أولا وقبل أن أبدأ في الفصل أحب أن أنوه إلى أمر مهم جداً لكل من قرأ الفصل الأول من الرواية..

لقد قمت بإجراء تعديلات كثيرة في الفصل الأول، كنت ارغب في إيصال فكرة معينة للقراء في الفصل الأول لكنني لاحظت أن الأغلبية لم يدركو الإشارات الخفية التي حاولت إرسالها في سلوك الشخصيات، مما جعل الأمر يلتبس على أغلب القراء حول ردود أفعال والديّ البطلة..،أردت جعل الأمر غامضا  لكن يبدو أنني بالغت في الغموض، إلى الحد الذي جعله مبهما وغير منطقي نوعاً ما..

بالتأكيد يرجع الخطأ لي، كوني لم أوضح طبيعة مشاعرهما بشكل يسهل للقراء استيعابه في الفصل الاول للرواية. لذلك اعتذر حقا على هذا الخطأ الغير مقصود واتمنى منكم حقاً أن تعيدو قراءته ولو في بدايته فقط لعل الفكرة تكون أوضح لكم، وحتى يسهل عليكم فهم الأحداث التي ستحصل لاحقا وشكراً لمن نبهني على ذلك..

أتمنى منكم رجاءا ألا تحكموا على القصة من بدايتها، أعلم أنها تبدو غريبة نوعاً ما، لكنني اؤكد لكم أن للرواية أبعاد كثيرة ستكتشفونها بمرور الأحداث، وستفهمون حينها الاسباب الحقيقية وراء سلوك كل شخصية فيها..

القصة ستركز كثيرا على الجانب النفسي، وسترون فيها الكثير من التعقيد في شخصياتها..

فكرتها مختلفة، وربما لم تمر عليكم من قبل. لكنني أتمنى منكم حقا أن تستمتعوا بها وتمنحوها بعضاً من وقتكم وتفكيركم حتى تفهموا خفاياها..

سأحاول الاعتماد وبشكل كبير على عامل الغموض والتشويق. لذلك قد تبدو الأمور مبهمة كثيرا في البداية لكنها ستضح شيئاً فشيئا بمرور الأحداث..

ولتعلموا أن القصة ليست كما تبدو عليه أبدا، فهي معقدة ومتشابكة أكثر مما تتصورون، وهناك الكثير من الجوانب والأحداث التي ستفاجئكم حتما بإذن الله..

لذا وكما يقال..لا تحكموا على الكتاب من عنوانه وارجو منكم أن تمنحو روايتي المتواضعة الفرصة لتخوضو في احداثها، وتعقيداتها وأتمنى حقا أن تنال إعجابكم، وان أتمكن من كتابتها بالصورة التي ترضي أذواقكم..لازلت مبتدئة في الكتابة، لكنني سأحاول وبأقصى ما أستطيع أن أجعل روايتي في أفضل صورة تعجب القراء بإذن الله..

أكثر ما أتمناه منكم هو أن تدعموني بتعليقاتكم واقتراحاتكم، وصدقوني..تعليقاتكم ونقدكم البناء هو ما دفعني لتطوير روايتي وتحسينها..لذلك ارجو منكم الاستمرار في ذلك حتى اطورها أكثر وأكثر

شكرا لكم  وارجو أن تكون روايتي عند حسن ظنكم..

                                               

                                                                                    ***********

ظل يسير بخطوات متثاقلة متجهاً نحو القصر، ليجد والدته واقفة أمام الباب الرئيسي وقد اعتلى القلق ملامح وجهها..

ما إن رأته حتى ركضت باتجاهه لتشهق بقوة وتقف أمامه مصدومة لما رأت تلك الجروح والرضوض في جسده..تمسكت بملابسه وهتفت بذعر:ما الأمر؟ ما الذي حدث لك؟ لماذا انت مصاب هكذا؟

نظر إليها بضياع، لم يستطع أن يصدق أبداً أن كل تلك القسوة قد تصدر من والدته العطوف..سألها بضياع:لماذا لم تخبريني؟

استغربت والدته سؤاله وقالت مشككة:عن ماذا تتحدث؟

رد بألم مكبوت:عن أنك أنجبت توأما بعد رحيلي لفرنسا!

بدت والدته مصدومة تماماً ما إن سمعت هذا، لكنها قالت بغيظ:من الذي أخبرك عن هذا الأمر؟!

نظر إليها مذهولا للحظات وقال مكذباً ما سمعه:أهذا فقط ما أنت قلقة بشأنه؟!

ثم ضغط على أسنانه بقوة محاولا تمالك نفسه وسألها مجدداً:لماذا لم تقولي لي بشأن التوأمين؟


نظرت حولها في توتر، لكنها تنهدت بضيق وخفضت رأسها لتخفي ملامح وجهها المضطربة، وأجابت بهدوء حاولت إبداءه بصعوبة: لأنني كنت خائفة أن تعود إلى البلاد إذا ما علمت أنني أنجبت مجدداً... إنني أعرف شخصيتك جيداً وأعلم أنك كنت مترددا بشأن الرحيل إلى هناك، لذلك أنا متأكدة من أنك كنت ستتخذ ولادة التوأمين عذراً للعودة، وهذا ما لم أكن لأسمح به أبداً!

ثم نظرت إليه بتردد وقالت بصوت مهزوز:لقد كان الجميع في أسرة هوريستون يتطلعون لصداقتك بوريث تشادولي..صداقتك به مهمة جداً بالنسبة لعائلة هوريستون خصوصاً جدك الذي كان يعلق آماله على ذلك...


نظر إليها ديفيد بذهول وقال بعصبية:كيف يمكن أن تقولي كلاماً كهذا؟! صداقتي بكارل لم تكن مبنية على المصالح أبداً! لا أصدق أنك أصريت على أن أرحل معه، وأرسلتني إلى هناك دون أن تسمحِ لي بالعودة أبداً لأجل سبب كهذا!


أجابته والدته بعتاب:توقف عن التحدث بطريقة عاطفية هكذا! هل تظن أن مكانك يسمح لك بالتحدث هكذا؟

ثم وضعت كفيها على وجنتيه وقالت بنبرة حنونة بينما تنظر إليه بحزن:عزيزي..أنت تعرف جيداً أن والدك هو أصغر أبناء الدوق هوريستون كما أنني من أسرة عادية وجدك يكرهني كثيراً، لذلك فإن مكانتنا في العائلة ضعيفة جداً
لم أكن متأكدة أبداً أن خطبتك بابنة الدوق آيشنبارت ستتم على ما يرام،لذلك فإن السبيل الأمثل لكي تضمن مستقبلك هي أن تكون مرتبطاً بذلك الفتى. أنت تعلم جيداً أن أسرة تشادولي هي أهم عائلات فرنسا وأغناها على الإطلاق..إنهم أقوى من أسرة هوريستون بكثير، والارتباط بسيد تلك الأسرة سيكون سبيلك الوحيد لتثبت نفسك أمام جدك كفرد مهم من أسرة هوريستون! ثم أضافت بهمس لم يسمعه:ربما بذلك يتركك وشأنك على الأقل!!


نظر إليها ديفيد باحباط...أبعد يديها عن وجهه وقال بألم وقد لمعت عيناه بتلك الدموع التي حاول حبسها بصعوبة:أمي...أرجوك...لا أريد أن أسمع هذا الكلام منك أبدا، لماذا لا تفهمين هذا؟ إنني لا اهتم بعائلة هوريستون أبداً،أرجوك ألا تصوّري علاقتي بكارل بهذه الطريقة! ثم نظر إليها بعتاب وقال بقهر:إذا..ماذا عن ايمي؟ لا أستطيع أن أصدق أبداً أنك ووالدي قد فعلتما شيئاً فظيعاً كهذا!

قاطعته والدته بحدة:ديفيد! تظاهر بأنك لم تسمع أي شيء عن تلك الطفلة،عليك أن تتجاهلها فقط إذا ما أردت الاستمرار كواحد من عائلة هوريستون!

أجابها ديفيد باستنكار:ما الذي تقولينه أمي؟ تلك الطفلة هي أختي! إنها ابنتك! كيف يمكن أن تقولِ كلاماً كهذا عنها؟!


عضت والدته على شفتها السفلى بغيظ وقالت بقهر:لا حل آخر أمامي أبداً! ثم نظرت إليه والدموع تملأ عينيها لتقول بألم:إنها الطريقة الوحيدة حتى أحافظ على هذا المنزل،أنت لا تعلم شيئاً ديفيد..

أخذت عيناها تدوران في اضطراب ملحوظ لتنطق أخيراً بصوت مهزوز دون أن تنظر إلى عينيه: حتى لو كان تحميل ايمي المسؤولية غير منطقي أبداً، فقد كانت الطريقة الوحيدة لينفس بها عن غضبه،أنت تعلم أنه كان غير موافق على زواجي من والدك منذ البداية، وقد كان آرثر هو الشرط الوحيد للقبول بذلك الزواج...هل تظن أنه كان سيتركنا وشأننا لو أننا لم نطعه بشأن ايمي؟!

ديفيد:أتعنين بذلك أنك ضحيت بابنتك من أجل تبقي ضمن عائلة هوريستون؟!

صرخت والدته بألم وسط دموعها:وما الحل إذا برأيك؟! ثم تمسكت بملابسه وقالت وهي تنظر إلى عينيه بألم:لقد فعلت هذا من أجلكما! أردت ان أؤمّن لكما مستقبلكما كفردين في عائلة هوريستون...يوما ما سيموت جدك، عندها ستكون أنت وايمي قادرين على العيش بسعادة دون أن تقلقا على أي شيء...
علينا طاعته الآن، ليس أمامنا خيار سوى هذا! حتى لو عانت ايمي الآن، أنا واثقة من أنها ستفهم أنني ووالدك فعلنا هذا من أجل سعادتها حينما تكبر..

نظر إليها ديفيد بضياع وقال بنبرة بدت أشبه بالسخرية:سعادتها؟ أتظنين حقاً أنها ستكون سعيدة إذا ما فعلتما هذا؟

ثم سكت قليلا وأضاف بألم:هل تعرفين لماذا أصبت بكل هذه الجروح؟ لقد كنت أحاول منع تلك الصغيرة من الانتحار! أتصدقين هذا؟ طفلة لم تتجاوز العاشرة من العمر ترمي نفسها أمام شاحنة في منتصف الطريق...أنت لا تسعدينها هكذا يا أمي..أنت تقتلين ابنتك فحسب!

نظرت إليه والدته بذهول وحركت رأسها نافية لتقول مكذبة:لا...مستحيل،ذلك غير ممكن أبداً! ثم جثت على ركبتيها وأخذت تهتف بضياع ويداها ترتعشان ذعراً:آآه يا إلهي... ايمي...ايمي صغيرتي...ذلك غير ممكن أبداً!!

جلس ديفيد أمامها ثم وضع يده على كتفها وقال بهدوء:لم يفت الأوان بعد،ما زال بوسعك إصلاح كل شيء..

نظرت إليه وسط دموعها لتقول بتشتت:أنت لا تعلم شيئاً،إن جدك يقوم بمراقبتنا، لن يترك الأمر يمر بسهولة إذا ما علم بهذا!

رد ديفيد بثقة:لن يكون جدي قادراً على فعل أي شيء!
ثم ابتسم وقال بهدوء:وعلى كل حال، أمي.... صدقيني،ليس مهما أبداً أن نكون أفراداً من عائلة هوريستون حتى نعيش بسعادة،يكفينا فقط أن نعيش معك أنت ووالدي كعائلة واحدة متحابة..ذلك فقط كل ما نحتاجه!
ضحك ضحكة خفيفة وقال ممازحاً:أعني حسناً... صحيح أنه شعور غريب جداً أن أعلم أن لي أختاً فجأة، لكنني سعيد بهذا حقاً!

ثم أمسك وجنتها بسبباته وإبهامه ليضيف بمرح: هيا...لا أريد لأمي الجميلة أن تبكي هكذا،الأمر واضح تماماً...ليس عليك أن تترددِ بعد الآن!


بدت خائفة جداً ومترددة، لكنها وبعد أن صمتت لدقائق،ابتسمت بقهر وقالت ساخرة من نفسها: ديفيد...سامحنا أرجوك، لو أنني ووالدك كنا أقوى من هذا لكنا قادرين على حمايتكما...إننا آسفان حقا!!

استغرب ديفيد من كلامها، لكنه وضع يده على كتفها وقال بهدوء: لا بأس أمي..لم يفت الأوان بعد، مزال بوسعك تصحيح الامور...

نظرت إليه بألم وعيناها غارقتان في الدموع، تلك النظرة العميقة التي رآها في تلك العينين الدامعتين أربكته كثيراً، رغم أنه لم يستطع تفسيرها أبدا..

ابتسمت والدته وسط دموعها وهمست بصوت شبه مسموع: أجل...لم يفت الاوان بعد!



ظلت جالسة على الأرض وقد أسندت نفسها على تلك الشجرة.. نظرت إلى السماء بعينين خاويتين وقد ظلت ساكنة هناك طويلا دون أن تعرف كم مضى من الوقت..
قطع ذلك الصمت الكئيب صوت نداء إيلي والخدم الآخرين..ايمي...ايمي...

لم ترد على ندائهم فقد خانها صوتها..كانت أنفاسها مضطربة وصدرها يكاد ينفجر من الألم.
شعرت أنها غير قادرة على التنفس في ذلك الوقت، ظلت هكذا حتى وقفت أمامها إيلي التي ما إن رأتها حتى صاحت بذعر:ايمي!!

كانت تبدو شاحبة جداً، وقد استطاعت سماع صوت الأزيز الصادر عن أنفاسها المضطربة مما أشعرها بالذعر..
جلست إلى جانبها بسرعة وأخذت تفك أزرار فستانها من الخلف لتبعد ياقته عن رقبتها ثم صاحت بالخادمة الواقفة بالقرب منها:لقد دخلت ايمي في نوبة! بسرعة...اذهبِ إلى غرفتها وأحضري البخاخ الخاص بها!

ركضت تلك الخادمة بعيداً بينما خاطبت إيلي ايمي بذعر:ايمي...ايمي فلتهدئ يا صغيرتي...خذِ نفساً عميقاً وتنفسِ ببطء...لا تخافي..إنني بجانبك!

أخذت ايمي تقول بأنفاس متقطعة وعيناها تفيضان من الدموع:إيلي..أنا لم أكن أعرف ذلك،لم أكن أعرف أن آرثر كان مريضاً، لو أنني لم آخذه معي وقتها،لو أنني لم أفعل ما طلبه مني... ثم أخذت تسعل بقوة وأنفاسها تعلو وتعلو...

كانت إيلي تنظر إليها بذهول،لم تتوقع أبداً أنها كانت تستمع لحديثها مع ديفيد..
كانت تشعر بالاضطراب والخوف بينما أخذ الخدم يتجمعون حولها ويركضون في هلع منهم من أحضر لها الماء ومنهم من كان يحاول تشجيعها في يأس...



شعرت باضطراب الخدم في القصر..رأت خادمة تركض بسرعة نحو الطابق العلوي فأوقفتها بسؤالها:ما الأمر؟ هل حدث شيء ما؟

بدا عليها الخوف والارتباك بينما عيناها تنظران نحو السلالم في قلق...نظرت السيدة نحو السلالم ثم سألتها بنفاذ صبر:أجيبيني! ما الذي حدث؟!

ترددت الخادمة كثيراً قبل أن تقول باضطراب:الآنسة ايمي..لقد دخلت في نوبة لذلك علي أن أحضر لها دواءها بسرعة!

ذهلت السيدة لسماع ذلك وقالت بانفعال:نوبة؟! عن ماذا تتحدثين؟ ما الذي حدث لايمي؟!!

بدت السيدة مذعورة تماماً...لم تتوقع الخادمة ردة فعلها تلك أبداً، لكن ديفيد الواقف بجوار والدته والذي أمسك يدها مهدئاً، سأل تلك الخادمة بسرعة:أخبريني...أين هي ايمي؟!

نظرت إليهما باستغراب لكنها أجابت بريبة:إنها في الساحة الأمامية للقصر!


ركض ديفيد مع والدته إلى هناك...رأيا بعض الخدم مجتمعين إلى جانب تلك الشجرة..
فأسرعا نحوهم حتى توقفا أمام ايمي التي كانت إيلي تحملها بين يديها...

بدت أشبه بجثة هامدة بوجهها الشاحب،وشفتيها المزرقّتين، وأنفاسها المضطربة التي بثت الرعب في قلب والدتها..

أسرعت إليها لتسحبها من يد إيلي وتصيح في ذعر: ايمي... ايمي..ما الذي حدث لها؟! أجيبي..ايمي!!!

نظر ديفيد إلى أحد الخدم وقال على عجل:بسرعة، أخبر براد بأن يعد السيارة حالا!

ثم حمل ايمي من بين يدي والدته وقال محاولا تهدئتها:اهدئي أمي...ستكون ايمي بخير، سآخذها إلى المستشفى حالا!

تمسكت والدته بذراعه وقالت برجاء وعيناها تدمعان: أرجوك أن تأخذني معك!

تنهد ديفيد بضيق وقال:حسناً...لا بأس ثم نظر إلى إيلي وقال آمراً:تعالِ معنا انت أيضاً.

أجابت إيلي بتردد وسط حيرتها من موقف السيدة: أجل،أمرك سيدي!



كانوا جالسين على مقاعد الانتظار والقلق بادِ على وجوههم...كسر ذلك الصمت سؤال ديفيد لإيلي قائلا:ما الذي حدث لها فجأة؟

نظرت السيدة إلى إيلي باهتمام بينما قالت هي بهدوء:لقد أخبرتك من قبل أنها أصيبت بالربو بعد تلك الحادثة...إنها تصاب بنوبات هكذا أحيانا عندما تكون متوترة أو خائفة...

ديفيد:إذا ما الذي حدث لها فجأة؟ لقد كانت تبدو بخير قبل قليل!

ترددت إيلي كثيراً قبل أن تقول:يبدو انها استمعت إلى حديثي معك في ذلك الوقت، لقد سببت تلك الحادثة صدمة كبيرة لايمي حتى أنها فقدت ذكرياتها عن كل ما حدث...
لم نرد ان نذكرها أبداً بموت شقيقها لذلك لم نخبرها بشيء...حتى رغم أنها كانت تتساءل دائماً عن سبب رفض والديها لها...لم نشأ أن نذكرها حتى لا تعود لها كل تلك الذكريات المريعة،لكن يبدو أنها الآن قد استعادت ذاكرتها مجددا!

تساءل ديفيد باستغراب:كيف ستتذكر ذلك؟ كانت صغيرة جداً وقتها لذا...

قاطعته إيلي وقالت بحزم:ايمي لا تنسى أبداً! من الصعب شرح الأمر، لكنني متأكدة أن ايمي تذكر كل شيء جيداً!

لم يرد ديفيد على كلامها فقد كان ينظر إلى والدته الغارقة في صدمتها بقلق،نطقت أخيراً بعد صمت طويل مخاطبة إيلي دون ان تنظر إليها:ايمي مصابة بالربو؟ لماذا لم يخبرني أحد بهذا؟!

تنهدت إيلي بضيق وقالت بتردد: ذلك لأنك لم تبدِ مهتمة لمعرفة شيء كهذا سيدتي!

دمعت عيناها ووضعت رأسها على كتف ديفيد ثم قالت بصوت ضعيف أخرجته بالكاد: ديفيد...ايمي لن تموت صحيح؟ سأجن إن حدث هذا!

أمسك يدها بقوة وقال مشجعاً:بالتأكيد لن تموت.. ستكون بخير!

كانت إيلي تنظر إليهما في ذهول،لكنها لم تكن قادرة على قول أي شيء..


بعد دقائق قليلة خرجت الممرضة من الغرفة لتخاطبهم قائلة:الطبيب يطلبكم في مكتبه.

دخل الثلاثة على الفور إلى تلك الغرفة رغم أن الممرضة حاولت إقناعهم أن يدخل واحد منهم فقط لكن دون جدوى.


بدا ذلك الطبيب في الخمسينات من العمر بشعره الرمادي الكثيف وعينيه الزرقاوتين الغاويتين..نظر إليهم باستنكار من وراء تلك النظارات الطبية السميكة لكنه لم يقل أي شيء.

سألته السيدة في خوف:كيف هي ايمي؟

ابتسم الطبيب بمجاملة وقال مطمئناً:لا تقلقِ سيدتي.. إنها بخير...إنا نعتقد من خلال الأعراض التي أصيبت بها انها مصابة بالربو على الأرجح،سنجري لها بعض الفحوصات من أجل التأكد من هذا..لكنني سأسألك أولا،هل لديكم تاريخ طبي في العائلة في الإصابة بالربو؟ من الضروري أخذ العامل الوراثي في عين الاعتبار قبل إجراء أي فحوصات.

أجابت السيدة بتردد:أجل،لقد كانت والدتي مصابة بالربو أيضاً...

كتب الطبيب شيئاً في الورقة التي كانت أمامه بينما يتمم بصوت مسموع:حسنا..هناك احتمال كبير لوجود عامل وراثي..

عندها تدخلت إيلي بقولها:أيها الطبيب،لقد تم فحصها من قبل بالفعل لذلك لا حاجة لذلك، لقد اكتشفنا إصابتها بالربو منذ أن كانت في سن الرابعة!

سأل بهدوء:هل لديها سجل طبي؟

نظرت إيلي إلى سيدتها بارتباك ثم طأطأت رأسها وأجابت بتردد:كلا يا سيدي..

تعجب الطبيب من قولها وسأل مستغرباً:كيف ذلك؟ ألم تأخذوها للمستشفى من قبل؟!

عندها أجاب ديفيد على الفور محاولا تدارك الموقف: كلا أيها الطبيب،الأمر ليس هكذا! لقد قمنا بعلاجها في إحدى المستشفيات في فرنسا لذلك فإن سجلها الطبي ما يزال هناك،أريدك أن تقوم بفحصها مجدداً وفعل كل ما يلزم من أجل علاجها.

لم يبد الطبيب مقتنعاً بكلامه، لكنه قال على مضض وهو يهز رأسه بتفهم: حسناً،لقد فهمت...
ثم سكت قليلا وأضاف قائلا:إن حالتها مستقرة الآن لكنني أفضل ألا تدخلوا لرؤيتها حتى ننتهي من جميع الفحوصات اللازمة...


أومأ ديفيد رأسه إيجاباً، ثم ألقى نظرة سريعة على ذلك السرير الطبي البارز من وراء تلك الستارة الخضراء...كان متأكداً أن ايمي ترقد على ذلك السرير فقال في نفسه برجاء:أرجو أن تكونِ بخير،ايمي...

وقبل أن يغادر الثلاثة الغرفة، أقبلت إليهم الممرضة ثم مدت لهم ورقة مطوية وقالت:ارجو ان تأخذوا هذه معكم، لقد كانت المريضة تحتفظ بها في جيب فستانها..


أخذت السيدة تلك الورقة ونظرت إليها باستغراب... وما إن غادروا الغرفة واغلقوا الباب وراءهم، حتى قامت بفتحها على الفور لتتفاجأ كثيراً لما رأت تلك الصورة المرسومة بإتقان لذلك الرجل الاربعيني، بشعره الأسود ولحيته السوداء التي تخللها الشيب..

بدا مألوفاً جداً، دققت النظر في قسمات وجهه المرسومة بعناية لتبدو كما لو كانت صورة حقيقية، وهتفت بدهشة:أليس هذا هو جون البستاني؟!!


نظرت إيلي إلى تلك الصورة وقالت باستغراب:أجل هذا صحيح... ثم أضافت باستدراك: آه تذكرت! لقد قالت ايمي أنها ستهديه رسماً له في عيد ميلاده غداً، يبدو أنها انتهت من رسمها بسرعة!

ما إن قالت هذا حتى نظر نحوها كل من ديفيد ووالدته بذهول، لتهتف السيدة بصدمة:أنت تمزحين صحيح؟ من غير المعقول أن تكون ايمي قادرة على رسم صورة كهذه! أعني..إنها...

خفضت إيلي رأسها وقالت بهدوء:من الطبيعي جداً أن تكوني مصدومة من معرفة هذا، لكن هذه هي الحقيقة، إن ايمي من رسمت هذا...تلك الطفلة موهوبة جداً،لقد كانت ترسم منذ سنوات عديدة وفي كل مرة تزداد لوحاتها إتقاناً يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى هذا المستوى...

ثم أردفت بحزن:كانت ستكون سعيدة جداً إذا ما كان من اكتشف موهبتها هم والديها، لكن للأسف...أنتم لا تعرفون أي شيء عنها. إن ايمي ليست طفلة عادية أبداً،تمنيت أن تنظرِ نحوها لمرة واحد حتى تدركِ ما تحمله في داخلها!


بدت مصدومة تماماً، كانت تنظر إلى تلك الورقة وجسدها يرجف بقوة...وضع ديفيد يده على كتفها ليقول بعطف:لا بأس أمي...سيكون كل شي بخير..

أومأت والدته رأسها بالإيجاب لتضم تلك الورقة إلى صدرها بينما دمعت عيناها بقهر..


نظر ديفيد إلى إيلي وسألها باهتمام:منذ متى علمتم أن ايمي مصابة بالربو؟

إيلي:لقد أصيبت بأول نوبة بعد تلك الحادثة بقليل عندما كانت ما تزال في المستشفى، وقد شخصها الطبيب وقتها على أنها مصابة بالربو وقام بوصف بعض الأدوية لها.

ديفيد:إذا،فهذا يعني أن لديها سجل طبي بالفعل!

نظرت إيلي إلى سيدتها بوجل، لتقول هي على الفور بينما تحاول كبت دموعها بصعوبة: ليس لايمي أي سجلات طبية،بل إنها غير مسجلة في السجل المدني حتى...لقد منعنا جدك من الإعلان عن ولادة التوأمين إلى أن تتحسن صحة آرثر..
إن لديه معارف كثيرين لذلك يمكنه أن يتجنب المساءلة القانونية بشأن هذا الأمر بسهولة،ثم بعد موته لم يشأ أن يعترف بايمي أبداً وأنت تعرف الباقي... قالت هذا لتنهار باكية بعد ذلك.


في تلك اللحظة شعر ديفيد باهتزاز هاتفه في جيبه فأخذه ونظر إليه للحظات، ثم قال لوالدته بقلق: أمي..إنه أبي...

سكنت السيدة عن بكائها قليلا لتمد يدها وتقول بصوت ضعيف:اعطني الهاتف،سأرد عليه!

أجابته بصوت ضعيف:فريد...

سألها بقلق:ما الأمر آني؟ هل حدث شيء ما؟

أجهشت آني بالبكاء وقالت:فريد...أنا لا يمكنني أن أتحمل أكثر من هذا،لقد حدث أمر فظيع جداً!

رد فريدريك بانفعال:ما الأمر آني؟ ما الذي حدث؟!

تحدثت بصوت متقطع، وبصوت لم يكد يفهم منه شيئاً:إنها ايمي...ايمي مريضة جداً،الربو...وأيضاً محاولة الانتحار...وكذلك...
قاطعها قائلا بخوف:آني ما الأمر؟ لا يمكنني أن أفهم أي شيء وأنت تتحدثين هكذا!

سحب ديفيد الهاتف من يد والدته وقال موضحاً بهدوء:أبي...إننا في المستشفى الآن،سأرسل العنوان لمارتن حتى يصطحبك إلى هنا.

ذهل الأب لسماع ذلك وقال بانفعال:في المستشفى؟ ما الذي حدث؟ أخبرني!

أجاب ديفيد محاولا تهدئته:فلتهدأ أبي الأمر ليس خطيراً،ستعرف كل شيء عندما تصل.


بعد حوالي نصف ساعة وصل فريدريك لاهثاً إلى حيث كان يجلس كل من آني وديفيد على مقاعد الانتظار تلك، أما إيلي فقد امرها ديفيد بالعودة إلى المنزل مع السائق براد الذي كان في انتظارهم في الأسفل..

سأل فريدريك بذعر:ما الذي حدث؟

أشار ديفيد إلى أحد الكراسي بجانبه وقال بهدوء: فلتجلس أولا.

بدأ ديفيد حديثه قائلا:إن ايمي مصابة بالربو ويبدو أنها تعرضت لنوبة، لذلك قمنا بأخذها إلى المستشفى.

تفاجأ لسماع ذلك وقال بذهول:أنت تعرف...

قاطعه ديفيد بهدوء:أجل،لقد سمعت عن كل شيء..

ثم نظر إلى والده بعتاب وقال: أبي...هل تظن أن هذا معقول حقاً؟ كيف يمكن أن توافق على شيء كهذا؟!

سكت والده طويلا، قبل أن يقول بعد أن خفض رأسه في حزن:لا يمكنني فعل أي شيء! لقد عين والدي من يقوم بمراقبتنا في المنزل، لم استطع إخبار ايمي بالحقيقة فهي صغيرة جداً ولن تفهم أننا نفعل هذا لمصلحتها...
كان علينا التظاهر أننا نعاملها بقسوة حتى لا يلاحظ والدي شيئاً، وبهذا سيسمح لنا بإبقاء ايمي في المنزل دون أن يفعل لها شيئاً. إنني آسف حقاً ديفيد،لابد أن هذا قد أشعرك بالخيبة كثيراً...إنني ضعيف جداً ولم أستطع فعل أي شيء لإيقافه!

ثم نظر إليه برجاء وقال بألم:ديفيد،لم أكن أريدك أن تعرف بشأن هذا لكن صدقني...لقد كان هذا لأجلك أنت وايمي!


عندها قال ديفيد بتعب:أبي! هل تعتقد حقاً أن هذا ما نريده أنا وايمي؟ ذلك ليس صحيحاً أبداً،فعل شيء كهذا لن يسعدها أبداً،بل سيحطمها فحسب!


قامت آني من مكانها ثم جلست إلى جانبه، تمسكت بذراعه ثم حشرت وجهها في ساعده العريض لتبلل ملابسه بدموعها، وتقول بألم:فريد..لقد فعلنا شيئاً فظيعاً بحق ابنتنا! قال ديفيد أنها حاولت الانتحار بسبب معاملتنا لها في ذلك الوقت!

صدم فريدريك لسماع ذلك وهتف مكذباً:مستحيل! لا يمكن أن يكون هذا معقولا أبداً!

فقال ديفيد بهدوء:أبي،أعلم جيداً أنكما كنتما تفكران في مصلحة ايمي لكن ذلك خاطئ تماماً...هل تظن أنها ستكون قادرة على تصديق أن معاملتكما لها هكذا من أجل مصلحتها؟ حتى لو مات جدي سيكون من الصعب عليها القبول بكما بعد كل هذا الوقت،إنها تحتاجكما الآن إلى جانبها اكثر من أي وقت آخر،لن يكون هناك فائدة من أن تعودا إليها بعد أن تكبر وتموت مشاعرها اتجاهكما!


نظر فريدريك إلى الأرض بألم، وقبل أن يقول أي شيء رن هاتفه فجأة...أخرج هاتفه من جيبه في ضيق لكن ملامح وجهه تغيرت فجأة ما إن رأى المتصل ليهتف بذعر:إنه ماكس!

انتفضت آني ما إن سمعت اسمه وقالت بخوف:يا إلهي! ما الذي علينا فعله؟

استغرب ديفيد من انفعالهما وسأل بريبة:ما الأمر؟ من يكون ماكس؟

أجاب فريدريك بضيق:إنه ابن عمك، لقد عينه جدك ليكون مسؤولا عن ايمي...

تفاجأ ديفيد من كلامه وقال باستنكار:ما الذي تقصده بمسؤول عنها؟ لا تقل لي أنه يقوم بإيذائها!

عندها قال فريدريك بسرعة:كلا! الأمر ليس هكذا! إنه يبقى معها أحياناً، خاصة عندما نغادر المنزل..أنت تعلم أن علينا الذهاب إلى منزل أبي اليوم من أجل حفلة استقبالك...

ديفيد:أجل أعلم...ثم أضاف بنبرة غاضبة:لقد أخبرني كارل أن جدي قد دعاه هو أيضاً، إن هذه الحفلة هي في الواقع من أجل أن يتقرب جدي من كارل مستغلا وجودي صحيح؟

تفاجأ فريدريك لسماع هذا وقال بدهشة:ما الذي تقوله؟ إن هذا...

قاطعه ديفيد بهدوء:لا بأس أبي...أعلم جيداً أنكما فعلتما هذا من مصلحتي لكن فقط،أريدكما أن تتوقفا عن التفكير بصداقتنا بهذا الشكل.
إن كارل مهم جداً بالنسبة لي، أريد أن أقدمه لكما كصديق فحسب،ولا أريد أن تنظرا إليه كوسيلة لتقوية مكانتي في أسرة هوريستون!

قال والده بأسف:أنا آسف حقاً ديفيد،لابد أن معرفة هذا قد أحبطك كثيراً!

تنهد ديفيد بضيق ثم قال بهدوء:لا بأس أبي...إنني أدرك جيداً أنكما لم تقصدا شيئاً سيئاً بهذا...



كان الهاتف قد توقف عن الرنين للحظات، ليرن مرة أخرى على الفور. نظر فريدريك إلى الهاتف بقلق فقالت آني بخوف:فريد...أجبه! حاول أن تبدو طبيعياً ولا تجعله يلاحظ أي شيء..

أجاب فريدريك محاولا جعل نبرة صوته تبدو طبيعية قدر الإمكان:مرحباً ماكس...

رد ماكس بوقاحة:لماذا تأخرت في الرد هكذا؟ ثم أضاف بمكر:أم أنك كنت مشغولا بالعناية بابنتك الصغيرة؟

تفاجأ فريدريك من كلامه وقال محاولا التبرير:ذلك إنه...

قاطعه ذلك الشاب ببرود:لا تقل أي شيء...إنني أعرف جيداً كل ما تفعلونه،لا أريد أن أضخم الأمر بإخبار جدي وسأتظاهر أن شيئاً لم يحدث، لذلك عليكما أنتما أيضاً ألا تجعلاني مضطراً لافتعال مشكلة من أجل شيء سخيف كهذا!

فريدريك:ماكس..أنت تعلم أن ديفيد قد عاد لذا...

زفر ماكس بضيق وقال بانزعاج:تباً، لقد أخبرتك أنه من الأفضل ألا يعلم بشأنها! كان عليك إخفاء أمرها عنه!

ثم سكت قليلا وأضاف بلامبالاة:على كل حال،بما أنه قد عرف بأمرها بالفعل فأخبره أن يتوقف عن تمثيل دور الأخ الجيد ويطيع أوامر جدي من دون أي اعتراض..
إنني في طريقي إلى المستشفى الآن وسأبقى مع ايمي أما أنتم فعليكم المغادرة...إن الجميع في العائلة يتطلعون لما سيقدمه ديفيد من فائدة لنا بصداقته مع وريث تشادولي، وقدومه اليوم إلى الحفلة بحضور ديفيد مهم جداً. يجب عليه أن يتظاهر بأنه لم يسمع أي شيء عن ايمي إذا ما أراد البقاء...أنت تعلم ما أقصده صحيح؟

استطاع فريدريك الشعور بنبرة التهديد في كلامه، كان يعلم جيداً مدى دناءة ماكس ومكره، وأيضاً.. ولعه الشديد بايمي والذي لم يستطع فهمه أبداً...

قال بهدوء عكس الغضب الذي يشعر به:حسناً...لقد فهمت...


أغلق ماكس الخط دون أن يقول اي شيء، فضغط فريدريك على أسنانه لينطق بغيظ:تباَ لذلك الحقير!

سألته آني بقلق:ما الذي قاله؟

أطلق فريدريك تنهيدة طويلة ليقول بعد ذلك بقهر: إنه يعلم بكل ما حدث، يبدو أنه في طريقه الآن إلى المستشفى...

شهقت آني بصدمة وهتفت قائلة:أوه يا إلهي! ثم خفضت رأسها وقالت بألم محاولة حبس دموعها:ما الذي علينا فعله؟ لا أريد أن يستمر الأمر هكذا! ثم وضعت يديها على رأسها وقالت وهي تضغط عليه بذعر:ماذا لو أن ايمي حاولت فعل ذلك مجددا؟ لا يمكنني تخيل ذلك أبدا!!

عندها قال ديفيد بثقة محاولا طمأنتها:لن أسمح له بفعل ما يريد، سأوقفه عند حده!

لم ترد عليه، كانت تدرك جيداً أن الأمر أكبر من أن يستطيع فعل أي شيء حياله...ظلت تضغط على أسنانها في قهر بينما ترقرقت تلك الدموع من عينيها لتعصر قلبها بألم..


لم يمض الكثير من الوقت حتى ظهر ماكس الذي أخذ يسير متجهاَ نحوهم،تعلو وجهه تلك النظرة الماكرة والابتسامة الخبيثة التي رمقهم بها...

عقد يديه أمام صدره وقال بنبرة مستفزة:ماذا لدينا هنا؟ عمي الكونت فريدريك هوريستون وآني ستيوارت يعصيان أوامر جدي؟ ثم أضاف بسخرية:ما الذي حدث؟ هل استيقظت مشاعركما الأبوية فجأة؟!

عندها قال ديفيد بغضب:أنت! كيف تجرؤ على مخاطبة أمي بهذه الطريقة؟ إنها الكونتيسة آني هوريستون وليست آني ستيورات،أتفهم هذا؟

ضحك ماكس بسخرية ثم قال باستهزاء:ما الذي تقوله؟! أتخبرني أن أنادي امرأة عامية بالكونتيسة هوريستون؟! ذلك مستحيل! عليها أن تكون ممتنة فقط من أنها قادرة على أن تبقى معنا تحت سقف واحد! ذلك كاف بالنسبة لامرأة في مثل مستواها!

لم يستطع ديفيد تمالك أعصابه أكثر...سار نحوه بسرعة ثم أمسكه من ياقة قميصه وقال بتهديد: اسحب كلامك حالاً أيها الحقير!

نظر إليه ماكس باستصغار وقال بدناءة:لن أفعل،ولا يحق لك أن تأمرني بهذا...
ثم أبعد يديه عنه بقوة وقال بتحذير وهو يعدل ياقته:عليك أن تعرف مكانتك أولا قبل أن تتحدث معي بهذه الطريقة! إن مكانتي أعلى منك بكثير، لذلك فلتلزم حدودك ولا تجعلني اغضب لأن ذلك ليس في مصلحتك أبداً أفهمت؟

ضحك ديفيد لما سمع كلامه وقال بسخرية:أعلى مني؟ إنك سخيف حقاً أتعلم؟ لا يهمني أبداً كل ما تحدثت عنه...حتى لو كنت حفيد الملكة فلن اسمح لك بإهانة أمي أتفهم؟


احمر وجه ماكس حنقاً من كلامه، لكنه قال بحدة محاولا تهدئة نفسه:أنا لم آتي إلى هنا من أجل الخوض في شجار سخيف معك،لقد جئت لأخذ ايمي فحسب، أما أنتم عليكم المغادرة الآن حالا!

عندها قال ديفيد بحدة:لن اسمح لك بلمسها أتفهم؟ دع ايمي وشأنها وغادر الآن!

قال ماكس بنبرة بدت أشبه بالتهديد:هيي ديفيد، لقد قلت لك بالفعل، إذا ما أردت الحفاظ على مكانك فعليك أن تتجاهل وجود ايمي،لعب دور الأخ الكبير فجأة لن يفيدك بشيء. موضوع ايمي هو شيء لا يجب لأحد التدخل فيه،لقد فوض جدي أمرها لي وأنا فقط من سيتعامل معها. أما أنت فعليك التظاهر بأنك لا تعرف شيئاً فحسب...

أراد ديفيد أن يرد على كلامه لكن والده وضع يده على كتفه وقال بقهر وهو يضغط عليه:ديفيد هذا يكفي..ثم أضاف بهمس:لا يمكننا الوقوف في وجهه الآن، نحن في موقف ضعيف، ليس أمامنا سوى التراجع والتفكير في خطوتنا القادمة فيما بعد!

أخذ ديفيد نفساً عميقاً قبل أن يقول باستسلام:حسناً لقد فهمت! ثم نظر إلى ماكس بكره دون أن يقول أي شيء...ليغادر المكان برفقة والديه وعلى وجهه نظرة غاضبة...



كان واقفاً إلى جانب تلك النافذة الكبيرة المطلة على الحديقة الخارجية للقصر متجاهلا ضجيج الحضور من حوله، بدا متضايقاً وغاضباً..كان يحمل كأس العصير في يده بينما يضغط عليه بعصبية..

وقفت إلى جانبه فتاة بدت في العشرينات من العمر وقد ارتدت فستان سهرة أسود، عاري الظهر بدا مفصلا على جسدها الرشيق...

عقدت يديها أمام صدرها لتقول بنبرة ساخرة:ما الخطب؟ تبدو غاضباً..ألم تعجبك هذه الحفلة التي أقيمت لأجلك؟

نظر إليها قليلا محاولا تذكر من تكون ليهتف بدهشة: فيكتوريا؟!

قالت فيكتوريا بانزعاج:إذا فما زلت تتذكرني...ثم أضافت بحدة:آمل أنك مازلت تتذكر لورنا أيضاً!

تغيرت ملامح وجهه ليقول بنفاذ صبر:فيكتوريا هذا يكفي أرجوك! لقد سئمت من هذا،لقد استمر والدك في ازعاجي حتى عندما كنت في فرنسا بهذا الشأن! لقد قلت لكم أكثر من مرة، أنا ولورنا أصدقاء طفولة فحسب ولا يمكن أن تكون بيننا علاقة كهذه أبداً!

عندها قالت فيكتوريا بعصبية:متى تتوقف عن قول هذه التفاهات؟! هل تظن حقاً أنك في موقف يسمح لك بالاعتراض عن قرار عائلاتنا؟! إن هذا الزواج مهم جداً لكلا العائلتين، لذلك لا يمكنك التمرد أكثر والتصرف كالمراهقين، إلى متى ستظل تتجاهل مشاعر لورنا هكذا؟ ما الذي فعلته لك لتكون قاسياً معها إلى هذا الحد؟!


أجاب ديفيد بانزعاج بعد أن مد كأس العصير للخادمة التي مرت إلى جواره:إنني لست قاسياً معها أبداً،لقد قلت لها ألف مرة أنها مخطئة فيما تعتقده، تلك المشاعر ليست حباً...لا يمكن أن تقرر طفلة شيئاً كهذا وتبني على أساس تلك المشاعر الطفولية، قراراً مهماً كالزواج!

تنهدت فيكتوريا بضيق وقالت بنفاذ صبر:ديفيد، أنا لم آتي إليك لأسمع فلسفتك السخيفة هذه...أنت تعرف جيداً كيف تتم الأمور في مجتمعنا...أم أنك تريد التمرد عن قرار العائلة والزواج من فتاة من عامة الناس كما فعل والدك؟!

ضغط ديفيد على أسنانه بغيظ وقال بحنق: فيكتوريا، إنني ما أزال أحترمك وأعتبرك مثل أختي الكبرى تماماً ولا أريد أن أفقد ذلك الاحترام بيننا أبداً، لذلك توقفِ رجاءاً عن قول هذا الكلام رجاءاً فأنت تهينين أمي بهذه الطريقة!

لما قال هذا استدركت فيكتوريا خطأها وقالت معتذرة:أنا آسفة...لقد تماديت في كلامي! ثم سكتت قليلا وأضافت بغيظ:لكن مع هذا...عليك التوقف عن التصرف بهذه الطريقة اللئيمة مع أختي، لا تعلم كم تتألم كثيراً من تجاهلك لها هكذا!

زفر ديفيد بضيق وقال بانزعاج:أرجوك فيكتوريا،إنني لست في مزاج يسمح لي بالتحدث في هذا الموضوع!


وقبل أن تقول فيكتوريا أي شيء أمسكت تلك الفتاة بيدها وقالت بهدوء:فيكي هذا يكفي! ثم نظرت إليه بعينين تلمعان شوقاً، وقد شعرت أن قلبها يكاد يخترق صدرها من نبضه العنيف...

ابتسمت بسعادة وقالت وهي تسير باتجاهه لتضم يده بين يديها النحيلتين وتقول وهي تنظر إلى زرقاويه بعينيها الخضراوتين الباهتتين:مرحباً بعودتك ديفيد،لقد اشتقت إليك كثيراً!

نظر إليها لبعض الوقت..بدت جميلة جداً بشعرها الكستنائي الطويل الذي انسدل بنعومة على أكتافها وصولا إلى أطراف ظهرها.. ذلك الفستان الأحمر القصير الذي ارتدته أبرز تفاصيل جسدها الرشيق، وأظهر جمال بشرتها ناصعة البياض..

كان بلا أكمام،مشدوداً من جهة الخصر ومنفوشاً من الأسفل وقد كان يصل إلى أعلى ركبتها بقليل...


لم يستطع أن يخفي نظرة الإعجاب في عينيه فقد أبهره جمالها الساحر كثيراً...كان يستطيع أن يلاحظ نظرة الغيظ في وجوه الرجال الآخرين من حوله، وهم ينظرون إليها كيف تنظر إليه بحب مفضوح، لم تستطع إخفاءه منذ طفولتها...

قالت بابتسامة ساحرة:لقد كبرت كثيراً وصرت وسيماً حقاً...ثم سكتت قليلا وسألته باهتمام:كيف هي أحوال فرنسا؟ لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة ذهبت فيها إلى هناك..

أجاب ديفيد باقتضاب:بخير... ثم سكت قليلا وقال بعد أن أخذ نفساً طويلاً:لورنا..نحن يجب أن نتحدث...أنا...

عندها قاطعت حديثه بعد أن وضعت سبابتها على شفتيه وقالت وهي تنظر إلى عينيه برجاء: ديفيد! أرجوك ألا تقول أي شيء! سأنتظرك مهما تطلب ذلك من وقت...

أمسك ديفيد بيدها وأبعدها عن شفتيه وقال وهو ما يزال ممسكا بها:لورنا،لا يهم كم من الوقت ستنتظرين فلن يتغير أي شيء.. أنت تعلمين جيداً ما أشعر به. بالنسبة لي أنت أختي الصغيرة التي أحبها كثيراً، لكن لا شيء أكثر من هذا! لا أريد أن أجرحك أكثر،أرجوك لورنا..لا يجب أن نستمر على هذه الحال أبداً!

أفلتت يدها من يده وقالت وهي تغطي أذنيها بيديها:لن استمع إلى كلامك! ثم نظرت إليه وعيناها غارقتان في الدموع:أرجوك ديفيد،أرجوك أن تفكر في الأمر مرة أخرى!


وقبل أن يقول أي شيء، قاطعه صوت ذلك الرجل الذي قال بترحيب:أوه ديفيد ما هذا؟ لقد كبرت حقاً وصرت شابا وسيماً..كيف حالك؟ لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك فيها!

نظر إليه ديفيد بقلة حيلة، ثم قال ببرود:بخير...كيف حالك أيها الدوق آيشنبارت؟

سار إليه ووضع يده على كتفه ليقول بابتسامة:ما هذا؟ لازلت رسمياً جداً معي، عليك أن تناديني أبي، فيوماً ما ستصبح ابني في القانون!

ابتسم ديفيد بمجاملة دون أن يعلق على كلامه، عندها وقف جده أمامه وسأله ببرود:ديفيد...لماذا لم يأتِ الرئيس تشادولي بعد؟

نظر ديفيد إلى جده بحدة، ذلك العجوز الطويل، بملامحه القاسية، ونظرته الواثقة تلك..

رغم ان الشيب كان قد غزا شعره الناعم الكثيف بالكامل، ورغم تلك التجاعيد التي ملأت وجهه ويديه، إلا أنه بدا قوياً، واثقاً..وقد كان ينظر إلى ديفيد ببرود شديد، كما كان دائماً..

أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء عكس ما في داخله من غضب، وهو يفكر فيما فعله بايمي:لقد اتصلت به. قال إنه مشغول بشيء ما لذلك سيأتي ما إن ينتهي من عمله...

بدت ملامح الرضا على وجهه وقال:ذلك جيد...يجب أن نطور علاقتنا به.. ثم أضاف بانزعاج: جزء كبير من استثمارات عائلة هوريستون تعتمد بشكل أساسي على الشركات التي يرأسها ذلك الفتى،لقد كانت علاقتي بجده جيدة، لكن الأمور قد تغيرت منذ تلك الحادثة...

ضغط ديفيد على أسنانه وقال محاولا التظاهر بالهدوء:سيأتي قريباً،لا تقلق!

نظر إلى النافذة مرة أخرى وقال في نفسه بغيظ:تباً... كم أكره هذا المكان، الجميع هنا لا يهتمون بشيء سوى مصالحهم فحسب!

ثم سكت قليلا وأردف قائلا بتفكير:ما الأمر كارل؟ لماذا تأخرت هكذا؟!

                   ******

_رأيكم في البارت؟

_توقعاتكم للأحداث القادمة؟

_برأيكم لماذا ماكس مهتم بايمي هكذا؟

تفاعلكم، اقتراحاتكم وتعليقاتكم هي ما ستدفعني للاستمرار في كتابة القصة..شكرا لكل من علق وشجعني بكلماته اللطيفة وارجو أن تنال روايتي إعجابكم..


شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus