كانت تقف إلى جانبه أمام الردهة، بينما يلقي الأوامر على الخدم بتعالي، تعلو وجهه نظرة الاستصغار تلك..

بعد ان انتهى من ذلك، نظر نحوها ليقول ببروده المعتاد:اذهبِ إلى غرفتك الآن، لقد أمرت الخادمة بأن تعطيك دواءك...

أومأت رأسها بالايجاب وكانت على وشك المغادرة، لولا أن فُتح باب المدخل فجأة ليدخل والداها...

نظرا نحوها بذهول،وقد تقدمت أمها خطوة نحوها بينما اعتلت وجهها نظرة ألم وقلق. لكنها توقفت مكانها ما إن أحست تلك النظرات الحادة في عيني ماكس.


رفع حاجبه في نظرة أدركا على الفور أنها نظرة تهديد...كانت ايمي تنظر نحوهما في ألم، ثم خفضت رأسها وقد تمسكت بملابسها محاولة الحفاظ على رباطة جأشها، لكن ماكس قال لها بهدوء مخيف:ايمي، غادري إلى غرفتك حالاً...

نظرت نحوه بريبة للحظات، لكنها أطاعت كلامه وغادرت بسرعة إلى غرفتها ليسير ماكس باتجاه عمه وزوجته...


وقف إلى جانبه ليهمس في أذنه بحدة: عمي، من الأفضل ألا تفكر في شيء غبي لا داعي له...أنت لا تريد أن تكون نهايتها مثل ذلك الصغير صحيح؟ من الأفضل ترك الأمور كما هي عليه...

ثم وضع يده على كتفه وقال بدناءة بينما يربت عليه بهدوء:إنني أعرف كل شيء يحدث هنا، لذلك كن مطيعاً والتزم الصمت فحسب. أهذا مفهوم؟


نظر نحوه فريدريك بغضب، لكنه أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء:أعلم هذا لذلك كن مطمئناً.. لن يضطر لوضع يده عليها، سأهتم أنا بالأمر!


نظر نحوه ماكس بشك، ثم حرك كتفه بلامبالاة وقال ببرود:ذلك جيد، هذا ما عليك فعله إذا ما أردت حمايتها...وأضاف بحدة أنت تعلم ما أقصده صحيح؟

لم يرد فريدريك عليه، بل نظر نحوه بحدة دون أن يقول أي شيء..غادر ماكس المكان بينما ظل هو واقفاً في مكانه..


وقفت زوجته إلى جانبه ثم أمسكت يده وقالت بهمس وهي تضغط عليها:لا بأس، سيسير كل شيء على ما يرام...



# لندن- الساعة 7:30 صباحاً
2005/9/13


استيقظت صباحاً وقد كانت نشيطة جداً... رتبت سريرها ثم بدلت ملابسها وقد بدت مرتاحة تماماً...

دخلت عليها إيلي، تحمل في يدها صينية بها بعض الأطباق. فلما رأتها على هذه الحال شعرت بالراحة كثيراً وقالت بمرح بينما تنظر نحوها بابتسامة رقيقة:همممم ما السر وراء هذا النشاط يا ترى؟ في العادة تستغرقين وقتاً طويلا جداً في النوم!


نظرت إليها ايمي قليلا ثم ابتسمت وقالت بسعادة:في الواقع...أتعلمين إيلي؟ لقد قررت أن أصبح رسامة مشهورة في المستقبل!

استغربت إيلي من كلامها وقالت بدهشة: رسامة مشهورة؟
ثم سألتها باهتمام:ما الذي جعلك تقررين هذا فجأة؟


سارت إليها ايمي حتى وقفت أمامها، وقد كانت تحمل في يدها مذكرة رسم وأقلام تلوين. لتقول بتردد ممزوج بالخجل:امممم في الحقيقة، لقد التقيت شخصاً لطيفاً جداً في الأمس...لقد أعجبه رسمي كثيراً. قال أنه حتى لو كنت مجبرة على الرسم، فعلي ألا أدع ذلك يحبطني...أخبرني أن أرسم لأنني أحب الرسم، لأنه هوايتي والشيء الذي استمتع به!

ابتسمت إيلي وقالت بتفكير:هممم يبدو أنه شخص رائع حقاً...
ثم سكتت قليلا وأضافت قائلة:ذلك صحيح يا عزيزتي،أنت تملكين موهبة رائعة جداً...أنا واثقة من أنك ستغدين ذات شأن عظيم في المستقبل!


بدت ايمي سعيدة جداً لما سمعت ما قالته وهتفت في حماس طفولي:أجل! علي أن أطور من مهاراتي من الآن فصاعداً،يجب أن أرسم كثيراً حتى أصبح محترفة!

وضعت إيلي يدها على رأسها وقالت مشجعة: أجل، بالتأكيد يا عزيزتي!

ايمي:يجب أن أذهب الآن.. سوف أذهب للحديقة لكي أرسم!


ولما همت بالمغادرة، توقفت فجأة لتلتفت إلى إيلي وتسألها قائلة:أوه صحيح! لقد كانت هناك ورقة في جيب فستاني عندما كنت في المستشفى، هل رأيتها؟

ارتبكت إيلي من سؤالها لكنها قالت متظاهرة الحيرة:ورقة؟ كلا  لم أر أي شيء...

قالت ايمي بتفكير:هممم...ربما وقعت مني في الشارع عندما وقعت أرضاً...

زفرت بضيق ثم أضافت بإحباط:يبدو أنه علي أن أرسم واحدة أخرى! عيد ميلاد جون اليوم،  لذلك علي أن أسرع! ثم نظرت إلى إيلي وقالت على عجل:سأذهب الآن!

قالت هذا لتركض إلى الحديقة في حماس.. نظرت إيلي إلى الباب بحزن، وقالت في نفسها بضيق:أتساءل ما الذي سيحدث من الآن فصاعداً؟ ثم تذكرت تصرفات سيدتها في الأمس لتفكر بقلق:أتساءل ما معنى تصرفاتها في الأمس؟ لقد قال السيد الشاب أنه لن يترك الامر هكذا...هل سيتغير شيء ما حقاً في هذا المنزل؟!

 

كانت جالسة تحت شجرة اللوز العملاقة كعادتها، وقد كانت منهمكة في الرسم...

لما رآها جالسة هناك سار نحوها ووقف خلفها ينظر نحوها باهتمام...لم تلاحظ وجوده في البداية، حتى خاطبها قائلا بتردد بينما ينظر إلى تلك الرسمة المتقنة، لوجه الشخص الذي عرف أنه البستاني جون كما قالت والدته في الأمس:أوه ذلك مذهل حقاً، إن رسمك جميل جداً!


انتفضت ما إن سمعت صوته ثم نظرت إليه بارتياب...ضمت مذكرتها إلى صدرها وقامت من مكانها والخوف في عينيها...

لما رأى نظرتها تلك، ابتسم بألم وسار نحوها ليضع يده على رأسها...
أجفلت من لمسته تلك، وقد أغمضت عينيها بقوة بينما ترتجف في خوف...


قال بهدوء عكس ما في داخله:ايمي عزيزتي، لا تخافِ مني أرجوك...ثم أضاف برجاء: هل لا بأس في أن نتحدث قليلا؟


فتحت عينيها ببطء ونظرت نحوه في شك... تلك النظرة القلقة في عينيه أربكتها كثيراً. لكنها رغم هذا تراجعت خطوة إلى الوراء لتركض مبتعدة عنه في توتر واضطراب...

وقف مكانه ينظر إلى يده الممدودة في الهواء بألم.. خفض يده وصر على أسنانه، ليقول بحزم:ليس بعد! علي ألا استسلم أبداً!



اختبأت خلف المخزن في الباحة الجانبية للقصر.. كانت تلتقط أنفاسها بسرعة وقد بدت مضطربة جداً...

كانت تفكر في نظراته تلك، وقد تردد صوته في ذهنها لما خاطبها قائلا (ايمي عزيزتي، لا تخاف مني أرجوك)


كانت تفكر وقتها بقلق..ما الذي أراد أن يقوله لها في ذلك الوقت؟


تذكرت ما حدث في الأمس..كانت قد أدركت أنه لا يعرف شيئاً عن ما حدث.
هل يمكن أن يكون مختلفاً عن والديها؟ فهو إن لم يكن مختلفاً، ما كان والداها ليخفيا أمرها عنه كل هذه السنوات!


لكنها سرعان ما أبعدت تلك الفكرة عن رأسها. لقد تأذت بما فيه الكفاية، وقد قررت أنها لن تتعلق بأمل كاذب بعد الآن أبداً...

ستتوقف عن التطلع إليهما بعد الذي حدث، ماكس لن يسمح لها بالموت أبداً،كما أن كلمات ذلك الغريب كانت قد بعثت الأمل في نفسها...

ستعيش من أجل تحقيق حلمها، ولن تنتظر أحداً بعد الآن أبداً!


قطع تفكيرها صوت ذلك الشخص،  عندما خاطبها بمرح قائلاً:أوه ايمي..ذلك مطمئن حقاً، يبدو أنك بخير!

ابتسمت بسعادة ما إن رأته وهتفت قائلة:براد! لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك فيها،كيف حالك؟

ابتسم براد وقال:لقد رافقت سيدي الكونت إلى رحلة عمله في مانشستر...


ثم سكت قليلا وأضاف قائلا بقلق:في الواقع لقد كنت أنا من أخذك إلى المستشفى بالأمس، كنت تبدين ف حالة سيئة جداً..كيف تشعرين الآن؟

أجابت ايمي مطمئنة:لا تقلق علي، إنني بخير الآن...ثم تساءلت باستغراب:لم تخبرني إيلي أنك أنت من اصطحبني...

أجاب براد بحيرة:حقا؟ هذا غريب، لقد اصطحبتك أنا وإيلي في الأمس. لكن السيد ماكس لما سمع بما حدث لك، أتى للمستشفى وأمرنا بالمغادرة...

ايمي:هممم،هكذا إذا...


نظر براد إلى الدفتر في يدها، فسألها باهتمام: هل رسمت شيئاً جديدا؟

ابتسمت ايمي وقالت بحماس:أجل! لقد رسمت جون...
ثم اقتربت منه ووضعت يدها إلى جانب فمها لتهمس ببراءة طفولية:إن عيد ميلاده اليوم لذلك سأقدم له هذه الصورة كهدية!

علق براد بابتسامة واسعة:هووه حقا؟ إن جون محظوظ جداً...
ثم سكت قليلا وأضاف بمرح:عليك أن تقومي برسمي في عيد ميلادي أنا أيضاً!

زمرت ايمي شفتيها وقالت باستياء طفولي: ذلك ليس جيداً،لن تكون مفاجأة إذا ما قمت أنت بطلب ذلك مني!


ضحك براد على طريقة كلامها، وقال بعد أن وضع يده على رأسها:لا بأس ايمي عزيزتي.. سأكون سعيداً جداً إذا ما فعلت ذلك من أجلي حتى لو كنت أعلم هذا...
إن جمال الهدية في معناها عندما تعرف أن الشخص الآخر قد بذل جهده من أجل اختيارها من أجلك...

بدت ايمي مرتاحة جداً لما سمعت ذلك، وقالت موافقة على كلامه:أجل معك حق..


ثم ضمت دفترها إلى صدرها قالت برجاء: أتمنى أن يكون جون سعيداً بهديتي هذه!

ربت براد على شعرها وقال بابتسامة:بالتأكيد سيكون سعيداً جداً...




في اليوم التالي، كانت ايمي جالسة على تلك الكراسي الحديدية البيضاء،تحت شجرة اللوز وقد كانت منهمكة في الرسم...

ابتسمت لما تذكرت وجه جون لما أعطته تلك الرسمة...
كان سعيداً جداً، وقد عانقها بقوة ليردد قائلاً بامتنان:شكراً لك صغيرتي ايمي...


سحب الكرسي بجانبها، ثم قال وهو ينظر إليها بابتسامة دافئة:هل حدث شيء جيد؟ تبدين سعيدة جدا...

أجفلت بذعر لما سمعت صوته فجأة. لكنها ما إن رأته، حتى تغيرت ملامح وجهها لتنظر إليه في حذر...
كانت على وشك جمع أغراضها لكنه أمسك يدها بسرعة وقال برجاء:ايمي انتظري... أرجوك أن تستمع إلي...

حاولت سحب يدها لكن بلا فائدة.  نظرت نحوه بوجل...استطاعت أن ترى ذلك الاصرار في عينيه، وهو يرجوها أن تستمع إليه...


كانت خائفة جداً. تدرك جيداً أنها وفي مكان ما في قلبها، كانت تتمنى ذلك دائماً..
أن ينظر إليها أحد من عائلتها يوماً، أن تشعر بقربهم منها، واهتمامهم بها...

أن تعيش مثل أي إنسان آخر وسط عائلة تحبها، وتقدم لها العطف والحنان الذي لطالما حلمت به في حياتها..

لكن ماذا لو كان كل ذلك وهماً لا وجود له؟ ماذا لو أنه سيجعلها تعيش أملا واهياً سيختفي بعد لحظات؟


لم تكن تعرف عنه شيئاً،لكنها كانت تدرك جيدا أنه كان محبوباً من قبل والديها، على خلافها هي التي كانا دائماً يقسوان عليها طوال الوقت...

لربما جاء للسخرية منها! ذلك صحيح...فهو أفضل منها، وهو الأحب إلى قلب والديه الذي تعلم تماماً أنه لا مكان لها فيه....

إذا لهذا السبب منعها من الانتحار! لأجل أن يجعلها تدرك أكثر كم يحتقرها والداها ويفضلانه عليها في كل شيء...

بدلا من الموت انتحاراً، سيجعلها تموت ألف مرة حينما تدرك جيداً هذه الحقيقة!


هتفت بكره:اترك يدي!


تفاجأ كثيراً من نبرتها تلك،كان يستطيع أن يفهم خوفها منه، لكن كرهها له شيء آخر تماماً!

قال بهدوء محاولا تجاهل نبرتها الحادة:ايمي... أريدك أن تستمع إلي، إن الحقيقة ليست كما تتصورين أبداً، أبي وأمي في الواقع...

قاطعته بصراخ:أعلم! أعلم جيداً ما تحاول قوله!


ثم نظرت إليه والدموع في عينيها: أرجوك ألا تقول أي شيء، لقد توقفت عن انتظار إي شيء منهما،إنني أعرف مكانتي بالفعل. لذلك لستَ في حاجة لأن توضح لي ذلك أكثر!

تفاجأ كثيراً من كلماتها تلك، وظل ينظر إليها في ذهول..ما الذي تعتقده هذه الطفلة حقاً؟ هذا ما كان يفكر به وقتها...


لما شعرت بارتخاء قبضته، سحبت يدها بسرعة لتأخذ دفترها، وتركض مبتعدة عنه إلى داخل المنزل...كانت تحاول كبت دموعها بصعوبة...



ظلت تركض وتركض،  حتى اصطدمت بأحدهم فجأة لتسقط أرضاً...

رفعت بصرها تنظر إلى إيلي الواقفة في الرواق، وقد كانت تنظر إليها في قلق...

تجمعت الدموع في عينيها لتقوم من مكانها وتركض نحوها ثم تحشر وجهها في ملابسها بينما تبكي في ألم...

سألتها إيلي في خوف:ما الأمر ايمي؟

لم ترد ايمي عليها، وقد ظلت تبكي بحرقة..
كانت إيلي قادرة على الشعور بارتجاف جسدها الصغير، بينما بللت دموعها الساخنة أطراف فستانها...

تنهدت بضيق، ثم انحنت إليها لتحملها بين يديها وتضمها إليها بقوة...


حشرت ايمي وجهها في كتف إيلي، لتسير الأخيرة باتجاه غرفتها بينما تحملها في صمت...

أجلستها على سريرها وجلست إلى جانبها، ثم ضمتها إليها وأخذت تمسح على شعرها في حنان..

بعد دقائق هدأ بكاء ايمي أخيرا، فمسحت إيلي ما تبقى من دموعها وسألتها بقلق:ايمي عزيزتي، أخبريني أرجوك ما الذي يبكيك هكذا؟ لقد كنت تبدين سعيدة جداً في الصباح،لا أفهم لماذا صرت هكذا فجأة!


نظرت إليها ايمي بألم، ثم سألتها بضياع:ما الذي أفعله إيلي؟ إنني أشعر بالخوف حقاً!

استغربت إيلي من كلامها وقالت بحيرة:من ماذا أنت خائفة؟

ترددت كثيراً قبل أن تقول بضياع:ذلك الشاب، لقد قال أنه يريد التحدث معي...

سألتها إيلي بشك:تقصدين السيد الشاب ديفيد؟


لم ترد ايمي على سؤالها، لكنها أدركت من ملامح الحزن التي ارتسمت على وجهها، أن ذلك صحيح...

قالت ايمي بتشتت بعد أن سكتت لدقائق: إنني خائفة جداً من الذي يريد قوله لي، ماذا لو كان يريد السخرية مني؟ إن أبي وأمي يحبانه كثيراً على خلافي..إنني خائفة جداً من أن أفكر في أنه مختلف عنهما، ثم اكتشف بعد ذلك أنه يكرهني هو أيضاً!


تفاجأت إيلي كثيراً لما سمعت كلامها،تذكرت ردة فعله لما علم بشأنها..
غضبه من جده، حديثه مع أمه، وإصراره على أن تصحح الأمور مع ابنتها من جديد...

لم تتصور أبداً أن ايمي ستفكر بهذه الطريقة اتجاهه!


أمسكت بكتفيها بقوة وقالت وهي تنظر إليها بحزم:ايمي، أنت مخطئة تماماً! إن الأمر ليس كما تتصورينه أبداً. عليك ألا تتسرعِ في الحكم عليه قبل الاستماع إلى ما يريد قوله!

ثم سكتت قليلا وقالت بحزن:شقيقك لم يكن يعرف بأي شيء عن ما حدث..كان يجب أن تريه كم كان قلقاً عليك في المستشفى! وأضافت بهمس لم تسمعه:وأمك أيضاً..


قالت ايمي باستغراب:ما الذي تقولينه إيلي؟ ألم تكونِ أنت وبراد فقط من أخذني إلى المستشفى؟


ارتبكت إيلي كثيراً لما قالت هذا، وتذكرت توصيات براد لها في السيارة لما قال (لا تخبرِ الآنسة أن والدتها قد أتت برفقتها،سترتبك كثيراً إذا ما سمعت هذا، وستعتقد أن والدتها صارت تهتم بها...نحن لسنا واثقين بعد من أنها فعلت هذا لأنها نادمة فعلا. ربما تكون مجرد نزوة فحسب، لذلك سيكون الأمر مؤلماً جداً بالنسبة لايمي إذا ما علمت بهذا، إنها تعاني بما فيه الكفاية!)


قالت إيلي بتلعثم محاولة تصحيح ما قالته:آه أعني...لقد سمع بالأمر فيما بعد، وكان قلقاً جداً...
ثم ضغطت على كتفيها وقالت بهدوء:على كلٍ..ايمي،أنا أعتقد أن شقيقك مهتم بك حقاً، والأمر بالتأكيد ليس كما تظنينه أبداً!  عليك أن تعطيه فرصة وأن تستمعِ إلى كلامه... أتعدينني بذلك؟

خفضت ايمي رأسها في حزن...كانت حائرة جداً وتائهة، أتصدق ذلك حقاً؟ هل عليها أن تعطيه فرصة كما أخبرتها إيلي؟


لكن ماذا لو تألمت في النهاية؟ ماذا لو انتهى بها المطاف لتُجرح مجدداً؟
كانت خائفة جداً لكنها تنهدت بضيق ثم قالت بضياع، وبصوت شبه مسموع:حسناً لا بأس... سأستمع إلى كلامه...


#لندن-الساعة 8:05 مساءاً
2005/9/14


دخل إلى تلك الغرفة حيث كان  والداه جالسين كعادتهما...
كانت تلك الخادمة البدينة واقفة هناك بصمت كعادتها، خلف الكرسي الفيكتوري الذي جلسا عليه في هدوء...


جلس على الكرسي المقابل لهما، ليتنهد بضيق ويقول بألم:لقد رفضتني مجدداً،إنني قلق حقاً عن ما تعتقده بشأني...لقد قالت لي كلاماً غريباً جداً...


عندها قاطعته والدته وقالت بحزم وبنبرة صارمة:ديفيد، توقف عن فعل هذا! إن ما تقوم به بلا فائدة، عليك التوقف عن محاولة التحدث مع تلك الطفلة، وأن تبقي الأمور كما هي فحسب...
ستعود بعد أسبوع إلى فرنسا، لذلك عليك ان تنسى أمرها...قدومك إلى هنا كان من أجل أن تحضر معك وريث تشادولي فحسب، لا حاجة لأن تفعل أموراً لا طائل منها!


اتسعت عيناه وهو يستمع إلى كلمات والدته الصادمة تلك...قام من مكانه ليقول بانفعال: أمي! ما الذي تقولينه؟ هل تعنين كلامك حقا؟!


قامت من مكانها وسارت إليه لتقول بعصبية: ديفيد ذلك يكفي! لقد أخبرتك بالفعل أن تتوقف عن التحدث بطريقة عاطفية هكذا، عليك أن تحافظ على مكانتك كفرد في عائلة هوريستون، بدلا من الشفقة على طفلة لن تفيدك في شيء!

صاح ديفيد باعتراض:أمي! أرجوك أن تتوقف عن ذلك،أنا لا أفهم...


ثم قال وهو يهز رأسه نافياً:أنت بالتأكيد تمزحين معي، كيف يمكن أن تقولي كلاماً كهذا عن ابنتك..أنا...

عندها ضمت يده بين يديها وقالت برجاء: ديفيد، أرجوك أن تستمع إلي...ما تفعله بلا فائدة أبداً! لذلك توقف أرجوك....

نظر نحوها بذهول، إلى نظرة الرجاء في عينيها الزرقاوتين ...


قبض يده بقوة فأبعدت يديها عنه وقالت بهدوء بعد أن وضعتها على كتفه: ديفيد، عليك أن تذهب إلى غرفتك وتصفي ذهنك من هذه الأفكار السخيفة...سترحل قريباً لذلك توقف عن فعل هذا!


لم يرد عليها،ضغط على أسنانه بغيظ ليسير مبتعداً عنها ويخرج من الغرفة بعد أن صفق الباب وراءه بقوة...



#لندن-الساعة 8:10 مساءاً
2005/9/14


كان جالساً بهدوء خلف مكتبه الخشبي الفاخر تعلو وجهه تلك النظرة الحادة كما كان دائماً...

طُرق الباب برفق، ليسمع صوته الحذر يقول من وراء ذلك الباب:جدي..إنه أنا، ماكس..

رد بنبرة جافة:ادخل...


فتح الباب، ليسير بخطوات مرتبكة حتى وقف أمامه وسأله بحذر:هل طلبتني جدي؟

أجاب ببرود:أجل، أريدك أن تخبرني بآخر المستجدات...

سأله ماكس بتردد:بشأن ماذا؟

نظر إليه بحدة وقال بهدوء مخيف:أنت تعلم جيداً ما أقصده...

رد ماكس بارتباك ملحوظ:آه حسناً، لا شيء مميز في ذلك،إنه كما في العادة...


قال جده بحدة:لقد كان ديفيد ينظر إلي بكره في الحفلة...
أعلم أنه يكرهني منذ طفولته، لكن نظرته في الامس كانت مختلفة،لابد أنه سمع بشأنها..


قال ماكس بهدوء حاول إبداءه بصعوبة: فـ..في الواقع لقد سمع بشأنها حقاً...

سأله ببرود:إلى أي مدى يعرف عن الأمر؟

رد ماكس بحذر:لقد سمع بتلك القصة السخيفة التي ألفها الخدم على ما يبدو...


ثم سكت قليلا وقال مطمئناً:لكن لا تقلق جدي! لم يكن قادراً على فعل أي شيء،إن عمي سيمنعه من ذلك بالتأكيد،أنت تعلم هذا...إنه ضعيف جداً ولن يتمكن من الوقوف في وجهك أبداً!

ابتسم بسخرية وقال باستهزاء:من يدري، ربما تستيقظ مشاعره الأبوية فجأة!

عندها قال ماكس بارتباك:لا تقلق جدي! سأمنعه من فعل أي شيء!


نظر إليه بشك ثم سأله بنبرة بدت أشبه بالتهديد:ماكس، أنت لا تخفي عني شيئاً صحيح؟

أجاب ماكس بسرعة محاولا جعل نفسه يبدو طبيعياً قدر الإمكان:بالطبع جدي! عليك أن تضع قدميك في ماء بارد وتترك كل شي علي، سأهتم بهذه المسألة بالتأكيد لذلك لا تشغل بالك كثيراً...

قال ببرود:حسناً...فلتنصرف...


غادر ماكس الغرفة وأغلق الباب وراءه بهدوء.

عندها رفع الدوق سماعة الهاتف ليضغط رقماً ما بسرعة.
فلما رد عليه قال بحدة وبدون أي مقدمات: هناك شيء أريدك أن تهتم به...




لما غادر ماكس الغرفة سار بضع خطوات وهو يقضم ظفر إبهامه في توتر وقال في نفسه: هل سيفعل ذلك الغبي شيئاً ما حقا؟

ثم سكت قليلا، وأخذ يردد بصوت منخفض آخر ما قاله له  (كن مطمئناً، لن يضطر لوضع يده عليها، سأهتم أنا بالأمر)  عندها توقف مكانه فجأة وهتف بغيظ:تباً! إنه يخطط لشيء ما بالتأكيد!!

أخذ يركض بينما يفكر في نفسه:تباَ...علي أن أتصرف بسرعة،لا يجب ان أسمح لهذا العجوز بأن يجعل ايمي مثل ذلك الصغير...إذا ما حدث ذلك، فلن أكون قادراً على استخدامها بعد الآن!


عندها توقف فجأة لما رآه واقفاً بجانب الباب وقد كان على وشك المغادرة، تعلو وجهه تلك النظرة القلقة كالعادة...

كان وسيماً باعتدال، بشعر أسود ناعم وعينين خضراوتين ذابلتين. وقد كان بنفس طوله تقريباً..


سار إليه بخطوات طويلة ثم أمسكه من ياقة قميصه وأمره بغضب: توماس! عليك أن تخبر الرجال بان يحضروا ايمي إلى منزلي الصيفي... يبدو أن عمي يخطط لشيء ما، وأعتقد أن جدي قد أحس بذلك!


عندها هتف توماس بخوف:ما الذي تقوله؟ لا يمكننا الوقوف في وجه جدك، أنت تعلم هذا!

صاح به بعصبية:اخرس أيها الجبان واستمع إلي فحسب! علي الحصول على ايمي قبله، بعد ذلك سأكون قادراً على إقناعه بأن يبقيها معي...


أخذ يرتجف في خوف وقال بذعر:لكن...إنه مخيف جداً، ماذا لو أن الأمور لم تسر بشكل جيد؟ عندها...

وقبل أن يكمل كلامه دفعه بقوة حتى اصطدم رأسه بالحائط وقال بازدراء:تباً لك! إنك عديم الفائدة حقاً!


ثم أخرج هاتفه وضغط رقماً ما فلما رد عليه قال بانفعال وهو يسير إلى خارج المنزل: اسمع! اذهب أنت وبرنارد وأحضروا تلك الطفلة إلى منزلي الصيفي، بسرعة..لا تضيعوا أي ثانية مفهوم؟


ثم أغلق الخط ونظر إلى توماس الجالس على الأرض، وقد كان يرتجف في خوف فأمره بحدة قائلا:تعال معي...سنذهب الآن بسرعة!

انتفض ما إن سمع هذا، لكنه قام من مكانه ليرافقه إلى سيارته وقد بدا مذعوراً تماماً...



#لندن-الساعة 8:15 مساءاً
2005/9/14


أخذ يسير بخطوات متسارعة بينما أنفاسه المضطربة تعلو وتعلو..

دخل إلى غرفته وأغلق الباب وراءه بقوة... سار بضع خطوات ثم جلس على سريره..

أخذ نفساً عميقاً محاولا تهدئة نفسه، ثم نظر إلى يده بارتباك، ليبسط قبضته ببطء وينظر إلى تلك الورقة الصغيرة المطوية بعناية، والتي حشرتها والدته في يده...

فتح الورقة بيدين راجفتين،  ليقرأ تلك الكلمات المكتوبة بخط صغير أدرك على الفور أنه خط يدها.. 



#لندن- الساعة 11:30 مساءاً



كانت جالسة وحدها على السرير بعد أن غادرت إيلي الغرفة...


ظلت تفكر في كلامها.  أحقاً شقيقها ديفيد يهتم بأمرها؟ هل عليها أن تعطيه فرصة كما طلبت منها إيلي؟

تنهدت بضيق، ثم قامت من مكانها لتسير بتململ باتجاه خزانة ملابسها حتى ترتدي ملابس النوم.
لكنها ما إن فتحت الخزانة، حتى سقطت تلك العلبة المستطيلة متوسطة الحجم أمام قدميها..


استغربت كثيراً لما رأتها. حملت تلك العلبة الكرتونية، فلما رفعتها ونظرت خلال الجزء الشفاف منها، اتسعت عيناها وأخذت تنظر إليها في ذهول...

تلك الدمية الجميلة بشعرها البني الطويل، وعينيها البنيتين الواسعتين..


فتحت  العلبة بسرعة، لتخرج تلك الدمية وتحملها بين يديها. أخذت تقلبها في دهشة وقد كانت مصدومة تماماً..

كانت سعيدة جداً لما رأتها، لكن السؤال الوحيد الذي ظل يدور في رأسها في تلك اللحظة..من الذي اشترى لها هذه الدمية؟!


لكن أول من خطر في بالها هو ذلك الشخص، أجل ومن غيره؟ لابد أنه شقيقها ديفيد!!


خرجت من غرفتها راكضة باتجاه غرفته..لا تدري لماذا اعترتها تلك الرغبة في أن تتأكد من هذا..

كان الأمل يحذوها، أرادت أن تصدق  أنه هو من فعل ذلك، أنه الوحيد المختلف عن عائلتها، أنه من سيحبها، ومن سيمنحها الحنان الأسري الذي لم تشعر به في حياتها قط..



عندها سمعت صوتاً يناديها بهمس:ايمي!

توقفت مكانها، لتلتفت بارتياب نحو ذلك الشخص الواقف خلفها، والذي قام بمناداتها للتو..

لكنها ما إن راته حتى هتفت بدهشة:براد؟!


وضع براد يده على فمها وأشار لها بسبابته أن تخفض صوتها، ثم قال بهمس:ايمي، يجب أن تغادري معي الآن إلى مكان ما..

استغربت ايمي من كلامه كثيراً وسألته بحيرة:لماذا؟ إلى أين سنذهب؟


التفت براد حوله ثم انحنى إليها ليقول بنفس نبرته الهامسة تلك:لقد أرسلني أخوك ديفيد لأصطحبك، في الحقيقة إن جدك ينوي أخذك من المنزل.
إنه رجل قاسِ جداً، ولا أحد يعلم ما قد يفعله بك! علينا الهرب منه بسرعة، سآخذك معي الآن، ثم سيلحق بنا السيد الشاب  حتى تسافرا معاً إلى فرنسا..ستعيشين بأمان هناك ولن يقوم أحد بإيذائك بعد الآن أبداً!


شعرت ايمي بالخوف من كلامه، وقالت بذعر:ما الذي تقوله براد؟ لماذا يحدث هذا فجأة؟ أعني..لماذا..


قاطعها براد بكلامه بعد أن وضع يديه على كتفيها: اسمعيني ايمي،إذا ما بقيتِ هنا فلن يتغير أي شيء.. سيستمر والداك في معاملتك بقسوة، والأسوء بكثير هو أن يقوم جدك بأخذك..
أنت لا تعرفين عنه شيئاً،إنه شخص فظيع جداً أكثر مما تتصورين. عليك أن تثقِ بالسيد الشاب،إنه يحبك كثيراً ويهتم بك حقاً...

ثم سكت قليلا ليقول بتردد:في الواقع،لقد كذبت عليك عندما أخبرتك أنني أنا وإيلي فقط من اصطحبك إلى المستشفى. لقد رافقنا السيد الشاب أيضاً وكان قلقاً عليكِ حقاً... أخبرتني إيلي أنه كان يحاول التحدث معك صحيح؟ لماذا لا تحاولين الاستماع إليه؟ إنه شخص رائع حقاً،أنا واثق من أنك ستعيشين معه بسعادة وسينسيك كل الألم الذي عشته هنا...


ضمت ايمي الدمية إليها، وخفضت رأسها تفكر للحظات..

تراءت في ذهنها صورته وهو يحدق بها بقلق واهتمام. إصراره على التقرب منها، والحديث معها رغم صدها له..الصدق الذي رأته في عينيه رغم أنها حاولت إنكار ذلك بشدة..

رفعت بصرها إلى براد الذي كان ينظر نحوها برجاء، لتقول والإصرار في عينيها: سأذهب معك..


ابتسم براد براحة ثم وضع يده على رأسها وقال بعطف:أتمنى لك السعادة حقاً ايمي..


كانت جالسة على الكرسي إلى جانب براد الذي كان يقود السيارة في هدوء.
أرخت رأسها على نافذة السيارة وقالت في نفسها وهي تضم الدمية إليها:أتساءل،كيف ستكون حياتي معه من الآن فصاعداً؟


كان الظلام حالكاً، لذلك لم تستطع ايمي تمييز أي شيء من ذلك المبنى الذي توقفت السيارة أمامه..خرج براد من السيارة ليفتح لايمي بابتسامة...


ترجلت من السيارة وقد كان قلبها ينبض بقوة...كانت تشعر بالكثير من التوتر والاضطراب...لكن رغم هذا، كانت تستطيع الشعور بالأمل يدب إلى أعماقها شيئاً فشيئاً..

هل سينتهي هذا الألم أخيرا؟ هل ستعيش السعادة التي لطالما تمنتها بعد أن قاست كل هذه السنوات؟


توقفت مكانها تنظر إليه. كان واقفاً أعلى ذلك الدرج المؤدي إلى الباب ينظر نحوها، ليبتسم ويقول بهدوء:أخيراً أتيتِ...ايمي...

                                                         *********

_رأيكم في الفصل؟

_هل سينتهي كل شيء حقاً؟

-ماهي توقعاتكم للأحداث القادمة؟

_كيف ستكون حياة ايمي من الآن فصاعداً؟

_ماذا كتبت آني في الورقة التي أعطتها لديفيد؟

رأيكم يهمني😊 وأرجو أن يكون الفصل قد نال إعجابكم



سأتوقف عن النشر لفترة بسبب الامتحانات. ألقاكم في فصول جديدة ومفاجآت جديدة لن تتصوروها أبداً😄
أتمنى منكم جميعا أن تخبروني بتوقعاتكم للفصل القادم، وسأخبركم بصاحب أفضل توقع لما سيحدث في بداية الفصل القادم..لنرى من سيفوز بأفضل توقع مع السلامة😉



شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus