14 - الطابق 22-خائف من الموت

نضر جهاد ليديه.

وقف على ساقيه ثم رتل:

"أخرجي يا نار الدم!"

من يده مجددا، خرجت شعلة حمراء كالدم.

نضر جهاد مجددا ليده بابتسامة واسعة، ثم نضر للسماء البيضاء و قال:

"أنقلني للطابق التالي أيها البرج!"

بعدها، اختفت عواميد الضوء ببطء و تلاشت ببطء كي تضهر بيئة الطابق ال22.

بدت كمنطقة صخرية صحراوية قاحلة تمتد على مدى الأفق.

كانت المنطقة الجديدة تعريفا مثاليل لمقولة:"أرض جرذاء، لا طعام و لا ماء"

...

"مالذي يفترض بي فعله هنا؟"

كل ما أبصرته عيناه كان عبارة صخور بنية فاتحة و بعض المرتفعات البسيطة هنا و هناك، كما لاحظ وجود بعض الحفر الصغيرة تحت الأرض و مرتفعات بعيدة ناحية الشمال.

انخفض الفتى بإحدى عينيه ليتفقد فتخة صغيرة غريبة موجودة على الأرض، فخرج فم دودة عملاق منها و التهمه.

كانت تلك الحشرة الغدارة من نوع قادر على طوي نفس مئة مرة تحت الأرض، ثم القفز على فريستها فجأة لتلتهمها.

"أخرجي يا نار الدم!"

خرجت النيران من يده لكن بقوة أكبر من المعتاد.

بدى الأمر و كأن نار الدم قد اشتعلت بقوة نتيجة تواجد غاز غريب في معدة هاته الدودة النثنة.

...

خرج جهاد من ذلك المكان ذي الرائحة الغريبة.

لم يشم جهاد شيئا كهذا من قبل، لكنه شعر بأنها رائحة قنينة غاز تم التبول عليها، فبدل أن تاتي رائحة الغاز الشبيهة بالصدأ، انبعتث رائحة مقززة للغاية.

أغمي على جهاد مباشرة بعد شمها لبعض الوقت.

...

عندما استيقض، وجد العديد من الكائنات الصغيرة ترقص على جسده و تحاول عضه في كل مكان.

لقد نام لثلاثة دقائق فقط، لكنه قد أصبح وجبة لهاته الحشرات بالفعل.

تخيل لو كان مكتسح عادي هو من حاول النوم؟ مصيره هو الموت المحتوم لا محالة!

"مقزز... احترقوا! نار الدم!"

لقد احترقت ملابسه بالفعل في الطابق السابق.

كل ما بقي له هو سواله الداخلي الذي يبدو و كأنه يحاكي مهارات جهاد على التكيف بشكل غريب.

أخرج نار الدم هاته المرة من كل أنحاء جسده عوضا عن يده فقط. كان رد فعل غريزي.

لقد تعلم كيفية إخراجها من باقي أجزاء جسده بعد تفجيره نفسه في الطابق السابق.

لقد أشعل القليل فقط على سطح بشرته، لكن الغازات الغريبة لهذا المكان تجعل اشتعال النار أقوى بكثير و أسرع.

نهض جهاد و نفظ عنه بقايا جثث الحشرات المقززة.

"ما هذا المكان... بحق الجحيم؟!"

...

من تحت الأرض، و تحديدا من احد الكهوف البعيدة، ضهر مخلوق شبيه بالنمل مع رأس مثلث و ديل مقوس كذيل العقرب.

تتبع الوحش رائحة الحشرات المحترقة القذرة، حتى وصل لحيث وقف جهاد.

"أخرجي يا نيران الدم!"

كان الفتى فقط يتأكد من ما إن كان هناك شيء غريب في الجو كما افترض، مثل تواجد غاز مشتعل بنسبة كبيرة في هذا الهواء الذي يستنشقه، لكن انبعاث النار المفاجئ أرعب النمل الذي لم يشاهد نارا بعينيه من قبل.

افرز النمل موادا كيميائية على الأرض، و انبعثت رائحة غريبة منها.

لم يتمكن جهاد من شمها، لكن النمل المختبئ في الكهوف قد فعل.

"رائحة غريبة... من أين أتت هي الأخرى؟"

لقد شم الرائحة الاي أفرزها النمل، فاستدار ليرى من أين أتت.

لم يرى مصدر الرائحة، لكنه شعر و كأن أحدا ما قد لاحظ وجوده.

هذا الشعور ليس مجرد شعور فارغ، لقد كان نتيجة مهارة التكيف المطلق، و خصيصا خاصية التعلم اللامحدود التي تعلمه مهارات جديدة للتكيف مع الوضع.

استدار جهاد للخلف، و في حالة ذعر لرؤيته هاته الحشرات العملاقة التي تفوق حجم شقته، قام بشيء سيندم عليه لبقية حياته.

"ن نار الدم! نار للدم!"

من كلتا يديه، خرجت نيران ملتهبة متفجرة شديدة الحمرة، و هاجمت النمل الغريب الذي كان يراقب فقط.

عندما وصلت النيران للنمل، لم يتحمل جسد هاته المخلوقات، فبدأت أنسجتها الداخلية تذوب بينما بقت قشرتها الخارجية كما هي.

لقد ذابو أحياءا داخل جلذهم القاسي.

عند حد معين، بدأت أدمغت النمل المسكين تنفجر كالفشار. ن

ما لم يعرفه جهاد، هو أنه قرب مخيخ هاته المخلوقات، يوجد كيس من مواد كيميائية تفرزه النملة، و هذا الكيس به رائحة تنادي مزيدا من النمل.

...

من تحت الأنفاق الأرضية، و حتى من تحت الصخور الضخمة المجوفة، خرجت جيوش وفيرة من هذا النمل الغريب.

"من أين أتوا فجأة؟"

لو كان هو نفسه جهاد القديم، لكان استمر في إحراقهم، لكن الوضع مختلف ، عليه الإهتمام بمعرفة مهمته في هذا الطابق و إلا...

'مهمة الطابق... هل علي إبادة النمل مثلا؟'

بدت مهمة سهلة أيضا.

ابتسم جهاد، و تقدم نحو حيوش النمل.

"عاصفة نار الدم!"

الأحمق أعمته قوته.

حتى لو كانت المهمة سهلة، فهذا لا يعني أنها الهدف الصحيح.

هذا ما أدركه متأخرا.

أحرق جهاد كل ذلك النمل المقترب عن بعد باعصار متقد أحاط بهم حتى موتهم، ثم قرر القفز في إحدى الحفر البعيدة التي خرج منها النمل.

قفز جهاد من الحفرة الأقرب، و قد كان قاعها مليئا بالنمل.

'جيد! حان وقت إبادتهم!'

قفز جهاد من الأعلى في وضعية مستقيمة كي يسقط على ساقيه، ثم وضع يديه في جيوبه. او كما في حالته، وضع يديه في سرواله الداخلي.

'لطالما رغبت في فعلها! مع أن هذا ليس سروالا حقا.'

استمر في السقوط في حفرة ضيقة، حتى اتضحت معالم كهف واسع تحت الأرض يمشي فيه النمل و يغطى كل زواياه.

عندما اقترب من الوصول للقاع، قام بثني ركبتيه و استعد ليحط عليهما، فانفجرت ركبتاه من قوة الضغط المطبق عليهما.

نعم، لقد سقط من ارتفاعات أعلى بكثير في تلك الهاوية، لكنها كلها لم تكن بالضبط على ساقيه.

لم يتعمد جهاد قط على ركبتيه للسقوط بشكل لائق من قبل، كانت هاته أول مرة. إضافة إلى أن جزأه السفلي ليس بنفس قوة جزئه العلوي. ناهيك عن أنه قد تم إضعافه بالفغل من قبل البرج مرتين.

كل السقطات التي تكيف معها كانت إما على رأسه أو على ضهره.

سوء تفسيره لمراكز قوته تسبب له في هذا الألم، و بسبب أن ساقيه كانت مفتوحة من الركب، فقد قام النمل بأكله حيا بدءا من ساقيه حتى أحشائه.

...

"آآغههه... غمفه آآعهععه... جه هاعغ أرجوك لا ع.."

نملة بنملة، شيئا فشيئا، تمكنوا من تمزيق أضعف أجزائه حتى اقتربوا من قتله.

لقد مزقوا معدته حتى نزف نصف دمه.

لسوء حظ جهاد، فإن لديه مقاومة عالية للموت طريق النزيف ببطئ بفضل الطفيليات مصاصة الدماء التي واجهها في الطوابق التعليمية.

لق رآهم يأكلونه حيا، و قد كان عاحزا عن المقاومة من شدة ألمه. كل ما كان بإمكانه فعله هو كره هذا النمل الحقير.

لكنه توقف عن الرؤية ما إن أكلوا عينه و تعاونوا على تمزيق جمجمته.

مات جهاد، ثم عاد للحياة.

لكن هذه المرة عندما حاولو قطع ساقيه و باقي أجزائه، فشلت قواطعهم في ذلك، لكنها لا زالت تشعره بالألم.

"ناااه ناااعععع... نا نا نار الدم! نار الدم!"

صرخ مرتعبا من النمل المحيط به، و بالكاد تمكن من نطق الإسم الصحيح.

كان خائفا من أن يتم أكله حيا مجددا، فكانت عيناه لا تتوقفان عن التحرك في كل مكان، فاحصة تحركات النمل المنظمة في كهوف هذا الكهف، خوفا من أن يأتي المزيد منهم ناخيته.

احترق النمل المتواجد في هذا الكهف بطريقة مثيرة للشفقة، و ماتوا تاركين رائحة كريهة خلفهم.

و لكن قبل أن يتمكن جهاد حتى من حرقهم جميعا، أتى المزيد و المزيد من كهوف أصغر داخل هاته الفوهة العملاقة.

إنها إحدى مدن النمل المتشعب تلك.

عندما رأى جهاد النمل القادم، شعر بالخوف و الحقد اتجاه المخلوقات البغيضة التي أكلته حيا ببطء.

كانت تلك نصف ساعة من المعاناة الخالصة.

لا زال غير قادر على المشي بشكل مستقيم نتيجة ما تعرض له.

"إ إعصار الدم!"

'سأحرقهم!'

احترقت كل الجثث التي حاولت الإقتراب و تمكن جهاد من الدفاع عن نفسه، لكن سرعان ما سيكون هناك المزيد منهم هنا إن لم يتصرف.

بسرعة، اتجه جهاد نحو أحد التشعبات الكهفية الصغيرة، و لاحظ نملا كثيرا قادما منها بعد أن أشعل نار الدم بشكل منخفض في يده للإنارة.

"أدخلي عضامهم يا نار الدم!"

خرجت النيران من جسده، لتخترق صفوف آلاف النملات المحاربات القادمات من ذلك الكهف محرقة عظامهم في نفس الوقت.

تم إغلاق مدخل واحد، و بقي العشرات.

...

بعد الإستمرار في ذلك لمدة تجاوزت الساعة، تمكن جهاد من إغلاقها كلها.

صار من المستحيل الرؤية في الكهف لكثرة الدخان.

...

"كح كح... إنه... خانق للغاية... ما خطب هذا الذخان الغريب...كح كح... آعععه... هاه... هاق..."

ينما كان يحاول التقاط أنفأسه في الكهف، إختنق جهاد حتى الموت بدخان نيرانه.

عاد بفضل قدرته، و تمكن من التنفس قليلا وسط هذا اخان دون الإختناق نتيجة.

لكن حتى مع ذلك لم يتمكن من المشي خطوتين للأمام و سقط مقتولا من جديد.

يبدوا أنه لم يمت فقط بسبب الاختناق، فقد كانت هناك سموم أخرى جديدة في ذلك الدخان كريه الرائحة.

لربما هذا بسبب الأكسجين الزائد و دم النمل الغريب الذي يحمل مواد كيميائية فيه.

عاد جهاد مجددا للحياة بعد موته نتيجة التسمم الذي أوقف حركة عضلاته كلها فجأة، ليتفاجأ بأنه سقط أرضا مرة أخرى لكنه هذه المرة لم ينهض مجددا بعد موته، بل لم يمت من الأساس، لقد بقي مشلولا لساعة كاملة، قبل أن يموت مجددا بعد زوال الشلل.

لقد تعرض لنفس السم، لكن بكمية أكبر بقليل.

لم يعرف المسكين مالذي حدث له.

من وجهة نظره، فهو قد مات لتوه ثلاثة مرات بسبب استنشاقه لرائحة غريبة.

لقد كان مرعوبا.

شيء ما قتله عدة مرات، و هو لا يعرف ما هو.

"هل هناك..."

شعر جهاد بألم شديد في دماغه.

لم يعرف مالذي يحدث في داخل جسده، لكن الحقيقة هي أن دماغه قد بدأ بالذوبان شيئا فشيئا.

عند نقطة ما خسر جهاد أغلب حواسه.

أصابه العمى و الصمم و حتى أنه لم يتمكن من الصراخ لطلب المساعدة.

ظل هكذا، حتى قتل.

و منذ تلك اللحظة، و هو مستمر على هاته الحالة.

يموت و ينهظ...

ثم يموت و ينهظ، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض، ثم يموت و ينهض.............

ثم يموت و ينهض.

"أقتلني فقط!! أوقفي هذا العذاب. لا تعملي، أرجوك..."

صرخ في يأس متمنيا أن يخلصه الموت من كل شيء.

لقد بكى خوفا من الموت، و لذلك بالظبط أراد الموت... هل نقول إذا بأنه كان خائف من الحياة؟

سابقا، كان يظن بأنه لن يخاف قط بفضل قدراته المعجزة، لكنه كان مخطئا.

الخوف من الموت هو كل ما يملأ فكره الآن.

فإن مات عاد للحياة، و لكن لو كان الموت سينهيه مرة و للأبد، فلن يمانع ذلك.

لقد كان يائسا لتلك الدرجة التي رغب فيها في إنهاء حياته متناسيا وعده الذي قدسه أكثر من أي شيء آخر.

"ك...كلا... أمي"

لكن حتى و هو على حافة الجنون، كان قادرا على ملاحظة اختفاء السموم المريعة من الكهف.

اتسعت عيناه و كتم أنفاسه بقوة ثم قام باستخدام كل قوته ليقفز على جدران الكهف ويخرج.

...

بعد أن وصل لإرتفاع كاف، دفع نفس للأعلى عن طريق إلقاء تعويذة نار الدم للوراء لتدفعه للأمام. أنسك الحافة و تسلق بصعوبة. السموم لا زالت تؤثر بعضلاته و اتزانه.

"هاه... آآعههه.. غااه... أخرج!"

أخيرا، لقد رأى الضوء لأول مرة مجدظا مذ أن كان يمر بهاته الدورة المتكررة للموت و الحياة ل8 اشهر متواصلة.

...

لقد كانت ثمانية أشهر متواصلة من الموت المتكرر عن طريق سموم متنوعة و مختلفة... و مع ذلك، لا زال قادرا على التفكير بشكل صحيح نوعا ما.

لا زال عاقلا، لم يصبح مجنونا، لقد عانا من صدمة مريعة لا غير.

...

السموم التي انبعتث من سوائل النمل المحترقة كانت مختلفة كبصمات أصابع البشر، بل أكثر تعقيدا و تنوعا، مما يجعل التكيف مع كل السموم بعد موتة واحدة شيئا مستحيلا.

و هاته الثمانية أشهر التي عدها بطريقة ما، كانت فقط الأوقات التي ضل مستيقضا فيها.

فكم من السموم التي جعلته يغمى عليه قبل أن يستيقض و يكتشف أن سما آخرا قتله؟

كان هناك سم لم يفعل شيئا سوى ملء رئتيه كليا و تفجيرهما من الداخل.

استغرق السم عدة ساعات ليخترق رئتي جهاد الصلبة، و خلالها، كان جهاد يعاني من الألم الفضيع كلما حاول التنفس.

و الأسوأ من ذلك هو أنه لم يستطع الموت اختناقا بسبب قدرته على مقاومة الموت، لقد عانا لكي يتنفس، لكن بلا فائدة.

جسده صار معتادا بالفعل على كميات الأكسجين الشبه منعدمة التي بالكاد تدفقت لجسده مرة بين يوم و خمسة أيام.

أضف إلى ذلك أنه كان هناك سم التصق بقصبته الهوائية كالغراء و أذابها ببطء.

سم آخر شبيه به أذاب أمعاءه كلها... لكنه لم يقتله، عذبه فقط.

سم جعله مستيقضا طوال الليل حتى يعاني من باقي السموم الغير القاتلة لأطول مدة ممكنة.

كانت تلك هي نقطة انكساره الحقيقية و تمنيه للموت مرة و للأبد بكل جدية.

شاهد جهاد مفاصله تتلوى قبل أن تخلع نفسها من مكانها ممزقة حسده من الداخل و الخارج.

لكن تلك كانت فقط البداية.

...

في الشهر الثاني زادت وحشية السموم أضعافا مضاعفة.

كان هناك سم عصبي يجعل عضلاته تنكمش حتى تُسحق عضامه و تتفتت داخل اللحم الذي تمزق بفعل الضغط الكبير في النهاية.

لقد مات نتيجة تشنج عضلي مريع تسبب في اعتصاره لنفسه.

سم آخر جعل عينيه تذوبان مكانههما.

و اخيرا، كان قادرا على إغلاق عينيه لأول مرة منذ شهرين.

سم آخر تسبب له في فشل كلوي لسبب ما، و سم آخر أوقف قلبه.

هذا كان ألطفهم.

كانت هناك مرات ضل فيها يتعذب غير قادر على التنفس لأيام. حيا لأسابيع دون نفس هواء واحد.

و كله بسبب قواه اللعينة.

حتى موتاته الرحيمة تعد بأصابع اليد الواحدة.

جهاد بالكاد يتذكرها. لقد تذكر فقط الألم المروع.

لكن لا بأس، لقد خرج، لن يموت مجددا... ليس الآن على الأقل.

اتجه جهاد الباكي نحو صخرة و نام على حضنها و بكى هناك.

لا زال سم الهلوسات يجعله يتخيل والدته أمامه، و عندما راح ليعانقها، للأسف، وجد نفسه يقسم صخرة هشة لنصفين بحضنه.

"اشتقت... لك... هيه همف"

لقد بكى فقط لا غير.

لم يعد يبالي إن كان ما يعانقه صخرة أم لا، لقد اشتاق لأمه بالفعل.

"أنا...خائف مجددا... لقد خذلتك... أمي.. هيه، هيه."

وعوده مع أمه كانت مثل الدستور بالنسبة له، و قد حاول التمسك به، لكنه فشل منذ اللحظة التي تمنى فيها الموت مرة و للألد داخل الكهف.

كلا، لقد فشل منذ ان قرر الإنتحار عندما كان كان على الأرض.

منذ البداية، فقد كان ضعيفا يحاول الوفاء بوعوده على أمل أن يمنحه ذلك القوة.

2025/10/20 · 31 مشاهدة · 2468 كلمة
نادي الروايات - 2026