#لندن الساعة 11:45 صباحاً
2005\9\15


فتح عينيه ببطء، بينما يشعر بتلك اليد الحانية التي أخذت تمسح على وجهه برفق...


بريق الأسى والحزن الذي رآه في عينيها المتعبتين، عصر قلبه بعنف..فأغلق عينيه بقوة، ليسألها بقهر:كم من الوقت بقيت فاقداً للوعي؟

تنهدت بضيق وأجابته بهدوء:ساعتين..
ثم ابتسمت بقهر وقالت:ربما علينا أن نكون ممتنين لوالدك، فقد سمح لي بالبقاء معك لأعتني بك!


فتح عينيه مجدداً ثم قال بهدوء:لا حل آخر أمامه...إنه ما يزال بحاجة إلي، لذلك لن يسمح بأن أتأذى..

لم تعلق على كلامه...قوست شفتيها في نظرة متألمة، واكتفت بتنهيدة متعبة، بينما تقاوم الدموع في عينيها بألم...


كانت جالسة على حافة السرير، بينما كان هو مستلقياً على السرير وقد توسد رأسه فخذها، في حين كانت تمسح على شعره بحنان...

ظل ينظر إلى ملامح وجهها المتألمة لبرهة، ثم رفع يده بصعوبة ليضع كفه على خدها ويقول بتعب وفي كلماته رجاء مؤلم:آني لا تبكي أرجوك...لا أحتمل رؤية دموعك أبداً!


قبلت جبينه بعطف، ثم قالت وهي تنظر إليه بابتسامة حزينة وبصوت متحشرج من البكاء:أعلم هذا فريد، لكن الدموع تأبى أن تتوقف أبداً...لا يمكنني مسامحتهم على هذا، لقد آذوك كثيراً!


عندها رد فريدريك بتعب:هذا لا شيء مقارنة بما مر به آرثر في الماضي...ثم سكت قليلا وأضاف بقهر:وايمي أيضاً...


عض شفته السفلى بقوة وقال بألم بينما يقاوم دموعه بصعوبة:لا يمكنني تخيل أنها ستواجه الشيء نفسه! لا يمكنني احتمال خسارة صغيرتي ايمي أيضاً...آني...إنه مؤلم، شعور العجز هذا مؤلم جداً!
لا أصدق أن كل ما فعلته طوال تلك السنوات كان بلا فائدة.. ظننت أنني سأكون قادراً على حمايتها، لكنني لم أسبب لها سوى الألم!
والآن وبعد كل هذا ستعيش ذلك الجحيم هي أيضاً!
وكذلك ديفيد، كنت قد ظننت أنني استطعت إبعاده عن والدي بتلك الطريقة، لكنني بدلا من هذا سأجعله يعاني...أعلم أن والدي لن يفعل له شيئاً فهو ما يزال بحاجة لاستعماله، لكن مع هذا...


عندها قالت آني وهي تنظر إليه بثقة وسط دموعها:فريد! ديفيد وايمي سيكونان بخير! لن يستطيع الوصول إليهما أبداً...ثق بي!


لم يعلق على كلامها...كان اليأس قد سيطر على قلبه تماماً إلى حد جعله عاجزاً عن قول أي شيء...وتلك الفكرة الوحيدة التي أخذت تدور في رأسه، كانت قد كسرت كل شيء في داخله..


لقد فشل في حماية ملاكه الصغير!

ظلت تلك الذكريات تتسلل إلى عقله لتزيده ألماً فوق ألمه، ولترسم في عينيه نظرةً خاوية يائسة، أخافت آني كثيراً...


يتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله...بل وكيف له أن ينساه؟!
 


#لندن الساعة 8:45 مساءا
2001\1\4



كان قد مر على وفاة آرثر أسبوع فقط...وقد ظلت ايمي مريضة بعد ذلك، ولهذا السبب بقيت في المستشفى طوال ذلك الأسبوع الذي كان كالجحيم بالنسبة له...


لكنه تفاجأ كثيراً لما علم أن والده قد أمر بإخراجها من المستشفى، وقد أخذها إلى قصره دون أن يخبره أي شيء عن ذلك...
كان قلبه ينغزه بقوة...يعلم أن ذلك لا يعني إلا شيئاً واحداً فقط، وهو أن والده يريد أن يكرر تلك المأساة من جديد!

لكنه لن يسمح له! ليس بعد أن عرف السبب الحقيقي وراء موت صغيره آرثر!



كان واقفاً برفقة زوجته أمام باب مكتب والده...
أخذ نفساً عميقاً قبل أن يطرق الباب بهدوء عكس ما في قلبه، ليأتيه صوته الغائر قائلا ببرود:ادخل..

فتح الباب بقوة ليسير في خطوات سريعة باتجاه مكتبه ويقف أمامه....


أما هو، فقد كان واقفاً خلف مكتبه وقد ولّاه ظهره بينما يبحث في تلك الأرفف المليئة بالكتب..

كان يستطيع سماع صوت أنفاسه المضطربة، عندها ابتسم بسخرية وقال ببرود وعيناه ما تزالان معلقتان على تلك الكتب الكثيرة: سآخذ تلك الطفلة في مكانه... لا أريد أن أسمع أي اعتراض منكما. أعلم أنكما تحاولان الإعلان عن ولادتها لتمنعاني من فعل أي شيء لها مثل ما حدث مع ديفيد، لكن ذلك بلا جدوى! اذهبا من هنا ولا تضيعا لي وقتي!



صر فريدريك على أسنانه، وخفض رأسه بقهر...كان يعلم أنه لن يستطيع الوقوف في وجهه أبداً، وهو ما جعله يشعر بالعجز تماماً..
لكنه رغم هذا لن يسمح له بإيذائها أبداً...موت آرثر كان كفيلا بتحطيمه تماماً، لذلك لا يمكنه أن يتخيل أبداً ما قد يحدث له إذا ما حدث شيء ما لايمي أيضاً!



كان جسده يرجف بقوة...جلس على ركبتيه وقد أسند جسده بكفيه اللتان وضعهما أرضاً، في وضع لم يتخيل في حياته قط أنه سيكون فيه يوماً ما...

لكن أياً كان ما عليه فعله،أيا كانت عدد المرات التي عليه أن يجثو فيها على ركبتيه متوسلا، أو أن يقبل قدمه في ذل وانكسار. فهو لن يتردد أبداً في فعل أي شيء في سبيل حماية ابنته الوحيدة!


نطق تلك الكلمات من خلف أسنانه التي ظل يضغط عليها بقوة، حتى ظن للحظة أنه سيهشّم فكه آنذاك:أرجوك أن تترك ايمي وشأنها! سأفعل أي شيء تريده مهما كان...لكن لا تأخذ ايمي أرجوك!

اتسعت عيناه وهو ينظر إليه بصدمة...كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يتوسله هكذا!


منذ طفولته، مهما كانت عدد المرات التي يقوم فيها بضربه وتعذيبه بأبشع الطرق..فهو لم يرضخ له يوماً...
لم يستطع يوماً أن يكسره أبداً...كان ينظر نحوه بقوة وبكبرياء دائماً مهما كان ما يفعله له...

فسار متجاوزاً مكتبه حتى وقف أمامه، وعيناه مرتكزتان على ابنه الذي يرجوه جاثياً على ركبتيه في هذه اللحظة...


لما رأت آني ذلك، أسرعت إليه وجلست إلى جانبه، ثم قالت برجاء ودموعها تنهمر من عينيها بغزارة بينما تتمسك بكتفه بقوة:فريد توقف أرجوك! أرجوك ألا تفعل هذا!


تعلم أنه رجل بكبرياء لم يكسره أحد أبداً..
رغم الحياة المؤلمة التي عاشها، فهو لم ينكسر قط...
كان عزيز النفس، بروح قوية لم يزعزعها أي شيء في هذه الدنيا أبداً...
لكنها تدرك أنه الآن يدوس على كبريائه، يحطم روحه، ويدمر كل شيء في داخله مع كل حرف ينطقه في هذه اللحظة!


غير أنه لم يأبه لرجائها هذا. كرر توسله بألم:أبي...أرجوك ألا تؤذي ايمي، أعدك بأنني سأفعل كل شيء تطلبه لذا أرجوك... دعها تذهب!


أغلق عينيه بقهر وهو يستمع إلى ضحكاته الساخرة تصدح في أرجاء تلك الغرفة...نظر إليه وهو ما يزال يضحك ليقول بسخرية:أنت تتوسلني؟ أنت ترجوني؟! لا أصدق هذا ابداً!!


عض على شفاهه وقال وهو ينظر إلى الأرض:أجل...سأتوسلك بقدر ما تريد، لكن أرجوك أن تترك ايمي...لا تؤذيها أرجوك!


فنظر إليه ببرود لبعض الوقت، لكنه ابتسم بخبث فجأة وقال بتلك الابتسامة:الآن عندما أفكر في الأمر...ما تقوله صحيح، ستكون تلك مضيعة للوقت إذا ما قمت بضرب تلك الصغيرة!
لقد ضربتك كثيراً في الماضي، وضربت آرثر أيضاً لكن ذلك لم يغير أي شيء...

اقترب منه أكثر وجلس القرفصاء أمامه ثم قال ببطء وهو ينظر إليه بخبث:بدلا من أن أقوم أنا بإيذائها...ثم سكت قليلا وأضاف هامساً بمكر:ستفعل أنت كل ما كنت سأفعله لها!


ما إن سمع كلامه حتى رفع بصره إليه بسرعة بينما ينظر نحوه مصدوماً...نطق بصوت متحشرج وشفتاه ترتجفان: ما الذي تقوله؟!


رد ببرود:إنه كما سمعت...عليكما أن تتجاهلا تلك الصغيرة.  ستعاملانها بقسوة...ستبغضانها وترفضانها، ولن تلبيا لها أي طلب...ستدمرانها بيديكما وحدكما!


لم يستطع فريدريك أن يقول أي شيء، كان مصدوماً تماماً من كلامه. كيف له أن يكون بهذه القسوة؟ كيف يمكن ألا يمتلك أي ذرة شفقة أو إنسانية في قلبه؟
ألا يكفيه أنه قتل ابنه؟ والآن سيقتل روح ابنته أيضاً....لكنه لن يكون هو من سيفعل هذا، بل إنه سيجبره على فعل ذلك بنفسه!

كيف يأمره بإيذاء صغيرته الوحيدة وهو الذي يخاف عليها من نسمات الهواء أن تمرضها؟ كيف يأمره بأن ينبذ قطعة من روحه، وهي التي لطالما كان مستعداً لأن يبذل حياته من أجلها!


كان عاجزاً عن قول أي شيء...لكن آني نظرت نحوه بكره وقالت بحقد بينما عيناها تدمعان بقهر: شيطان! شخص مثلك لا يمكن أن يكون إنساناً أبداً! كيف يطاوعك قلبك على أن تفعل شيئاً فظيعاً كهذا لابنك؟!


نظر إليها الدوق باستصغار ثم قال بتهديد:آني ستيورات، لقد سمحت لك بأن تتزوجِ منه لأن امرأة عامية مثلك هي الوحيدة التي تناسب شخصاً مثله. وإلا لما كنت لتحلمِ حتى بأن تطأ قدمك أرض أسرة هوريستون! لذلك من الأفضل لك أن تلزمِ حدودك!


أمسك فريدريك يدها وضغط عليها برفق ليهمس قائلا بألم:آني...أرجوك...

ثم نظر نحوه وهو يضغط على أسنانه بغضب عارم، وفي عينيه حقد دفين لم يستطع إخفاءه أبداً..


لم يكترث لنظراته تلك...قام من مكانه ثم قال وهو ينظر إليه بسخرية:لقد قلت أنك مستعد لفعل أي شيء حتى أترك ابنتك صحيح؟ إذا أرني مقدار عزيمتك الآن!
ثم سكت قليلا ليضيف محذراً: لكن لا تنس ذلك أبداً..إنني أراقب كل حركة تقوم بها. وإذا ما تبين لي أنك تحاول التمرد علي، فسوف آخذها على الفور. أهذا واضح؟


خفض رأسه بقهر ونطق بين أسنانه بحشرجة أليمة:لقد فهمت...




سار بخطوات متثاقلة إلى غرفتها وقد كانت آني تسير خلفه بينما تنظر إلى الأرض في حزن...

توقف مكانه لما رأى تلك الخادمة تخرج من الغرفة، فسألها باستغراب وقد كانت هذه المرة الأولى التي يراها فيها:من أنت؟


نظرت إليه الخادمة لبرهة ثم انحنت وقالت باحترام:اسمي إيلي سيدي الكونت..لقد بدأت العمل هنا قبل أسبوعين فقط...


تمتم بتفكير:إيلي..
ثم تذكر لما كانت صغيرته ايمي تحدثه عن صديقتها الجديدة الخادمة إيلي! ابتسم بحزن وهو يتذكر براءة حديثها الذي كان أكثر ما يحبه على الإطلاق...


فتنهد بضيق ثم سألها بهدوء:كيف حالها الآن؟

أجابت إيلي بتردد:إنها بخير، لقد تحسنت كثيراً...ثم سكتت قليلا وقالت ببطء:إنها نائمة..

أومأ فريدريك رأسه بتفهم ثم قال بهدوء:حسناً...يمكنك الذهاب الآن..


أرادت الخادمة أن تقول شيئاً ما، لكنها عدلت عن ذلك فجأة وطأطأت رأسها بينما سارت مبتعدة عنهما...
توقفت لبرهة  تنظر إليهما بحذر وهما يدخلان الغرفة، ثم يغلقان الباب خلفهما ببطء. فسألت نفسها بقلق: هل علي إخبارهما أن ايمي أصيبت بالربو؟
ثم هزت رأسها نافية وقالت معاتبة لنفسها:ما الذي أقوله؟! إنهما والداها ومن الطبيعي أن يعرفا ذلك عاجلاً أم آجلا! إنني محض خادمة ولا علاقة لي بهذه الأمور!



سار ببطء باتجاه سريرها ليجدها نائمة بعمق، بينما خصلات شعرها الذهبي مبعثرة على الوسادة بعشوائية...
جميلته الحبيبة...ملاكه الصغير التي كانت الأحب إلى قلبه!

جلس على السرير إلى جانب رأسها بينما ينظر إليها بألم...أخذ يمسح على شعرها بعطف ثم قال  بهمس حزين:ايمي صغيرتي، هل يمكنك أن تسامحي والدك؟ هل يمكنك أن تغفري لي ضعفي هذا؟


أمسك يدها الصغيرة بيده، ورفعها نحو شفتيه ليقبل كفها بحب، ثم قال بحزن بينما ما يزال يضم كفها بيده قرب وجهه:عندما تستيقظين، ستجدينني قد صرت شخصاً آخر تماماً لذا...عندما أصبح هكذا لا تصدقي أي شيء أقوله لك! مهما صرت قاسياً معك، فعليك أن تعلمي أنني أحبك كثيراً...

وضع كفها على خده وأغمض عينيه بألم ثم همس بتعب:والدك سيحميك حتى لو كلفه ذلك حياته، اعدك بهذا يا صغيرتي!



لم تستطع احتمال رؤيته هكذا أكثر...سارت إليه ووقفت إلى جانبه ثم طوقت رقبته من الخلف وضمته إليها لتقول بألم وسط شهقاتها:توقف أرجوك! لا تعذب نفسك أكثر من هذا...هذا يكفي، ذلك كافِ بالفعل!


لم يرد فريدريك على كلامها..بل نظر إلى صغيرته بعينين خاليتين من الحياة ليسألها بضياع: آني..هل تظنين انها ستسامحني يوماً ما؟ أم أنها ستكرهني إلى الأبد؟ هل سترفضني إذا ما حاولت التقرب منها في المستقبل؟

ثم دمعت عيناه حتى بللتا كف ايمي الذي وضعه على خده وقال بقهر:آني...لا يمكنني تخيل هذا أبداً..أن تكبر ايمي دون أن أكون قادراً على البقاء معها، على تدليلها، على التحدث معها، ومشاركتها أفراحها وأحزانها...


ضمته إليها أكثر وقالت بغصة مريرة:ستسامحك! عندما تفهم ايمي الحقيقة ستسامحك بالتأكيد!


سكتت قليلا ثم قالت وهي تنظر إليها بحزن:حتى لو لم نكن قادرين على أن نكون إلى جانبها، وإظهار مشاعرنا اتجاهها. أنا واثقة من أنه في المستقبل، سيظهر شخص ما في حياتها يعوضها عن كل الحب الذي لم نستطع أن نمنحه لها في طفولتها..إنني مؤمنة بهذا،ايمي ستعيش بسعادة يوماً ما!


لم يرد عليها..بل ظل ينظر إلى ايمي بضياع...

كان الألم يعصر قلبها بقسوة وهي تنظر إليه بعجز، دون أن تكون قادرة على قول أي شيء لمواساته...
صحيح أنه يحب ديفيد وآرثر كثيراً، لكنها تدرك جيداً أن لايمي مكانة خاصة في قلبه لا يمكن أن يشاركها فيها أحد...حتى أنها كانت تغار منها أحياناً لفرط حبه لها!


كانت صغيرته المدللة التي لم يرفض لها طلباً، كان يخاف عليها أكثر من نفسه. ولم يسمح لها حتى بتوبيخها عندما تخطئ، فدموع من يسميها دائماً ملاكه الصغير،كانت خطاً أحمر لا يسمح لأحد تجاوزه أياً كان!

لكن كيف سيكون شعوره إذا ما كان هو من سيُبكيها من الآن فصاعداً؟ لقد عرف ذلك الوغد كيف يصيبه في مقتل! لقد عرف كيف يعذبه ويميته ألف مرة، بينما ما يزال على قيد الحياة!



ظلت تنظر إليهما معاً بحزن.
ديفيد وآرثر كانا نسخة طبق الأصل منها..ورغم أن ايمي كانت قد ورثت عنها شعرها الذهبي، إلا أنها الوحيدة في أبنائها التي تشبهه كثيراً في ملامحه...

التموجات التي تملكها في أطراف شعرها، كتموج شعره البني رغم نعومته.
عيونها الخضراء الواسعة، كانت نسخة مصغرة عن عينيه بلون الزمرد الساحر..
أنفها المستقيم، شفتيها الصغيرتين الورديتين، وبشرتها ناصعة البياض، كانت كوالدها تماماً..


تعلم أنه يكره ملامحه كثيراً لأنه كان يشبه والده في شبابه، لكنها رغم هذا كانت تحبه كثيراً وتعشق كل تفاصيله..

تكره أن تراه حزيناً ومتضايقاً، تكره ماضيه الذي تعذبه ذكرياته أشد العذاب، وعائلته التي سلبت منه بريق عينيه الساحرتين..
والأكثر من هذا كله،كانت تكره والده الذي كان السبب في كل شيء!


بعد أن بقيا هكذا لدقائق، أعاد يد صغيرته إلى جانبها على السرير، ثم قام بتغطيتها جيداً ليطبع أخيراً قبلة عميقة على جبينها، علها تعوضه عن السنين القادمة التي سيظل فيها محروماً منها، ومن أحاديثها البريئة التي كانت تبعث الحياة في قلبه المنهك دائماً...


همس قرب أذنها بصوت مرهق، وهو ينظر نحوها نظرة الحب الأخيرة التي سيقدر أن يرمقها بها من الآن فصاعداً..ربما لسنين طويلة قادمة، وربما إلى الأبد!


"أحبك"



#لندن الساعة 4:35 صباحاً
2005\9\15


خرج من الحمام وقد كان يفرش أسنانه في ضجر، بينما يحمل كوب الماء في يده..
سار في الممر باتجاه الهاتف الموضوع على الطاولة في غرفة الجلوس، والذي أبى إلا أن يستمر في رنينه المزعج. فاضطر للخروج من الحمام رغماً عنه في سبيل إسكاته..


ولما كاد أن يقترب من الغرفة، سمع صوت أنين قادم من الغرفة المجاورة.
فتوقف مكانه للحظات، وأخذ ينظر حوله في استغراب متتبعاً الصوت. عندها أدرك أخيراً أن ذلك الصوت كان صادراً من الغرفة التي كانت نائمة فيها.


كان الباب شبه مفتوح، لذلك دفعه ببطء وسار نحوها بهدوء حتى وقف بجانب ذلك السرير الأبيض الوثير التي كانت نائمة فوقه.

كانت تتلوى على السرير بألم، بينما تتمتم في نومها بذعر: ابتعد عني..دعني..لا تفعل هذا..ساعدوني..إنه مؤلم...مؤلم جداً!

ظلت  الدموع تنهمر من عينيها بغزارة، بينما تنتفض وسط شهقاتها المكتومة.



أخذ ينظر حوله في اضطراب ولم يعرف ما الذي عليه فعله..لذلك تمتم بتوتر محاولاً تهدئة نفسه:اهدأ...أهدأ..

ثم هتف فجأة باستدراك:ديفيد! علي أن أنادي ديفيد!


ولما هم بالمغادرة، جلست على السرير فجأة وأخذت تصيح في ذعر واضعة كلتا يديها على رأسها، في حينكان جسدها يرجف بقوة...
عندها هرع إليها ووضع يديه على كتفيها ثم قال بينما يهزها باضطراب:ايمي اهدئي! إنك بخير..كل شيء بخير لذا...


لم تبد أنها سمعت أياً مما قاله..كانت أسنانها تصطك ببعضها بقوة، وعيناها تدوران في كل مكان. فظل ينظر إليها في ذعر، وقد شعر بالعجز تماماً.

التفت حوله في قلة حيلة، ثم تمتم باضطراب: تباً! ما الذي علي فعله؟!


نظر نحوها مرة أخرى، ثم عض على شفته السفلى بغيظ ليقترب منها أكثر ويضمها إليه بقوة...
أخذ يهمس بينما يربت على ظهرها بهدوء:لا بأس..كل شيء بخير الآن. ذلك الشخص لن يقترب منك مرة أخرى!
صر على أسنانه ثم أردف بغضب مكبوت، في حين ضمها إليه أكثر وأكثر:سوف نحميك منه بالتأكيد!



رغم النبرة الغاضبة التي استشعرتها في كلماته، إلا أنها أحست بالدفء كثيراً لما سمعت ما قاله. فبدأت تهدأ شيئاً فشيئاً حتى ارتخت بين يديه، لتتشبث بملابسه كما لو كانت تحاول أن تستمد بعض الامان من هذا الشخص الذي لم تعرف من يكون..


ابتعدت عنه قليلا ثم نظرت إليه بتردد. كان الظلام حالكاً لذلك لم تستطع ان ترى ملامح وجهه بوضوح، لكنها شعرت بالأمان ينبعث أخيراً في قلبها المضطرب.

ذلك الكابوس المريع الذي راودها قبل قليل، كان يتكرر في ذهنها بين الفينة والأخرى، لكن وجوده إلى جانبها أبعد الخوف عن قلبها نوعاً ما..



فلما شعر أنها قد هدأت أخيراً، وضع يديه على كتفيها ثم ساعدها على الاستلقاء مجدداً وقام بتغطيتها بعناية. ثم قال بهدوء وبنبرة حانية:عليكِ النوم الآن..لابد أنك متعبة جداً..


لما استدار مغادراً الغرفة، أمسكت ايمي بيده لاشعورياً..
فكرة أنه سيغادر ويتركها وحدها، كانت قد أشعرتها بالذعر حقاً! لذلك ظلت ترجوه بعينيها الدامعتين أن يبقى معها.


ارتجافة يدها الصغيرة التي تمسكت بمعصمه بقوة، جعلته يدرك جيداً مقدار الخوف الذي كانت تشعر به وقتها..
تنهد باستسلام، ثم اقترب منها أكثر وجلس أرضاً على ركبتيه إلى جانب سريرها ليقول بهدوء:لا بأس..سابقى معك حتى تخلدِ للنوم ولن أذهب إلى أي مكان..


لم ترد عليه..ضمت يده بين كفيها الصغيرتين، وتمسكت بها بقوة تصارع النعاس الذي أخذ يغلبها شيئاً فشيئاً..
أما هو، فقد ظل يراقبها في صمت..
ضغط على أسنانه بغيظ وقال في نفسه:هذا لا يغتفر أبداً!





شعرت بشعاع الشمس يخترق جفنيها المنسدلين تدريجياً، ففتحت عينيها ببطء...
كانت تحس بثقل شديد في كامل جسدها، لكنها ورغم التعب والألم الذي أرهقاها تماماً،إلا أنها لا تدري لم استطاعت النوم بسكينة وراحة هكذا.

نظرت إلى النافذة المغلقة، والتي تسلل ضوء الشمس الساطع من خلال زجاجها الشفاف، مضيئاً تلك الغرفة الصغيرة بأثاثها الخشبي بالكامل.


أدارت وجهها نحو الجهة الاخرى، لتتسع عيناها لما رأت تلك اليد بجانب وجهها، والتي أطبقت عليها يدها الصغيرة بإحكام...
نظرت بدهشة نحو ذلك الفتى النائم بجانبها..
كان جالساً على ركبتيه أرضاً، بينما توسد بخده حافة السرير، ماداً يده إلى جانب وجهها حيث كانت تتمسك بها بإحدى يديها بقوة...


شعره الحريري الأسود، كان مبعثراً على السرير وأمام وجهه بفوضوية، وقد انعكس شعاع الشمس من خلاله.

رموشه الطويلة المنسدلة إلى الأسفل مع انغلاق جفنيه، زادته جمالاً فوق جماله..


شعرت بالارتباك حقاً من قرب هذا الغريب منها هكذا..
أبعدت يدها عن يده ببطء، ثم رفعت جذعها لتجلس على السرير بينما تراقبه بحذر في كل حركة تتحركها..


لكنها ما إن جلست على السرير، حتى شعرت بألم فظيع في كل جزء من جسدها، فتأوهت متألمة بصوت خفيض، لكنه كان كفيلا بأن يوقظ هذا الغريب من نومه..لينظر إليها بفزع ويهتف بصوت غلبه النوم:هل أنت بخير؟!


تلك العيون العسلية الناعسة والتي نظرت نحوها بقلق، كانت قد أربكتها كثيراً..

ردت بتوتر ممزوج ببعض الخوف:أنا بخير..ثم ترددت كثيراً قبل أن تسأله بترقب: من أنت؟


عدل جلسته إلى جانب سريرها على الأرض، لكنه تأوه بألم واضعاً يده على ظهره ليتمتم بوجع: آه...ظهري!

عندها شعر بذلك الغطاء الموضوع على كتفيه، والذي سقط خلف ظهره ما إن استقام جالساَ. فتساءل هامساً باستغراب: من قام بتغطيتي ؟!


كانت ايمي تنظر إليه بحيرة، بينما ما يزال سؤالها الذي طرحته قبل قليل بلا إجابة حتى الآن.


فوقف ذلك الفتى ببطء، ثم قال وهو ينظر إليها ببرود:كيف تشعرين الآن؟

أجابت ايمي بحذر: إنني بخير..ثم نظرت إليه مرة أخرى بعيون تلتمس الإجابة في تردد ملحوظ.

عندها زفر بضيق وقال وهو يفرك مؤخرة رأسه بينما وضع يده أمام فمه لما تثاءب بضجر: اسمي هاري تشادولي...الأخ الأصغر لصديق شقيقك ديفيد..


تفاجأت ايمي كثيراً لما سمعت كلامه...لكنها في تلك اللحظة تذكرت كل ما حدث في الأمس..
كانت قد فقدت الامل تماماً..لكن شقيقها قد أتى لانقاذها حقاً! ما حدث لم يكن حلماً بالتأكيد !!


أرادت أن تسأله أكثر..أين هو؟ لماذا فعل هذا؟ لكنها وقبل أن تقول أي شيء، فُتح الباب فجأة.
فسكتت والتفت ببطء إلى ذلك الشخص الذي دخل للتو، لتتسع عيناها بصدمة..

سار نحوها حتى وقف إلى جانب سريرها، ثم وضع يده على رأسها برفق وقال بنبرة حنونة: استيقظت أخيراً..ايمي..


تلعثمت الكلمات في جوفها وهي تنظر إليه بدهشة لتهتف فجأة:أنت !!

ابتسم كارل لما رأى دهشتها تلك وقال بمرح:ذلك مفاجئ صحيح؟ من كان يتصور أنك شقيقة صديقي، إنها مصادفة مذهلة حقاً !!


ثم مد يده نحوها وقال معرفاً عن نفسه:اسمي كارل تشادولي، أنا وديفيد أصدقاء طفولة..حتى أننا نعيش معاً في فرنسا طوال الوقت !


عندها اقترب منه هاري وسأله بهدوء غريب:هل كنت أنت من قام بتغطيتي؟

نظر إليه كارل قليلا ثم رد بلامبالاة:أجل..

سأله بنفس تلك النبرة الهادئة:ولماذا لم تقم بإيقاظي؟


عندها عقد كارل يديه أمام صدره وقال بثقة:كيف يمكنني أن أفسد لحظة تاريخية كهذه؟ أعني... إنها المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها أخي الصغير عديم الإحساس يتصرف بلطف مع أحدهم! ثم نظر إليه بابتسامة خبيثة وأخرج صورة من جيبه وقال وهو يلوح بها في الهواء بمكر: حتى أنني قمت بتصويرك ! سأضع هذه الصورة في محفظتي حتى أراها كل يوم !


حاول هاري كبت غضبه بصعوبة، لكنه لم يستطع ! فسار إليه وركل ساقه بقوة ليقول بعصبية: كان عليك إيقاظي أيها النذل ! بفضل هذا أشعر أن ظهري سينقسم لنصفين !

انحنى كارل واضعاً يده على ساقه متألماً وقال:هل من الضروري حقاً أن تفعل هذا ؟!


نظرت إليهما ايمي للحظات ثم أخذت تضحك فجأة وقالت بينما ما تزال تضحك:أنتما مسليان حقاً !

احمرت وجنتا هاري خجلاً لما رآها تضحك هكذا، وأدار وجهه إلى الجهة الأخرى حتى لا ترى تعابيره المُحرَجة تلك..أما كارل فقد ابتسم براحة...


بعد لحظات توقفت ايمي عن الضحك فجأة، ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت وهي تنظر إلى كارل بجدية:أين هو؟

سألها بهدوء:من تقصدين؟


ارتبكت ايمي من سؤاله نوعاً ما..لكنها قالت بشيء من الثقة: أخي...أين هو الآن؟

نظر كارل إلى الباب بطرف عينيه، ثم قال بابتسامة غريبة: سأحضره لك بالتأكيد! ثم نظر إلى هاري نظرة فهم معناها على الفور. ليسيرا معاً خارجين من الغرفة..


أغلق كارل الباب وراءه ثم قال بهدوء دون أن ينظر إلى ديفيد الواقف بجانب الباب. وقد كان مستنداً على الحائط، ينظر إلى الأرض في قلق:عليك أن تدخل لرؤيتها...إنها تنتظرك..

سأله ديفيد بشك:تنتظرني؟

نظر إليه كارل قليلا ثم قال بمكر:أتعرف ما الذي قالته؟

استغرب ديفيد من نبرته تلك، فاستقام واقفاً وسأله بحيرة:ماذا؟


سكت كارل للحظات ثم قال بابتسامة هادئة:لقد سألتني أين أخي! بدت واثقة تماماً من كلامها، كان عليك أن ترى تعابير وجهها لما قالت ذلك !

تفاجأ ديفيد كثيراً لما مع ذلك وهتف بدهشة:ايمي قالت هذا؟! لا أصدق!

عندها قال كارل ببرود بينما يشيح بصره عنه:إذا..لما لا تدخل وتتأكد من ذلك بنفسك؟


خفض ديفيد بصره بتردد..كان يتمنى حقاً من أعماق قلبه أن تقبل به ايمي وتستمع إليه، لكنه كان خائفاً جداً من أن ترفضه مرة أخرى..


عندها وقف كارل إلى جانبه ووضع يده على ظهره ثم دفعه بخفة حتى جعله يقف أمام الباب ليقول بانزعاج:توقف عن كونك متردداً هكذا أيها الأحمق! إنها أختك، وعلى الأخوة أن يواجهوا بعضهم بشكل صحيح دون خوف!

نظر إليه بدهشة لبعض الوقت..ثم ابتسم بامتنان وقال بهدوء:شكراً لك كارل...

نظر إليه بانزعاج وقال:إنه ليس شيئاً تشكرني عليه! هيا اذهب الآن ولا تترك أختك الصغيرة تنتظر أكثر!


دخل ديفيد إلى الغرفة وأغلق الباب وراءه دون أن يقول أي شيء...فوقف هاري إلى جانب كارل بينما ينظر إلى الباب في صمت.


عندها سأله كارل بهدوء غريب:هيي هاري...أخبرني ما الذي تفكر به الآن اتجاه ما حدث؟

فرد هاري بغيظ:إنني غاضب جداً! تلك الصغيرة، يبدو أنها كانت ترى كوابيس مزعجة طوال الليل...كذلك تلك الجروح في جسدها، كلما أتذكر ذلك أشعر بالغضب حقاً!


سأله كارل بهدوء:إذا...ما الذي تفكر بفعله الآن؟

نظر إليه هاري للحظات ثم أجاب ببرود:ما تفكر أنت بفعله!

ضحك كارل من كلامه وقال:معك حق!
ثم تنهد بضيق وقال:لكنه الدوق هوريستون كما تعلم! أعتقد أننا سنواجه الكثير من المتاعب صحيح؟


وضع هاري كلتا يديه في جيوب سرواله وقال ببرود دون أن ينظر إليه:وأنت الرئيس تشادولي، هل نسيت؟ لا يمكن المقارنة بينكما أبداً!

ابتسم كارل بسخرية وردد قائلا بلامبالاة:الرئيس تشادولي هاه؟ يبدو أنني لم أعتد على ذلك بعد!



ما إن سمعت صوت فتح الباب وإغلاقه، حتى نظرت نحوه على الفور...
كان ينظر إليها هو الآخر بتردد..لكنه سار نحوها بهدوء ثم وقف إلى جانبها وسألها بقلق:كيف تشعرين الآن؟

أجابت ايمي بابتسامة حزينة:إنني بخير...

ثم شبكت أصابعها في توتر وقالت بتردد:فلـ....فلتجلس بجانبي!

تفاجأ ديفيد من كثيراً من طلبها، لكنه جلس إلى جانبها على السرير وهو ينظر إليها بقلق...مد يده نحوها لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة ليقبض يده في غيظ، وقال بينما خفض رأسه بحزن:ايمي أنا...

قاطعته ايمي لما قالت محاولة استجماع شجاعتها:عندما كنا في المنزل لقد كنت تحاول قول شيء ما لي صحيح؟ أ... أريدك أن تخبرني بذلك الشيء الآن!


اندهش كثيراً لما سمع كلامها..لكنه أخذ نفساً عميقاً ثم قال وهو ينظر نحوها بثقة:ايمي استمعي إلي جيداً...أعلم أنك عانيت الكثير في الماضي بسبب أبي وأمي لكن..هناك شيء عليك أن تعلميه، هما لم يفعلا ذلك بإرادتهما! لقد كان جدي هو من فرض عليهما أن يفعلا ذلك لك!
لا أعرف السبب، ولا أعرف تفاصيل أي مما حدث...لكنك قد قابلته، وأظنك قادرة على أن تفهمي أن شخصاً مثله، قادر على فعل ما هو أفظع من إجبارهما على هذا!


خفضت رأسها بحزن ثم قالت بتردد:أفهم جيداً ما تقوله...لقد قال لي ماكس أن والدي لا يفعلان هذا لي بسبب موت آرثر كما سمعت من إيلي...هناك حقيقة مختلفة أجهلها، هي السبب وراء كل ما حدث!



استطرد ديفيد قائلاً:في البداية كنت غاضباً جداً لما علمت أنهما فعلا هذا..لكنني لما أخبرتها أنك حاولت الانتحار كانا مصدومين حقاً...لقد كادت أمي تجن لما سمعت هذا!
إنهما يخفيان شيئاً ما عنا، ولا أظنهما يريدان إخبارنا بهذا بعد، لكن ايمي..أياً كان الأمر،أريدك أن تمنحيهما فرصة أخرى! أعلم أنك عانيت الكثير، لكن صدقيني..أنا واثق من أنهما يحبانك حقاً ولا يريدان لك إلا أن تعيشي بسعادة. كل ما فعلاه كان من أجل إبعادك عن جدي!
لما علم والدي بما فعلته،وضع خطة من أجل إخراجك من البلاد حتى تعيشِ معي بعيداً عن سلطة جدي. وبهذا تكونين قادرة على العيش بحرية دون ان تضطرِ لعيش تلك الحياة الفظيعة بعد الآن..لكن يبدو أن جدي قد علم بخطته تلك، ولهذا السبب قام بأخذك!
أراد والدانا أن يحمياك منه، لكن ما حدث قد حدث! كان علي أن آخذك معي بسرعة ما إن أخبراني بذلك، إنني آسف حقاً! لو أنني لم أتأخر عليك، ما كنت لتواجهي شيئاً مريعاً كهذا!


عندها قالت ايمي بهدوء حزين:لا بأس، ليس عليك أن تلوم نفسك بسبب هذا فأنت لم تخطئ في شيء..
ثم نظرت إليه وقالت بارتباك، وبرجاء بدا واضحاً في عينيها: أنا..أنتم...أعني...

ثم أغلقت عينيها وقالت بخوف:أنتم لا تكرهونني صحيح؟


اقترب منها ديفيد أكثر ثم ضمها إليه برفق ليقول بنبرة حنونة:ايمي..هل تعتقدين حقاً أنني أكرهك؟ إنني سعيد جداً لأنك موجودة...إنك أختي الوحيدة، فكيف لي أن أكرهك!
أعلم أننا لا نعرف الكثير عن بعضنا، لكننا بمرور الوقت سنصبح أقرب، وسنفهم بعضنا أكثر.. أرجوك أن تتوقفِ عن الخوف مني ايمي! أنا سأحميك بكل ما أملك...لذلك أريدك أن تثقِ بي فقط!


نظرت إليه بعينين دامعتين وسألته بصوت راجف:إنه لا بأس في أن أصدقك صحيح؟

ابتسم بعطف ووضع يده على خدها، ليمسح دموعها بإبهامه ويقول بحنان:يمكنك ذلك يا عزيزتي..وستثبت لك الأيام صدق ما أقول...

ابتسمت بألم، ثم أسندت رأسها على صدره بتعب...


تريد أن تصدق، تريد أن تؤمن به من أعماق قلبها. ورغم شعورها بالخوف، إلا أنها قررت أخيراً أن تمنحه ثقتها أيا كان ما سيحدث في المستقبل...


كان يمسح على شعرها بعطف دون أن يقول شيئاً...لقد عقد العزم على أن يعوضها كل الحنان الذي فقدته في حياتها، ولا شيء سيثنيه عن فعل ذلك أبداً...
سيحميها، وسيحبها، وسيتقرب منها، ولن يتركها بعد الآن مهما حدث!

بعد أن ساد الصمت بينهما لبعض الوقت، سألته ايمي بتردد:ما الذي سنفعله الآن؟


أجاب ديفيد بهدوء:سننتظر لبعض الوقت حتى تشفى جراحك، وحتى يقوم صديقي بتجهيز جواز سفر لك..لقد اتصلت به قبل قليل، وقال أن الأمر لن يستغرق أكثر من أسبوع فقط. ثم بعد ذلك سنسافر على متن الطائرة الخاصة التي سيجهزها لنا صديق والدي.
في غضون ذلك سنبقى مختبئين هنا حتى لا يجدنا جدي...إنه منزل جدة كارل من والدته البريطانية، ولا أحد يعلم به سواي...سنكون بأمان هنا بالتأكيد!


أومأت ايمي رأسها بفهم دون أن تعلق على ما قاله، لكنها نظرت إلى تلك الدمية الموضوعة على الطاولة الصغيرة إلى جانبها، والتي لاحظتها للتو فهتفت قائلة باستدراك:صحيح، تلك الدمية!

ثم نظرت إليه بحيرة وسألته بترقب بينما تشير نحوها:هل انت من اشترى لي تلك الدمية؟!

نظر ديفيد إلى الدمية باستغراب وقال بحيرة:كلا...لم أفعل هذا!


استغربت ايمي أكثر وتمتمت بتساؤل:لقد طلبت من أبي إحضارها في ذلك اليوم لكنه..ثم سكتت فجأة بعد أن أدركت تلك الحقيقة التي حاولت بيأس أن تبعدها عن تفكيرها تماماً..

كان الوحيدان اللذان يعلمان أنها أرادت تلك الدمية، هما والداها فقط...بالإضافة إلى تلك الخادمة المخيفة التي ترافقهما دائماً، والتي يستحيل أن تشتريها من أجلها بطبيعة الحال...


إذا فهما والداها من فعلا ذلك حقاً!!
أخذ جسدها يرجف فجأة، وعيناها تدمعان بألم..فشعر ديفيد بالخوف من تغير حالها المفاجئ وسألها بقلق:ما الأمر ايمي؟! ما الذي حدث؟!


قالت ايمي بصوت راجف من البكاء:إنهما أبي وأمي...لقد قاما بشراء تلك الدمية من أجلي!

ثم نظرت إليه بعينين ملؤهما الدموع وقالت برجاء:هل هذا يعني أن ما قلته لي صحيح؟ هل هذا يعني أنهما يحبانني فعلا؟


ابتسم ديفيد وقال بهدوء:الأمر كما ترين يا عزيزتي..إذا ما كانا يكرهانك فعلا، ما كانا ليفعلا هذا أبداً!

نظرت ايمي إلى الدمية مجدداً، لتسند رأسها على صدر شقيقها وهي تفكر في كلامه بصمت..



#غربي لندن-مطار هيثرو- الساعة 5:45 مساءاً
2005\9\22



وسط ذلك الزحام الشديد، حيث كان الناس يسيرون في تدافع هنا وهناك..ووسط تلك المشاعر المختلطة في ذلك المكان الواسع، بين مرحب مبتهج، ومودع يلتمس العودة القريبة لغائبه الوشيك..
كان الأربعة واقفين بجانب حقائبهم الكبيرة التي صفها كارل في عربة نقل الحقائب، في استعداد لأخذها إلى المكان المخصص للأمتعة، حتى يتم شحنها في الطائرة.


لأنهم كانوا سيسافرون في طائرة خاصة،فقد كان الوضع مختلفاً نوعاً ما..لذلك كانوا ينتظرون في ترقب، قدوم صديق والد ديفيد حتى يرشدهم لما عليهم فعله...
ورغم أنهم كانوا متخفين بتلك القبعات التي ارتدوها، والأوشحة التي أخفت وجوههم، إلا أن ديفيد كان ينظر حوله في قلق وتوتر..

يدرك جيداً أن جده قد وضع من يراقب المطار بالتأكيد...كان قد فكر مراراً أنه من الأفضل لهم لو أنهم سافرو في مطار آخر، أقل ازدحاما من مطار هيثرو الدولي الذي كان من أكثر المطارات المزدحمة في العالم!


لكنه لم يرد أن يعارض خطة والده، كان الأمل يحذوه بأنهما سيقابلان والديهما قبل أن يودعا انجلترا إلى الأبد...
أراد بشدة أن ترى ايمي والديها، وتتحدث معهما بشكل صحيح ولو لمرة واحدة قبل أن ترحل..
لذلك قرر الاستمرار في تلك الخطة، التي لم يكن هو ولا كارل مقتنعين بها إطلاقاَ!


الآن مضت ساعة منذ أن وصلوا إلى هنا...كان قد اتصل بذلك الشخص وقد أخبره أنه سيصل قريباً. لذلك كان يزداد توتراً مع كل دقيقة تمر دون أن يكون هناك أي شيء يدل على أن ذلك الرجل سيظهر قريباً!



كانت ايمي تضم دميتها بين يديها...
لقد اسمتها ميني بعد أن اقترح عليها كارل أن تقوم بهذا..

صارت مقربة منه جداً وقد أحبت كثيراً روحه المرحة، وأحاديثه المسلية التي كانت تنسيها آلام جروحها الفظيعة تلك...

هاري كان غامضاً جداً بالنسبة لها..لم يكن يتحدث معها كثيراً إلا نادراً في عبارات مقتضبة جداً...وكان منعزلاً ومنزوياً على نفسه. إما أن تراه يحمل كتاباً ما، أو يعلب بألعاب الفيديو بملل...


أما بالنسبة لشقيقها ديفيد، فمن الصعب جداً القول أنها صارت قريبة منه...علاقتهما ما تزال متوترة نوعاً ما ويسودها طابع الحذر بطريقة أو بأخرى...
لم يكن كلاهما يعرف كيف يتعامل مع الآخر بشكل صحيح، لكنها تعلم أنه وكما قال لها، سيفهمان بعضهما عاجلاً أم آجلا بالتأكيد...الأمر يحتاج إلى الوقت فقط!



وقفت أمام شقيقها ديفيد وقالت بتردد ممزوج بشيء من الخجل:امممم أخي...أريد الذهاب إلى الحمام...

نظر ديفيد حوله للمرة الألف تقريباً، ثم قال بقلق:ايمي..أخشى أن يأتي السيد هارول في أي لحظة...لذا...

خفضت ايمي رأسها بامتعاض، وقد بدت أنها بحاجة إلى الحمام حقاً...
فتنهد باستسلام ثم نظر إلى هاري الذي كان ينظر إلى الفراغ ببروده المعتاد وقال بهدوء:هاري...هلا رافقتها إلى الحمام؟


نظر هاري إلى ايمي ببرود وقال بلامبالاة:لا بأس...فلنذهب...

تهللت أسارير ايمي، وسارت برفقته وقد كانت تشعر بالراحة كثيراً...


ظلا يسيران لبعض الوقت حتى ابتعدا كثيراً عنهما...
في تلك اللحظة أخذ هاري ينظر حوله بطرف عينيه لما أحس بتلك التحركات الغريبة من أولئك الرجال الذين كانوا متوزعين في كل مكان حولهما...


اقترب من ايمي كثيراً ثم أمسك بيدها وقال بهمس: ايمي... يبدو أننا مطاردان، عليك أن تركضِ بأقصى ما لديك ما إن أشير إليك بذلك!

انتفضت ايمي بذعر ما إن سمعت هذا وقالت بخوف:هل هو جدي؟ هل عرف أننا هنا؟!


صر هاري على أسنانه وتمتم بغضب:تباً! لقد أخبرت ذلكما الأحمقين ألف مرة ألا نأتي إلى هنا! سيصل إلينا ذلك المجنون بالتأكيد إذا ما اتبعنا تلك الخطة السخيفة!

ثم نظر إلى ايمي وقال بانفعال: فتركضِ الآن!

شد يدها بقوة وسحبها معه لينطلقا راكضين بأسرع ما لديهما...
التفتت ايمي إلى الخلف لترى بعض الرجال الذين كانوا يرتدون ملابس عادية يركضون خلفهما...فالتفتت إلى الأمام بسرعة وقد كان قلبها ينبض بقوة من الخوف...


هتفت بذعر:ماذا عن أخي وكارل؟ ما الذي سيفعلونه لهما؟

أجاب هاري على الفور:لن يستطيعوا فعل أي شيء طالما أن أخي معه...إنه شخص مهم جداً وإيذاؤه بأي طريقة سيؤدي إلى نتائج وخيمة!


ثم فكر في نفسه بغيظ:تباً! لقد كانوا ينتظرون اللحظة التي تبتعد فيها ايمي عن كارل وديفيد حتى يمسكوا بها!


ركضا لوقت طويل دون وجهة محددة...وقد كان هاري يحاول التفكير في حل لتلك الورطة...


يدرك جيداً أنهم قد نصبوا لهم فخاً في مداخل ومخارج المطار بالتأكيد، لذلك لا يمكنهما الخروج. الاستعانة بالشرطة ليست حلا بطبيعة الحال. فبما أنهم يتعاملون مع شخص بمكانة الدوق هوريستون، فتحكمه بالشرطة ليس أمراً مستبعداً أبداً!
عندها فكر في حل واحد فقط...هتف في نفسه قائلا:روي! على التواصل مع روي بأي طريقة! لكن أولا علينا أن نختبئ في مكان ما!


وبينما كانا يركضان استطاعا الوصول إلى مكان كان خالياً نوعاً ما.
عندها تعثرت ايمي فجأة لتسقط دميتها ميني من يدها بعيداً عنها...توقف هاري على الفور ومد يده نحوها ليصيح بانفعال: قفِ بسرعة! علينا ألا نتوقف عن الركض أبداً!


نظرت ايمي إلى الدمية وقالت والدموع في عينيها:علي أن أحضر ميني أولا!

رد هاري بنفاذ صبر:ايمي! ليس لدينا وقت لهذا، يجب أن نهرب الآن! سوف أشتري لك دمية أخرى لاحقاً لذا فلتنهض بسرعة!


هزت ايمي رأسها نافية وقالت باعتراض:كلا! يجب أن احضر ميني! إنها الشيء الوحيد الذي يربطني بأمي وأبي!

صر هاري على أسنانه بغيظ وتمتم قائلا بينما يركض باتجاه تلك الدمية:تباً! لهذا السبب أكره الأطفال!!


أمسك الدمية من ساقها،عندها توقف مكانه فجأة وقال في نفسه بدهشة:هذه الدمية!  هل يمكن أنها...


عندها سمع صراخ ايمي فجأة. فلما التفت نحوها، اتسعت عيناه لما رأى ذلكما الرجلين الضخمين  ببدلاتهما الرسمية السوداء، وقد حمل أحدهما ايمي وأغلق فمها بيده الأخرى. فأخذت تهمهم بصرخة مكتومة بين يديه، بينما تحاول بيأس التملص من قبضته القوية...


ركض هاري نحوه وأمسك يده التي كان يحمل بها ايمي، محاولا أن يفكها من قبضته دون جدوى...فنظر نحوه بحقد وصاح به قائلا:اترك ايمي حالاً أيها الوغد!



وقبل أن يضيف أي كلمة أخرى، قام الرجل الآخر بلكمه بقوة على بطنه، حتى جثا على ركبتيه. ليتقيأ ما في جوفه، بعد أن صار شبه غائب عن الوعي...
حمله الرجل على كتفه وقال مخاطباً زميله:هل نأخذه معنا أيضاً؟


--:الأوامر تقتضي أن نحضر الطفلة فقط. إنه الوريث الثاني لأسرة تشادولي، سنواجه الكثير من المشاكل إذا ما تورطنا معهم!

--:وسنواجه مشاكل أكبر إذا ما ذهب وأخبر الرئيس تشادولي عن الأمر! لا وقت لدينا، علينا إنهاء الأمر بسرعة!

--:ماذا عن شقيقها؟


أجاب الرجل الآخر بينما يسير حاملا هاري على كتفه:ستتكفل إيفا بالأمر


كان هاري يستمع إلى حديثهم بتعب...
الألم في بطنه كان فظيعاً حقاً، وقد أشعره القي بالدوار. فلم يعد قادراً على تحريك جسده..
قال مخاطباً ذلك الرجل بصوت منهك:دع ايمي تذهب أيها الحقير!


لكنه لم يرد عليه، وتابع سيره باتجاه مخرج الطوارئ الذي كان في زاوية منعزلة من المطار..

ضغط هاري على أسنانه بغيظ، وقال في نفسه بضعف:فلتفعل شيئاً...أخي...



يتبع...


********


_رايكم في البارت؟

_توقعاتكم للاحداث القادمة؟

_ما الذي سيحدث لايمي وهاري؟

_هل سيتمكنون من الهرب إلى فرنسا حقا؟

_لقد قلت أن لكل شيء سبب، وأظن أن السبب وراء معاملة والديها لها قد انكشف بوضوح الآن صحيح؟😌

_أهذه هي النهاية؟😢

كل هذا واكثر ستعرفونه في الفصول القادمة..



التحديث سيكون بطيئاً جدا في رمضان وربما يكون معدوما تماماً💔سأحاول النشر بقدر الامكان كلما تسنت لي الفرصة، لكنني لا اعدكم بذلك🙁

إلى اللقاء وكل عام وانتم بخير..وعلى أمل أن يتقبل الله منها صالح الاعمال يارب..

أرجو ان الفصل قد نال إعجابكم😊  وسأكون سعيدة جدا بقراءة آرائكم وتعليقاتكم..دمتم في أمان الله وحفظه..


شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus