقل تقدير وهو حتى لم يعد لمنزله بعد أو يعرّف التوأم على يجب عليهم معرفته عنه وعن عائلتهم والأن عليه فضّ صراع أطفال سخيف سببه شتم بعضهم للآخر .. في أيام صباه كان يتم التدخل من قبل الأهل بهكذا أمور يُستوجب بعد أن يَشُجَّ الصبي رأس الصبي الذي شتمه وبالنسبة للفتيات يتدخل الأهل بعد أن ينتفن شعر بعضهن البعض وبالطبع هو لا يريد أن يحل أولاده مشاكلهم بالعنف خصوصاً مع إصابة فارس التي تزعجه بشدة فلرو الأفضلية عليه أأ..؟

وهنا أدرك أصلان أنه غاص في ذكريات طفولته 'البربرية' كثيراً وبدأ يحلل نقاط القوة والضعف لدى كلا الطرفين كما كان يفعل في صغره عند خوضه لمشاجرة في الشارع.. لم يولد في هذه الدنيا عاقلاً رزيناً بطبعه فقد كان مثل أي صبي يتملّكه الغضب عند قيام أحد بإهانته ولكن خصلته الوحيدة الجيدة آن ذاك أنه كان يستخدم قبضتيه فقط للرد دون تقاذف الكلام المسيئ مع الطرف الآخر حتى جعله يندم ويعتذر عما بدر منه... هذا بغض النظر عن دموية أصلان في جعل الطرف المُخطئ يسارع بالندم والإعتذار.

مقارنة بأحدهم فليس لديه سجل في أيام مراهقته وطفولته محفوف بحالات كسر عظام و إسقاط أسنان أكثر مما أسقط هو من أسنانه الخاصة.

" حسناً أنظرا أنا لا أقبل قلّة التهذيب أو الشتائم لذا في كل مرة يقول أحد منكما كلمة سيئة سيعاقب " قال ببتسامة مخيفة ليتأكد من عدم تكرار هذا المشهد في المستقبل.. تخويف خفيف لا يعقّد الموضوع أو نفسيّاتهم.

إقشعرّ بدن فارس ونبس بقلق مخطوف اللون " عـ عقاب؟ " هذا كان واقعياً منه.

لاحظ أصلان جزع الصبي فاستدرك بسرعة قائلاً " بالليمون! .. قصدت أن من يقول كلمة سيئة سيعاقب بأكل شريحة ليمون! " قال رافعاً سبابته في الهواء وهو يبتسم برتباك فاختفت معالم الفزع عن فارس وحل على وجهه تعبير مستهجن أكثر من مستنكر ' تُسمي هذا عقاباً أهذا أفضل ما فكرت فيه؟ ' بدا أن هذا ما يقوله تعبيره لوالده الذي سعل خلف قبضته مشيحاً بنظره جانباً.. عليه توخي الحذر فانتقاء كلماته أمام فارس من الآن فصاعداً.

سقط نظره على رو المخطئة فتكتف قائلاً بحزم استذكاري " هيا يا أميرة إعتذري لأخيك عن ما قلته "

رفعت رو حاجبها له" أميرة؟ "

" آه نسيت إخبارك أن اسمك الحقيقي هو أميرة عذراً احم.. إعتذري لأخيك بسرعة هيا" قال بحرج من نسيانه ذكر شيء مهم كهذا ثم عاد لوضع الأب الصارم رغم أنه رغب بصفع نفسه على غياب ذكر مثل هذا الأمر المهم عن ذهنه.

" لم تكن شتيمة هو متخلّف بالفعل " صرّحت بنظرة بدت مثل ' يا حمقى ' وقد قصدت متخلّف بمعنى غير مواكب لعصره لكن للأسف لم يفهما ذلك وظنّ فارس أنها تصر على إهانته ما جعله يستشيط.

" أرأيت! هي تصرُّ على شتمي! " صاح فارس بغضب مشتعل جعله يحاوط مكان ضمادته بكفه متنفساً بأنفاس ساخنة وبتعابير ممتعضة بعض الشيء.. كل تلك العصبية الشديدة سَتَضُر به فكر أصلان بذلك وقبل أن يقترب منه لكي يحاول سمعا أميرة تقول " أعتذر عن وصفك بالمتخلّف "

حسناً كان ذلك صادماً لكلا من فارس وأصلان لم يبدوا على أميرة أنها من النوع الذي يتنازل لأي سبب 'كيف لإعتذار صادق أن يقال بتلك النظرة؟ ' فكر الاثنان وهما يحدقان بضجرها بأعين ضيقة مرتابة ومستغربة.

والواقع هو أنها إعتذرت لإخماد غضب فارس كي لا يفتح جرحه - أياً كان نوعه - بعصبيته الإنفعالية المفرطة.

😺

🍕

يجلسون على الوسائد حول طاولة منخفضة تربع فوقها طبق كبير من بيتزا الجبن والدجاج مع علبة عصير برتقال وبعض الأكواب البلاستيكية.. وجبة ملكية بحق.

تناول فارس قطعة بيتزا بالجبن بسعادة مستمتعاً بمذاق الجبنة وكيف أنها تتمدد في كل قضمة يأخذها متناسياً غضبه سابقاً وكأنه لم يكن. ناظر أصلان فتاهُ وهو يأكل بنظرة حانية حامداً ربه أنه وصل إلى هذه اللحظة أخيراً بعد عناء طويل وعلى هذه الوجبة التي أعادت له شعوراً فقده منذ زمن بعيد.. السكينة.

" واو أهذا وشم؟ " سأل فارس وقد كان أصلان سارحاً في أفكاره الداخلية ليخرج منها بسماعه لما فاه به الصبي وعند رؤية للجهة حيث ينظر فارس بصدمة فهو يقصد.. أميرة؟

إلتفت رأس أصلان ناحية اليمين - وقد كان يتوسط التوأمين على رأس الطاولة المربعة - حيث تجلس أميرة ليجدها منزلة لكمامتها وتمضغ قضمه من قطعة البيتزا التي تحملها بكلا كفيها ولوهلة ظن أنها لطّخت وجهها بالكاتشب وفي اللحظة التالية أدرك أن هناك علامة حرق تكتسح وجنتها اليمنى.. كانت تبدوا كجناح تنين أحمر يمتد منها فرع علوي يصل حتى الجلد الرقيق أسفل عينها و من شكلها المميز لابد أن فارس ظنها وشماً في البداية خصوصاً وغرته تضيّق عليه مجال رؤيته.

أو كانت حركة دنيئة ملعوبة من خلف قناع البراءة الطفولية.

أنزل أصلان كوب عصيره البلاستيكي على الطاولة ببطئ دون أن يشعر وهو يطالع أميرة وقد إجتاحته الصدمة كلياً وكان هذا جلياً عليه وبتدريج سريع الوتيرة اكتسح صفحة وجهه تجهم وغضب كبير على ما أصاب ابنته ليقول بحدة نسبياً وهو يمد يده نحوها "ما الذي حدث لك؟ " غير أن أميرة أعادت رأسها للخلف مانعة يده من أن تطالها مستمرة بأكل البيتزا بكلتا يديها كما سنجاب كسول.

ناظرها أصلان بعدم فهم غاضب لفعلتها لتقول له بعد أن فرغت مما كانت تمضغة وابتلعته ما في جوفها " ندبة قديمة " ثم ببساطة لعقت أثر الجبن على أصابعها وكأنها أعطته تفسيراً وافياً يبرء ذمتها أمامه.

أخرج أصلان صوتاً ساخراً حيث برزت أوردة عنقه نابضة بقوة وكأنها تكاد تخرج من الجلد كما احتقن هو بذاته وبات على شفير الإنفجار غيظاً..أحقاً هذه ندبة وفوقها قديمة؟!.. يا سلام على ذكائها لولاها لبقي يحسبها طبعة غلاف قالب علكة.

يستحق الضرب بالنعال على رأسه لظنه أنها كانت تعاني رهاباً من الجراثيم حتى الأن!

" أنا مدرك لكونها ندبة.. أسألك عن كيف باتت على وجهك؟ " قال محاولاً إلتزام الهدوء الظاهري والسيطرة على غضبه كي لا يخيفها هي وفارس الذي بدأ يساوره التوتر من ثقل الهواء وتغير الأجواء.

" قطعة من الحديد تعرضت للحرارة لتكتسبها بدرجة تقدّر لتصل لأكثر من 45° لخمس ثواني على الأقل وعند تلامسها مع الجلد بدأ الشعر الزغبي في الإحتراق أولاً ومن ثم تآكل الجلـ " قاطعها صوت ضرب أصلان لسطح الطاولة أسفل بقبضته برأس مخفظ قليلاً فكانت ملامحه غير واضحة لكن قبضته المنزلة على خشب الطاولة والمُعتصرة في إنقباض قاس يكاد يمزقها تُنذر بقوة عن إنحسار منسوب تمالكه لأعصابه على نحو يلزم بأخذ الحيطة وعدم نغز شرخ السد كي لا ينفجر.

اهتزت كل أكواب العصير على الطاولة إثر إرتطام قبضته المثقلة بالغضب بسطحها لكن دون أن تنسكب أي منها إبان أن جفل بدن فارس معها بفزع لكنه ظل في مكانه جالساً بطاعة والخوف يعتريه نادماً على تنبيه الأكبر لتشويه وجهها. لو علم أن الأمور ستؤول لهذا المآل لما أشار نحو عيبها بل كان ليرمي قطعة بيتزا على وجهها لتغطيته فلا يكتشف بالطريقة العمليّة كيف أن هذا الرجل يمكنه أن يصير مرعباً حينما يغضب.

لا يفترض بالأمور أن تسير هكذا.

إختلج محيا غرابي الشعر بالتوتر فالتردد فإقدام مهزوز تلاه جرأة لحظية رفع معها يديه في الهواء ليحاول تهدأة والده بطريقة لا يعرف لها أسلوباً فلم يجهز سيناريو لهذا المشهد ومع إنبعاث حرارة فوق المحسوسة من الأكبر تراجع فارس عما ينوي خاشياً من تحوّل تلك النظرة القاسية إليه أو لمس إبريق الشاي المغلي بيده العارية.

حول رأسه صوب تلك القصيرة التي لم يطرأ عليها أي خوف أو إدراك لخطورة الموقف الذي هم به وشغل عقلها كوب عصيرها الذي يرقص الباليه أمامها إلى أن توقف عن الدوران حول نفسه لترفع عينيها بعدها لأصلان رافعة حاجبها لملامحه العصبية وقطعه لشرحها عن كيفية حرق المعدن للجلد بهذه الطريقة دوناً عن كل أساليب المقاطعة التي يقتضي أبسطها في إشارة يد وليس رطم قبضة إعتراض.

' مهلاً هل هي حقاً لا تعلم مقصده من انفعاله؟ .. الرجل على بُعد شعرة من قتلها وقتل نفسه بجلطة وهي تنظر له بغباء! ' فكر فارس مقرراً جعل موقف والده الصارخ أكثر وضوحاً لتلك العمياء الصماء وباذن الله عاجلاً بكماء.

" هو لا يقصد الطريقة الحرفية بل من فعلها " همس لها مغطياً جانب فمه بحذر كطالب يخشى أن يسمعه المعلم وهو يسرب إجابات الامتحان لبقية زملائه.

ارتفع حاجبا أميرة في إشارة على الإستعاب ما جعل فارس يمطرها بالتصفيق المنهار داخله ' أخيراً فهمت ' شعر وكأنه حقق أعظم إنجازات حياته ولا تسعه الفرحة للتعبير لكنه صُعق عندما قالت قاصدة والده " لن أخبرك هذا أمر يخصني أنا فقط " فرماها بحضيرة أبقار في مخيلته.

إعتصر أصلان قبضته المقبوضة على الطاولة أكثر مثيراً بذلك الرعب في قلب فارس.. والده غاضب.. غاضب بشدة وآخر ما يريده هو التواجد مع شخص بالغ على وشك الإنفجار بنفس الغرفة.

غريزة البقاء المذعورة لديه كانت تصرخ في عقله بأن عليه الهرب قبل أن يطوله أذى ولكن إلى أين يهرب؟ هذه غرفة مغلقة وليس شارعاً متعدد الأزقة ليختبئ خلف كومة نفايات صناعية فما أهون خياراته غير المتاحة نسبياً؟.. القفز من النافذة أم حشر نفسه داخل علبة البرتقال والإختفاء عن مرمى النار؟

" لقد خرج "

"مـ..... ماذا؟" نبس فارس بتشوش لما فاهت به أميرة وقد كان يتصبب عرقاً وتنفسه متلاحق وغير منتظم مجروفاً مع نوبة هلعه الداخلية دون أن يعي أن خروج والده بصمت معلناً تعليق هذا الموضوع حتى إشعار آخر قد حصل قبل دقيقة انقضت.

غُمر في تلك الحالة الغريبة التي تفصله بها أفكاره العاصفة من كل الإتجاهات عن الواقع عندما يثير هلعه حدث أو شيء قد يؤدي إلى أذيته فينهمك في صراع عقله لإيجاد مهرب لنفسه مغيّباً عن كونه صار سجين عقله.

حدق فارس بتوأمته بتيه وبفكر مشوش لا يدري ما عليه فعله أو قوله فقد ظل يحدق بها وكأنه ينتظر منها التحرك أولاً ليستيقن أن المكان آمن ولا خطر في فعل أي شيء غافلاً عن أنهم كانوا يأكلون الطعام قبل دقائق وإن هذه وجبة عادية وليس هناك خطر يهدده من أي نوع.

الخوف أثر على إدراكه لمحيطه وكان كغريب ألقي وسط جمع من الناس فجأة فصار جامداً كالصنم لا يتحرك لعدم معرفته ما موقعه ودوره وسط كل ذلك الجمع منتظراً ما يلمّح له بذلك.

زفرت أميرة من أنفها بضجر من عدد المشاكل التي يعانيها هذا الطفل وبدل أن تفعل ما قد يفعله أي شخص طبيعي بإخباره بأنه لا بأس عليه ولا أنه لا داعي للخوف قامت بأخذ شريحة البيتزا التي كانت في طبقه وأنزلت كمامتها لتبدأ أكلها أمام ناظريه بكل صفاقة.. أخذ فارس يرمش لعدة ثواني بعدم استعاب وكأنه يتأكد من واقعية الصورة أمامه ناظراً تارة لها وتارة لطبقه الفارغ حتى استوعب أنه تم سرقه طعامه أمام ناظريه تواً ولم يحرك ساكناً.

في لمحةإحتدت ملامح وبرزت أنيابه من تكشيره صارخاً بها " أيتها السارقة هذا طعامي! "

" أعرف " قالت بكل بساطة بعد ابتلاعها لآخر لقمة من وجبتها المنهوبة ثم مسحت فمها بمنديل ورقي لتعيد وضع كمامتها مجدداً مردفة " كان أقرب لي"

حرفياً طبق البيتزا الأساسي يتوسط الطاولة وطبقه الخاص موضوع على الطرف المقابل لها وتقول أنه كان أقرب؟ .. إنها تستفزه عن عمد دون سبب وهو لن يسكت عن ذلك!

سحب فارس طبق البيتزا الكبير نحوه محاوطاً له بذراعيه بحمائية رامقاً لأميرة بنظرات عدائية ومن ثم أمسك قطعتي بيتزا بكلتا يديه وراح يأخذ قضمة من هذه وتلك يمنة ويسرة من كل واحدة ملطخاً وجهه بمزيج من الصلصة والجبنة ماضغاً ما بفمه مثل البعير بشكل يثير الإشمئزاز.

رمقته أميرة بوجه جامد أسفل الكمامة ونظرة باردة فارغة وهي تراه يبتسم لها باتساع عن عمد ليريها الطعام الممضوغ وهو ملتصق بأسنانه كعجينة رطبة من عدة مكونات طرية.

ختم فارس انتقامه على الصعيد الإشمئزازي بكأس من عصير البرتقال شربه دفعه واحدة مطلقاً تجشئاً قوياً في وجه أميرة التي .. إختفت؟

زالت ابتسامته الدنيئة عن وجهه عندما انتبه لإختفائها من أمامه ومع إلتفاته جهة اليمين حدسياً وجد أعين حمراء في وجهه دفعت يده التي يستند للأرض عليها تنزلق من جفلة التفاجئ ليسقط مضجعاً على جانبه الأيسر قُبيل إصطدام كتفه بحافة الطاولة ليطلق تأوهاً عالياً ويمسك كتفه بتألم شازراً بعينيه تلك الجالسة مثنية الساقين قربه فيصيح بها بنفاذ صبر " تباً ما مشكلتك معي يا غريبة الأطوار؟! "

" كيف أصبت؟ " سألت مشيرة لمعدته الملفوفة بضماد طبي ليخفض نظره إليها بدوره وتدريجاً ارتخت انقباضه جبينه مقترن الحاجبين بمزيج من الغيظ والإنزعاج لياخذ مكانها ابتسامة جانبية تنم عن الغرور.. حسناً إنها فرصة جيدة ليظهر فوارق الروعة النجمية بينهم.

" هاهاها" قهقهة بتكلف ناهضاً عن الأرض ولازال ممسكاً لكتفه ليقول جالساً مواجهاً لها بجانبه" أوه هذه؟ .. أظنها قصة شديدة على فتاة صغيرة مثلك قد أخبرك حينما تكبرين~ " كان رافعاً لأنفه عالياً بغرور غير منتبه لنظرة أميرة الضجرة التي لم تنقاد مع جو التشويق الهادف نحو سماع الرجاء واللإستجداء ليسرد قصته الخرافية.

" ماشي" ردت هليه وهي تهم بالنهوض ليمسك فارس معصمها ويقول بفحيح الأفعى " اجلسي واسمعــــي" مطيلاً مد العين بإجبار..أراد سماع بعض الترجّيات بأن يحكي قصة كفاحه العظيمة لكن حالت بساطة تفكير هذه القصيرة دون ذلك.

تسك تسك. حالها يُشفق عليها من قبل البكتيريا ربما أما هو؟ فليس متعاطفاً معها ولن يفعل.

جلست أميرة بنفس الوضعية مجدداً و شرع فارس يقص بنبرة هادءة وكأنه يسرد وثائقياً عن الطبيعة مربعاً ساقيه أمامه والطاولة على جانب كل منهما " كنت أجري بين الأزقة ملاحقاً من قبل ثلاثة مجرمين قذرين يسعون للنيل مني.. أركض بكل ما أوتيت من قوة مسابقاً الرياح في سرعتي..أثب فوق الأسوار وأعرقل الطريق عليهم بإسقاط ما مر علي من حاويات القمامة على الأرض ورائي.. ورغم كل النضال في النهاية تمت محاصرتي عند طريق مسدود من قبلهم ولم أكن لأسمح بأن يتم الإمساك بي دون قتال لذا.. ركلت قدم الأول ليسقط على الأرض وأقوم بركله على عنقه ليفقد الوعي فهجم علي الثاني يريد الانتقام لرفيقه لكني راوغته وسددت لكمه صاروخية لفكه مزيلاً بها صفي أسنانه المتسخة ومن ثم اندفعت نحو الثالث الذي كان يرتجف خوفاً من مدى سرعتي لأقوم بتسديد لكمة خادعة جعلته يغمض عينيه بخوف وما إن فتح عينيه مجدداً لعدم شعوره بالألم وجدني أقف خلفه ممسكاً عصا غليظه وهويت بها على رأسه! "

اندمج فارس مع سرد قصته بحماس وهو يحرك قبضتيه في الهواء بلكمات مضيفاً المزيد والمزيد من البهارات على تخبيصه مع تقدم الأحداث غير آبه بأعين أميرة الضجرة التي يعرف أنها لم تصدق أياً مما يهرطقه.

حقاً؟ كانوا ثلاثة مجرمين يتقدمون إليه بتتالي في كل مرة ينهي بها أحدهم؟ متأكد أنه كان يقاتلهم ولم يكن يلعب جولة شطرنج معهم؟

" ولكن! " قال فجأة بتشويق رافعاً يديه بانفعال وأكمل وهو يغطي وجهه بأسى وقهر معتصراً قبضته الأخرى فوق الطاولة بغضب" بعد إنهائي لقائد فرقة التعزيزات خاصتهم قام نائبه بطعني غدراً وأنا مدير ظهري لهم "

" إصابتك في معدتك إكذب بمصداقية على الأقل " نبست مدركة أن هذا الهراء برمته هو طريقته في تخطي ما جرى قبل قليل بالإنشغال في سد ثغرات أحداث عشوائية من قصة مرتجلة والخوض تالياً في لعب دور المظلوم المدافع عن شرفه بكل قوة بعدما أهانته بتكذيبها إياه وجرحت كبرياء الجِمال العظيم خاصته.

يستغل فرصة الدخول في مجادلة لإلهاء نفسه عن إسترجاع سبب أو الذكرى المحفزة لإنبثاق تلك الأحاسيس والمشاعر التي قبضت على قلبه وأنفاسه وأدخلته دوامة الذعر على أعتاب الإصابة بنوبة.

ملك الدراما يمثّل حتى على نفسه.

.

.

.

يسير في الرواق والكثير الأفكار تتضارب في رأسه كموج هائج معتصراً كلا قبضته منذ خروجه من الغرفة حتى أصابها التشنج ليرخيها أخيراً عند وصوله المصعد محرماً أصابعه في الهواء حتى يصل الدم المقطوع إليها.. استقله نازلاً للطابق الرابع متابعاً السير في رواق ذاك الطابق إلى أن استوقفه شخص يقول من خلفه بنبرة مرحة" محقق أصلان كيف حالـ أوغغغغ!!" لم ينهي المُتحدث كلامه للتفات أصلان إليه بوضعيه متمرسة مسدداً لكمة صاروخية - مخففة - لمعدته بترت كلمات المتحدث وجعلته يتراجع للخلف محتضناً معدته منحني الظهر وهو يتأوه.

هتف ذلك الشخص من بين شعوره بالألم وبنبرة معاتبة " هيه! .. لما فعلت ذلك؟! " وعبس بشدة لكن دون حمل ملامحه ضغينة أو كراهية بل شعور بالإستياء فقط.

"أتظن أنني سيمر علي ما فعلته هناك ولن ألحظ؟ " قال أصلان وأعينه تشع بالخطورة رافعاً قبضته في الهواء وكأنه يشحنها للضربة التالية..

" أنا بريئ! لكن ماذا فعلت أنا؟! " قال ذلك الشخص رافعاً ذراعيه بتهدأة بعد أن برأ نفسه قبل أن يعلم ما هي جريمته ولكنه ذعر من كم الغضب الذي يبديه أصلان ناحيته.. ليس وكأنه حطم سيرته مجدداً!

أم فعل؟.. لحظة ماذا تناول على الغداء اليوم بالمناسبة؟

محشي؟.. يمممم الآن بات يشتهيه بشدة~

جذب أصلان ذلك الشخص من ياقه قميصه الأبيض بعد أن تقدم ناحيته في لحظة سرحانة بالطعام وقال بحنق من بين أسنانه " أتحسبني لم أراك تُفرغ شحناتك في المصعد أيها الوغد؟ أخبرني ماذا كُنت سأفعل لو تعطل بنا وابنتي داخله هاه؟! " من حظه السيء تلقى ذلك الشخص غضب أصلان مضعفاً مما كان يكتنزه له بالفعل لتأديب هذا المتهور الأحمق.

" مهلاً مهلاً أطفئ من إشتعالك.. لم تكن شحنة كبيرة على كل حال ولم يحصل شيء فقط بعض التشويش في الأرقام والإضاءة صارت تغمز ليس وكأن المصعد سقط بنا حقاً " قال ذلك الشخص مبتسماً بغباء وفرح غير مبرر.. ربما لعدم سقوط بالمصعد بهم بالفعل وكان ذلك المبتسم الأخرق هو نفسه ذو النظارة الشمسية الذي دخل المصعد مع المرأة سابقاً..

برز وريد نابض من صدغ أصلان وإستشاط أكثر إثر ما تفوه به هذا الغبي فهوى عليه بصفعة على رأسه جعلت ذو النظارة المبتسم يمسك رأسه بتألم متخذاً فرصة ترك أصلان لياقة قميصه للتراجع عدة خطوات للوراء تاركاً مسافة قصيرة بينه وبين هذا الشرير الغاضب

" توقف عن تعنيفي أيها الرجل الظالم أو سأشكوك للرئيس! " صاح صاحب النظارة مهدداً باستياء قاطباً حاجبيه وهو يتحسس رأسه.

" إفعل وبالمرة سأشهد معك ضد نفسي كي لا يضيع حقك أيها المظلوم " قال أصلان ببتسامة مخيفة وهو يقترب من ذو النظارة الذي شحب لونه وهو يراه يطقطق أصابعه مستعداً لافتتاح جولة جادة من إعادة التأهيل لهذا المعتوه المستهتر.

ذو النظارة كان في موقف لا يحسد عليه.. ألقى بنفسه في طريق أكثر إنسان يبرع هو شخصياً في إثارة أعصابه في الوقت الذي تكون فيه أعصابه قد سخّنت في الفرن بالفعل.

" أوه هل فعل صاعق البعوض شيئاً أحمق مجدداً ليغضب حضرة المحقق أصلان هكذا؟ " قالت سيدة متوشحة بالأسود جاءت مقتربة من مكان وقوفهم وهي تبتسم بشكل ساخر على مظهر ذو النظارة الشمسية وهو يحاول الفكاك من أصلان الذي قبض على قميصه ثانية.

ما إن فاهت السيدة بذلك انكمشت ملامح ذو النظارة الشمسية بنفور وإنزعاج وخاطبها بعد أن جعل أصلان يتركه بطلبه مستقطعاً نابساً " انتظر لحظة " ثم وجه الكلام لمن تقف معقودة الذراعين وهي مسندة الجانب لجدار الرواق خلفهم " ما سبب حضورك أيتها الشمطاء السوداء هاه؟! أتريدين نشر النحس بسوادك! "

" يالك من مضحك ، أتعرف؟ ربما عليهم وضعك تحت أضواء الشهرة لترفّه عن الناس في السيرك مع المهرجين حيث تنتمي" قالت السيدة السوداء مقهقه باصطناع واضح السخرية.

انقبض جبين ذو النظارة الشمسية وهتف بصوت عالي معترض" لا أريد!.. أنا أخاف المهرجين ووجهك أقل إخافة منهم بقليل لذا سأبقى في العمل!"

قطبت السيدة السوداء حاجبيها بغيظ " أتريد الموت اليوم أيها المختل عقلياً؟ "

رد ذو النظارة الشمسية وهو يشير لها بحماس وكأنه حصل على الفرصة لإدلاء باتهام كان يبطنه طويلاً " دليل! إنه دليل!.. تريدين قتلي بالنظر لوجهك كما فعلتي لهاتفك!!.. عرفت ذلك! أنتي ساحرة!"

إحمر وجه السيدة السوداء بغضب من تهريجه فأشارت لذو النظارة الشمسية تشكوه لأصلان " أرأيت كيف يغيظني ويضايقني بكلامه التافه؟.. أقسم لو لم تكن المهمة متعلقة بأصلان لما قبلت بالذهاب بها مع ذي رأس بطارية معطوبة مثلك! " قالت آخر جملة لصاحب النظارة الشمسية

" على الأقل لست شمطوطاً مثلك! " قال صاحب النظارة الشمسية بغضب منفعل لتقول السيدة السوداء بتهكم " صحيح فأنت لست شمطوطاً بل معتوهاً "

لرؤيته لهذه المجادلة تصبح أكثر تفاهة وبالتالي ستستمر أكثر بعد قرر أصلان أخيراً التدخل رغم عدم اكتراثه لمناقرتهما في العادة لكنه جاء لمعرفة أمر لا يحتمل التأجيل ولا يريد تضييع الوقت" لنأخذ فاصلاً عن شجاركما فهناك ما هو أهم " قال بملل ليحصل على انتباه الاثنين. نظر ناحية السيدة السوداء وسأل بجدية " ليلى كيف هي ابنتي؟ "

تنهدت ليلى مزيلة غمامة الغضب عنها وقالت وهي تحدق بالأسفل معقودة الذراعين وكأنها تنتقي كيف ستوصل له الخبر" كما أخبرتك سابقاً لم أستشعر من الفتى شيئاً خارجاً عن المألوف أما بالنسبة للفتاة.. "

رفعت رأسها لترى ملامح أصلان المتماسكة غير مبدٍ لأي من مشاعره الداخلية المضطربة فأكملت ليلى بنظرات متأسفة " أعتذر أصلان.. لديها واحد تم إيقاضه بالفعل "

ساد صمت ثقيل لعدة ثواني حتى شهق ذو النظارات الشمسية بعد استيعابه للمقصد بشكل متأخر فأطلق شهقة عميقة واضعاً يديه على جانبي رأسه بتفاجئ مهول ثم بشكل غريب السرعة تحولت ملامحه للهدوء وربت على كتف أصلان بمواساة قائلاً "لا بأس فأنت لست أحمق كما الأخرون " قال مستمراً بالتربيت على كتفه ولم يحصل على أي تفاعل من أصلان أو توبيخ من ليلى على كلامه فهما معتادان على أسلوب كلامه المبعثر وغريب المعاني.. فقط لمن لا يألفه.

حدقت ليلى بأسف شديد بأصلان الذي قضى ما يربو لدقيقة تقريباً واقفاً في مكانه بصمت محدق حتى ودّع زميليه بكلمات مقتبضة واستدار راجعاً من حيث أتى عن طريق الدرج هذه المرة وما إن وصل للدرج اتجه ناحية درج الصعود وجلس بثقل على الدرجة الأولى ممسكاً حديد الدرابزين بضعف.

إحتاج للتمسك ولو بوهن بشيء ما وكأن فاجعة حلت عليه وجعلت من عظامه إسفنجية لا تقوى على حمله أكثر بعد " لا تَضْعُفْ .. وصلت لهذا الحد .. تحمّل .. أيها الأحمق؟ " أخذ يتمتم بتقطّع مرتعش البدن وكأنه دلواً من الثلج سكب عليه.

حاوط ساقيه بذراعيه ممسكاً معصم يده اليمنى كقفل يمنعه من التبعثر

وراح يأمر نفسه بصوت متحشرج بالغصة ناكساً رأسه صوب الأرض كمهزوم يعض بنواذجه على عزيمته متمسكاً بها رغم كل شيء " تحمّل.. عليك التحمّل.. فل تتحمّل "

🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉🍉

بابا صوصو يخفي شيئاً ما🔍🥸

2026/02/13 · 1 مشاهدة · 5475 كلمة
كاجو
نادي الروايات - 2026