#جبال الألب الفرنسية_ الساعة 7:20 مساءاً
2006\3\7

خرجت من غرفتها ببطء، بينما تلتفت حولها متفقدةً أرجاء المكان..

لم يكن هناك أي أحد، مما يعني أن أغلب الطلاب قد تجمعوا في قاعة الأكل الآن، استعداداً لتناول العشاء الذي سيتم توزيعه بعد عشر دقائق..

كان الفندق كبيراً جداً، بغرف كبيرة وفخمة. وقد كان محجوزاً بأكمله للطلاب فحسب، مما أدى إلى وجود العديد من الغرف الفارغة بلا أي فائدة...

وكما فكرت ايمي عندما علمت بهذا...كارل يبالغ كالعادة!

 

سارت ببطء في ذلك الممر الطويل، حتى رأت في نهايته رجلاً كان واقفاً قرب الحائط، بينما هو منشغل بالعبث في هاتفه.

وقفت أمامه وقالت بتردد: كاليب؟

أخفى ذلك الرجل وجهه بقبعته الرياضية، وقال بتوتر بينما يشيح بصره عنها: مـ... ما الذي تقولينه؟ لابد أنكِ أخطأت الشخص، فأنا لست كاليب. إنني مجرد نزيل في هذا الفندق.

عقدت ايمي يديها أمام صدرها، وقالت بينما ترفع حاجبها باستنكار: لا يوجد نزلاء في هذا الفندق غير الطلاب والأساتذة فحسب، وأنت بالتأكيد لست أستاذاً في مدرستنا.
أنتَ كاليب، فلماذا تنكر ذلك؟ أعرف أن كارل قد أخبركَ أن تقوم بحمايتي في الخفاء. لذلك لا داعي للقلق لكوني اكتشفت هويتك...

رفع كاليب بصره إليها وقال معتذراً، بينما ينزع قبعته: أنا آسف حقاً آنستي...ما كان يجب أن أجعلكِ تلاحظين وجودي. لابد أنني جعلتكِ تشعرين بعدم الارتياح، لكوني أتبعكِ أينما تذهبين!

أجابت ايمي بدون اهتمام: ليس حقاً. أعرف أن كارل قد أمرك بمراقبتي لأنه خائف علينا، لذلك لا مشكلة بالنسبة لي.

لم يرد كاليب على كلامها، وقد بدا غير مقتنع بذلك.

عندها اقتربت منه ايمي وقالت وهي تشد طرف قميصه بتردد: امممم كاليب...أريد أن أطلب منك شيئاً..

استغرب كاليب من كلامها، وسألها بحذر: ما الأمر آنستي؟

سكتت ايمي قليلا قبل أن تقول برجاء طفولي: أريدك أن تذهب وتشتري لي بعض الحلوى والمأكولات الخفيفة. أرغب في أن أسهر قليلاً مع فِيا ولورا بينما نتناول الحلوى ورقائق البطاطس والشوكولا...سيكون ذلك ممتعاً بالتأكيد!

ثم زمّت شفتيها وقالت بخيبة أمل: لكن المتجر موجود خارج الفندق، ولن يسمح لنا المعلمون بالخروج في هذه الساعة...هل يمكنك أن تذهب وتشتريها من أجلي؟

تردد كاليب كثيراً قبل أن يقول باعتراض: لا يمكنني ذلك آنستي..أنا آسف حقاً، لكنني لا أستطيع ترككِ وحدكِ دون مراقبة. ماذا لو أن أحد أعداء سيدي حاول اختطافك؟

قوّست ايمي شفتيها وقالت برجاء: هيا كاليب إنها دقائق قليلة فحسب! ثم إنني سأبقى داخل الفندق، لذلك لن يحدث لي أي شيء! أرجوك، أرجوك، أرجوك!

تلك النظرة الطفولية المترجية في عينيها قد أربكته حقاً...

كانت تضم يديها أمام صدرها بينما تحدق إليه بعيون الجرو تلك، والتي جعلته غير قادر على مقاومتها أبداً...

فتنهد بعمق، وقال باستسلام: حسناً..كما تريدين.

ثم أردف قائلاً بينما يوصيها بحرص: لكن عليكِ أن تكوني حذرة، ولا تبقي وحدكِ أبداً! سأجلب لكِ ما طلبته بسرعة ولن أتأخر.

قال هذا ليركض مبتعداً عنها إلى الخارج..

 

راقبته ايمي وهو يبتعد عنها حتى اختفى عن ناظريها نهائياً.
عندها خفضت رأسها بحزن وقالت: أنا آسفة كاليب. لكن ليس لدي خيار آخر غير الكذب عليك!

لم تقف هناك طويلاً. بل إنها أسرعت إلى حيث اتفقتا على اللقاء.

وكما توقعت تماماً. لقد وجدت جانيت واقفةً إلى جانب الباب في الردهة، بينما تنظر إليها بمكر...

قالت على الفور، في اللحظة التي رأت فيها ايمي تقترب باتجاهها: يبدو أنكِ فكرتِ بحكمة هذه المرة..

ثم سكتت قليلاً وسألتها بحدة: أين هو حارسك الشخصي؟ لا تظني أنني لم ألاحظ وجوده بقربك طوال الوقت!

أجابت ايمي بهدوء: لقد أرسلته بعيداً. ثم سكتت قليلاً وأردفت دون أي مقدمات: أين أخفيتِ قلادتي؟

ابتسمت جانيت وقالت بسخرية: على رسلكِ يا عزيزتي...لماذا أنتِ مستعجلة هكذا؟! دعينا نتحدث قليلاً أولا.

فردّت ايمي بضيق: لا يوجد شيء نتحدث عنه جانيت... فلتخبريني عن مكان قلادتي ولننهي الأمر!

نظرت إليها جانيت بحدة، وقالت ببطء: قبل ذلك...لدي شرط.

شعرت ايمي بالضيق لما قالت هذا، لكنها سألتها بتردد: ما هو شرطك؟

عقدت جانيت يديها أمام صدرها، ثم قالت بنبرة آمرة: عليكِ الابتعاد عن هاري تماماً. حتى لو كنتما تعيشان في نفس المنزل، يجب أن تكون هناك حدود بينكما. لا داعي لأن تكوني قريبة منه بلا سبب...

تنهدت ايمي بضيق، ثم قالت وهي تنظر إليها بانزعاج: حتى لو ابتعدت عنه كما تريدين، فسيبقى الأمر نفسه دائما. هاري لن يلتفت إليك مهما حاولت!

فابتسمت جانيت بسخرية وقالت: من اللطيف أن تستمري في تصديق ذلك، لكن ما لا تعلمينه أن الأمر مختلف تماماً في الواقع.
عائلة تشادولي، هي من أكثر العائلات شهرةً ومكانةً في فرنسا على الإطلاق. وأكثر ما يهتمون له، هو السلطة والمكانة. إن هاري يدرك جيداً أن فتاة بمستوى متدني مثلك، ليست مناسبةً له أبداً. لذلك مهما حاولتِ، فسوف يختارني أنا في النهاية!

زفرت ايمي بضيق، وهي لم ترد حقاً أن تجادلها أكثر. فكل ما تريده في الوقت الحالي،هو استعادة قلادتها فحسب!

لذلك قالت بنفاذ صبر: حسناً...لن أقترب من هاري مرة أخرى كما تريدين!

استغربت جانيت من موافقتها على شرطها بسرعة. لكنها علقت متصنعةً الغرور، رغم أنها كانت مرتبكة حقاً: جـ...جيد! كان عليكِ أن تكوني مطيعةً هكذا منذ البداية، حتى لا نضطر للوصول إلى هذه المرحلة!

لم تعلّق ايمي على كلامها، بل سألتها بهدوء: إذن...أين هي قلادتي؟

ابتسمت جانيت بخبث وقالت: لقد علقتها على الحديد المثبت بنافذة الكوخ الخاص بالمعلمين...

ثم سكتت قليلاُ وأردفت بهمس ساخر: عليكِ أن تسرعي ايمي...ربما تسقطها الرياح ويدفنها الثلج، عندها لن تكوني قادرةً على إيجادها إلى الأبد!

ضغطت ايمي على أسنانها بغيظ، لكنها ركضت بسرعة إلى الخارج دون أن تقول أي شيء...

 

ابتسمت جانيت بمكر، بينما تراقبها وهي تختفي من أمامها وسط تلك العاصفة...

ثم نظرت إلى الحارسين الواقفين قرب الباب، وقالت بغرور بينما تسير مبتعدةً عنهما: ستجدان المال الخاص بكما في رصيدكما هذه الليلة. يجب أن تلتزما الصمت، مفهوم؟

ابتسم الحارسان بخبث دون أن يقولا أي شيء، في حين تابعت جانيت طريقها مبتعدةً عن المكان.

 

 

#فرنسا_قصر تشادولي الرئيسي_ الساعة 6:45 مساءاً
نفس اليوم

 

عضّت شفتها السفلى، بينما تنظر إلى الدفتر المرمي أمامها في قهر...

ترى هل تأخذه وترحل؟ هل تنهي كل شيء الآن؟!

في تلك اللحظة، أخذ كارل يسعل بشدة فجأة. فنظرت إليه  لوسي وقالت هاتفةً بذعر: كارل! هل أنت بخير؟!

لم يرد عليها، بل أخذ يسعل سعالاً جافاً أشعرها بالخوف حقاً...

شدّت ذارعه التي لفتها حول عنقها بقوة أكبر، وقالت بينما تجذبه أقرب إليها: فلتصمد قليلاً...سآخذك إلى فراشك الآن.

سارت به باتجاه السرير ببطء. ثم أبعدت الغطاء السميك، وجعلته يستلقي عليه، لتغطيه بعدها بحرص....

وضعت يدها على جبينه مرة أخرى، ثم قالت هامسةً بتفكير: أعتقد أن حرارته هي 39 درجة تقريباً...

عندها أخذ كارل يسعل مرة أخرى. فقالت في نفسها بقلق: هذا السعال الجاف...هل يمكن أنه مصاب بالتهاب في اللوزتين؟

تنهدت بضيق، ثم سارت بسرعة إلى خارج الغرفة...

 

وقفت أعلى الدرج المؤدي إلى الأسفل، وأخذت تنادي بصوت عالٍ: نيللي! نيللي!

أقبلت إليها نيللي راكضةً من المطبخ وسألتها بقلق، بينما هي واقفة أسفل الدرج: ما الأمر لوسي؟ هل هناك شيء ما؟

أجابت لوسي على الفور: نيللي، أحتاج إلى إناء به ماء بارد ومنشفة نظيفة. وأيضاً بعض الأدوية الخافضة للحرارة...

بدا القلق على ملامح وجهها وسألتها بتردد: لماذا؟ هل أنتِ مريضة؟

فردت لوسي بهدوء: كلا...إن كارل مريض جداً وحرارته مرتفعة. يجب أن أخفض حرارته بسرعة!

غطت نيللي فمها بكلتا يديها وشهقت بتفاجؤ..لكنها سألتها قائلةً بذعر: هل أستدعي طبيب العائلة؟!

ردت لوسي باعتراض: لا داعي لاستعجال فهي مجرد حمى عادية لا أكثر...لكن إذا لم تتحسن حالته، فحينها سنستدعي الطبيب.

ثم سكتت قليلاً واستطردت بهدوء أريدك أن تجهزي لي كوب عسل وليمون مع زيت الزيتون...إنه يسعل سعالاً جافاً، لذلك قد يكون هناك احتقان في حنجرته.

أومأت نيللي بفهم، ثم ركضت إلى المطبخ حتى تعد لها ما طلبته منها. أما لوسي، فقد عادت على الفور إلى غرفته...

 

اقتربت منه، وقد كان يتنفس بصعوبة...

فانحنت نحوه وقالت هامسة: كارل...هل تسمعني؟ أخبرني كيف تشعر؟

فتح كارل عينيه بصعوبة. ورغم أنه لم يكن قادراً على رؤيتها بوضوح، إلا أنه استطاع تمييز صوتها على الفور..

سألها بصوت واهن: هل أنتِ لوسي حقاً؟ ما الذي تفعلينه هنا؟

تنهدت لوسي بضيق وقالت بتهكم: لقد سألتني عن هذا مليون مرة! أجل أنا لوسي..وأنا هنا لأنه كان يفترض أن نخرج معاً لكنك تأخرت، لذلك شعرت بالقلق وأتيت إلى غرفتك...

ثم نظرت إليه بضيق، وتابعت قائلةً بعتاب: وها أنت ذا على هذا الحال المزري! كان يجب أن تستمع إلى هاري هذا الصباح!

فرد كارل بخفوت: آه صحيح...كان يجب أن نذهب معاً إلى السينما...كيف نسيت هذا؟ أنا آسف لوسي...أنا...

قاطعته لوسي قائلةً بحزم: هذا ليس مهماً الآن! من الجيد أنكَ واعٍ قليلاً...لقد تعرّقت كثيراً في هذه الملابس، لذلك سأجلب لك ملابس أخرى...يمكنكَ أن تقوم بتغييرها صحيح؟

أومأ كارل بصمت..عندها سارت لوسي نحو حجرة الملابس..

فتحت الباب بتردد، لتتسع عيناها ما إن رأت المنظر في الداخل...

على يسارها، كانت هناك خزانة كبيرة جداً بأبواب زجاجية شفافة، حيث استطاعت رؤية تلك البذلات الرسمية الكثيرة المعلقة فيها بعناية...
في الجانب الآخر، كانت هناك رفوف كثيرة، بها أحذية رياضية، وأحذية جلدية كثيرة بألوان مختلفة. وقد كانت نظيفةً ولامعة كما لو كان قد اشتراها للتو..

تقابلها في الأمام خزانة أخرى، بها أيضاً العديد من الملابس المعلقة والتي كانت ملابس شبابية وعملية، ولم تستطع أن تتخيل حتى كم عددها بالضبط...

أسفل الخزانة، كانت توجد أدراج كثيرة وواسعة وأعلاها، كانت توجد رفوف بها حقائب كثيرة وفاخرة..

على يمينها، توجد طاولة تزيين، بمرأة كبيرة جداً. وأعلى الطاولة، كانت هناك الكثير من العطور الفاخرة، ومستلزمات العناية الشخصية...

نظرت حولها مجدداً لتهمس في نفسها بإحباط: ما هذا؟ حتى عندما ظننت أنني اعتدت على هذا، ما يزال هؤلاء الأغنياء يصدمونني دائماً في كل مرة!

لكنها ضربت خديها بيديها لتوقظ نفسها من دهشتها تلك، ثم خاطبت نفسها بحزم: ليس هذا وقته لوسي!

نظرت إلى تلك الخزائن بحيرة شديدة، لتتساءل بعدها  بخفوت: أين يضع الملابس الخاصة بالمنزل؟!

فسارت باتجاه الخزانة التي في الحائط المقابل للباب، عندها لاحظت وجود ممر على يسارها، به المزيد من الأدراج الكثيرة على الجانبين، وفي نهايته مرآة طويلة على طول الحائط.

فتحت أحد تلك الأدراج. فشهقت بذهول، ثم أغلقتها على الفور بعد أن اكتسحت الحمرة وجهها ما إن رأت تلك الملابس الداخلية المرتبة داخله!

عندها همست قائلةً بإحراج: اللعنة!

فتحت الدرج الذي يليه، لتجد به العديد من الجوارب، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه.. حتى وجدت أخيراً في الدرج الأخير، بعض القمصان الصوفية الخفيفة...فأخذت قميصاً أخضراً مع بنطال قطني رمادي، كانت قد وجدته في أحد تلك الخزائن الزجاجية...

 

وأخيراً استطاعت الخروج من تلك الغرفة!

كانت تشعر بالإحراج حقاً، وبالذنب أيضاً. هل لم ترد أبداً انتهاك خصوصيته هكذا، لكنها تعلم أنه لا خيار آخر أمامها أبداً...ذلك أفضل من أن تقترب منه خادمة أخرى، وتفعل هذا صحيح؟

احمرّت وجنتاها لما فكرت بذلك. لكنها سارت نحوه ووضعت تلك الملابس إلى جانبه، ثم قالت بهدوء: كارل، لقد أحضرت لك ملابسك. هل يمكنك تغييرها الآن؟

لم يرد عليها، ويبدو أنه قد نام مرة أخرى. فتنهدت بضيق دون أن تقول أي شيء..

