كانت السماء ملبدة بالغيوم، والهواء في ولاية سكيكدة يثقله الصمتُ الغريب الذي يسبق العواصف. لم يكن مساءً عاديًا، بل مساءً يحمل بين أنفاسه شيئًا غير مرئي… شيئًا يُراقب.
في حيٍّ قديم، اختنقت جدرانه بالرطوبة والتشقق، وقف منزل "إلياس" وحيدًا، مُتصدِّعًا ومهجورًا كأن الزمن نفسه لفظه. نوافذه كالعينين المنطفئتين، وبابه الخشبي المائل بدا كأنّه يتوسل ألا يُفتَح.
قال يوسف، وهو يضيء مصباحًا صغيرًا بيده المرتجفة: – "كان أبي يحدثني عن هذا المنزل… قال إنّ في قبوِه شيئًا لم يكن يجب أن يُوجَد قط."
نظرت إليه فاطمة بقلق، ثم قالت بسخريةٍ مرتعشة: – "أحقًّا نزلنا إلى هذا المستوى؟ خرافات وقصص أطفال؟ لستُ واثقة أنّنا نفعل الصواب."
سليم، الذي كان أكثرهم هدوءًا، لم ينطق. عيناه تراقبان السماء التي بدأت تمطر قطراتٍ متفرقة، كأنها إنذار من نوعٍ ما. أما آدم، فكان يحمل حقيبةً تضم ما يرونه "عتادًا مغامراتيًا": شموعًا، قداحة، وبعض الأدوات الحادة.
اقتربوا من باب المنزل. كان الصدأ يغلف قبضته الحديدية، وكلما لامسها أحدهم، شعر بحرارةٍ خفية تسري في جلده.
همس سليم: – "إنْ كنّا سنعود الآن، فلن نجرؤ على الرجوع أبدًا…"
ولم يكن لأحدٍ أن يعارض. الفضول، ذاك المرض اللذيذ، كان أقوى من الخوف.
دفع يوسف الباب، فأصدر أنينًا حادًّا كأنه يتألّم، وفتح ببطءٍ مريب، كأنّ الظلام نفسه كان ينتظرهم خلفه.
دخلوا.
المنزل كان ميتًا… أو هكذا ظنوا. الرائحة العفنة تخنق الأنفاس، والغبار يرقص في الهواء الثقيل، أما الأثاث فقد بدا كأشباحٍ متحجرة، كلّ قطعةٍ منه تحكي عن زمنٍ نسيه الجميع.
قادهم يوسف إلى بابٍ صغير خلف المطبخ، شبه مخبّأ بخزانة مكسورة. قال بصوتٍ خفيض: – "هذا هو الباب المؤدي إلى القبو."
تبادلوا النظرات، ثم نزلوا.
الدرج المؤدي إلى القبو كان ضيقًا، رطبًا، يكسوه العفن، ويئنّ تحت أقدامهم. بدا كأنهم ينزلون إلى مكانٍ لم تطأه قدم بشرية منذ عقود.
وفي نهاية السلم، كان الظلام أشدّ. أضاء آدم شمعة، فانكشفت جدرانٌ باردة، مشققة، تعلوها كتاباتٌ قديمة طُمست مع الزمن.
ثم رأوه.
صندوقٌ خشبي، مكسور الأطراف، مغطّى بطبقةٍ كثيفة من الغبار. انحنى يوسف وفتحه ببطء، ليكشف عن كتابٍ صغير الحجم، كثيف السواد، غلافه يشبه الجلد المتعفّن، وخيوطه مربوطة بعصبٍ جلديٍ داكن.
قال يوسف وقد تسارعت أنفاسه: – "ما هذا؟"
لم تجب فاطمة، بل بقيت تحدق في الكتاب كأنها تراه يتنفس. ثم همست، وعيناها متسعتان: – "لا تلمسه… هذا الشيء لا يريدنا هنا."
لكن يوسف لم يُصغِ. مدّ يده، ولمّا لمس الغلاف، انطفأت الشمعة للحظة، ودوّى في القبو صوتٌ خافت… كأنّ أحدًا يهمس من داخل الجدران.
كان الهمس غريبًا… لا لغة له، لكنه يدخل الأذن مباشرة، ويخترق القلب.
ثم جاءت الضحكة.
ضحكةٌ خفيضة، مشوهة، لا تنتمي لبشرٍ ولا لوحش… شيءٌ ثالث، لا يمكن تفسيره.
صرخت فاطمة، وتراجع سليم خطوةً إلى الخلف، أما آدم فكان يقبض على حقيبته كأنها ستنقذه.
قال سليم بصوتٍ متقطع: – "هذا ليس كتابًا… بل لعنة."
وما قاله لم يكن مبالغة.
منذ تلك الليلة… بدأ كلُّ شيءٍ يتغير.
نطق صوت مجهول قائلا " يبدو ان الانس لا يتعلمون أبدا . انتم مجرد جائعين للعنات تريدون جلبها لكم دون اي معرفة . على أية حال ماذا تريدون ؟ "
رد يوسف : " نريد معرفة ماهنا . لنا الحق ولن تمنعنا "
حقا . انا كنت اعتقد اننا الجن نرعب الانس لكن اعتقد ان اعتقادي خاطئ عندك "
نعم . معتقدك خاطئ
للأسف . هذا قد يكون سبب فنائكم . المهم اما ترحلوا او انه سيحدث مالا يحمد عقباه "
لن نرحل يا عديم الفائدة
اذا تجرؤون على قول الكلام بهذه الطريقة . ترقبوا ماذا سيحدث . والآن ارحلوا على اية حال لانكم لن تنجون أبدا "
رحل يوسف وفاطمة وأصحابهما ياسر وعادل من هذا المكان . يوسف كان يعتقد أنه لن يحدث شيء وأن ذلك الجني مجرد حثالة لا يفعل شيئا .
خرج الأربعة من القبو والبيت معًا، لكنهم لم يخرجوا كما دخلوا. صمتهم كان أثقل من هواء الليل. لم ينبس أحدٌ بكلمة طوال الطريق إلى بيوتهم. لكن شيئًا ما بدأ يُترجم في عقولهم على هيئة وخزات وظلال وأصوات لا يُفترض أن تُسمع. وفي تلك الليلة… لم ينم أحد.
استيقظ يوسف وهو يلهث. جسده مبللٌ بالعرق، وثيابه ملتصقة ببشرته. كان يحلم... أو على الأقل كان يظن ذلك. رأى نفسه داخل القبو مجددًا، لكن وحده هذه المرة. الشمعة مشتعلة، والكتاب في حضنه. ثم، وببطءٍ مؤلم، بدأ جلد الكتاب يتحرّك... ينكمش ويتقلص كجلدٍ حيٍّ يتنفس. ثم انفتح من تلقاء نفسه، وانبثقت منه رائحة جثث محترقة، واختنق يوسف وهو يصرخ… لكنه لم يكن قادرًا على إصدار صوت. وفي اللحظة التي رأى فيها شيئًا يخرج من بين صفحات الكتاب، شيئًا له قرون ملتوية ووجه بلا عينين، استيقظ. فتح نافذته، ليتنفس… لكنه لم يلاحظ أن بصمةً دموية كانت مرسومة على مرآة غرفته، فوق رأسه مباشرة، كُتب تحتها بخط مسلوخ: "لقد بدأتُ… ولن أخرج منكم إلا بتمزيق الأرواح."
في الجانب الآخر من المدينة، كانت فاطمة تتقيأ منذ الفجر. لكن ما كانت تتقيأه… لم يكن طعامًا. كان شيئًا داكنًا، لزجًا، أشبه بشعرٍ بشري مبلل، مختلطٍ بعظام صغيرة، وبعض الأسنان التي لا يمكن أن تكون لشيء بشري. كلّ مرة تنحني فيها، تشعر وكأن أحدًا يمسك بحلقها من الداخل ويحاول الخروج. بدأت تسمع همسات تأتي من تحت سريرها. أولاً كانت خافتة، لكنها تكررت… ثم تجرأت أكثر… ثم ضحكت. ضحكة مألوفة. تلك الضحكة المشوهة التي سمعوها في القبو. ذهبت إلى والدتها تصرخ، لكنها حين فتحت فمها… لم يخرج صوت. فقط هواء ساخن، ورائحة عفن جعلت أمها تبكي دون أن تدري السبب.
في صباح اليوم التالي، اجتمع الأربعة في مقهى شعبي، وجوههم شاحبة، أعينهم محمرة، وأجسادهم مرهقة. قال عادل وهو يرتجف: "أنا أسمع طرقًا في الخزانة… كل ليلة… الساعة الثالثة فجرًا… وبعد الطرق، يأتي صوت يقول لي: افتح، افتح، افتح." قال ياسر: "أرى انعكاسي في المرآة وهو لا يقلدني. بالأمس رأيته يبتسم بينما كنت أبكي… أنا… لا أعرف من أكون بعد الآن." يوسف، الذي ظن البارحة أن كل ما حدث مجرد تهديداتٍ من جنيٍ تافه، لم يكن قادرًا على إنكار الحقيقة. قال ببطءٍ: "هذا ليس كتابًا… هذا مدخل… لشيء ما. شيءٍ لا نفهمه، ولا يجب أن نفهمه." فاطمة كانت تنظر إلى الأرض. ثم رفعت عينيها وقالت: "كُتب في حلمي أنه اسمه: الخالي." قال يوسف: "من؟" قالت: "الكيان… الكيان الذي خرج من الكتاب. لا شكل له، لا اسم له، لكنه يأخذ أشكالنا، أصواتنا، أفكارنا… ثم يُحوّلنا." قال عادل وهو ينهار: "بشرفكم… هل تعتقدون أننا مصابون بمرض؟ أم أن هذا… هذا حقيقي؟" صمت الجميع.
ثم رن هاتف يوسف. رسالة واحدة. مرسلة من رقم مجهول. مرفقة بصورة. فتحها. كانت صورة غرفة نومه… مأخوذة من زاوية مرتفعة، كأن أحدهم كان واقفًا فوق سريره وهو نائم. الصورة مظلمة، لكنها واضحة بما يكفي لرؤية وجهٍ خلف الستارة… وجهٌ ليس وجه إنسان. وأسفل الصورة كتب: "أنت نمت… لكننا لم نَنَم."
ومن هنا، بدأت التحوّلات. بدأت أظافر يوسف تنمو كل ليلة بطريقة غير طبيعية، حادة، سوداء، وتنبعث منها رائحة لحم محترق. فاطمة بدأت تفقد شهيتها… ليس تجاه الطعام، بل تجاه البشر. كانت تمرّ بجانب الأطفال في الحي، وتشعر برغبة لا يمكن كبتها… رغبة في تمزيقهم. تقف مكانها، تتعرّق، ثم تبكي. عادل… لم يعد عادل. في أحد الأيام، وأثناء دخوله الحمّام، لم يخرج. وعندما كسرت أمه الباب، وجدته واقفًا، ينظر للمرآة، يبتسم. لكن انعكاسه لم يكن يبتسم. بل كان يبكي. وكانت هناك يد سوداء تخرج من كتفه… وتلوّح لها.
يوسف، بعد تلك الليلة، بدأ يسمع صوتًا يقول له كل ليلة: "اقتلهم… ابدأ بفاطمة… هي الأضعف… هي أول مَن سينهار…" وكان الصوت، مع كل ليلة، يصبح أكثر إقناعًا… وأكثر جزءًا منه.
كلّ ذلك… من كتاب. كتاب لم يُكتَب بالحبر، بل بدماء بشرية، على جلدٍ مسلوخٍ من أجسادٍ تعذّبت آلاف السنين. كان القبو مجرد بوابة. والمنزل كان مجرد فخٍّ لجذب الضحايا. والكيان… كان ينتظر. والآن، هو لم يعد خارجهم. هو في داخلهم.
يوسف بدأ يسمع أصواتًا في الحمّام، ليست مجرد همسات، بل كانت مناجاة كاملة. أحدهم خلف الجدار كان يبكي. صوت رجل عجوز، يبكي كما يبكي الأطفال في زوايا السجون. وحين اقترب، وضع أذنه على البلاط البارد، وقال له الصوت: "أريد جلدك. فقط الجلد. لا أحتاج شيئًا آخر منك." ارتد يوسف إلى الوراء، لكن البلاط تقشّر فجأة، وظهر تحته وجه ميت، عيناه مفتوحتان، ينظران إليه… ويبتسمان.
في تلك الليلة، وجد والد يوسف باب الحمام مفتوحًا، والماء ينزل دون توقف. اقترب ليغلق الصنبور، فإذا به يرى انعكاسًا لا يُشبهه. كان الرجل في المرآة أصلع، له جرح على رقبته، وثقب في صدره مكان القلب. وحين تراجع… لم تتحرك صورته. بقيت هناك، تحدق، ثم رفعت يدها ولوّحت له.
فاطمة كانت قد بدأت تتكلم أثناء النوم. كلمات غير مفهومة. كانت تهمس بلغات قديمة، لا وجود لها في قواميس البشر. وذات فجر، سمع والدها صوتًا من غرفتها، صوت طفل صغير يضحك… ثم يبكي… ثم يصرخ وكأن شيئًا ينهش أحشاءه. فتح الباب، فوجد فاطمة واقفة على السرير، مقلوبة الرأس، شعرها مغطّى بدماء ليست دماءها، وعيناها مقلوبتان، تبصق شيئًا يشبه الرماد، وترتجف.
عادل لم يكن يخرج من غرفته. أخته الصغيرة قالت إنها رأته جالسًا في الظلام، يهمس لجدارٍ فارغ. قالت إنه يبتسم كلما أطفأوا الأنوار. قال لها: "في الظلام، أرى الحقيقة. أرى وجوهًا بلا أعين. أسمعهم يغنون أغنية واحدة فقط: نحن نلتهم، نحن نلعق، نحن نحشو الأجساد بالديدان." وبدأ يكتب تلك الكلمات على الحيطان بدمه. كل صباح، يجدون جملة جديدة، مكتوبة بخط غير بشري.
أما ياسر، فقد بدأ جسده يتشقق. جلد يديه صار يتقشر على شكل شرائح رقيقة. وأثناء الاستحمام، شعر بشيء يتحرك تحت جلده. فتح الماء الساخن ليهدأ، فإذا بلحم صدره ينتفخ. من الداخل، شيء ما يحاول الخروج. صرخ حتى أغمى عليه. حين استيقظ، كانت أمه تبكي، وتقول: "كنت تنام وتضحك، وتقول لي: أمي، أنا لست ياسر. أنا فقط أستعير جسده."
بدأ الأطفال في الحي يختفون. ثلاثة أطفال من شارعٍ واحد اختفوا في ظرف يومين. كلاب الحي تجمّعت ليلًا أمام بيت إلياس، تعوي، تلهث، وتعضُّ الهواء. عيونها تدمع. ثم واحدة منها ذهبت نحو باب المنزل، وظلّت تنبح حتى خرج منها دخان أسود… ثم تفحّمت.
في مساء الخميس، اتصل يوسف بأصدقائه. قال لهم: "الكيان يكلمني. قال إننا إذا لم نُعيد الكتاب إلى القبو، سيمحو كل من نحب. سيمحو وجوههم. سيجعلهم موجودين ولكن بلا ملامح." ثم أرسل لهم صورة. كانت صورة أمه، جالسة على الكنبة، لكن وجهها كان مغطّى بجلدٍ أملس، بلا عينين، بلا فم، بلا أنف. وجه بشري… بلا وجه.
أجمع الأربعة على العودة إلى القبو، رغم كل شيء. عادوا في ليلة مطرٍ لا يتوقف. كل خطوة نحو بيت إلياس كانت ثقيلة، وكأن الأرض نفسها ترفضهم. حين دخلوا، كان البيت ينبض. الجدران تتنفس، والخشب يصدر طقطقة كأنها ضحك. كانت رائحة الموت في كل ركن. سقط يوسف أرضًا وهو يصيح: "إنه هنا! إنه في دمي! إنه يتكلم معي من داخلي!" اقتربت منه فاطمة، أمسكت رأسه، وإذا بها ترى عينه تتحول… تتحول إلى عينٍ أخرى، لونها رماديّ، فيها حلقة من النار. ثم سمعوا صوتًا.
لم يكن صوتًا بشريًا. كان شيئًا مشتركًا بين الحيوان والغضب والرماد. قال لهم: "أردتكم أن تروني. أن تعرفوا. أن تفهموا كم أنتم هشّون، كم أنكم لا تملكون شيئًا. كل شيء لكم… لي." ارتجّ البيت. الجدران انفتحت. رأوا من خلالها أجسادًا مدفونة، بعضها حي، بعضها يتلوى، بعضها يهمس: "أخرجونا… أرجوكم… لا نريد المزيد من الحلم."
صرخ يوسف: "أين الكتاب؟!" قال ياسر: "في حقيبتي… لكنه… يتحرّك." أخرجوه. كان ينبض. كأن له قلب. بدأ يغني. نعم… يغني. بلحن لا يعرفونه، لكن قلوبهم تعرفه. لأنهم سمعوه منذ وُلدوا، مدفونًا في أحلامهم. الكتاب فتح نفسه. وخرجت منه يد.
يد مشققة، عظمية، تحمل على أطرافها أصابع تشبه الشفرات. أمسكت بوجه عادل. حاول الصراخ… لكن أصابعه خرجت من عينيه. جرّته إلى الداخل. اختفى، ولم يبقَ منه إلا قطعة من قميصه. صرخت فاطمة، حاولت الركض، لكن الأرض التصقت بقدميها. قال لها الكيان: "أنتِ التالية. كنتِ الأضعف منذ البداية." لكنها نظرت إليه وابتسمت. "أعرف. ولهذا سأحرقك معي."
وأشعلت الولاعة. رمت الكتاب. النار اشتعلت. لكن بدلاً من احتراقه، بدأ يضحك. ضحكته مزقت المكان. الجدران انفجرت، السماء فوقهم سوّدت، وخرجت أصوات من تحت الأرض، أصوات أطفال، نساء، شيوخ، كلهم يصرخون… وكلهم يضحكون في ذات الوقت.
سقط يوسف مغشيًا عليه. وعندما استيقظ، وجد نفسه في القبو… وحيدًا.
والكتاب؟ لم يكن موجودًا.
لكن على ذراعه… كانت هناك ندبة جديدة.
على شكل عين… مفتوحة.
وكانت تنظر إليه.