استيقظ جهاد فجأة على صوت فتات تصرخ بحلق مرهق و مجروح. صوت مبحوح، لكنه صاخب.
"مت! مت! آغه، لماذا لا تموت! فلتمت أيها الحقي~ر! لماذا تعود في كل مرة أمزقك فيها! سحقا لك أيها الصرصار! م~متى ستموت؟؟!آآععغغهغه..."
بعد أن استيقظ، لاحظ جسدا رشيقا لامرأة بوجه متعرق تحاول تقطيع معدته و رقبته بسيف سحري مضيئ، لكنها لم تستطع... أو بالأصح، لم يعد بإمكانها، فقد تكيف جهاد مع كل ضرباتها القاتلة أثناء نومه.
فهم جهاد جزءا من ما يحصل معه ، لقد تم اختطافه من قبل مكتسحة تتحكم بالوحوش، و لسبب ما فهي تريد قتله.
حاول عند ادراكه لهذا الاحتمال، حاول تحرير نفسه بدفع جسده المشلول بعيدا عن تلك المجنونة، لكنه للأسف لم يستطع.
"لقد دمرت جهازك العصبي بسم السحلية، و سحري يجعلك مشلولا ت~تماما...و لا زلت قادرا على الشعور ب~بأطرافك؟.غ~غريب...لا يفترض بشخص مثلك أن يبقى هنا...يفترض بأنكم قد~قد غادرتهم بالفعل...لم يبقى هنا سوى الضعفاء، لك~لكنك بقيت هنا..."
لم يتمكن جهاد من إجابتها، فجسده مشلول بسم ما و ربما حتى بقوة سحرية مجهولة.
"لا بأس، سأجد طريقة لفعلها، و عندها، س~سأجعلك أحدهم...ستكون أعظم جنودي، هيهيهي، أنا مح~محظوظة للغاية، سأغادر هذا الطابق أخيرا...ن~نعم سأفعل، سأجعلك أحد دماي القرمزية الميتة العزيزة...لدى ما رأيك أن تسمح لي ب~بقتلك؟ هل ستموت لو سمحت ل~لي بفعلها؟ هل هنا~هناك نقطة ضعف في أو ثغرة أو عيب أو خلل أو عطب أو تناقض أو مشكلة أو شيء لا أعرفه في قدرتك؟"
راجع جهاد كل ما يعرفه عن المكتسحين الموتى بعد أن أدرك أن هاته المجنونة هي غالبا الفاعلة.
فما ظنه ظاهرة حدثت طبيعيا بسبب التغييرات الأخيرة في نظام البرج، اتضح أنه فعل خبيث متعمد كليا من قبل هاته المجنونة المختلة.
'لقد كانت هي طوال الوقت؟ لكن لماذا بدأت بهاته الأعمال فقط عندما انفجر النجم؟...هل انتظرت رحيل الأقوياء؟'
لا بد أن هذا هو معنى كلامها عندما استغربت من وجود شخص قوي لا يموت، حيث أنها ظنت بسبب قدراته أنه من أقوى المكتسحين في هذا البرج.
سألته الفتاة الغريبة:
"تبدوا عاقلا رغم قتلي لك بأبشع الطرق الممكنة... طوال ثلاثة أيام، لم ترضى جثتك أن تبقى كما هي بعد تمزيقي و عضي و تقطيعي و تشويهي و ع~علكي لها... هل قمت بعقد مع شيطان ما أ~يها الفتى لتبقى حيا؟"
لم يتمكن جهاد من الإجابة.
'هاته المجنونة...كيف تريدني أن أجيبها و أنا مشلول؟...و ما الذي عنته بثلاثة أيام؟ و أين هو أديكي و الفرقة التي كان يبحث عنها؟ هل... هل قتلتهم بالفعل؟'
سألته الفتاة مرة أخرى بصوتها الضاحك المجنون، بينما كان هو يتعرق بشدة، قلقا حول رفيقه و ما حدث معه.
"غريب...ألم تمر 3 أيام بالفعل؟ يفترض أن تتمكن من تحريك فمك بالفعل لكي تجيبني؟...أو ربما لم تمر تلك المدة بعد، همم...يا رجل، ساعتي الداخلية معطلة ب~بشدة، هيهيهيع"
تعجب جهاد و استغرب.
'من هاته المجنونة بحق الجحيم؟ تبا لهذا!'
أكملت الفتاة جنونها بكلام لا يقبله عاقل:
"منذ أن أتيت للطابق الخمسين و سحري الخاص لا يعمل في البرج... لقد فقدت احساسي بالوقت بسبب ذلك و علقت في الطابق الخمسين... هل حدث معك شيء مماثل أيها الف~فتى؟"
في هاته الحالة، كانت الفتاة تقول كل ما يجول في خاطرها دون سبب معين.
سألت جهاد ليس للحصول على إجابة ما، بل لكي تحاول السيطرة على جنونها الواضح من كلماتها هاته.
"هل أنت مكتسح من عالمي أم أنك من سكان هذا الطابق أيضا؟ أنا متحمسة للقاء أبناء الوطن هنا، أناس الطابق الخمسين غ~غرباء عن موطني، انهم متسلوقن للبرج أيضا ل~لكن برجينا الذان تمت صناعتهما من قبل ن~نجمين مخلفين قد تداخلا، و علقت هنا مع مهمة مس~مستحيلة الانجاز. هل تعلم لماذا أبناء هذا الطابق لا ي~يستخدمون السحر؟ هل أنتم معاقون؟ الكل في عالمي يمكنه استخدامه"
فتح جهاد فمه و توسعت عيناه من شدة الصدمة.
لقد زال الشلل عن فمه.
'هل هي من برج آخر؟ لكن ما قصدها بأن عالمها يحتوي على السحر؟ و لماذا بحق الجحيم قد يدخلها برجها لبرجنا كطابق يجب تخطيه؟'
رغم خوفه و ارتباكه، فهو لم يضهر أيا منهما.
"أ...فلتي...ني...أي...تها...المج...نونة"
ردت عليه:
"آه...ظننتك مميزا بسبب ما رأيته سابقا...ظننتك من أبناء وطني...حسنا، سأبقى وحيدة هنا إذا..."
تبع ذلك صمت مريع مع ابتسامة زاحفة ملأت وجهها كدودة تزحف ببطء متسللة بين ملامحها المضطربة.
'م-ما هذا بحق الجحيم؟!!!'
كان جهاد يرتعش من الخوف.
هدأ وجه الفتاة المجنون ثم صارت ملامحها هادئة بتعبير حزين في عينيها.
التفتت الفتاة لجهاد ثم قالت:
"لكنك سوف تف...لا...لن تفهم، صحيح؟"
رد جهاد بكل قوته المتبقية:
"اللعنة...علي...كي"
كان جسد جهاد يتحرر شيئا فشيئا، لكن بوتيرة بطيئة للغاية.
قالت الفتاة بصوتها المجنون مجددا:
"رائع! مذهل! عضيم! أنت أول من يتأقلم مع سحر الشلل خاصتي... مهما وضعت منه عليك لا يمكنني مضاعفة التأثير... و الأسواء هو أنك ستقتلني عاجلا أم آجلا بعد تعودك عليه و تجعلني أبدوا و كأنني أنا هي عدوتك... هاته العقلية العقلية البسيطة... ليتني أستطيع إخبارك بالحقيقة... لكن هذا البرج اللعين لن يسمح لي...ها هاها"
تمكن جهاد أخيرا من تحريك رقبته و الشعور بساقيه، فرفعها و قال:
"سحر شللك...ليس قادرا...على إيقافي... ستحتاجين... لجيش كامل لأجل ذلك"
أجابته الفتاة بصوت متألم:
"نعم...سحري الذي طورته طوال سنين عديدة غير قادر على إيقافك بعد الآن... جهازك العصبي قد تكيف معه بالكامل... سحري هذا قاتل في الواقع، لكن لحقيقة كونك خالدا...ف~فقد تمكن من شلك فقط...و حتى ذلك الشلل قد صار آخدا في الاختفاء...و الآن علي الهرب من هنا قبل أن أخوض في قتال استنزاف معك و أخسر و أموت و أصبح مكروهة في نظر الكل مع العلم بأنني ضحية أيضا...ألا تتفق معيييي؟"
اختفى تلميح الجنون من صوتها فجأة. بدى و كأنها شخص آخر:
"لا أريد أي أحقاد بيننا يا فتى، علي تنفيذ مهمة طابقي فقط...علي إيقافك عن محاولة إيقافي أيضا لكن...لكني ما زلت مرهقة... وداعا"
اختفت الفتاة من المكان أمامه، و انتقلت لمكان مجهول في لحظة واحدة كظل تسلط يتلاشى تحت ضوء الشمس.
تركته وحده مقيدا بكرسي حجري في كهف مظلم، يحاول التحرر من هذا المأزق، و التحقق من مصير رفاقه.
بعدما شفي أخيرا من الشلل التام، حرر نفسه و بحث في تشعبات الكهف بصوته القلق عن رفاقه الضائعين، لكنه لم يجد أحدا منهم.
لا يهم كم صرخ، لم يجبه أحد قط.
عندما يئس من البحث، غادر الكهف و بحث عن أي ملامح طريق مميزة قد تعيده للسور... لكنه لم يرى أيا من ملامح الطابق العشرين التي اعتاد عليها، بل وجد نفسه في مكان مختلف تماما.
"ح حدود الساحة؟"
حدود الساحة تعرف بكونها النقطة الفاصلة بين عدة أسوار مختلف في هذا الطابق.
في كل سور توجد داخله قرية آمنة حيث يرتاح المكتسحون. و جهاد الآن هو في أبعد نقطة عن تلك القرى. أخطر مكان في الطابق العشرين.
منطقة الحدود كانت سلسلة جبال مكونة من أغرب المعادن و الصخور، و سلسلة غذائية متشابكة لا تحمل ترتيبا معينا.
منطقة موت محتوم للعديد من المبتدئين الخبراء الأقوياء الذين تجاوزوا الطابق الستين.
فقط من وصلوا الطابق الثمانين تمكنوا من التجول هنا و النجاة...لكن لسبب ما، فقد كان المكان خاليا من كل الوحوش التي سمع جهاد عنها، و وجد عوضا عن ذلك غابة أشجار حمراء.
"هاته الغابة...إنها نفس..."
تملكته الدهشة من منظر هاته الغابة الحمراء مجهولة المصدر، و سرعان ما حاول ربط الأشياء ببعضها.
"هل هاته الأشجار هي السبب؟"
قصد بذلك أنها ربما تكون سبب العديد من الأحداث الغريبة، مثل عودة المكتسحين الموتى للحياة و هيجان الوحوش و اختراقهم الجدار.
لقد رأى و لاحظ أخيرا بأن هاته الأشجار ذات الأرضية الكريستالية الحمراء هي في الواقع تنموا على جثث وحوش عملاقة و بشر ميتين.
لقد لاحض هذا الفرق فقط لأن بعد الأشجار لم تنمي أرضيتها الكرستالية بعد لتحتضن تلك الجثث.
إحدى الأشجار القريبة التي لم تكتسب أرضية كريستالية بعد لم تمتلك أي ثمرت، لكنها فور أن أنتجت ثمرة من العدم بعد غطت تلك الجثة و حمتها بطبقة كريستالية قرمزية صلبة، تحولت الثمرة الحمراء لنسخة طبق الأصل من بشري ميت، و ثمرة أخرى تحولت لوحش غليظ بجسد عريض و مخالب تخترق الأرض. أشبه بجسد بقرة...لكن من الجانب.
تعاون الوحشان الكريستاليان لقتل جهاد، لكن في النهاية، تحولت النسختان لغبار بعد أن اندفعا بكل قوتهما لسحقه.
الوحش مات، لكن المكتسح الميت لا زال حيا.
شعر جهاد به يراقبه، فاستدار للوراء و وجد جيشا من نفس الجثة الحمراء التي تحطمت قبل قليل.
"قدرة التناسخ...تبا!"
يبدوا أن المكتسح...أو نسخته الميتة في هاته الجبال قد امتلك الجيش اللازم لإيقاف جهاد... حتى لو كان ذلك مؤقتا فقط.
حملت كل النسخ فجأة أسلحة متعددة و متنوعة، و توزعت في أماكن مختلفة ثم بدأت باستهداف جهاد من مواقعها الاستراتيجية المنظمة.
"هل قام بصنع جيش لتوه؟"
لا عجب أن هذا المكتسح امتلك الجرأة ليدخل هاته الحبال... لكن للأسف الجرأة دائما ما تتسبب بقتل صاحبها، لكن ليس جهاد بالطبع.
من مكان مخفي، طارت مئات الأسهم نحو جهاد، و تشعبت النسخ المحاربة حوله مهاجمة إياه من كل زاوية.
فشلوا في قتله و بدأ هو بالهجوم عليهم و قتلهم واحدا تلو الآخر، حتى اختفى خمسة محاربين بعد لكمهم بقوة في عمودهم الفقري...لكن هذا القدر البسيط من القتال ليس كافيا لقتل جيش كامل بمفرده.
كلما اكتشف جهاد مكان قناص مختبئ و قتله، كان عليه التعامل مع قناصين جديدين آخرين مختبئين في مكان أعمق في الغابة، و كلما قتل محاربا أمامه، ضهر خمسة من خلفه بأسلحة أكثر قوة، و ما زاد الطينة بلة هو أن الأسلحة اختفت مع تلك النسخ مما منعه من استخدام أسلحة العدو لمدى أفضل و امتلاك ميزة استراتيجية من نوع ما.
'لا بأس، إنه مجرد بشري مستنسخ، لا زال يتعب كالبشر الطبيعيين، لقد مات سابقا، يمكنني فعلها! يمكنني قتله'
كانت تلك كذبة واضحة، فهذا الرجل الذي من الواضح بأنه وصل الطابق الثمانين على الأقل قد امتلك طاقة هائلة و خبرة هائلة في استخدام قدرته هاته.
كما أنه لا بد من أن طوابق البرج أجبرته على استخدام قدراته هاته لأطول فترة ممكنة للنجاة و النجاح في طوابق البرج...لكن لا زالت هناك حقيقة واضحة في ما قاله جهاد.
"يمكنني...قتله..."
لقد كان الطرفان منهكان بعد قتال ساعتين منتاليتين، فتباطأت النسخ بسبب إرهاق صاحبها العقلي، و تباطأ جهاد نتيجة الجوع و التعب.
"لقد... اكتفيت منك. أضهر نفسك يا جبان!"
و في النهاية، بعد ثلاثة ساعات إضافية من القتال، لم تعد النسخ تجدد نفسها أو تتضاعف أعدادها كل أربع ثوان.
'هذا الوغد...لو حسبنا عدد النسخ التي صنعها في هاته الخمس ساعات، لتجاوز الخمسمئة ألف بسهولة!'
بعد أن قضى جهاد مجددا على كل النسخ، بقيت واحدة فقط، و قد كانت مختبئة تحت الأرض في كهف صغير.
قتل جهاد الأخير، و استدار لينظر لتلك الشجرة و لاحظ شيئا.
"أين...؟ ألم تكونا هنا قبل قليل؟"
شغل القتال تركيزه لفترة طويلة لدرجة أنه لم ينتبه للأمر من قبل.
لقد اختفت أربع شجرات فجأة بعدما قتل ثلاثة وحوش و ذلك المكتسح القوي.
"هكذا إذن..."
اكتشف جهاد الأمر متأخرا، لكنه صار داريا بحقيقة هؤلاء الموتى.
لإزالة الأشجار الحمراء التي تنتجهم، عليه قتل جميع الثمار الحية قبل أن تصنع الشجرات ثمارا أخرى من نفس الوحش مجدظا...
المشكلة هي أن هناك غابة منهم قد تجولت بالفعل ووصلت للقرى الأخرى و لأماكن بعيدة بحيث يصبح من المستحيل الوصول لها و قتلها للتخلص من الأشجار.
"لكن ما علاقة هذا بتلك الفتاة؟ هل قدرتها هي زراعة هاته الأشجار؟"
بدى الأمر و كأنه كذلك لحد كبير، لكنه ليس متأكدا بعد من ما إن كانت تلك هي الحقيقة، و من ما إن كانت هي الفاعلة حقا.
"آه يا رجل..."
تنهد و هو يخشى أن عليه قتال نسخ لا متناهية من الوحوش و المكتسحين الموتى للعبور من هاته الغابة و سلسلة الجبال المميتة.
'سحقا...سأتأخر حقا عن تنفيذ وعدي'
طريق العودة يتحاوز المئة ألف كيلومتر سيرا على الأقدام... حتى جهاد لا يعرف مقدار الوقت الذي سيغتغرقه عبور هاته المسافة.
نظر للأعلى ثم ابتسم بخفة:
'لكن النجوم جميلة مع ذلك'
بعد تفكيره في ذلك و محاولته التركيز في هذا المنظر ليسترخي، تفتحت خمس فواكه جديدة و أتت نسخها الوحشية لتهجم عليه.