 

عندها سمعت صوت طرق على الباب، فسارت إليه وفتحته ببطء. لتجد نيللي واقفةً أمامها رفقة الخادمة هيلين، وقد كانتا تحملان الأشياء التي طلبتها لوسي.

سألتها هيلين بقلق، بينما تسترق النظر إلى داخل الغرفة باهتمام شديد: هل السيد الشاب بخير؟ سمعت أنه مريض!

قالت لوسي متصنعةً الابتسامة وهي تأخذ منها إناء الماء، في حين كانت مغتاظة حقاً من نظراتها تلك: إنه بخير...سوف أهتم به جيداً.

وقد شدّدت على جملتها الأخيرة!

قلّبت الخادمة عينيها، ثم سارت مبتعدةً عنها بينما تلعنها داخلياً وتتأفف بسخط.

فنظرت إليها نيللي قليلاً وعلّقت بسخرية: تلك المزعجة! إنها معجبة بالسيد الشاب بجنون!

فنظرت إليها لوسي وقالت بغيظ: آه أجل، هذا واضح!

قالت نيللي بينما تنظر إليها بمكر: همممم، أشم رائحة غيرة هنا!

تفاجأت لوسي من كلامها. لكنها قالت وهي تتهرب من نظراتها تلك: بالتأكيد لا! ولماذا سأشعر بالغيرة منها؟ ليس وكأنني حبيبته أو ما شابه!

 

 

بعد أن غادرت نيللي، وضعت لوسي الإناء والكوب على الطاولة الصغيرة بالقرب من السرير. عندها لاحظت وجود زجاجة دواء صغيرة موضوعة عليه.

أخذت لوسي تلك الزجاجة وقرأت محتوياتها باهتمام، لتهمس بدهشة: حبوب منومة؟! هل يعاني من مشاكل في النوم؟!

لكنها أعادت تلك الزجاجة مكانها، بينما تشعر بالحيرة حقاً...

 

فيما بعد، قامت لوسي بتبليل المنشفة، وأخذت تمسح العرق من على وجهه ورقبته، بينما تقوم بتغطيته بالأغطية الكثيرة التي أحضرتها نيللي لها لاحقاً.

كانت تقوم بمسح جانب خده، لما نظرت إليه فجأة بتأمل.

كانت هذه هي المرة الأولى تقريباً التي تستطيع فيها التدقيق في ملامحه عن قرب هكذا..

رموشه الطويلة، حاجباه الرفيعان، شعره الحريري المبعثر بعشوائية، أنفه المستقيم، شفتاه المحمرتين، وتعابيره الرجولية الحادة..

ترددت كثيراً قبل أن تخلل أصابعها ببطء، في خصلات شعره المبلل..ثم أخذت تمسح على شعره بلطف..

أبعدت خصلات غرته المبتلة، والتي التصقت بجبينه آنذاك. لتبدو لها ملامح وجهه الوسيم أكثر وضوحاً..

فتمتمت هامسةً بابتسامة باهتة: إنه وسيم حقاً.. لا عجب أن الفتيات يركضن وراءه دائماً.

لكنها تنهدت بضيق، وهي تنظر بقلق إلى تعابيره الشاحبة بسبب المرض.
أنفاسه المضطربة، وسعاله المستمر، كانا قد أرهباها حقاً..

 

ظلّت جالسةً إلى جانبه على السرير لوقت طويل، بينما تراقبه بصمت والقلق بادٍ في عينيها...
استطاعت أن تلاحظ أن تنفسه بدأ ينتظم شيئاً فشيئاً. ومع تعرّقه أكثر، كانت حرارته تنخفض بشكل تدريجي رغم أنه ما يزال يسعل بشدة.

ولما شعرت أنه قد تحسن نوعاً، استطاعت أن تتنفس الصعداء أخيراً.

عندها استقرت عيناها على الجهة المقابلة من الغرفة، حيث كان ذلك الدفتر مرمياً مقابل المدخنة بين تلك الأرائك...

ضغطت على أسنانها بقهر. لكنها أغلقت عينيها ببطء، ثم أخذت نفساً عميقاً لتنظر إلى كارل مرة أخرى...

ارتسمت في عينيها نظرة تائهة، حزينة. هل عليها أن تنهي كل شيء؟ هل يمكنها فعل ذلك حقاً؟

لكنها قالت متهربةً من الواقع: لا! لا يمكنني فعل ذلك الآن. أعني...لم ينتهي عملي هنا بعد...

ثم ابتسمت بسخرية، وقالت في نفسها بألم: ما الذي تقولينه لوسي؟! أنتِ فقط تتهربين من الحقيقة! عليكِ أن تتوقفي عن هذا، لا يمكنكِ أن تبقي مع هذا الشخص أبداً!

 

لكنها توقفت عن التفكير، ما إن لاحظت أنه بدأ يفتح عينيه شيئاً فشيئاً.

عندها سألته على الفور باهتمام: هل أنت بخير؟ كيف تشعر الآن كارل؟

نظر إليها كارل بعينين ذابلتين. لكنه ابتسم لرؤيتها بتعب، ثم قال هامساً بصوت مبحوح: إنها أنتِ حقاً....لقد اعتقدت أنني كنت أحلم.

عقدت لوسي حاجبيها باستياء، وقالت بتهكم: لقد أخذت تسألني ما إذا كنت أنا لوسي طوال الوقت! هل اعتنائي بك غريب إلى هذه الدرجة؟!

ابتسم كارل لكلامها ورد بخفوت: أجل...لم أستطع تصديق ذلك أبداً في البداية. أعني...من بين جميع البشر، أن تقوم لوسي أليسون بالاعتناء بي هكذا، كان أمراً مفاجئاً حقاً!

زمّت لوسي شفتيها وقالت بتذمر: ماذا؟ هل ضايقك اعتنائي المفاجئ بك؟!

فردّ كارل على الفور بنبرة هادئة: بل إنني كنت سعيداً جداً!

ارتبكت لوسي من رده المفاجئ، لكنها خفضت رأسها وقالت بتوتر: مـ...ما الذي تقوله هكذا فجأة؟! أعني...أنا...ليس وكأنني فعلت شيئاً مميزاً!

رد كارل بوهن، بينما ارتسمت في عينيه نظرة خاوية: بل إن ذلك مميز جداً بالنسبة لي لوسي. إنها المرة الأولى في حياتي التي يقوم فيها شخص غير هاري بالاعتناء بي عندما أمرض..

ابتسمت لوسي بينما تتخيل شكل هاري وهو يقوم بالاعتناء به، ثم علقت وهي تكتم ضحكتها: هاري؟ لا أستطيع أن أتخيل ذلك أبداً!

ضحك كارل بخفوت، وقال مبتسماً بتعب: أعلم هذا. لكنه يصبح لطيفاً جداً عندما يكون قلقاً أتعلمين؟

ابتسمت لوسي بود، وهي تعلم جيداً كم هما مقربين جداً من بعضهما.

لكنها سألته بشيء من الفضول: ماذا عن الجدة سمانثا؟

فرد كارل وهو يبتسم بيأس: إن جدتي تبالغ في كل شيء، لذلك لا أحب أن أقلقها عندما أمرض، بل أبقى بعيداً عنها متظاهراً بالانشغال في عملي حتى أشفى.

أومأت لوسي موافقةً على كلامه.
فبالفعل، يمكنها أن تتخيل ردة فعل الجدة سمانثا إذا ما رأته على هذه الحال!

 

سكتت لوسي قليلاً قبل أن تسأله بتردد: امممم ماذا عن والدتك؟ ألم تكن تعتني بك عندما كنت صغيراً؟

ابتسم كارل بسخرية، وقال بفتور بينما ينظر إلى سقف الغرفة: كلمة أم، ليس ضرورياً أن يُقصد بها الشخص الذي يعتني بك.

هي كلمات قليلة مختصرة. لكن لوسي استطاعت أن تستشعر خلالها الكثير من المعاني العميقة، والتي أشعرتها بالألم حقاً.

تنهدت بضيق، ثم قالت وهي تنظر إلى الفراغ بعينين ذابلتين: ذلك صحيح وخاطئ في نفس الوقت. كلمة أم، تطلق على المرأة التي تقوم بتربيتك والاعتناء بك، وبذل كل ما تستطيع فعله من أجلك. لكن وكما يقولون، ليست كل من أنجبت أماً!

عندها ساد بينهما صمت طويل خانق. كلامها يعلمان أن في كلماتهما تلك معاني كثيرة، وألماً عميقاً لم يستطيعا إخفاءه أبداً..

 

زفرت لوسي بضيق، وقالت محاولةً قطع ذلك الجو المربك بينهما: كيف تشعر الآن؟

أجاب كارل بصوته المبحوح: إنني أفضل بكثير...

ابتسمت لوسي لبحة صوته الرجولي، والتي كانت قد أعجبتها في الواقع.

لكنها قالت وهي ترفع الكوب من على الطاولة المجاورة للسرير، ثم تقدمه له: فلتشرب من هذا... سيخفف عنك الألم في رقبتك.

رفع كارل نصفه العلوي ليجلس على السرير بصعوبة، ثم أخذ منها الكوب، وسألها بينما ينظر إليه بتعجب: ما هذا؟

أجابت لوسي بهدوء: إنه خليط من الليمون والعسل وزيت الزيتون. لقد كان أبي يعده لي دائماً عندما أشعر بالاحتقان في حلقي.إنه مفيد جداً، كما أن طعمه لذيذ...فلتجربه.

ابتسم كارل بحنين وهو ينظر إلى ذلك الكوب، عندها سألته لوسي باستغراب: ماذا؟ هل جربته من قبل؟

أجاب كارل بهدوء غريب: إنه يذكرني بشخص ما. لقد مرضت مرةً عندما كنت صغيراً، فقام ذلك الشخص بإعداده من أجلي..

ابتسمت لوسي لملامحه وقالت بود: همممم...من خلال ابتسامتك هذه، أظن أنه كان شخصاً مهماً جداً بالنسبة لك.

فأجاب كارل بخفوت، بينما ارتسمت في عينيه نظرة حزينة: آه أجل...إنه شخص أدين له بالكثير...

قال هذا ليشرب محتويات الكوب ببطء، دون أن يقول أي شيء..

ولما أنهاه، عاود الاستلقاء مجدداً بعد أن أخذت لوسي منه الكوب، لتعيده فوق تلك الطاولة.

 

عندها أخذت تلك الملابس وقدمتها له لتقول بهدوء: من الأفضل أن تغيّر ملابسك بسرعة حتى لا تتلقط البرد مرة أخرى.

أخذ كارل الملابس، لكنه ضحك ما إن رآها وعلّق قائلاً: ماذا؟ قميص أخضر، وبنطال رمادي؟ إنهما متلائمان حقا!!

احمرّت وجنتاها خجلاً، وقالت وهي تنظر بعيداً عنه بإحراج: الـ...الغرفة كانت كبيرة جداً وبها الكثير من الأدراج والخزائن، لذلك لم أستطع أن أعرف أين تضع ملابسك! لقد كان هذا أول ما وجدته، لذلك أخذته على الفور..

ثم أردفت بضيق: أنا...أنا آسفة لأنني دخلت إلى غرفتك، وبحثت في أشيائك الخاصة بدون إذن!

عندها قال كارل على الفور مستنكراً: ما الذي تقولينه لوسي! لا داعي للاعتذار على هذا أبداً! إنني ممتن جداً لك.
في الواقع، أنا من عليه الاعتذار. لقد كان يفترض بنا أن نخرج معاً، لكنني أفسدت كل شيء.

حركت لوسي رأسها نافية، وقالت بعتاب: ليس عليك أن تعتذر، فذلك لم يكن بيدك.

لم يرد كارل على كلامها، وقد ظلا صامتين لبعض الوقت. بينما كانت لوسي تنظر إلى الأرض بضيق.

عندها أبعد كارل تلك الأغطية الكثيرة عن جسده، وأراد أن يتحرك من مكانه. فوضعت لوسي يدها على كتفه لتمعنه من التحرك، بينما قالت بعتاب: ما الذي تفعله؟! ما تزال مريضاً، ولا يجب أن تتحرك من مكانك بعد!

ابتسم كارل فجأة، ثم رفع جسده قليلاً حتى اقترب منها وقال وهو يهمس قرب أذنها بمكر: ماذا؟ هل تريدينني أن أقوم بتغيير ملابسي هنا؟

ما إن قال هذا، حتى اصطبغ كامل وجهها بالحمرة.

وضعت يديها على صدره، ثم دفعته بعيداً عنها حتى عاد للاستلقاء مجدداً على السرير.
أما هي، فقد نهضت من على سريره بسرعة لتقول متظاهرةً الغضب، بينما بدا واضحاً أنها محرجة ومرتبكة جداً: مـ...مـ...ما الذي تقوله أيها الأحمق؟!! سأقتلك إن فعلت هذا!!

ضحك كارل على ردة فعلها تلك. عندها قالت وهي تشيح ببصرها عنه في إحراج شديد: تبدو بخير أكثر مما ظننت! يبدو أنه ليس عليّ القلق عليك بعد الآن!

فتظاهر كارل بأنه يتألم، وقال بدرامية: ما الذي تقولينه لوسي؟ ألا ترين أنني مريض جداً؟ لقد سمعت أن هناك بعض الأشخاص الذين يموتون بسبب الحمى. هل تظنين أنه من الممكن أن أموت بسبب هذا؟ سيكون ذلك فظيعاً حقاً! أعني، ما أزال صغيراً جداً في العمر..

ثم نظر إليها وقال وهو يصنع على شفتيه ابتسامة متألمة: لوسي...إذا ما مت، فليس عليكِ أن تلومي نفسكِ، وتفكري أنكِ السبب في موتي لأنكِ لم تعتني بي جيداً. لا يمكن للإنسان أن يعرف متى تحين ساعته.

ضغطت لوسي على أسنانها بغيظ، وهي تعرف جيداً أنه يحاول جعلها تشعر بالذنب من كلامه.

 

فاقتربت منه وقالت بتهكم بعد أن عقدت يديها أمام صدرها، وهي تجلس إلى جانبه مجدداً: ما الذي تحاول الوصول  إليه بالضبط بكلامك هذا؟! أنت بالتأكيد لن تموت الآن، لذلك توقف عن التصرف بهذه الطريقة!

ثم تنهدت بقلة حيلة، وقالت بتذمر: لقد كان هاري محقاً. أنت تصبح مزعجاً جداً عندما تمرض!

فقال كارل محاولاً استفزازها بينما يكتم ضحكته: هل من الجيد قول شيء كهذا لشخص مريض؟ هل تعلمين أن الحالة النفسية، هي من أهم العوامل المساعدة على الشفاء؟!

شدّت لوسي على قبضتها بينما تحاول تمالك أعصابها بصعوبة، لكنها وضعت يدها على جبينه متحسسةً حرارته، ثم قالت محاولةً أن تبدو هادئةً قدر الإمكان: لقد انخفضت حرارتك كثيراً، لذلك توقف عن التصرف كالأطفال هكذا!

ضحك كارل بخفة، ثم قال بابتسامة لعوبة: همممم. لا أعتقد هذا، ما تزال حرارتي مرتفعة جداً. عليكِ أن تقومي بفحصها مجدداً لوسي.

زمّت لوسي شفتيها وقالت بتهكم: ما هذا؟ لقد أخبرتك أن تتوقف عن التصرف هكذا! أنت ميؤوس منك حقا!

ثم نقرت جبينه بسبابتها، وأردفت قائلةً بتذمر: لن تجد فتاةً تصبر على تصرفاتك هذه في هذا العالم غيري أتعلم؟ اتساءل حقاً ما الذي ستفعله بعد أن أرحل من هنا!

 

ما إن قالت هذا، حتى تغيرت تعابيره المرحة، إلى تعابير منزعجة فجأة...

شدّ معصمها بيده، ثم قال وهو ينظر إلى عينيها مباشرةً: إذن لا ترحلي!

ارتبكت لوسي من تغيره المفاجئ، وقالت بينما تحاول التهرب من النظر إلى عينيه: مـ.. ما الذي تقوله؟! لا يمكنني البقاء هنا طويلا. أعني...بمجرد أن أجد رفيقي، سيكون عليّ الرحيل من هنا. أنت تعرف هذا كارل!

عندها ومن دون أن تدرك ذلك، كان قد سحبها نحوه حتى صار نصفها العلوي فوقه، وقد حشرت وجهها في رقبته. ليحيط جسدها بذارعيه، بينما يضمها إليه أكثر وأكثر...

عندها خاطبها هامساً بألم بينما يدفن وجهه في كتفها، وفي كلماته رجاء خفي استطاعت إدراكه: لا ترحلي من هنا لوسي... أنا لا يهمني أي شيء حقاً، لا يهمني كل ذلك أبداً. أريدكِ أن تبقي، ولا أريدكِ أن تبتعدي عني أبداً!

 

صمتت لوقت طويل وهي تحاول استيعاب ما قاله للتو. لكنها بعد برهة، رفعت رأسها قليلاً حتى صار وجهها مقابلاً لوجهه تماماً.

كلماته تلك مزّقت نياط قلبها حقاً ما إن أدركت تماماً ما كان يقصده بكلامه في تلك اللحظة..

عضّت شفتها السفلى بألم. ثم قالت بغصة، بينما تقاوم تلك الدموع التي تجمّعت في عينيها: لا يجب أن تقول هذا كارل، عليك أن تهتم بذلك! ليس عليك أن تعاملني هكذا أبداً...أنت تعلم ذلك...أنا...

فقاطعها لما وضع يده على خدها، مخللاً أصابعه في خصلات شعرها الذي كان مبعثراً بفوضوية، ليقول وهو يبتسم بهدوء: قلت لكِ أنني لا أهتم...لوسي أنا...

 

ثم سكت قليلاً قبل أن يقول بهمس: أنا أحبك!

 

اتسعت عيناها ما إن قال هذا. كان من الصعب عليها أن تستوعب ذلك في تلك اللحظة. كارل يحبها؟! هل يعقل أن يكون ذلك حقيقياً؟ هل يعقل أنه جاد في كلامه؟!

ظلت شفتاها ترتجفان، وهي تشعر بالحرارة تسري في جميع أجزاء جسدها..

لم يكن بوسعها التفكير حتى..كل ما كان يدور في عقلها هي تلكما الكلمتان فقط، واللتان ظلتا تترددان في داخلها مرات ومرات

 

(أنا أحبك)

(أنا أحبك)

(أنا أحبك)

 

وفي اللحظة التي أدركت فيها معنى ما قاله، كان هناك صوت يصرخ في داخلها.  يناديها، ويحثها عن أن تجيبه!

أجل لوسي، فلتقوليها، فلتخبريه بكل شي!

إنها ثلاث كلمات فقط. ثمانية أحرف فحسب.

 

(وأنــا أيـضـاً)

 

لكنها عضّت شفتها السفلى بقوة، وهي تحاول ألا تخرج تلك الكلمات من جوفها.
لا يمكنها ذلك، لا يمكنها فعل ذلك أبداً.

 

(لا يمكننا ذلك أبداً، لا يمكننا أن نكون معاً أبداً كارل)

ذلك ما كانت عيناها تقولانه في تلك اللحظة، لما نظرت إليه بألم دون أن تنطق بأي شيء...

قلبها كان يخفق بجنون، جسدها كان يرجف بقوة، ولم تكن تعرف ما عليها فعله.

كلماته، قربه، تعابير وجهه. كل ذلك جعلها تنظر إليه بخدر، دون أن تكون قادرة على التفكير بأي شيء!

استطاعت أن تلاحظ نظراته التي أخذت تلين شيئاً فشيئاً.

كانت وجنتاه محمرتين، كما أن تنفسه ثقيل بسبب الحمى. لكنه أخذ يمسح على وجهها بهدوء، دون أن يقول أي شيء.

أبعد تلك الخصلة المتمردة من على وجهها ليثبتها خلف أذنها، ثم ينزل يده ببطء حتى استقرت على جانب رقبتها، بينما ينظر إليها بذبول..

وقد بقيا على هذه الحال طويلاً، دون أن ينطق أحدهما بأي شيء.

 

عندها سمعاً صوت طرق مضطرب على الباب، لتهتف الجدة سمانثا بذعر من وراء الباب: كارل؟! هل أنت في الداخل؟!!

اتسعت عيناهما ما إن سمعا ذلك. عندها  قفزت لوسي إلى الخلف مبتعدة عنه في اضطراب، ثم وقفت بسرعة بعيداً عن السرير بضع خطوات، بينما اصطبغ كامل وجهها بالحمرة.

كارل غطى كامل وجهه بيديه، وهو مصدوم تماماً مما حدث.

لكنه قال بصوت أخرجه بالكاد: أجل جدتي...يمكنكِ الدخول!

فتحت الجدة الباب، وسارت نحو سريره بخطوات سريعة.

ألقت نظرة على لوسي الواقفة على مقربة من السرير، لكنها خفضت رأسها على الفور لتنظر إلى الأرض في ارتباك، وقالت بصوت راجف: مـ...مرحباً بعودتكِ جدتي!

سألها كارل الذي كان يحاول الجلوس على فراشه بصعوبة: لم أكن أعلم أنكِ ستعودين اليوم إلى المنزل!

أجابت الجدة وهي تقترب منه أكثر: لقد حاولت الاتصال بك مليون مرة، لكن هاتفك كان مغلقاً!

ثم جلست إلى جانبه على السرير، وقالت وهي تضع يدها على خده بقلق: ما الأمر؟ لقد سمعت من الخدم أنك كنت مريضاً جداً!

ابتسم كارل وقال مطمئناً: لا تقلقي جدتي إنني بخير الآن.

عندها قاطعت لوسي حديثهما لما قالت بارتباك: اممم...بما أن الجدة سمانثا هنا، فأعتقد أنه لا داعي لوجودي. سوف أعود إلى غرفتي الآن، استأذنكما بالانصراف!

قالت هذا لتخرج بأقصى سرعتها من الغرفة، دون أن تلتفت ناحيتهما للحظة.

 

فقالت الجدة وهي تنظر إلى الباب بحيرة: لماذا هي تتصرف هكذا؟ هل فعلتُ شيئاً سيئاً؟

أجاب كارل وهو يغطي وجهه، مخفياً تعابيره المصدومة تلك: بل على العكس جدتي...إنني ممتن لكِ حقاً لأنكِ أتيتِ في هذا الوقت!

استغربت الجدة من كلامه. أما هو، فقد قال في نفسه بصدمة: هل فقدت عقلي؟! كيف حدث هذا؟ كيف اعترفت لها في هذا الوقت؟! هل المرض أثر بي إلى هذه الدرجة؟

تباً، لقد أفسدت كل شيء!!

 

#جبال الألب الفرنسية_ الساعة 7:35 مساءاً
2006\3\7

 

كانت جانيت تسير في الردهة باتجاه قاعة الأكل، في حين تعلو وجهها ابتسامة منتصرة.

عندها التقت بالآنسة ماكينيل التي كانت قد أقبلت للتو، بينما تعقد يديها أمام صدرها..
ابتسمت لنظراتها تلك وقالت بنبرة ساخرة: ماذا؟ تبدين كما لو أنكِ قد فزتِ بجائزة عظيمة!

أجابت جانيت وهي تعقد يديها أمام صدرها بمكر: بلى، وهذا ما قد حدث. قريباً جداً سوف يكون بوسعي التخلص من الشوكة العالقة في حلقي إلى الأبد.

استغربت الآنسة ماكينيل من كلامها وسألتها باهتمام: وكيف ذلك؟

اتسعت ابتسامة جانيت وردّت بخبث: أخذت منها قلادتها، وتظاهرت بإخفائها. وهي كالغبية اتبعت كل أوامري بحذافيرها!

تغيّرت ملامح الآنسة ماكينيل وسألتها بتردد: وأين وضعتها؟

حركت جانيت كتفيها بلامبالاة وقالت بمكر: هذا ليس مهماً. المهم أنها لن تجدها أبداً.

عندها استغربت الآنسة ماكينيل من كلامها وسألتها بحيرة: ولم؟

فضحكت جانيت بصوت عالٍ، ثم أخرجت القلادة من جيبها، وقالت ببطء بينما ترفعها أمامها: لأنها ما تزال معي.

ثم أظلمت ملامحها بنظرة خبيثة. لتقترب منها، وتقول هامسة في أذنها ببطء: في غضون ذلك، سيقوم كل من غابرييل وجيمس بقتلها، والتخلص منها نهائياً!

قالت هذا، ثم أخذت تضحك بانتصار.
.
.
.
.
لم تلاحظ كلاهما فِيا الواقفةً هناك، بينما تضع يدها على فمها وهي تحاول كتم أنفاسها بصعوبة.

اتسعت عيناها بصدمة ما إن سمعت كلماتها تلك، رغم إنها لم تسمع ما قالته في النهاية.

جانيت هي من سرقت قلادة ايمي؟! تلك الحقيرة...ما الذي تخطط له بالضبط؟!

 

كانت تقف هناك في الواقع منذ البداية، بينما تبحث عن تلك القلادة. لكنها ما إن رأت جانيت، حتى اختبأت هناك لا شعورياً.
ولم تستطع تمييز المرأة التي كانت تتحدث معها، رغم أن صوتها كان مألوفاً جداً.

لم تستطع أن تعرف ما عليها فعله. لكنها وبعد أن فكرت لثوانٍ، سيطرت تلك الفكرة على عقلها فوراً.

أجل. ليس لديها أي خيار آخر غير هذا، حتى لو غضبت منها ايمي فيما بعد!
.
.
.
.
كانت واقفةً في الممر بينما تنظر حولها باضطراب شديد.

اقترب منها أحد الفتية، ليخاطبها قائلاً بسخرية: ما الأمر يا صغيرة؟ ألا تعرفين أن هذا هو الطابق الخاص بفتيان الإعدادية؟

عندها سألته فِيا بتردد: أ...أين هي غرفة هاري تشادولي؟

ما إن قالت هذا، حتى انفجر ذلك الفتى ضاحكاً ليقول بينما يشير إليها بسخرية: ما هذا؟ كيف يمكن أن يكون أطفال هذه الأيام بهذه الجرأة؟! صحيح أن الفتيات جميهن يسعين وراءه، لكن أن تصل طفلة إلى هذا المستوى من بينهم جميعاً...ذلك مذهل حقاً!

عندها صاحت فِيا بغيظ، بعد أن فقدت أعصابها تماماً: لا وقت لدي لمزاحك السخيف هذا! إنني أبحث عن ذلك الأحمق تشادولي لأمر مستعجل جداً، لذلك أخبرني أين هو، أو أنصرف من أمامي حالاً!

كان ذلك الفتى ينظر إليها مصدوماً من صراخها في وجهه، ومن الكلمات التي قالتها أيضاً.

تمتم قائلاً بذهول: الأحمق تشادولي؟ كـ كيف؟

عندها سمعا صوت هاري من خلفهما وهو يقول بانزعاج: جريجوري؟ ما الذي تفعلينه في مكان كهذا؟

ما إن رأته فِيا، حتى ركضت إليه بسرعة وشدت ملابسه. ثم وقالت بذعر بينما عيناها تدمعان: شيء سيء حدث لايمي..لقد بحثت عنها في كل مكان لكنني لم أجدها!

تفاجأ هاري من كلامها وقال على الفور بانفعال: ما الذي حدث لايمي؟!

وقد انتفضت بذعر  ما إن صاح بها قائلاً بحدة: أخبريني الآن بكل شيء!!
.
.
.
.
.

كانت جانيت جالسةً على طاولتها، بينما تتناول الطعام رفقة صديقاتها بصمت. عندها أخذن يتهامسن فجأة، بينما يشرن إلى ذلك القادم نحوهن.

قالت إحداهن وهي تضع يديها على خديها بإعجاب: ياااي! انظري جانيت، السيد تشادولي يسير نحونا!

ما إن ذكرت تلك الفتاة اسمه، حتى التفتت جانيت إلى الخلف على الفور، لتلتقي عيناها بعيني هاري اللتان كانتا تنظران نحوها ببرود.

كان قلبها ينبض باضطراب، رغم أنها لم تكن متأكدةً من أنه كان يسير باتجاهها هي تحديداً. لكنها تفاجأت كثيراً لما توقف خلفها ليقول ببطء: جانيت ميليغان؟

ما إن قال هذا، حتى وقفت جانيت على الفور أمامه وقد احمرّت وجنتاها في خجل.

هل لاحظ وجودها أخيراً؟ هل سيتحقق حلمها بعد هذا الانتظار الطويل؟

 

ردّت وهي تنظر إلى الأرض، بينما تضم يديها إلى صدرها في توتر: آه..أ..أجل..

ابتسم هاري بسخرية، وقال باستهزاء: ارفعي بصرك، ما الذي تشعرين بالخجل من أجله؟

نظرت إليه جانيت باستغراب من نبرته تلك. لكنه تابع كلامه قائلاً بحدة: سأدخل في صلب الموضوع مباشرة. أين هي ايمي؟

اتسعت عيناها بصدمة ما إن قال هذا. عندها لاحظت فِيا الواقفة خلفه، والتي كانت تنظر نحوها بكره، بينما الدموع متجمعة في عينيها.

فقالت في نفسها لاعنةً بغضب: تلك الحقيرة! هل قامت بإخبار صديقتها عن الأمر؟

لكن جانيت ردت بتوتر: ا...انتظر تشادولي. دعني أشرح لك أولاً...أنا..

قاطعها هاري وقال بنبرة آمرة: قلت لكِ أين هي ايمي، ولا أريد أن أسمع أي ثرثرة ليس لها داعي.

 

كان جميع الطلاب قد توقفوا عن الأكل، بينما ينظرون نحوهم باهتمام، ومنهم من اقترب منهم حتى يستطيعوا سماع محادثتهما.

أما جانيت، فقد ضغطت على أسنانها بغيظ لما أدركت أنه لا مفر أمامها.
لكنها لن تيأس أبداً. ليس بعد أن وصل الأمر إلى هذا الحد!

لطالما كانت مؤمنةً أن دروبهما ستتقاطع في النهاية مهما طال الأمر. إنها مقدرة له، وهو مقدر لها أيضاً..
ففي هذا العالم الذي لا يهتم إلا بالمكانة والمصالح، لا مجال للشك أنها الخيار الأنسب له. ولابد أنه يدرك هذا الأمر أكثر من أي شخص آخر.

لذلك حتى لو اضطرت لأن تبيع نفسها..حتى لو اضطرت أن تدوس على كرامتها، فهاري سيكون لها...لها هي فقط!

إنه رجل قبل كل شيء، ولن يكون بوسعه مقاومة سحرها أبداً...أليس كذلك؟

 

ابتسمت بمكر، ثم ردت وهي تقترب منه بميوعة: أوه هاري! لابد أنك فهمت الأمر بشكل خاطئ. لقد أردت أن أعلّم تلك الصغيرة درساً حتى تعرف مكانتها.
تلك الصغيرة كانت تحاول التدخل بيننا، لذلك أردت أن أجعلها تفهم أنك لي أنا فقط. ولم أجد غير هذه الطريقة حتى أجعلها تستوعب الأمر..

عقد هاري حاجبيه بعدم استيعاب، وقال متعجباً من كلامها: أنتِ... ما الذي تتحدثين عنه؟!

التصقت به جانيت بعد أن طوقت ذراعه بيدها. ثم قالت بهمس ماكر، بينما تداعب خده بيدها الأخرى. في حين كان وجهها على بعد سنتمترات قليلة جداً من وجهه: أنت تعلم ما الذي أتحدث عنه هاري.. أفراد عائلة تشادولي يقدّسون الدم النقي، والمكانة الاجتماعية... وشخص في مثل مكانتك، لن تناسبه إلا فتاة مثلي!

ثم قالت بعهر، بينما تمرر سبابتها على صدره في محاولة لإغواءه: لقد فعلت كل هذا من أجلك... تلك الطفلة لا تستحق أن تكون إلى جانبك..أنا فقط من أستحقك.

وأردفت بينما تهمس في أذنه بدناءة: إنني أفضل منها بكثير، وسأفعل أي شيء تريده مهما كان. أنت تعرف قصدي صحيح؟ لذلك علي أن تنظر إلي أنا فقط!

 

سكت هاري لبعض الوقت دون أن يرد على كلامها. لذلك ابتسمت بانتصار، بعد أن ظنّت لوهلة أن خطتها تلك قد نجحت تماماً..

لكنها تفاجأت لما شعرت بجسده يهتز فجأة وهو يكبت ضحكته، لينفجر بعدها ضاحكاً حتى دمعت عيناه..

قال هاتفاً بسخرية، بينما يمسح دموعه تلك: هل أنتِ مجنونة أم ماذا؟ ما الجحيم الذي جعلكِ تعتقدين أنني قد أكترث لوجودك حتى؟! أتعرفين ما الذي أفكر به عندما أنظر إليك؟

 

ثم أمسك ذقنها ورفعه لأعلى، حتى صار وجهه مقابلاً لوجهها تماماً. ليقول هامساً ببطء، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة بثت الرعب في قلبها: حــ  ثــ  ـا  لــ ـة !

 

ظلت ترتجف بذعر، وهي تنظر إلى تعابيره المرعبة، والخالية تماماً من المشاعر..

تراجعت خطوة إلى الوراء. لتحرك رأسها نافية، وتقول بذعر بينما شفتاها ترتجفان: ذلك مستحيل! أنت ستختارني أنا.. أنت تفضلني أنا..

ثم أردفت بصوت مهزوز: إنني أجمل منها، ومستواي أعلى منها بكثير!
أنا أريدك هاري..لقد أحببتك منذ أن كنت طفلة. حتى لو كنت لا تحبني، أنت تعرف جيداً أنني الأنسب لك، فانا أعرف عنك كل شيء منذ وقت طويل!!

 

لم تكن تعلم أن كلماتها تلك، كانت قد أيقظت في داخله شيئاً ما كان يجب أن يُوقظ أبداً.
ذلك الشيء الذي كان يحاول دائماً كبته بكل ما لديه، دون أن يكون قادراً على التخلص منه على الإطلاق.

 

أمال رأسه إلى الجانب، ثم قال بهدوء مرعب، وفي وجهه تعابير  مظلمة جعلتها ترتجف بذعر: هوه حقا؟ إذاً أخبريني.. ما الذي تعرفينه عني؟

ارتبكت كثيراً من سؤاله، لكنه تابع حديثه متسائلاً بنفس ذلك الهدوء المخيف: إذن...أفهم من كلامكِ أنكِ قمتِ بالتنمر على ايمي وإيذائها كل ذلك الوقت، فقط لأنكِ اعتقدتِ ولسبب سخيف، أنني قد أهتم بحشرة مثلك؟

تراجعت جانيت بضع خطوات إلى الخلف، بينما تنظر بخوف إلى ملامح وجهه.

 

أردات أن تتكلم، لكنه قاطعها لما ابتسم بسخرية، قائلاً بخبث: هيي..ما رأيكِ أن أفعل لكِ نفس الذي كنتِ تفعلينه لايمي؟ عندها سيكون ذلك عادلاً صحيح؟

حرّكت جانيت رأسها نافيةً وقالت بخوف: لا...أنت لن تقوم بفعل هذا...

اختفت ابتسامته تلك، ليقول مستنكراً ببرود قاتل: بالطبع... ومن قال لكِ أنني سأفعل ؟!

 

ثم نظر بحدة إلى إحدى الفتيات اللوات كن يجلسن معها في نفس الطاولة، ليخاطبها بجمود: أنتِ...تعالي إلى هنا.

أشارت الفتاة إلى نفسها وقالت بخوف من نظراته الباردة تلك: أنا؟

لم يرد هاري على كلامها، لكنها أدركت من نظرته الحادة أنه يقصدها بالتأكيد.

فقامت من كرسيها وسارت نحوه بتوتر. وقبل أن تسأله أي شيء، أمرها قائلاً بوجه خالِ من المشاعر: اصفعيها.

تفاجأ الجميع من كلامه، وقد تجمعوا كلهم حولهما. حتى الأساتذة كانوا متواجدين هناك، لكن أحداً لم يجرؤ على التدخل...فكيف يمكن لأي منهم الاعتراض على كلمات وريث تشادولي الثاني؟!

كانت تلك الفتاة ترتجف بخوف، وقالت وهي تنظر إلى جانيت، وإلى هاري في توتر: أنا...

عندها كرر هاري كلامه بحدة أكبر: قلت اصفعيها!

اقتربت منها تلك الفتاة بخوف، ثم وقفت أمامها.

مدّت يدها المرتعشة نحوها لتدفع خدها بخفة، في حين كانت جانيت تبدو مصدومةً تماماً.

عندها قال هاري بغضب: هل تمزحين معي؟ قلت اصفعيها، ولم أقل أن تمسّدي على خدها!

انتفضت تلك الفتاة بذعر، لكنها أغلقت عينيها لتصفع جانيت بكل قوتها حتى احمّر خدها تماماً، وقد رسم الاحمرار آثار أصابعها على وجهها.

فتحت عينيها ببطء. وما إن رأت وجه جانيت، حتى قالت بخوف وعيناها تدمعان: أنا آسفة...

وضعت جانيت يدها على خدها بصدمة، بينما تشعر بحرارة الصفعة التي أخذت ترتفع تدريجياً. لكن هاري لم يكتفي عند هذا الحد.

نظر إلى بعض الطلاب الواقفين خلفه، ثم خاطب ثلاثة منهم  ببرود قاتل: أنتم الثلاثة...فلتقوموا بضربها...

انتفض الثلاثة برعب من كلامه، لكن نظراته كانت أكثر إرعاباً بكثير.

قال أحدهم بتردد: لكن ذلك...

فقاطعه هاري لما قال بلامبالاة: لا تقلق. لن تجرؤ أسرة ميليغان على فعل أي شيء لكم، لذلك فلتفعلوا ذلك حالاً.

ثم أردف محذراً: ادّوا عملكم بجدية...لا أنصحكم بإثارة أعصابي أبداً!

عندها وقفوا أمام جانيت، ليقول أحدهم بينما يتجنب النظر إلى عينيها: أنا آسف، لكنني لا أستطيع الاعتراض على أوامره أبداً...

تراجعت جانيت خطوة إلى الوراء، عندها خاطب هاري تلك الفتاة الواقفة إلى جانبها، بينما اعتلت وجه تعابير باردة لا حياة فيها: أمسكيها جيداً حتى لا تهرب.

وبالفعل. قامت تلك الفتاة بإمساكها، بينما أخذ أولئك الثلاثة يقومون بضربها بعنف.

 

لم يبالي أبداً ببكائها، بصراخها، وبتوسلاتها أن يتركوها وشأنها.

ظل ينظر إليها كما لو كانت حشرة أمامه، في حين كان يضع يديه في جيوبه ببرود.

كانت فِيا تشعر بالرعب حقاً من تصرفاته تلك. نظرت إليه وقالت في نفسها بخوف: هل هذا حقاً هاري تشادولي الذي أعرفه؟! إنه مرعب حقاً! هل..هل تعلم ايمي بشخصيته هذه؟!

لكنها اقتربت منه وقالت وهي تشد كمه بتردد: تـ...تشادولي... هذا يكفي. ألا تظن أنك بالغت في ذلك قليلاً؟

لم يكترث هاري لكلامها أبداً. لكنه بعد برهة، قال بنفس بروده ذاك: توقفوا عن ذلك.

عندها توقف الجميع عن ضربها، وابتعدوا عن جانيت على الفور.

نظر هاري ببرود، إلى جانيت الجاثية أرضاً وسط دموعها وجروحها الدامية. في مظهر أقل ما يقال عنه أنه مزري.

كانت تبكي بحرقة، بينما ترتجف بالكامل.

 

عندها سار نحوها وهو ما يزال يضع يديه في جيوبه. ليقول وهو ينظر إليها بسخرية: ماذا؟ أهو مؤلم؟

ثم تغيرت تعابيره إلى تعابير غاضبة، وقال بحدة مخيفة: هذا ما تستحقينه لجعل ايمي تتألم بسببك!

نظرت إليه وهي ترتجف بالكامل، ثم صاحت قائلةً بذعر: ابتعد عني! لا تقترب مني!

فابتسم هاري بمكر وقال باستهزاء: ماذا؟ ألم تقولي أنكِ تحبينني؟

فردّت جانيت وهي تنظر إليه بذعر: لا! أنا لا أحبك! أنت شيطان...أنت شيطان حقيقي!

 

ضحك هاري متلذذاً بسادية، ليقول وفي وجهه ابتسامة شيطانية بثّت الرعب في قلبها : وماذا في ذلك؟ أنتِ تريدين الحصول عليّ لأنني من أسرة تشادولي صحيح؟ ولكن كما تعلمين...أسرة تشادولي التي تقدسينها، هي من قامت بتربيتي حتى أصير شيطاناً!

ثم جلس القرفصاء أمامها، ليمد يده باتجاهها ويقول ببرود فجأة: القلادة.

فقالت جانيت ببلاهة، وهي لم تستوعب قصده للحظة: هاه؟

عندها كرر هاري كلامه قائلاً بحدة: قلت لكِ فلتعطني قلادة ايمي!

انتفضت جانيت بذعر، ثم أخرجت القلادة من جيبها، ومدّتها له بيدين مرتعشتين.

بعد أن سحبها منها، سألها ببرود: إلى أين أرسلتِ ايمي؟

أجابت جانيت بضعف، بينما تنظر إلى الأرض بخوف: في الكوخ الخاص بالمعلمين.

ما إن قالت هذا حتى اتسعت عيناه بصدمة.. أمسك ياقة قميصها وقال وهو يهزها بغضب عارم: أتقولين أنكِ أرسلتِ ايمي إلى الخارج في هذه العاصفة؟!!

ثم أردف بتهديد، بينما يضغط على أسنانه بسخط: أقسم لك.. أقسم لكِ أنه إذا ما حدث شيء ما لايمي، فسوف تدفعين الثمن أنتِ وأسرتكِ بالكامل!!

قال هذا ليدفعها بقوة حتى سقطت أرضاً... ثم ركض بسرعة إلى خارج القاعة، متجاهلاً تماماً تلك الهمهمات، والهمسات من كل من حوله بينما ينظرون إليه في خوف شديد...

 

كان الحارسان اللذان ارسلهما كارل في انتظاره، وقد أمرهما على الفور قائلاً بعصبية: كاليب، اذهب واستدعي الطبيب.. مارتن، ساعدني في البحث عنها..إنها ذاهبة إلى كوخ المعلمين في موقع التزلج!

قال هذا ليركض إلى الخارج دون أن ينتظر ردهما.. ضغط على أسنانه بغيظ، ليقول في نفسه بحنق: غبية! ألاجل قلادة سخيفة، تفعلين شيئاً متهوراً كهذا؟

ثم سكت قليلاً ليردف هامساً بغصة: فلتكوني بخير...ايمي!!

 

#نفس المكان، ونفس الوقت

 

كانت تسير ببطء، في مواجهة تلك العاصفة القوية التي أخذت تدفعها للخلف بقوة. فرفعت كلتا يديها أمام وجهها، محاولةً أن تبعد الثلج المندفع نحوها ولو قليلاً.

كانت ترتعش من البرد. في حين شحبت ملامحها، وازرقّت شفتيها، بينما لم تتوقف عن السعال أبداً..
أنفاسها كانت تضيق شيئاً فشيئاً، وقد كانت تستطيع سماع صوت الأزيز في صدرها، في حين بدا واضحاً كم كانت تتألم آنذاك.

لكنها لا يمكنها العودة بعد. ليس قبل أن تستعيد قلادتها العزيزة على قلبها!

 

توقفت أمام ذلك الكوخ الخشبي، المبني أعلى هضبة مرتفعة قليلاً. ثم سارت بسرعة نحو نافذة الكوخ.

لكنها صدمت ما إن رأت أنه لا يوجد شيء معلق على حديد النافذة.

فجلست على الأرض، وهي تبعد بيأس ذلك الثلج المتراكم أسفل منها بقفازيها الصوفيين في حين بدت على وشك البكاء.

ولما أدركت أنها لن تجد شيئاً بالتأكيد، جلست على ركبتيها وقالت وعيناها تدمعان: ليست هنا..إنها ليست موجودةً في أي مكان!

 

في تلك اللحظة، سمعت صوت باب الكوخ وهو يفتح. ليظهر أمامها رجلين ضخمين، تعلو وجهيهما نظرة خبيثة مرعبة.

أرادت أن تقف لكي تهرب منهما، وهي تدرك جيداً أنهما لا ينويان خيراً. لكن أطرافها كانت مجمدةً تماماً بسبب البرد، فلم تقو على الوقوف أبداً.

بيد أنه لا يمكنها ذلك..لا يمكنها الاستسلام لهم أبداً!

استدارت للجهة الأخرى، لتحبو متبعدةً عنهم باستماتة.

أخذ أحدهم يضحك شامتاً، ليقول بينما ينظر إليها بسخرية: آه أجل...فلتفعلي هذا يا صغيرة. عليكِ الهرب منا بكل ما لديكِ. لن يكون الأمر ممتعاً أبداً إذا ما استطعنا قتلكِ بسهولة!

شعرت بالخوف ما إن سمعت هذا. لكنها أخذت تسرع في حبوها، بينما تردد في نفسها وهي تبكي بخوف: هاري...أسرع، تعال وساعدني!

كانا يسيران خلفها بينما يضحكان بصوت عالٍ، في حين كانت هي مذعورةً ومتعبة حقاً.
كانت أنفاسها المضطربة تعلو وتعلو، مع ازدياد وتيرة سعالها الحاد، الذي لم يتوقف أبداً. وبعد أن تحركت لوقت طويل، لم يعد بوسعها المتابعة أكثر.

كانت منهكةً تماماً، بينما ظل البرد القارص ينهش عظامها الصغيرة. الرعب الذي شعرت به آنذاك، كان قد استنزف كل طاقة متبقيةً في جسدها.

لذلك بدأت تفقد وعيها شيئاً فشيئاً...وقبل أن تسقط تماماً في الظلمة، رأت على امتداد مستوى بصرها، ساقيّ ذلك الظل الواقف أمامها...

 

رفعت بصرها ببطء. وقد كان آخر ما رأته، هي تلك الخصلات الذهبية الطويلة التي كانت تتطاير بسرعة مع الرياح...

لتسمع أخيراً ذلك الصوت المألوف يقول بحدة: كيف تجرؤون على الاقتراب منها أيها الأوغاد؟!

 

ثم بعد ذلك،  لا شيء سوى الظلام.

 

يتبع.. 

 

******

 

_رأيكم في الفصل؟

_توقعاتكم للأحداث القادمة؟

_لوسي لم تختر أخذ الدفتر، فما الذي يعنيه هذا؟

_لماذا تحدث كل من كارل ولوسي عن الأم بهذه الطريقة؟

_ما مصير علاقتهما بعد اعتراف كارل المفاجئ؟😳

_هل ستوافق لوسي على مشاعره اتجاهها؟

_برأيكم..ما السر وراء تصرف هاري بهذه الطريقة السادية؟ وهل توقعتم أن يفعل هذا؟

_ هل استحقت جانيت ذلك حقا؟

_وبعد الذي حدث..هل ستحاول جانيت إيذاء ايمي مرة أخرى؟

_برأيكم، كيف ستكون ردة فعل ايمي إذا ما علمت بما فعله هاري لجانيت؟

_ما الذي سيحدث لايمي الآن؟ ومن ذلك الشخص الذي ظهر في نهاية الفصل؟

 

أحداث كثيرة وشيقة بانتظاركم في الفصول القادمة فانتظروني.


أعلم أنكم ربما تكونون مصدومين من شخصية هاري المفاجئة. لكن اعلموا أن هناك سبباً وراء سلوكه هذا، وستعرفونه في الأحداث القادمة..

أرجو ان الفصل قد نال إعجابكم..لا تنسوا التصويت وترك تعليق على أحداث الفصل، و سأكون ممتنة لكم حقا😊

 

أراكم على خير أحبتي..دمتم في أمان الله وحفظه🌷

 

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus