كانت تسير مترددة باتجاه تلك الغرفة،تقدمت خطوة لتتراجع خطوات بعد ذلك وقلبها ينبض بقوة...لكنها في النهاية استجمت شجاعتها لتسحب نفساً عميقاً وتمضي إلى هناك ،حيث يجلس والداها كالعادة.

وقفت على أطراف أصابعها حتى تمكنت أخيراً من أن تمسك مقبض الباب بيديها الصغيرتين لتفتح ذلك الباب الخشبي المطلي باللون الأبيض ببطء..

دلفت إلى داخل الغرفة تجر خطاها والقلق بادِ على قسمات وجهها الصغير...تمسكت بطرف فستانها الأزرق وأغلقت عينيها بقوة كما لو كانت تحاول أن تبعث القليل من الشجاعة إلى نفسها المضطربة.  وبعد ثوان من الوقوف فتحت عينيها مرة أخرى لتنظر إليهما بتوتر.

كانا جالسين على تلك الأرائك الفاخرة على الطراز الفيكتوري، بطلائها الأبيض وزخارفها الذهبية التي زادتها جمالا وفخامة.

كانت تعلم أن هذه هي المرة الأولى التي يبقى فيها والدها في المنزل لوقت طويل، فقد سمعت من الخدم أنه قد نجح نجاحاً باهراً في أحد مشروعاته لذلك قرر أن يرتاح في منزله لفترة لم تعلم إلى متى ستستمر.

فكرت أنها ستكون فرصتها الوحيدة للحديث معه أخيراً.

اليوم هو عيد ميلادها الثامن لذلك فكرت أن تطلب منه هدية، لم تكن تعرف أي شيء آخر تحدثه عنه، لكنها رغم هذا أرادت أن تلفت انتباهه إليها بأي طريقة...

كانت تقنع نفسها أنه كان مشغولا طوال السنوات الماضية لذلك لم يجد وقتاً للحديث معها، أرادت دائماً أن تصدق أنه لا يكرهها لذلك كانت تجد له الأعذار في كل مرة يقوم بتجاهلها، كما هو الحال مع والدتها التي تذهب إلى الحفلات وإلى الأسواق أغلب الوقت.


وقفت أمامه وقالت بتردد ممزوج بالخجل:أبي ...هل لي بطلب؟

نظر إليها للحظات، ثم نظر حوله ليرى تلك الخادمة البدينة الواقفة بهدوء خلفهما، تعلو وجهها تلك النظرة الباردة التي أربكته  كثيرا..

نظر إلى إلى تلك الصغيرة بضيق، ثم أخذ نفساً عميقاً ليكفهر وجهه فجأة ويخاطبها بحدة:ما الذي تفعلينه هنا؟!

تجاهلت الصغيرة نبرته تلك كما لو كانت تكذّب ما سمعته. لتقول وهي تنظر إلى الأرض وقد ضمت يديها إليها في توتر ملحوظ: امممم...اليوم هو عيد ميلادي لذا... ثم نظرت إلى عينيه محاولة التماس عطفه الأبوي من خلالهما:هل يمكنك أن تشتري لي هدية؟


اتسعت عيناه ونظر إليها بذهول للحظات محاولا استيعاب ما قالته، نظر إلى تلك الخادمة مجددا ليصر على أسنانه ويقول بنفاذ صبر:غادري من أمامي حالا ، لا أريد أن أرى وجهك!

كان كلامه قاسياً كما في كل مرة حاولت فيها التقرب إليه،لكنها اليوم لم ترد أن تستسلم...
لم تكن تستطيع أن تفهم سبب رفضه لها إلى هذا الحد، لكنها مع هذا أرادت أن تؤمن أنه لا يكرهها،أنه لن يدفعها بعيداً إذا ما حاولت بصدق!

لذلك تجرأت ووضعت كفها الصغير على يده التي أسندها على مسند الأريكة الخشبي وقالت برجاء: أرجوك أبي، دمية واحدة فحسب! لن أطلب غيرها أبداً!!

لم يستطع تمالك نفسه أكثر، لم يتصور أبداً أنها ستتطلب منه ذلك يوماً! أراد أن يقول شيئاً، لكنه تراجع على الفور لحظة شعوره بتلك العيون التي تنظر إليه بحدة، فضغط على أسنانه بغضب، ثم أبعد يدها عنه بقوة ودفعها بعيداً عنه لتسقط على الأرض، ثم قال بعصبية واضطراب:اخرجِ من هذه الغرفة ولا تعودِ مجدداً أبداً،إذا ما رأيتك أمامي مرة أخرى فلا أحد يعلم ما سأفعله بك!

عندها قامت زوجته من مكانها ونهرته قائلة بعتاب: فريدريك! إن ديفيد هنا! ماذا لو سمع كلامك؟!


نظرت هي الأخرى لتلك الخادمة بقهر، ثم قبضت يدها وقالت بعصبية وهي تضغط عليها بقوة:ما هذا؟ لقد أمرت تلك اللعينة إيلي أن تبقيك في غرفتك وألا تغادريها أبداً! ماذا لو رآك ديفيد؟ سيكون ذلك سيئاً جداً!!

ثم أشارت إلى باب الغرفة وقالت بتهديد:اخرجِ حالا ولا تغادرِ غرفتك أبداً مهما حدث،هل هذا مفهوم؟!


نظرت إليها بخيبة، كان تقبل هذه الحقيقة صعباً جداً عليها...أن تدرك أخيراً أن والديها اللذان لطالما تطلعت إليهما بلهفة ،هما في الواقع يكرهانها كثيراً لسبب لا تعرفه أبداً.
قامت من مكانها وقد تجمعت الدموع في مقلتيها، أغلقت عينيها بقوة لألا تتسلل تلك الدموع الساخنة من عينيها أمامهما، ركضت إلى خارج الغرفة دون أن تغلق الباب وراءها لتطلق العنان لتلك الدموع التي أخذت تتساقط من محجريها بغزارة...

لم يكن بيدها شيء تفعله غير البكاء بألم. ظلت تركض في ذلك الممر الطويل دون توقف،ودون أن تعرف وجهتها حتى! فقد كان كل شيء أمامها يبدو ضبابياً...لكنها اصطدمت بأحدهم فجأة لتسقط أرضاً.. رفعت عينيها الباكيتين باتجاهه،إلى ذلك الشاب الأشقر الوسيم الواقف أمامها،نظر إليها مستغرباً بعينيه الزرقاوتين كزرقة السماء.


انحنى إليها ليسألها بقلق:هل أنت بخير؟
لم ترد عليه،ولم تعرف أصلا ما الذي تقوله له، بخير؟ بالتأكيد لا!


هذا ما فكرت به تلك الصغيرة وقتها لتقوم من مكانها وتركض باتجاه غرفتها في الطابق العلوي تاركةً ذلك الشاب وسط حيرته. حرك كتفيه بلامبالاة وقال بتفكير:لابد انها ابنة أحد الخدم. ثم سار متجها إلى تلك الغرفة في نهاية ذلك الممر الطويل وتساءل في نفسه:لكن، لماذا كانت تبكي هكذا؟ لقد بدت متألمة جداً!


دخل ذلك الشاب إلى الغرفة وأغلق ذلك الباب الذي كان مفتوحا عل مصراعيه خلفه ثم سار باتجاههما... كانا يبدوان متجهمين جدا وقد اعتلت وجه سيدة المنزل نظرة حزينة لم يعرف تفسيرها.

لاحظ تلك الخادمة الواقفة خلف كرسي والده، تعلو وجهها نظرة حادة لم يستطع تفسيرها، لكنه تجاهل وجودها ليسأل والديه بقلق:ما الذي حدث؟

نظرت إليه وقد تغيرت ملامح وجهها وقالت متظاهرة أن شيئاً لم يحدث:لا، لا شيء يا عزيزي! ليس عليك أن تقلق أبداً!

نظر إليها بارتياب لكنه سرعان ما تجاهل الأمر وجلس على الأريكة بهدوء ثم قال بلامبالاة:هل تسمحون للخدم بأن يحضروا أطفالهم معهم؟
استغربت السيدة من سؤاله،فجلست إلى جانبه وسألته باهتمام:ما الذي تقصده؟

أجابها بنفس تلك النبرة اللامبالية:لقد رأيت طفلة تركض في الممر قبل قليل...

ما إن قال هذا حتى قالت له بانفعال:لا تهتم لها! إنها ابنة أحد الخدم! ثم أضافت بتلعثم:آآآه، إحدى الخادمات اللوات يعملن لدينا كانت تبقي طفلتها في منزل والدتها،لكن والدتها مريضة لذلك طلبت مني أن اسمح لها بأن تترك طفلتها تعيش معها! ثم سكتت قليلا لتتابع كلامهما متظاهرة الغضب:سوف أقوم بتوبيخها،كيف تسمح لتلك الطفلة أن تركض داخل أروقة القصر!

وضع ذلك الشاب يده على كتفها وقال مبتسماً:لا بأس..لا داعي لهذا،تلك الطفلة لم تقم بأي شيء سيء لذلك لا داعي أن تعنفيها من أجل هذا!
نظرت إليه للحظات ثم عقدت يديها أمام صدرها وقالت على مضض:حسناً..بما أن عزيزي ديفيد قال هذا فسوف أسامحها!
ضحك ديفيد ثم طوق رقبتها بذراعه وقال: أجل... هذه هي أمي اللطيفة!


لم ترد على كلامه لكنها ألقت نظرة سريعة على زوجها الجالس قبالتها دون أن تقول شيئاً، كان قد قوس ظهره إلى الأسفل واضعاً مرفقيه على ركبتيه، ليسند ذقنه على ظاهر يديه اللتان شبكهما أمام وجهه في توتر،بدا متضايقاً جدا، ولم يستطع إخفاء نظرة الألم والقهر التي ارتسمت على وجهه في تلك اللحظة وهو يضغط على أسنانه بغيظ.  

تنهدت بضيق ثم قالت في نفسها بحزن:ارجو أن يمر الامر بسلام دون أن يلاحظ ديفيد أي شيء!



استلقت تلك الطفلة على سريرها وحشرت وجهها الصغير في وسادتها البيضاء، لتدخل في نوبة بكاء دون توقف.
دخلت تلك الخادمة إلى الغرفة لتسير باتجاهها وتجلس إلى جانبها على السرير،مسحت على شعرها بحنان وقالت وهي تنظر إليها بحزن:ما الأمر يا صغيرتي؟ لماذا تبكين هكذا؟
أجابتها وسط عبراتها ليخرج صوتها متقطعاً حزيناً: أخبريني إيلي...ما الذي فعلته ليكرهاني هكذا؟  كل ما أردته أن ينتبها لي فقط...أن أتحدث معها ولو لمرة! هل هناك خطأ في ان أطلب هدية من والدي؟ هل يستدعي ذلك أن يغضب مني هكذ؟

قالت إيلي محاولة التخفيف عنها:لا بأس ايمي حبيبتي،والدك لم يقصد ذلك..ثم أضافت بارتباك: امممم كما تعلمين،يبدو أن والدك قد خسر في مشروع ما لذلك مزاجه معكر بعض الشيء،إنه لا يكرهك أبداً..الأمر فقط...

قاطعتها ايمي التي جلست على السرير ونظرت إليها بألم:ذلك ليس صحيحاً إيلي! لقد سمعت الخدم يتحدثون عن نجاحه الباهر في هذا المشروع، لم أعد طفلة لا تفهم شيئاً، أنت دائماً تبررين أفعاله بقولك أنه يواجه مشاكلا في العمل...لقد سئمت هذا بالفعل! أريد أن أفهم لماذا يكرهانني هكذا؟ ماذا عن أمي؟ هل تواجه مشاكلا في العمل أيضاً؟! ثم بكت أكثر وصاحت بألم:لماذا؟! لماذا يحدث هذا لي؟ أجيبيني...إيلي!!

ضمتها إيلي إليها وقالت بألم:لا اعلم....لا اعلم! ثم بكت وقالت:لا أعرف ما الذي أقوله لك يا عزيزتي لكن اصبري،أرجوك ألا تفقدِ الأمل!
سألتها ايمي وسط دموعها:لكن الى متى ؟ متى سيتوقفون عن معاملتي هكذا؟!


أبعدتها إيلي عن حضنها قليلا ثم وضعت يديها على وجنتيها وقالت وهي تمسح دموعها بإبهاميها:ايمي صغيرتي لا تبكي ارجوك،لقد طلبت من ماريا أن تعد لك كعكة لعيد ميلادك وسنحتفل أنا وأنت وميلين وويندي وجيم...لا عليك سنقضي وقتا ممتعا،انسِ ما حدث وتعالي معنا لنستمتع بهذا اليوم ...هيا!

ايمي:إنني أحب الاحتفال معكم كثيراً لكن..أريد أيضاً  أن احتفل مع والداي، ألا يحق لي ذلك؟ سكتت ايلي ولم تعرف بماذا تجيب تساؤلها البريء، بينما غرقت ايمي في الدموع.


شعرت إيلي بالعجز تماماً، أرادت أن تخفف بعضاً من ألم تلك الطفلة التي لطالما عانت الكثير،أن تحضنها، وتخبرها ان كل شيء سيكون على ما يرام.
لكنها كانت تدرك جيداً أنه أياً كان ما ستقوله، فهي لن تغير أي شيء طالما أن والديها مستمران في معاملتها بتلك الطريقة.


لكن ايمي الصغيرة صرخت بحرقة فجأة: هذا يكفي! مللت من كل هذا، ما الفائدة من العيش هكذا إيلي؟ انا..انا..وقالت بنبرة حزينة: لم أعد أحتمل.. إيلي!

ثم سكنت فجأة في هدوء غريب أربك إيلي كثيرا، لتقوم من مكانها وتسير بضع خطوات باتجاه مكتبها الصغير
سحبت شيئا كانت قد ثبتته أسفل مكتبها بشريط لاصق ثم التفتت إلى إيلي وقد خبأت ذلك الشيء خلف ظهرها..

ارتسمت على محياها ابتسامة هادئة غريبة لتنطق أخيرت بصوت يائس أخرجته بالكاد:سامحيني..إيلي!

قالت هذا لتمسك ذلك السكين  الصغير وتوجهه نحو عنقها بعد أن أغلقت عينيها بقوة..

اتسعت عينا إيلي ما إن رأت ذلك السكين الحاد في يدها وقد فغرت فاها في ذهول، لكنها رغم هذا قامت من مكانها وركضت نحوها بسرعة لتصفع يدها بقوة ثم تلتقط أنفاسها المضطربة بصعوبة..


سقط السكين على الأرض ليصدر قعقعة عالية ما إن اصطدم بالأرضية الخشبية لتلك الغرفة. رفعت ايمي بصرها باتجاه إيلي لتنظر إليها بعتاب بعينيها الخضراوتين الغارقتين في الدموع وقالت بصراخ: لماذا؟ لماذا منعتني؟؟

أجابتها إيلي التي أخذت تبكي بقهر:لا استطيع أن أسمح لك بذلك! لقد ربيتك منذ صغرك ولا أستطيع التخلي عنك أبدا، بالنسبة لي أنت مثل ابنتي،أنت.... انت..بكت أكثر وقالت بتعب:أنت جزء مني ياعزيزتي، لا يمكنني السماح لنفسي أن أراك تموتين أمام عيني!!

تمسكت ايمي بملابسها وقالت بألم:أعلم! أنا أدرك جيداً مقدار محبتك لي يا إيلي! ثم رفعت بصرها إليها وقالت بيأس وهي تنظر إلى عينها مباشرة:وأنا ايضا أحبك لكن...
ثم تراجعت للخلف ببطء وهي تحرك في رأسها نافية لتقول بغصة:هذا لا يكفي!
 


سارت باتجاه باب الغرفة، ثم التفتت إلى إيلي الغارقة في دموعها وقالت بهدوء عكس ما في قلبها: سامحيني إيلي...لا يمكنني التراجع أبداً! ثم ابتسمت بقهر وقالت:على الأقل،ربما إذا ما مت الآن فسوف ينتبهان لي ولو قليلا!

قالت هذا وركضت بعيداً إلى خارج المنزل،ظلت إيلي تنظر إلى حيث كانت تقف ايمي بجانب الباب وعلى وجهها نظرة فارغة،للحظات لم تستوعب ما نطقت به تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تعني لها كل شيء.

لكنها بعد ثوان أو ربما دقائق، ركضت بسرعة في خطوات طويلة وهي تلاحق صغيرتها التي كان فقدانها هو أعظم ما تخشاه.

ظلت تصرخ بيأس:ايمي! ايمي! توقفِ أرجوك!



كان ديفيد جالساً على أحد الكراسي الحديدية البيضاء المحيطة بتلك الطاولة الدائرية التي ظللتها شجرة اللوز العملاقة في الباحة الامامية للقصر..

كان يقرأ كتابه في هدوء، بينما تداعب نسمات الهواء العليلة خصلات شعره الذهبي برفق. لكن قطع ذلك السكون صوت الباب الرئيسي للمنزل وهو يفتح على مصراعيه بقوة، لتنطلق تلك الطفلة الصغيرة راكضة في ذلك الممر الحجري الذي يمتد وصولا إلى البوابة الخارجية للقصر وقد غادرت البوابة الخارجية دون أن تنظر لأي شيء حولها.

ظل ينظر نحوها باستغراب وقد أدهشه كثيراً اندفاع تلك الطفلة إلى الخارج متجهة نحو الشارع الرئيسي، ورغم أنه شعر بالقلق عليها إلا أنه لم يكلف نفسه عناء ملاحقتها، فقد تربى منذ طفولته ألا يتدخل أبداً في الأمور التي تخص خدم منزله الكثيرين.

لكن بعد دقائق قليلة خرجت تلك الخادمة راكضة وهي تصرخ بأعلى صوتها:ايمي..ايمي توقفِ!

تعثرت أثناء نزولها من الدرج الحجري الذي كان يقود إلى الباب الرئيسي للقصر، فالتوت قدمها وسقطت أرضاً، ورغم ألمها قامت من مكانها مرة أخرى لتعرج في سيرها باتجاه البوابة الخارجية غير آبهة لأي شيء.


لم يستطع ذلك الشاب أن يتجاهل الأمر أكثر،سار باتجاهها وأوقفها بقوله:ما الأمر؟ ما الذي يحدث؟
أجابت إيلي بأنفاس متقطعة: ايمي....ايمي... لكنها سكتت ما إن رأت وجهه هو ينظر إليها بقلق، لتسأله بحذر:المعذرة سيدي، من تكون؟

أجاب ديفيد بنفاذ صبر:ذلك ليس مهماً الآن! ايمي التي كنتِ تصرخين باسمها..أهي تلك الطفلة التي خرجت قبل قليل؟

انتفضت إيلي ما إن سمعت كلامه وقالت برجاء: أجل!..أخبرني أرجوك إلى أين ذهبت تلك الطفلة؟ يجب أن أوقفها بسرعة ثم أضافت وهي ترتعش في ذعر:ايمي ستنتحر..ايمي..ايمي ستموت!!

تفاجأ  لسماع هذا كثيرا وقال مستنكراً:تنتحر؟! هل جنت؟

نظرت اليه إيلي بشك، ثم سألته بتردد بدا واضحا من نبرة صوتها:أيعقل أنك السيد الشاب ديفيد؟!

أجابها ديفيد محاولا تمالك اعصابه بصعوبة:أجل أنا ديفيد! قال هذا ثم سألها باصرار:هل أنت والدة تلك الطفلة؟ كيف يمكن لصغيرة في مثل عمرها ان تفكر بشيء مجنون كالانتحار؟!

نظرت إيلي إليه بصدمة...لكنها في تلك اللحظة تذكرت توصيات سيدتها الشديدة بألا تسمح لايمي أن تقابل السيد الشاب، فأدركت حينها أنه لا يعلم شيئاً عنها.
نظرت إليه متفحصة،كانت تستطيع الشعور بقلقه على هذه الصغيرة التي يعتقد قطعاً أنها ابنة أحد الخدم.


فكرت وقتها..ربما تكون هذه فرصتها، ربما يتغير شيء ما بإخباره مهما كان احتمال ذلك ضئيلا جداً!  قبضت يدها بقوة محاولة استجماع شجاعتها ونطقت بما تدرك جيداً أنه في الغالب سيسبب طردها من هذا المنزل:تلك الطفلة...إنها أختك الصغيرة ايمي!

بدا مصدوما تماما لسماع هذا، قال مكذباً كلامها:ما الذي تقولينه؟ كيف يمكن أن يكون ذلك معقولا حتى!

أمسكت إيلي معصمه بقوة ثم خاطبته بحدة وهي تنظر إلى عينيه باصرار:إنه ليس الوقت المناسب لتقف مذهولا هكذا! قد تموت اختك الوحيدة بينما نحن نتحدث الآن..علينا أن نسرع لايقافها!!

نظراتها الواثقة تلك أربكته كثيرا،لم يستطع أن يستوعب كلامها أبدا لكنه رغم هذا أدرك جيدا أنه لا وقت للتفكير آنذاك،حتى لو كان الأمر محض مزحة ثقيلة فحسب ،فهو لا يمكنه البقاء واقفا هكذا أبدا!



وقفت على الرصيف تنظر إلى السيارات المندفعة أمامها بعينين يائستين خاليتين من الحياة، شعرت أن كل شيء أمامها بدا ضبابياً.
تقدمت خطوة إلى الأسفل ووقفت على حافة الطريق لترى تلك السيارة مندفعة نحوها بسرعة..أطلق السائق صوت أبواق السيارة العالية لتصعد ايمي الرصيف بسرعة مرة أخرى وقد كان قلبها ينبض بقوة.
استطاعت سماع صوت صيحات ذلك السائق الذي ظل يشتمها بغضب بينما قاد سيارته مبتعداً عنها.


كانت ترتعش في ذعر...ترددت للحظات لكنها ما إن تذكرت والديها حتى أخذت نفساً عميقاً لتعقد العزم على ما قررته مرة أخرى، لم ترد أن تتردد مجدداً، كانت قد فقدت الأمل تماماً وقد ملأ السواد قلبها ليعميها عن التفكير بأي شيء آخر. الفكرة الوحيدة التي ظلت تتردد في داخلها هي الموت فحسب. أن تموت ليشعر والداها بفقدانها،أو على الأقل،هذا ما أرادت أن تؤمن به وقتها!

انتظرت لبعض الوقت حتى تراءت إليها شاحنة كبيرة كانت مسرعة نحوها،كانت كل جوارحها تهتف في تلك اللحظة (الآن)!

أغلقت عينيها بقوة لتقف أمام تلك الشاحنة بسرعة دون أن تنظر إلى أي شيء آخر،أرادت أن تنهي كل هذا الألم..أرادت تريح قلبها الصغير من كل هذا اليأس!

لكنها في تلك اللحظة أحست بيدين تدفعانها بعيداً لتسقط أرضاً في منتصف الطريق ويهبط فوقها ذلك الجسد الكبير الذي أحست بثقله في تلك اللحظة.


ثوان مرت كأنها ساعات،صوت انعطاف الشاحنة الذي أصدر صريراً عالياً،ثم صوت ارتطامها بعمود الإنارة على جانب الطريق...لتسمع أخيراً صوت سائق الشاحنة وهو يسير مترنحاً باتجاهها ويسأل بذعر:هل أنتما بخير؟!

أصوات كثيرة ظلت تسمعها من حولها حتى أشعرتها بالدوار فيتحرك ذلك الجسد من فوقها أخيراً. فتحت عينيها ببطء لتنظر إلى تلك العيون الزرقاء التي كانت تنظر نحوها بغضب لم تستطع فهمه.


كان يحيط رأسها بيديه اللتان أسندهما على الأرض محاصراً جسدها الممدود على أرضية الطريق، استطاعت أن تلاحظ تلك الخدوش والرضوض في ذراعيه لكنها لم تستطع قول أي شيء، فقد أخرسها صوته وهو يعنفها بعصبية قائلا:هل جننتِ؟ كدت تموتين!

رفعت جسدها بيديها وجلست قبالته على الأرض تنظر إليه بريبة،كان وجهه مألوفاً جداً بالنسبة لها، لكنها مع هذا لم تستطع معرفة من يكون. لم تكترث للناس الذين تجمعوا حولهما، لتصرخ في وجهه بغضب:لماذا؟ لماذا أوقفتني أيها الغريب؟!

أجاب ديفيد بنفاذ صبر:ماهذا الهراء الذي تقولينه؟! كدت تقتلين نفسك لو لم آتي لإنقاذك!


صاحت ايمي باستياء:  انا لم اطلب منك هذا! ثم أضافت والدموع تملأ عينيها: لقد كنت أريد أن أموت! لماذا منعتني؟ لماذا؟!!

أخذ ديفيد نفساً عميقاً قبل أن يجيبها متصنعاً الثقة في كلامه:إنني أخوك الاكبر،ولن اسمح لك أن تقدمي على فعل أحمق كهذا!
هتفت ايمي باندهاش:أنت ديفيد؟!
ارتبك كثيرا لما قالت هذا وأجابها بشك: أجل أنا هو..

ما إن سمعت هذا حتى خاطبته بكره قائلة:لا علاقة لك بما أفعله،كيف تأتي وتأمرني الان؟
  
استغرب ديفيد كثيرا ذلك الكره الشديد الذي أحسه في كلامها، لكن ما استغربه أكثر هو أنها لم تنكر ما قاله! أيعقل أن يكون ذلك صحيحاً؟ أيعقل أن تكون هذه الطفلة هي أخته فعلا؟؟

لما طال صمته، عضت ايمي شفتها السفلى بغيظ وركضت عائدة إلى المنزل والدموع تملأ عينيها.

أما هو فقد كان مصدوماً تماماً..قام من مكانه وسار باتجاه الرصيف غير آبه بثرثرة الناس من حوله ومن أسئلتهم الكثيرة فيما إذا كان بخير. رأى أمامه إيلي التي كانت واقفة هناك تنظر إليه بعينين غارقتين في الدموع.

سألها بضياع:ما معنى هذا؟ تلك الطفلة لم تنكر أنني أخوها، أيمكن أن يكون ذلك صحيحا فعلا؟!

أجابته إيلي بتعب:أنني لم أكذب عليك يا سيدي، تلك الطفلة هي شقيقتك فعلا!!
عندها صاح بها قائلا:إذا لماذا؟ لماذا لم تخبرني أمي عنها؟!

نظرت إيلي حولها ثم قالت بعد أن تمالكت نفسها بصعوبة:سيدي..دعنا نعود إلى المنزل أولا وسأخبرك بكل شيء!

ضغط ديفيد على أسنانه بقوة محاولا تمالك نفسه، لكنه استجاب لطلبها وسار معها بصمت باتجاه القصر..



ما إن دخلا البوابة وسارا قليلا في ذلك الممر الحجري توقف ديفيد فجأة وسألها دون أن ينتظر أكثر من هذا:أخبريني الآن...ما معنى كل هذا؟!

لم ينتبه كلاهما إلى ايمي التي كانت مختبئة خلف إحدى الأشجار التي كانت تحف ذلك الممر الحجري، لما سمعت صوتهما كبتت شهقاتها بصعوبة وهدأت لتستمع إلى حديثهما، ذلك الحديث الذي لطالما كان لغزاً بالنسبة لها.

بدأت إيلي حديثها قائلة:أنت تعلم أن جدك لم يكن موافقاً على زواج والديك صحيح؟

أجاب ديفيد بارتياب:أجل

تابعت إيلي حديثها بقولها:لقد كانت والدتك من أسرة عادية لذلك كان جدك رافضاً لذلك الزواج، غير أن والدك أصر على الزواج منها ولم يكترث لأوامر والده، بالنسبة لجدك فقد كان والدك هو أقرب أبنائه إليه لذلك لم يستطع الوقوف في وجه سعادته، لكنه رغم هذا اشترط عليه شرطاً غريباً من أجل الموافقة على ذلك الزواج.

سألها ديفيد بشك:شرط غريب؟

إيلي:أجل،لقد كان شرطه أن يقوم والدك بتسليم الحمل الثاني لزوجته له بحيث يربيه الدوق هوريستون بنفسه. أنت تعلم أن للدوق هوريستون أبناء كثيرون لذلك فهو خائف جداً أن ينتهي أبناؤه بالقتال فيما بينهم على من يرث الدوق بعد موته، ومن أجل هذا فقد أراد أن يعين وريثاً له قبل أن يموت، وريثاً يربيه بنفسه بالطريقة التي يريدها.

وبالفعل حملت والدتك بك بعد سنة من زواجهما، ثم بعد عشر سنوات حملت السيدة مرة أخرى. ذلك الحمل كان عبارة عن توأمين،فتى وفتاة. فرح جدك كثيراً بحملها وقد جهز نفسه لاستقبال حفيده الذي قرر أن يجعله وريثاً له.

ثم سكتت قليلا لتضيف بأسف:لكن لسوء الحظ فقد ولد التوأم الذكر بجسد ضعيف جداً بينما كانت الفتاة طبيعية تماماً. ورغم هذا عاش الطفل في قصر الدوق وقد أعد له الدوق أفضل الرعاية الطبية أملاً في أن يعيش،بينما بقيت الطفلة هنا مع والديك. بسبب سوء حالته الصحية لم يقم الدوق بالإعلان عن ولادة ذلك الطفل حتى لا يستغل أعداؤه حقيقة ضعف الحالة الجسدية للطفل الذي تقرر أن يكون وريث عائلة هوريستون، وبطبيعة الحال فقد أبقى على حقيقة ولادة ايمي سراً أيضاً حتى لا يبحثوا في سجلات والدتك الطبية في المستشفى، ولا يعلموا بحقيقة ولادة التوأمين.
كان والديك يزوران الطفل أحياناً برفقة ايمي التي ظلت تتعلق به شيئاً فشيئاً بمرور الوقت.


سكتت للحظات ثم خفضت رأسها بحزن وقالت: لكن...عندما بلغ التوأمين سن الرابعة وقعت تلك المأساة! قدمت ايمي لزيارته كالعادة وقد كانا يلعبان معاً مثل كل مرة يلتقيان فيها لكن...
كانت ايمي صغيرة جداً ولم تكن تدرك أن جسد شقيقها كان ضعيفاً جداً لذلك فقد جعلته يرافقها إلى خارج القصر حتى يلعبا بالثلج معاً...كانا قد ابتعدا كثيراً في الغابة المحيطة بالقصر وقد اشتدت العاصفة الثلجية وقتها، لذلك استغرقوا وقتاً طويلا للعثور عليهما...ولما وجدوهما أخيراً كانا مريضين جداً وقد غطتهما الثلوج...أصيبت ايمي بالربو بعد تلك الحادثة أما توأمهما...
ثم ضغطت على أسنانها وقالت بألم:لم يتحمل جسده الضعيف المرض ومات بعد أيام قليلة! كان الدوق هوريستون متعلقاً جداً بذلك الطفل ولم يستطع تحمل حقيقة موته، جن جنونه وحمّل ايمي مسؤولية ما حدث رغم أنها كانت طفلة صغيرة لا تفقه شيئاً! وانتهى به الأمر ليأمر الجميع في عائلة هوريستون بمن فيهم والديك بأن يقوموا بنبذها وأن تُحرم من كل شيء كما حرمته من حفيده العزيز! أراد تعذيبها انتقاماً على ما فعلته!

ثم نظرت إليه وقالت بقهر:صحيح أن موت ذلك الصغير مؤلم جداً لكن... مهما كان ما حدث،هل تظن أنه من المنطقي أن تُعامل ايمي هكذا لأجل سبب كهذا؟!

بدا ديفيد مصدوماً تماماً...لكنه ضحك فجأة  وقال بهدوء غريب وهو يخلل أصابعه في خصلات شعره: إذا..فأنت تقولين أن تلك الطفلة هي أختي وان أمي أخفت أمرها عني طوال الوقت؟!

شعرت إيلي بالخوف نوعا من طريقة كلامه لكنها أجابته بتردد:أجل..
نظر إليها بحدة وقال:هذه القصة السخيفة التي قلتها لي للتو، أهي حقيقة حقا؟!

ازدردت إيلي ريقها لتجيبه بحذر خوفا من نظراته تلك:لا يوجد أي سبب يدفعني للكذب عليك سيدي!

وضع ديفيد يديه على رأسه وقال بضياع وهو يضغط عليه بقوة:ذلك لا يمكن أن يطون صحيحاً أبدا! كيف يمكن هذا؟ أعني...أعني...

ثم سكت فجأة وكأنما أدرك امراً، لينظر إلى إيلي بذهول ويسألها بخوف:أيمكن أن تكون محاولة تلك الطفلة لقتل نفسها هي بسبب أبي وأمي؟!

تنهدت إيلي وقالت بأسف:بلى سيدي..لقد عانت ايمي بسببهما طويلا منذ ذلك اليوم!


كان تصديق ذلك صعباً جداً بالنسبة له، سألها بألم محاولا تكذيب ما سمعه:أتقولين أن والديّ قد قبلا بشيء سخيف كهذا؟!

أجابت إيلي بحزن:أجل...إنهم جميعاً يحملونها مسؤولية ما حدث!

قال ديفيد مكذبا وهو ينظر إلى الفراغ:مستحيل! هذا غير ممكن! كيف يمكن لأبي وأمي أن يفعلا شيئاً فظيعاً كهذا!

خفض رأسه وقد ظل صامتاً لدقائق. لكنه قبض يديه فجأة، وعلى وجهه نظرة غاضبة لم يستطع إخفاءها أبداً..

قال بغيظ بينما يحاول تمالك نفسه بصعوبة:ذلك أسخف ما سمعته أذناي على الإطلاق! يجب أن أعيدهما إلى رشدهما، كيف يمكن لهما أن يفكرا بهذه الطريقة المثيرة للشفقة!!


فرحت إيلي كثيراً لسماع كلماته تلك، كان هذا ما كانت تنتظره دائماً طوال السنوات التي عرفت فيها تلك الطفلة المسكينة التي نبذها الجميع بسبب ذنب لم ترتكبه، وخطيئة ما كان يجب أن تحمّل طفلة مثلها وزرها أبداً.

دمعت عيناها وقالت في نفسها بسعادة:أخيراً ايمي.. أخيراً سيقف أحدهم إلى جانبك يا صغيرتي!



كانت جالسة على الأرض تنظر إلى الفراغ في ذهول.. لم تستطع أن تستمع إلى حديثهما بأكلمه فهي ما إن عرفت حقيقة الأمر حتى جثت على ركبتيها لتتسلل إلى عقلها تلك الذكرى المريعة التي دفنتها في أعماق ذاكرتها منذ وقت طويل جداً..

صورة ذلك الطفل الجالس دائماً على سريره الأبيض في كل مرة تراه فيها،لم تكن تعرف من يكون لكنها تذكر جيداً أنها كنت تحبه كثيراً،وتحب تلك الأوقات الطويلة التي كانت تقضيها برفقته. كانت تعلم جيداً أنه كان يحبها أيضاً،ولطالما انتظر لقاءها بفارغ الصبر.

كان يشبهها كثيراً لكنها لم تعلم من قبل أنه شقيقها، بل وتوأمها أيضاً..

كانت تحدثه عن الخارج كثيراً،الألعاب التي تلعبها.. المناظر التي تراها. كانت تصف له كل شيء حتى يشعر أنه يراه أمامه،كان دائماً يخبرها كم يتمنى الخروج ليلعب مثلها، وليرى تلك المناظر مثلها أيضاً.

لم تستطع أن تفهم آنذاك،لماذا على هذا الطفل أن يظل حبيساً هنا طوال الوقت؟ لماذا لا يمكنه الحركة بحرية مثلها؟

تذكرت ذلك اليوم،عندما حدثته عن رجل الثلج الذي صنعته برفقة صديقتها المقربة الخادمة إيلي! طالبها بإلحاح أن تريه له، بدا متحمساً جداً لرؤية الثلج الذي لم يره في حياته قط..،كانت هذه هي المرة الاولى التي يطلب منها شيئا،لذلك أرادت أن تلبي هذا الطلب الوحيد لصديقها العزيز..

تسللت برفقته إلى خارج القصر،ولكي لا يراهما أي أحد فيعيد الصغير إلى قفصه الذي تعلم جيداً كم يكرهه كثيراً،رافقته إلى أعماق الغابة لتريه الثلج الذي لطالما حدثته عنه أكثر من مرة.

تذكر جيداً كم كان سعيداً آنذاك،كانت هذه هي المرة الأولى  التي تراه فيها يبتسم بصدق هكذا منذ أن عرفته. لعبا كثيراً دون أن يشعرا بالوقت،ودون أن يحسا بتلك العاصفة التي أخذت تقترب منهما شيئاً فشيئاً.

ما تذكره بعد ذلك كان ضبابياً جداً...كانت قد فقدت الوعي تماماً،ولما فتحت عينها كانت مستلقية على فراش طبي في مكان أدركت الآن أنه المستشفى.

لم يكن أحد بجانبها سوى صديقتها الوحيدة إيلي التي كانت نائمة على ذلك الكرسي الجلدي في جانب الغرفة بتعب، تسللت إلى خارج الغرفة بحثاً عن صديقها الذي كان معها،سارت لوقت طويل في أروقة ذلك المكان الواسعة التي تفوح منها رائحة الكحول الطبية الكريهة.

توقفت فجأة لما رأت والديها واقفين أمام غرفة زجاجية كبيرة..اقتربت منهما وسألتهما بسعادة: أبي،أمي..أين آرثر؟

لم تستطع نسيان نظرة اللوم التي رأتها في عيني والدتها ذلك اليوم..نظرات والدها المتألمة،ثم بعد ذلك نظرة الذهول، والتي تلتها نظرات الكره والحقد في عيني ذلك العجوز الذي سار نحوها بتثاقل، ليصفع وجهها الصغير بكل ما أوتي من قوة، حتى شعرت أن عظام فكها كادت تُهشّم بين يديه.

تذكرت تلك الكلمات الفظيعة التي ظل يهتف بها بكره: كيف تجرئين على قتل ذلك الطفل؟!  كيف تجرئين على أخذه مني؟ ثم شد شعرها بقوة وقال هو ينظر إليها بحقد: كيف تجرئين على امتلاك هذا الوجه أيتها اللعينة؟

كانت صغيرة جداً لتستوعب تلك الكلمات...لكن الشيء الوحيد الذي أدركته وقتها هو أن آرثر قد مات!


كانت قد سألت إيلي ذات يوم عن ما يعنيه الموت فأخبرتها أنه يعني رحيل ذلك الشخص إلى الأبد، استوعب عقلها الصغير ذلك اليوم تلك الحقيقة الوحيدة..آرثر قد مات ولن تراه بعد الآن أبداً!


أدركت الآن أنها كانت السبب في موته...ولكن مع هذا،هل يبيح هذا قسوة والديها اتجاهها وتحميل صغيرة مثلها الذنب فيما حدث؟

يتبع...

                   ********
رأيكم في القصة والأحداث؟

توقعاتكم؟

وارجو ان تنال روايتي اعحابكم..يسعدني جداً دعمكم لي بآرائكم واقتراحاتكم وشكراً لكم ^^


شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus