"و أنت تعتقد أن تلك الفتاة هي من برج آخر من نجم آخر؟ و فوقها... فهي لم تدخل لطابقنا على أساس كونه طابقا عشرينيا، بل كالطابق رقم خمسين؟"

نظر جهاد لأديكي بعيون شبه ميتة.

"نعم، هذا ما أخشاه"

حك أديكي شعره المجعد بالقلم.

"تبا! لقد مررت بالكثير هناك يا فتى! هل هناك تفاصيل مهمة أخرى عن تلك الغابة؟ هل تعرف شيئا أو شيئين عن قدرات تلك الوحوش حتى نستعد لها جيدا؟"

رمش عدة مرات و نظر للأسفل بثبات.

"علينا الهرب... أنا سأدخل الطابق التالي، لا يمكننا المخاطرة بقتال تلك الوحوش حتى لو قمنا بالإستعداد جيدا... عليك أن تأتي معي"

توسعت عيون أديكي عندما أدرك أنه قد كتب كلام جهاد العفوي في تقريره.

"تبا! ليست لدينا أوراق كافية هنا. اختر كلماتك بعناية يا فتى. كما أني في الطابق الأربعين، و لو غادرت هذا الطابق، فسوف أكمل رحلتي من الطابق 41"

نظر جهاد إلى أديكي بعيون جادة ثم قال:

"أنا جاد، سأغادر... بعد أن أدفع لك!"

نظر أديكي لوجه جهاد بعناية ليتفحصه.

لقد اختفى جزء كبير من ذلك الغرور الذي اعتاد على رؤيته يشتعل في أعين هذا الفتى.

"هكذا إذا... إن كنت تنوي المغادرة بعد ان تدفع فساعدني في إنهاء التقرير من فضلك. معلومات شخص نجا من حدود الساحة لا تقدر بثمن هنا... في الحقيقة، سأكون ممتنا و مدينا لك في نفس الوقت لو أكملت التقرير، ففضولي يقتلني لأعرف المزيد عن تلك المنطقة."

نظر جهاد لأديكي بابتسامة منزعجة.

"حسنا... دعني أخبرك عن قدرات بعض المكتسحين الموتى الذين قابلتهم..."

***

استمر جهاد في مساعدة أديكي لكتابة التقرير حتى انتهى منه.

...

سلم أديكي التقرير لمكتب المعلومات العام. (نفس المركز الذي زود المعسكر بكل معلوماته عن الوحوش داخل النجم و الأبراج) و تم منحه 80 قطعة من الأحجار السوداء كمكافأة لقاء التقرير.

"أربعون منها لك"

أعطى أديكي كيسا لجهاد.

نظر جهاد للكيس باهتمام بسيط.

"هل لا زال علي الدفع؟ لقد أعطيتني ملابس جديدة مجددا... أم انك قد اقتطعت حصتك بالفعل من..."

قاطعه أديكي:

"ألا زلت تفكر في ذلك؟ لقد جعلتني غنيا يا رجل! لقد أخدتُ ضعف مستحقاتي ككاتب التقرير بخمس أضعاف! إذهب و اجتز الطابق القادم، سأحافظ على كيسك الثمين هذا هنا معي... لدى لا تدعه يلهيك عن هدفك."

ابتسم جهاد و أعطى أديكي كيس نقوذه.

...

عاد الإثنان للمنزل، و نام كل منهما في غرفته.

لكن عكس أديكي الذي نام بسعادة و هو يغني فرحا بكل هذا المال، عانا جهاد بشدة ليتمكن من النوم.

...

شعور ذوبان جسده من الأسفل لأعلى، و سقوط عينيه و اقتلاع ذراعيه بقوة، و محاولته اليائسة كي لا يموت مسحوقا بأطنان الوحوش و حتى شعور دخول السيف في عينه لا زال يدغدغ عموده الفقري.

كل الك المشاعر، لا زالت عالقة تأبى الخروج من ذاكرته و روحه المتعبة.

'أنا... أمعائي...'

مشهد سقوط أمعائه من سرته بينما لا زال خيا كان أكثرها... بشاعة.

لقد تقيأ خمس مرات قبل أن يغمى عليه و ينام وسط قيئه أخيرا.

...

يقول المثل الشهير:

اترك تسلق البرج يوما، تجد نفسك أبد الدهر عاجزا.

لو استسلم الآن لرغبته هاته بالإبتعاد عن الأذى، فسوف يعتاد على ذلك الشعور (الراحة و الأمان) و يصير جبانا عاجزا عن تحقيق وعده.

لقد قرأ عن ذلك كثيرا في القصص المصورة في صغره، لدرجة ان هاته الفكرة البديهية بدأت تؤثر في قراراته الحالية.

كما أن لديه أمل في ان الطابق الحادي و العشرين ستسري أحداثه في قرية هادئة تهاجمها الوحوش الى آخره.

مهمات البسيطة هادئة تساعده لاسترجاع ثقته بنفسه مجددا.

ابتسم جهاد و قال:

"ربما يمكنني...أن أصبح ملكا للقرية؟"

لكن للأسف، البرج يملك خططا مختلفة تماما.

و هو مدرك لذلك بالفعل.

لكن حتى لو كان مدركا لذلك، فلن يتوقف.

"أعدكي... سأحاول فعلها."

وعده لأمه كان أهم من أي شيء آخر في نظره.

...

عندما استيقظ، تناول آخر فطور له قبل أن يذهب.

وقف جهاد وسط الساحة المبلطة السوداء، و بجانبه أديكي يريد توديعه.

"حظا موفقا، ستحتاجه... بدون فريقك و قارئك معك... سيزيد البرج من صعوبة المستوى، ناهيك عن أنك بلا قارئ من الأساس..."

حك أديكي رقبته من الخلف.

"لا زالت تبدوا لي كفكرة سيئة... هل أنت متأكد من رغبتك بالرحيل؟ ستزداد حالتك سوءا... هذا فقط تحذير... الاحتياط واجب كما تعلم"

رد جهاد:

"لقد أجبتك بالفعل. إذا لم يكن أحد منكم شجاعا كفاية للتقدم معي بدون قارئه، فسأذهب وحيدا لأنهي البرج... و لما أمانع المرور بمثل هاته المشقة لأحل تحقيق ما أريده؟ كما أنه... يستحيل أن يكون أسواء من ما مررت به بالفعل صحيح؟ الوحوش في حدود الساحة أقوى بكثير من ما يوجد في الطوابق العليا، و أنا لا زلت في واحدة من الطوابق الدنيا، فلما القلق؟..."

نعم، لكن الطوابق قد تختلف من شخص لآخر اعتمادا على قوته الخاصة، و قد يصادف طابقا أخطر بمثير من مل ما وجهه حتى الآن.

ابتلع جهاد ريقه و ارتجفت يداه.

'لا داعي للقلق...'

لم يكن متأكدا من آخر جزء قاله.

'سيكون سهلا... لا داعي لبناء كل هاته الإفتراضات...'

يتحدث و كأن هذا ليس ما يفعله بالضبط.

...

حك أديكي خلف رقبته.

إنه واع تماما بما يحاول جهاد اثباته، لكنه أسضا يعي بعواقب ذلك.

"تبا يا فتى... هل جننت؟ أنت تقف في هاته الحلقة الصخرية السوداء... هل تعي ما معنى هذا؟ أحقا سترسل نفسك لجحيم يموت فيه الكثيرين فقط لتعدل مزاجك؟ هل جننت!؟! ستمر ب38 طابقا قبل أن نتمكن من اللقاء مجددا"

جهاد خائف، لكن على الأقل، فخياره واضح.

البقاء هنا يعني تأخره، و الرحيل يعني تقدمه.

...

ابتسم جهاد محاولا توديع الرجل الطيب بطريقة لائقة.

"سأراك عندما أصل للطابق الأربعين. إلى اللقاء يا سيد أديكي..."

توقف مكانه قليلا.

لم يستطع أن يصرح بأمره للبرج قبل أن يقول كلمة معينة:

"شكرا لك على كل شيء"

رد أديكي بابتسامة صادقة:

"لا شكر على واجب... لقد أسديت لي خدمة كبيرة هنا... و..."

توقف قليلا و هو يحاول استجماع جرأته ليطلب أمرا ما من جهاد.

"...و إن كنت منفتحا للأمر... هل يمكنك أن تعطي اهتماما أكبر لاستكشاف عوالم البرج؟ ... لم تمنحني ضروفي وقتا كافيا لذلك"

ابتسم جهاد.

'فضولي كعادته...'

وافق جهاد:

"سأفعل... سأروي لك عن كل الطوابق الثمانية و الثلاثين، سأخبرك بقصصهم... حتما"

سأخبرك بقصصهم... قوله لهاته الكلمات لا يختلف عن قوله بأنه سيعود.

لقد احتاج التأكيد على عودته ليستجمع شتاته.

سبب موافقته على طلب أديكي كان غريبا نوعا ما. لقد أمل أن تكون بعض قصص تلك العوالم مفيدة لحالته... شيئا ما شبيها بقصص أمه الخيالية ليعيد حماسته و غروره.

...

اتسعت أعين أديكي بعد أن وافق جهاد و قال بابتسامة مشرقة:

"لقد أرحتني..." تنهد بفرح. "رافقتك السلامة"

لا زالت ابتسامته مشرقة رغم عيونه شبه الميتة.

"و لك بالمثل..."

اختفت ابتسامته بسرعة.

"أيها البرج... أنقلني للطابق التالي"

كاستجابة لطلبه، لمعت الأحجار السوداء المرصوصة باللون الأبيض و ابتلعت كل الألوان الاخرى المحيطة به، و في اللحظة التالية، وجد جهاد نفسه في غرفة بيضاء يستمع لصوت البرج.

"الصاعد جهاد إنزي، لقد قررت الدخول للطابق التالي. لا زلت تملك حقا لتسأل، هل هناك أسئلة تريد معرفة إجاباتها؟"

سأل جهاد و بصره موجه للأعلى:

"كم سيبلغ فرق تدفق الوقت بين الطوابق القادمة و الطوابق العشرينية؟"

أجابه البرج:

"ثانية في الطوابق العشرينية ستعادل مليون عام من وجهة نظرك.

هذا هو النظام الذي حدده البرج خصيصا كي يتمكن الداخل جهاد من متابعة حياته بعد عودته بشكل طبيعي"

مستحيل... كلمة لا تكفي لتصف مدى عجز جهاد عن تقبل مدى انخفاظ توقعات البرج.

عادة ما يقوم البرج بتعديل تدفق الوقت بشكل مختلف من شخص لآخر حتى يتمكن الناس من متابعة حياتهم بشكل سلس عند الخروج.

لكن حقيقة ان جهاد سيقضي ملايين السنين كثوان في نظر الآخرين مرعبة حقا.

"لماذا كل هذا الوقت؟"

سأل بصوت نصف معترض.

أجاب البرج ببرود كالعادة:

"الأسباب:

عدم توفر قارئ.

عدم توفر فريق.

وجود عقاب على الصاعد جهاد بسبب موت قارئه.

دخول المكتسح للبرج دون المرور باختبارات بحقول النجم.

وجود عيب في قدرة الصاعد بعد مخالفته لأحد القوانين في البرج.

كلها عوامل تم النظر لها بعناية عند تقرير تدفق الوقت الخاص بك"

بقي لديه الحق ليطرح 11 سؤالا فقط. عليه استغلالهم جيدا.

"هل حصلت على تعويضات بسبب موت القارئ؟ هل غير البرج قاعدة ما بسبب ما حدث مؤخرا من اضطرابات في النظام؟ فقارئي لم يمت، لقد فقدت قواها فقط"

أجاب البرج:

"لا توجد تعويضات إضافية لما تم منحه سابقا.

البرج لم يغير أي قواعد أخرى حتى الآن."

تعرق جهاد قبل أن يسأل سؤاله التالي.

إن لم يرق سؤاله هذا للبرج، فقد عنى ذلك موته.

"لماذا صارت طوابقنا العشرينية... طابقا عاديا يجب تجاوزه في برج من نجم مختلف؟ و من هي تلك الفتاة المجنونة التي كانت تحاول قتلي؟ و من أين اتت تلك الأشجار القرمزية؟"

أجاب البرج:

"لم تتغير القواعد الخاصة بالبرج، لكن نجوما أخرى من عوالم أخرى قد حاولت احتظان البرج الساقط و فشلت مما أدى لبعض التداخلات الغريبة في مجرى الوقت بن عوالمكم.

الفتاة المجنونة التي تتحدث عنها هي صاعدة من نجم مختلف، و قد تم اعتراض طريق صعودها للطابق الخمسين من قبل عوامل خارجة عن سيطرة النجم و البرج، و بسبب تلك التدخلات، علقت في دوامة زمنية داخل عقلها.

تلك الأشجار أتت من قدرة الفتاة المجنونة، إنها قدرة على صنع مستنسخين من الوحوش التي تقتلهم."

سأل جهاد أخيرا أحد أهم الأسئلة التي ستساعده كثيرا مستقبلا.

"ما هو العيب الذي تلقيته من قبل البرج؟"

لقد قتل ذلك المكتسح بقدرة الإستنساخ، و رغم كونه ميتا من الأساس، فعليه التأكد.

أجابه البرج إجابة قلبت ملامح وجهه رأسا على عقب:

"المخالفة المرتكبة: قتل أحد المكتسحين.

العيب/العقوبة الممنوح(ة):

تقليلل عامل المقاومة من قدرتك الخارقة لعامل القتل. لن يكون لازما مضاعفة مقدار الضرر لقتلك مجددا بنفس الطريقة، يمكن قتلك بزيادة طفيفة فقط في مقدار القوة القاتلة."

تبقت 5 أسئلة.

"أنقلني للطابق التالي أيها البرج."

أراد أن يسأل عن شيء ما، لكن حقيقة أن طريقة قتله صارت أسهل بكثير من ذي قبل، جعلته يفقد جزءا كبيرا من ثقته بنفسه.

'لا يمكنني إضاعة المزيد من الأسئلة، علي ادخارها لاحقا. لا يجب علي أن أقايض الأسئلة مبكرا. سأدخرها لتلك اللحظة.'

بعد أن أمر جهاد البرج بنقله، أطاع البرج الأمر و غير مشهد البياض المحيط به بغابة خضراء.

منطقة أدغال محاطة بجبال و كهوف تغطي كل مناظر الأفق البعيد.

صوت خرير نهر قريب يداعب الجو الهادئ في تناغم جميل.

رائحة الفواكه و الأزهار الخفيفة تداعب أنفه من حين لآخر.

كان مكانا مسالما.

ارتاح جهاد عندما عرف بأنه لن يضطر للنجاة في صحراء حارة قاحلة مجددا.

"حمدا لله. لكن... مالذي علي فعله؟"

واقفا وسط الغابة دون أي تلميح عن ما يجب فعله، حاول تخمين مهمته.

"هل علي النجاة هنا؟"

الطعام ينمو على كل شجرة يراها، و صوت النهر القريب سيدله على مكان الماء... لا يعقل أن تكون هاته هي مهمته، فهي سهلة للغاية.

قرر جهاد التمشي قليلا ليحفظ المكان على الأقل، لكن هطولا مفاجئا للأمطار قد أعاق خطته.

غير وجهته لكهف بمدخل غريب.

يبدو و كأن أحدا ما كان يشوي بعض الطعام هناك، فترك سحاما عند مدخل الكهف.

كانت تلك إشارة جيدة بالنسبة لجهاد.

'هل هناك بشر يشوون الطعام هناك؟'

توجه الشاب نحو الكهف و قاوم بشدة الأراضي الوحلة التي كانت تحاول سحبه و إسقاطه أرضا.

لكنه سرعان ما استعاد سرعته بعدما بدأ بتسلق سفح الجبل الصخري.

ثم أخيرا وصل للكهف.

في مدخل الكهف، كانت هناك رائحة كريهة كادت تخنق جهاد من قوتها، فرغم المطر المتساقط، لا زالت الرائحة تحاول قتل حاسة الشم لديه.

"تبا، هل كانوا يشوون البراز هنا؟"

متروكا بدون خيار آخر، دخل الكهف القذر و عيناه مغمضتان.

'سأتقيأ...'

داخل الكهف، خفتت الرائحة بشكل غريب، و كأن ما شمه لتوه كان مجرد رائحة السحام لا غير.

'حمدا لله!'

تعمق جهاد قليلا داخل الكهف، فلفت انتباهه سحام برائحة الدم.

لقد كتبت به رموز و طلاسم.

'كتابة بالدماء؟'

أمضى جهاد بقية اليوم يحملق في تلك الكتابات و الرموز.

لم يعرف كيف يحللها من الأساس، لكن كان هناك رموز سهل فهمها على الأقل.

كان أحدها يشبه سيفا في الأرض و هناك العديد من الخطوط العمودية و راءه و أمامه، مما أوحى لجهاد بفكرة مهدت له طريق فك رموز الكتابات.

"سيف في الأرض... أرض معركة؟ حرب؟"

حملق بعدها في الخطوط العمودية فوق السيف و تحته.

"إذا... هل هاته الخطوط هي الجنود؟"

بعد هذا الافتراض، شعر جهاد بصعقة بسيطة في دماغه.

حك رأسه و أمسك به بقوة.

لقد شعر بألم كبير، لكن لمدة قصيرة فقط.

كان مؤلما و خفيفا في نفس الوقت.

شبيها بشيء غريب شعر به عندما تعلم لغة البرج فجأة من العدم.

بعد ان اختفى الألم، فتح جهاد إحدى عينيه مترددا، و أعاد النظر إلى تلك الرموز.

تحليلها صار أسهل بكثير.

"يمكنني... فهمها؟"

قدرة غريبة يمكنها تعليمك أي شيء ما دمت تعطيها دافعا لذلك... فعلا إنها قدرات مرعبة تلك التي يمتلكها.

أدرك جهاد أن هاته الطلاسم تتحدث عن حرب قديمة.

باقي التفاصيل شبه مجهولة، و عليه تحليل رموز اللغة لفهمها، لدى بدأ بتحليل رسم على الأسفل لغيوم تخترق الجبال.

"جبال يتخللها الضباب... هل هذا هو موقع الحرب؟"

كان هناك طلسم آخر.

قوس منحني للأرض، و متصل مع رأس بشري.

لقد كان رجلا ساجدا، و أمامه رسم لأنياب و عيون و أحنحة...

"وحوش مع أناس ساجدين... أي بمعنى... محاربون يمتطون الوحوش!"

خلفه كانت هناك طلاسم أخرى، لكنها ممجوزة بأحرف مجهولة.

بعد تعرف جهاد عليها، حللها ببطء.

"تنين. أمام. كهف.

ينظر. يرجع/يشحن نار.

أنا رسم. واجب لك. أهر... قلب"

لم يكمل النقش لكن قصيده كان واضحا.

"أهرب لحياتك/لقلبك"

استنتج جهاد:

'مروضوا الوحوش، روضوا تنينا ما، و هم مسيطرون على هذه المنطقة... هل علي القضاء عليهم و الإنتقام لراسم النقوش؟ أم أن علي...'

استوقف جهاد نفسه قليلا:

"منذ متى و أنا مهتم بحروب دول اخرى؟ علي التوقف عن قراءة هذا الهراء."

كان آخر شخص سيفكر في الدفاع عن قوميات أناس آخرين و كل ذلك الهراء.

...

عندما استيقظ جهاد في اليوم التالي، كانت هناك تغييرات غريبة في المكان المحيط به.

ذبلت الأشجار و تساقطت فواكهها حتى تعفنت كليا.

بدى و كأن شيئا ما قد سحب الحياة من هاته الغابة و أحرقها كلها.

كما كان هناك شيء غريب يضهر و يزحف من الجبال.

'ضباب؟'

لقد تأكد الآن بأن هذا الجبل هو موقع تلك الحرب.

اتجه نحو مصدر الضباب القادم من الجنوب الغربي لهاته المنطقة، و هناك رأى منظرا... أطلق عليه ما تشاء لكنه ليس طبيعيا.

ربما هو طبيعي هنا لكن... أليس غريبا أن تكون هناك حفرة في الأرض بقطر يبلغ مئة متر؟ و ربما عمق يتجاوز الألف متر؟

"لا، إنها حتما أعمق من ذلك بكثير..."

كان يحدق في الحفرة بسهو غريب.

لقد كاد يقسم بأنه سمع همسات تصعد من تلك الحفرة.

"لا بد أنها... الرياح...؟"

من داخل الظلام العضيم للحفرة، ضهر نور أحمر.

لسبب ما لم يبدو و كأنه قادم من الحفرة، بل من جهاد نفسه.

نظر الشاب لنفسه في استغراب.

شعر بدفئ غريب يغطيه، كأنه في فرن يزداد دفئا شيئا فشيئا.

التهمه الرعب عندما أدرك ما يحدث له.

"أنا... أحترق؟"

صرخ مرعوبا و هو يحاول إطفاء النار بالوحل الرطب.

لكنه أثناء ذلك رفع بصره، و رأى شيئا عملاقا جعل عقله يتوقف لثانية واحدة قبل ان يفهم جهاد ما يحدث.

لقد أبصر تنينا محلقا!

بعد أن رأى التنين المحلق، قام التنين بسحب كمية من الهواء و تغير المشهد لمشهد مختلف حيث لم يكن هناك تنين بعد الآن.

كان جهاد بجسده المشتعل يسقط من أعالي السماء لداخل الحفرة.

لقد قتله التنين بنيرانه، لكن عندما عاد حهاد للحياة، قام الوحش ببساطة برميه من السماء لكي يعلق في تلك الحفرة.

هذا الموقف مألوف بشكل غريب.

...

لم تنبس شفته بحرف.

التزم الصمت و هو يشاهد الحفرة المظلمة تحتظنه.

انتظر داخل ذلك الظلام حتى اختفى شعور الدفئ و الهواء الذي يقاوم سقوطه.

استوعب متأخرا.

"هل أنا في... الحفرة؟"

صرخ بقوة على أمل سماع صدى صوته.

"مرحباااا... أحد ما...؟"

حتى الصدى تم التهامه وسط هاته العتمة.

استوعب أخيرا ورطته.

'تبا لكل شيء ضخم يطير! أقسم أني سوف...'

طوال الوقت الذي كان فيه هنا، تلاشى إحساسه بالوقت.

لم يعد يعلم كم ثانية، كم دقيقة أو كم ساعة مرت منذ سقوطه في هاته الحفرة.

لم تكن لديه أدنى فكرة عما يجب عليه فعله تاليا.

'كلا... على الصعود! لقد وعدتهما.'

مشى جهاد و فتش بيده حتى يجد منطلقا لعله يستطيع التسلق منه، و بعد مدة بسيطة وجد صخرة بجانب جدار الحفرة.

'هل يمكنني... التسلق لأعلى الحفرة؟'

ليعرف، عليه أن يجرب.

دون إضاءة ملائمة، بدأ محاولة العثور على أماكن مناسبة ليضع يديه و ساقيه فيها.

"تبا لهذا! لا يمكنني رؤية خطواتي..."

لسبب ما فحتى ضوء شمس الضهيرة لا يدخل هذه الحفرة العريضة.

'هل هذا بسبب الضباب؟'

لم يهتم كثيرا للأمر و استمر بالتسلق فقط.

حتى سقط لأول مرة...

...

أثناء سقوطه في بحر الظلمة هذا، شعر برعب و خوف لا مثيل لهما.

كان مجردا من كل حواسه أثناء السقوط.

شعر بأنه سيسقط في حرفة بلا قاع للأبد. لكن مدة سقوطه لم تستغرق أكثر من ثانيتين.

استيقظ من بعد تلك السقطة التي تسببت في إغمائه من شدة الخوف...أو ربما قد تكون قتلته من شدة خوفه.

شعور التجرد من الحواس أثناء السقوط في هاته الظلمة لم يكن بالهين اطلاقا.

...

بعد عودته للواقع، و عودة حاسة اللمس خاصته بعد أن استشعر الأرض، فقد كل رغبة في النهوض و ترك هاته الأرضية الصلبة الآمنة و إعادة المحاولة.

كان خائفا من السقوط و الموت مجددا...

ضن سابقا أنه لا يوجد داع للخوف من الموت بما أنه خالد و بمل أنه قد تكيف معه، و قد كان محقا، لكن البشر دائما ما شعروا بالخوف حتى لو لم يكن هناك داع.

ضحك جهاد كالمجنون:

"هاها... لا زلت بشريا على الأقل..."

كان هناك قلق بسيط يراوده حول ما إن كانت مشاعره ستتلاشى كجزء من عملية التكيف، لكنه كان مخطئا... على الأقل، حاليا.

...

عاود المحاولة من جديد، لكن هذه المرة كانت أسهل.

أصابعه صارت أقوى و سيقانه صارت أكثر ثباتا.

لكن حتى مع هاته التحسنات الواضحة بفضل مهارة التعلم اللا محدود، فقد سقط مجددا.

ماتت حواسه و انقطعت أنفاسه.

...

استيقظ جهاد.

"هل مت خوفا؟"

نهض كارها لضعفه و عاود المحاولة، لكن هذه المرة لم يتعرق.

العرق لم يكن جزءا من العوامل التي قتلته، قط الخوف هو ما قتله.

بدى الأمر و كأن قدرته تتكيف مع عدة عوامل في وقت واحد، و لكن ليس لتحسين ردات فعله اتجاه عوامل جانبية تابعة لعامل القاتل الأساسي.

على العموم، فلم ينجح أحد في كل تاريخ البشرية في معرفة قدرات المكتسحين الحقيقية، دائما ما ضهرت حالات خاصة و ثغرات في قدراتهم.

كأنها أخطاء برمجية من قبل صانع البرج نفسه.

و جهاد ليس استثناءا من تلك القاعدة.

"التكيف مع أشياء لا تقتلني..."

ابتسم باستغراب.

لقد سمع جهاد سابقا بنظرية غريبة.

"تأثير العقلية... هل هذا هو السبب؟"

إن اعترف المرء بأن العنصر "ب" هو شيء يجب أن تعمل قدرته معه، فهناك احتمال أن تعمل القدرة مع العنصر "ب" و تخالف العديد من الشروط الرئيسية التي تحد من قدراته.

و في موقفه هذا، بدى و كأن عقلية جهاد التي ضنت بأن العرق هو أحد العوامل الثانوية المسببة للموت أيضا، أترت في قدرته التي أصغت له و سمحت بهذا الاستثناء.

"التعرق عامل ثانوي يحدث عند التسلق... التسلق لا يقتلني. العرق ليس عاملا ثانويا يساهم في قتلي أثناء السقوط... إنه حتما أحد تلك الأخطاء اللعينة."

عاود جهاد التسلق ثانية، لكنه سقط مجددا.

لقد مات، لكن ليس بسبب الخوف أو ارتفاع السقوط.

كان هناك حتما شيء آخر غامض يقوم يقتله هاته الحفرة.

و كأن ظلالا مختبئة تحاول قتله.

و قد فعلت ذلك في كل مرة كان يسقط فيها و بعد أن يتسلل الخوف لقلبه.

ثانية و ثالثة ثم رابعة، مات عدة مرات حتى توقف عن العد بعد كثير من المحاولات.

لكنه غالبا ما توقف عن العد في محاولته العشرين.

...

"هل علي الإستسلام فقط و تلقي عقوبة الفشل؟"

لو كان محظوظا كفاية، فستكون العقوبة هي قتل ذلك التنين.

أمر جهاد:

"أيها البرج، أنا أستسلم"

لم يسمع جهاد صوت البرج، لكن مكانه تغير مباشرة بعد إنهائه لجملته.

'غريب... يفترض أن أسمع صوت البرج يخبرني بمهمة العقاب...'

كان الضوء ساطعا جدا.

شعر و كأن شمعا سائلا يتم تقطيره على عينيه.

تغير مكانه إلى ما يبدوا و كأنه مكان العقاب.

فتح عيناه و لم يصدق.

"أنا... في الحفرة؟"

يال السخرية، حتى عندما ظن أن العقاب سيكون أرحم بكثير من موقفه السابق، اتضح بأنه كان يمر بالعقاب منذ البداية.

'هل تسخرون مني؟'

شد على قبضتع و نظر ببطئ للسماء.

'كيف صار الضوء ينفذ إلى الحفرة؟ هل انقشع الضباب؟...'

نظر من حوله و ميز بعض طرق التسلق التي سلكها من قبل، ثم توجه لها.

لكن قبل أن يتحرك خطوة واحدة نحو تلكالصخرة، انتبه لما يوجد تحت ساقيه و انحنى ليلقي نظرة أقرب.

"طلاسم؟"

قرأ تلك النقوش و كانت كالتالي:

""عدو. سبب .سحر أرض. حفرة. سقط. جيش.

فقدان. ضلام. يأس. جوع

طعام. قتل. أكلت. نجاة"

فهمت... يمكن ترجمتها إلى:

"صنع العدو حفرة عملاقة بسحر الأرض و سقط الجيش فيها.

لم يعد لدينا غير الضلام و اليأس و الجوع.

قتلت الناس لأجل الطعام. أنا... أكلتهم""

أمر محزن.

هذا يفسر سبب تواجد معدات الجنود المهترئة المتناثرة في كل المكان.

لقد استخدم جهاد سيوفهم للتسلق قبلا، لكنه لم يعرف بأنها سيوف، فقد كانت قطعا صدئة للغاية و التسلق بمساعدتها كان بلا جدوى.

لم تكن السيوف صلبة كفاية.

صدئة جدا و ثقيلة لدرجة يصعب التعامل معها أثناء التسلق زاحفا بين الشقوق الضيقة.

بعد أن حفض مكان الأسلحة نسبة لتلك الصخرة التي تسلق بداية منها، حاول التسلق من تلك الجهة و كانت النتيجة أن قطع نصف الطريق قبل أن يسقط و يموت بعد أن انكسرت رقبته في السقوط.

"كيف... كيف تم كسر عنقي؟"

لقد مات مرات كثيرة بتلك الطريقة، و لا يعقل أن رقبته تراجعت عن التكيف و صارت أضعف... إلا في حالة واحدة.

"هل عذا... عقاب مزدوج؟"

إنها حالة غير نادرة للغاية.

حيث حتى لو نجحت في مهمة العقاب، سيطاردك ضعف معين طوال الوقت و يضعف قواك الخاصة.

و طيقة إزالته غير معلنة للناس.

حاليا، يبدوا بأن صلابة قد صارت أقل من ذي قبل، مما يعني بأنه قد عاد لنفس مستواه قبل دخول الغابة القرمزية.

اتسعت عيني جهاد بقوة عندما أدرك.

"هل سأموت مجددا... بنفس تلك الطرق؟"

تقيأ بعدها بشدة عندما تذكر ما حدث معه في الغابة القرمزية.

...

صرخ جهاد بصوت مذعور:

"علي الخروج من هنا!"

تسلق حهاد بعد أن التقط إحدى الخناجر المرمية أرضا و استخدمتها كمناجل تسلق.

بالكاد نجح في الخروج بعد 30 محاولة متتابعة من تسلق ألف متر كاملة.

لقد مات سقوطا حوالي 5 مرات، قبل أن تزداد صلابته و ينجوا من الموت مع كسور فضيعة في ضهره.

دون أن يتردد جهاد، قام بطعن صدره نفسه بالخنجر ليعود للحياة.

لقد قتل نفسه عديدا من المرات بالفعل، لا شيء منيز في قراره هذا، لكنه لا زال...

"ماذا لو مت للأبد و لم أعد بسبب عقاب البرج؟"

سؤال وجيه.

لا يوجد شيء يحيل بين أن يضيف البرج عيبا يمنعه من العودة من بعد الموت.

عندما فكر جهاد في ذلك، نظر مجددا لحافة الهاوية و كشر تعابير وججه قبل أن يضع ساقه على قمة الصخرة المرتفعة و يتسلق.

هاته المرة، تسلق جهاد بكل ما يملكه من قوة.

لم يجعل السقوط خيارا محتملا له. لقد صار رافضا لإعتماده على قدرة غير موثوقة كهاته.

...

ثم أخيرا وصل للقمة بعد عناء شاق، و تمكن من رؤية منظر جميل... كان التنين جزءا من ذلك المنظر.

التنين لا زال هناك.

بعدما استرق جهاد البصر لذلك المنظر المرعب، أعمته العتمة و أفقدته حاسة البصر.

صرخ جهاد بعد أن أدرك ما حدث:

"أيها البرج الحقي..."

العقوبة انتهت و أعاده البرج إلى قاع الحفرة، لقد كان غبيا لنسانه شيئا بديهيا كهذا!

"أقسم أني..."

لكن لا بأس! لقد حفض طرق التسلق و أماكن الأسلحة بالفعل.

عليه فقط أن يبحث عن تلك الخناجر.

لكن للأسف، فمهما بحث عنهما، لم يجدهما.

الخنجرين الزمرديين قد اختفيا.

غريب... فكما عاد جهاد للحفرة، يفترض بالخناحر أن تعود...

إلا إن كان هناك شخص ما قد أخدهما في الفترة الزمنية الفاصلة ما بين مهمة جهاد و العقاب.

أو أن العقاب أخد مكانه في الماضي في خط زمني مختلف حيث تواجدت الخناجر في الحفرة.

خاصة أن هاته الحفرة مظلمة عكس التي كانت في العقاب.

"لكن من سيأخد هاته الخناجر؟"

بدى و كأن البرج قد فرض عليه عقابا ثلاثيا هاته المرة لمنعه من التسلق بنفس الطريقة.

لا أدري كيف لم يجن جنونه بالفعل.

يريد جهاد أن يتضاهر بأنه قد داق ذرعا من هذا التسلق اللعين... لكنه لا يشعر بشيء مثل "الجنون" و "فقدان السيطرة".

كأنه قد تكيف معهما أو شيء من هذا القبيل.

صح ذلك أم لا، فسيكمل التسلق.

الفتحات التي خلفها جهاد عن طريق تلك الخناجر لا زالت هناك.

"العقاب حدث في الماضي إذا... و أثناء انتقالي من بينهما، شخص ما قد أخد هاته الخناجر وغادر... لسبب ما..."

لن أشغلكم بالأمر و تفاصيله المقززة.

فلا داعي للحديث عن أصابعه و أضافره التي انتزعت من مكانها بعد أن علقت في الشقوق الضيقة لفتحات الخناجر التي بالكاد اتسعت لخيط رفيع من الشعر.

أو كيف كان عليه ان يعيد التسلق عدة مرات بعد سقوطه و نزع أضافره و قطع أصابعه العالقة في تلك الفتخات بفمه.

فلنبدأ من حيث سقط جهاد و قتلته هاته العتمة من جديد.

...

وقف جهاد مكانه و سأل نفسه:

'كيف لم أجن رغم أني أسقط مرارا و تكرارا؟ أسقط و أعيد كل شيء و كأن كل جهودي بلا فائدة؟'

مع كل إصبع يضطر لإقتلاعه، يتبادر سؤال غريب لذهنه.

'هل الأمر... يستحق؟'

لكن مع عقليته و قدرته على التفكير بسرعة و توقع نتائج الهيارات، فهو يعلم بأنه سواء استحق الأمر معاناته أم لا، فالبقاء عالقا في الحفرة لن يغير شيئا، التسلق سيفعل.

'أسأقع مجددا؟'

ربما، لكن هذا لا يعني بأن نجاحه مستحيل.

'هل لا زال التنين هناك؟'

نعم، و إن لم يكن حذرا، فسيلقي به مجددا في هاته الحفرة.

'هل ساجد الخناجر فوق السطح حيث تركتها؟'

عليه التسلق ليعرف.

التسلق و الإستمرار، كانا جوابه الوحيد لكل أسئلته.

...

و حتى مع هذه الأفكار السلبية التي ملأت عقله فقد تسلق و وصل السطح بنجاح... و بفشل إن صح التعبير.

...

لم يكن التنين هناك هاته المرة، لدى تسلل بهدوء خلف الأشجار و الصخور حتى وصل إلى واد بين بضعة جبال هادئة حيث كانت هناك قرية صغيرة بمنازل شبه محترقة.

"لماذا أحرق القرية و كل الغابة؟"

توجه جهاد نحو الباب الوحيد المضاء.

طرقه ليلتقي بسكان هذا العالم.

لكن من فتح الباب لم يكن قرويا من هنا، بل شخصا بحذاء رياضي عصري و معدات غريبة.

لم يكن من الصعب معرفة هويته، إنه مكتسح.

خرجت عينا جهاد من محجريهما تعحبا و سأل:

"كيف يوجد... المعذرة، هل دخلنا البوابة معا؟ فأنا لا أذكر أني رأيتك قبلا."

لم يرد عليه المكتسح.

بدلا من ذلك، فقد رفع سيفه و حاول أن يقتله.

و في الثانية الموالية، توقف الزمن و سمح للمكتسح بالضهور من خلف جهاد.

"ه هل قتلتني؟"

لم يرد المكتسح عليه. لكن الجواب واضح.

صار أوضح عندما حاول المكتسح قطع رقبة جهاد مجددا.

لكنه فشل بسبب تكيف جهاد مع نفس مقدار القوة الذي استخدمه قبل قليل.

"هذا الحقير..."

لا يريد جهاد قتله، فقد يتسبب هذا في عقاب آخر مطبق عليه... لكن لا يبدوا بأنه سيمتلك خيارا آخر غير ذلك.

2025/10/19 · 32 مشاهدة · 4196 كلمة
نادي الروايات - 2026