سال لعابه و مخاطه بينما بكت عيناه بشدة.
مشاعر مختلطة بين الخوف من الموت و الفرحة لانتهاء العذاب الطويل.
"لا أريد العودة... علي البقاء هنا... أنا... في أمان."
سقطت دمعة على صخرة تحته، ثم تسلقت حشرة صغيرة تلك الصخرة لشرب هذه الدموع.
كاد قلب جهاد أن يخرس بعد أن رأى تلك النملة الصغيرة.
"تبااااا!"
صرخ قبل أن يسحقها.
في حالات من الهلع الشديد كهاته، يفترض بقلب المرء أن يتسارع نبضه.
لكن جهاد لم يشعر بأي نبض من قلبه.
"مالذي... ه هل أنا ميت؟"
لقد مات مرات عديدة بالفعل و هذا أكيد، لكنه الآن يستغرب من كيف مات عضو من أعضائه الرئيسية بينما هو لا زال حيا.
بعد أن شغلت مسألة نبظ قلبه تفكيره و نسي قليلا بشأن النمل، انتبه لأن نفسه مقطوع أيضا.
أدرك هذا متأخرا عندما وضع يده ليغطي فمه و انفه كتعبير عن صدمته.
"هل صرت قادرا على... العيش بدون قلب؟"
جلس مكانه لبقية ذلك اليوم دون حراك.
تلك الكلمات البسيطة التي قالها -و بكل وضوح- عنت أكثر مما احتوته.
لم يستنشق الهواء طوال اليوم.
كان يحاول الإنتحار بعد أن افترض في يأس بأنه يمكنه قتل نفسه نهائيا لو كان راغبا كفاية بذلك.
أثناء انتضاره لوقوع شيء ما، ضل يكرر جملة واحدة فقط لا غير:
'آسف.... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... آسف... '
لسوء الحظ، فتلك ليست أول مرة يقتل نفسه فيها بكل رضاه.
لقد فعلها عدة مرات حتى قبل دخول البرج و قبل انهيار النجم، عندما شنق نفسه بحزام أبيه.
...
مات بعد يومين من بقائه مكانه دون نفس واحد.
لحظة استيقاضه، عاد له شعور قوي بذكريات حول كيف كان يعود بعد كل مرة يموت فيه، في حدود الساحة و كهف النمل على حد سواء.
لم يستطع إلا أن يستسلم لرغبته في التقيوء بشدة...
لكن بعد 8 أشهر في ذلك المكان دون أي طعام أو شراب، لم يعد بداخله أي شيئ لتقيأه.
'حتى القيئ؟ هل تمزح معي؟'
زادت رغبته في قتل نفسه مرة و للأبد.
أمسك وجهه في ذعر و كادت عينيه تخرج من مكانها من قوة الضغط الذي طبقه عليهما.
'ل لا يمكنني الموت... سأبقى هكذا للأبد!'
مخيلته التي تحب التفكير في المستقبل البعيد صنعت له تخيلات عنه و هو ينجوا من دمار كوكب و يبقى حيا للأبد عالقا في الفضاء غير قادر على الحركة.
مثل تلك السيناريوهات الخيالية البعيدة، للأسف، فهي ممكنة هنا في البرج.
في الحقيقة، فجهاد لم يكن يبالغ في قلقه.
قد يفشل في مهمة في طابق علوي و يتلقى عقابا ما.
و قد يكمل أبديته اللعينة في ذلك العقاب غير قادر على الخروج منه بسبب قدرته على العودة للحياة من بعد الموت.
سيصل لنقطة حيث لن تكون لحياته قيمة.
حياة لأجل الحياة فقط و لا غير.
البرج سيقتل عزيمته عاجلا أم آجلا. هذا ما كان يشعر به. هذا ما عرفه.
...
لكن...
كان هناك سبب لخروجه من ذلك الكهف و سبب لرغبته بدخول الطابق القادم حتى بعد كل شيء مر به، و سبب لقبوله بعرض الجيش حتى بعد أن قرر إنهاء حياته في الماضي.
لم يكن يعرف عن قدرته على التكيف لمقاومة الموت، و قد اعتقد وقتها بأن موته سيكون هو النهاية، لكن حتى بعد استسلامه له، كان هناك سبب آخر لتوقفه عن المحاولة عن قتل نفسه.
عليه الوفاء بوعده، فإن لم يفعل، فذلك خير إثبات على نسيانه لها كما نسته.
...
مدفوعا برغبة في تحقيق ذلك الوعد، جمع جهاد بعضه و اختار أن يتجول في هاته الأراضي لعل حل مشاكله مختبئ في مكان ما...
نفس الطريقة التي اعتمدها للهروب من صدمة موته المتكرر في حدود الساحة و نفس ما دفعه للإنظمام للجيش.
الهروب و البحث عن مكان جديد حيث يمكنه تحقيق وعده.
لكن، عند نقطة ما، وجد جهاد نفسه يجري و يبكي.
شعر و كأنه بهربه هذا يتخلى عن كل شخصه الذي قاده لهذا المكان من الأساس.
إنه اعتراف دامغ بضعفه أمام البرج، و هو أمر أخبرته أمه بألا يضهره أبدا لأي كان.
و دون أن يدرك. طلع عليه الفجر و هو لا زال يركض.
نظر جهاد للفجر بذهول، و أدرك شيئا.
لم يرى شروق شمس مثل هذا في كل حياته من قبل. حتى في الطوابق السابقة.
كان إما يجري نائما في الليل يتبع وحشا متحركا أو تحت مكان مظلم، أو مشغولا بقتال شيء ما...
لقد لمح بعضه من قبل، لكن لم يسبق أن رأى الشروق يمتد بوضوح هكذا على مدى خط الأفق.
أوخى له هذا النشهد بفكرة ما:
'أنا على كوكب... أنا في محاكاة من صنع البرج... هل يمكنني الخروج دون القيام بكل ذلك الهراء؟'
الجري حول الكوكب لإختبار حدود البرج في إنشاء محاكات للكواكب هو غباء. حتما غباء.
لكنه فعلها على كل حال.
لم يكن يملك شيئا آخر لفعله سوى التجول في هاته الأرض الهائلة الجافة.
'مثل ذلك اليوم... سأموت مجددا و أنا أجري...'
كان يذكر نفسه بأول أيامه كمجند جديد.
لقد فاق التمرين الخارق للمكتسحين تحمله، لدى فقد مات مرتين و هو يجري في ساحة التدريب بسبب تسارع ضربات قلبه لحد غير معقول و توقفه عن التعرق مما سبب له ضربة شمس حادة، كما انقبضت رئته اليمنى و توقف عن التنفس لعدة دقائق.
لكن في المرة الثانية، اختفت أغلب هاته الأعراض و خف تأثير الباقي منها.
لقد كان ذلك هو سبب ظنه بأن قدرته تعيد جسده لحالته الأصلية قبل توقف نبضات قلبه ليستمر في ما يحاول القيام.
لكن ذلك لم يفسر سبب تزايد قوة تحمله بعد كل مرة تتفعل فيها قواه.
...
'يستحسن أن أجد شيئا ما في نهاية هذا الأمر... إن لم أفعل...'
لم يتوقف.
حتى مات بعد شهر و ثلث من الجري المستمر.
لقد تكيف جسده لدرجة جعلته يجري حتى أثناء نومه.
بل حتى النوم لم يعد ضروريا له... نوعا ما.
'لقد... تعبت...'
لا يوجد حل آخر.
إما أن يبحث عن حل ما في مكان آخر أو يعلق هنا للأبد.
لا يمكنه اختيار الوقوف مكانه ساكنا و تمني حدوث شيء ما، معرفته بهذا القدر من المنطق هو ما يبقيه قادرا على الحركة.
...
بهاته العقلية، حتى عند تعبه الشديد، فقد تمكن من المتابعة.
'لقد تكيفت مع الجوع لحد كبير... متى كانت آخر مرة تناولت طعامي فيها؟'
وجبة لذيذة... كان سيقتل نفسه عشرات المرات ليحصل على واحدة الآن.
'أريد الطعام... طعام!'
من بعيد جدا. لاحظ جهاد أن هناك صحراءا حارة تلوح في الأفق تحت منحذر حاد، كانت هناك بحيرة من كثبان الرمال على شكل فوهة بركان.
قرب تلك المنطقة، رأى شيئا طريا يتحرك.
"طعام!"
صرخ بصوته المبحوح.
...
بعد أن أكل الطائر عضمي الجلد، كان راضيا للغاية.
راضيا لدرجة أنه لم يعد يهتم لحقيقة أن هاته الرمال الساخنة تشويه حيا كما شوت هذا الطائر اللذيذ.
لا بأس، فتلك السموم الغازية قد جعلته يعتاد على شعور ذوبان الجلد.
...
بعد عشرة أيام أخرى من الجري العشوائي، وصل لسلسلة جبلية عملاقة جافة.
في تلك المنطقة، وجد جهاد واديا ذو أرضية متشققة.
علامة على تواجد مياه هنا من قبل.
اقشعر و ارتعش جسده بقوة.
كان مستحيلا عليه تخيل مشهد تواجد مياه على سطح هذا الكوكب المشوي، لكن ها هو يقف أمام مكان يبدو و كأنه قد زارته مياه الأمطار قبل وقت طويل. بل و كونت بحيرة هنا من قبل.
حمل جهاد صخرة معدنية و بدأ الحفر.
كان فمه مبتسما باتساع و يردد كلمة واحدة بحلقه الجاف.
"ماء، ماء، ماء..."
فرحته هاته أنعشت روحه أكثر مما فعلته أي قطرة ماء من قبل.
كما أنه فكر في احتمال مثير للاهتمام.
ماذا لو كانت مهمته هي إيجاد مياه في هاته الأراضي القاحلة؟
...
حفر حهاد بجد لمدة عشرة، دقائق حتى وصل في الحفر لعمق مترين كاملين تحت الأرض، لكن بلا فائدة.
بعد عشر دقائق أخرى، وصل أهيرا للتربة المبللة.
"إ إنه..."
حلقه العطش لم يتحمل.
"هم... احم... احهم"
ابتلع جهاد الطين المبلل ليبرد حلقه و صبغ نفسه بالوحل كليا ليشعر ببعض النسيم البارد.
لم يصل للماء بعد، لكنه شره بالفعل بما يكفي لابتلاع التربة المبللة.
...
استمر في الحفر لمدة أطول.
بعد عشرة أمتار أخرى، كان هناك ماء عكر ملوث يخرج من تحت الطين الأحمر.
كان الماء فوارا بشكل غريب، و يحتوي ألوانا زاهية خضراء مثل المياه الراكدة التي تنموا عليها الطحالب في الهواء الطلق.
شربه جهاد على أي حال، و لم يهتم لشكل الماء الغريب أو حتى للونه و ملمسه العجيب.
شيء سيندم على فعله.
احترق فم جهاد بقوة فبزق الماء من فمه بسرعة و صرخ في ألم بالغ.
لم يتمكن حتى من بزق الماء بشكل صحيح، فقد تحرك الماء الحي بسرعة و استولى على فمه.
سقطت أسناه و ذابت لثثه.
لسانه الرطب قد التصق بالفعل مع فكه السفلي.
"آآآعععه، أخجج..."
بعدها، من تلك الحفرة الصغيرة التي أحدثها، انفجر نبع من الماء الساخن كرشاش حارق على جسد جهاد.
لسوء حظه، فقد شرب ماءا ساخنا ملوثا بنوع من الأحماض المليئة بالبكتيريا النباتية الخاملة التي تحتاج لمسة واحدة فقط للحم الحشرة للتغذي عليها كليا.
لم يتمكن من الهرب. لقد تم افتراس ساقيه بفعل تلك الجراثيم النباتية بالفعل.
و بعد دقائق بسيطة، تم التهامه بالكامل من قبل ذلك الماء الحي الغريب. خلية بخلية، حتى اختفى جهاد.
و من بقايا ذلك الماء الذي ابتلعه حيا، خرجت جثت جهاد من جديد و أعادت تكوين نفسها كأن شيئا لم يحدث.
استيقظ جهاد فوجد نفسه نائما فوق بركة من تلك المياه التي أكلته حيا.
لكنها لم تملك أي تأثير عليه هاته المرة.
"يااااااااعععععععع"
صرخ و كأنه شهد لحظة موت أمه للمرة الثانية.
"لااااا لاا"
دفع الماء بعيدا بيديه و حاول الوقوف.
ساقاه و يديه ترتجفان بشدة لدرجة كان عليه الزحف مستندا على كتفيه و ذقنه للخروج من بركة الطين العكرة.
عندما ابتعد عن ذلك المكان، لاحظ جهاد شيئا غريبا في رذاذ المياه.
كانت درجة حرارة المياه تنخفض، لم يعد الماء فوارا كالسابق، و اللون الغريب للماء قد اختفى بالفعل.
عليه العودة لشرب المياه الباردة المنعشة التي خرجت لتوها، فما شربه قبل قليل كان بعض الجراثيم السائلة التي طفت فوق الماء البارد لا غير. لكنه لم يعرف ذلك.
لقد اقتنع بأن هذا الماء البارد هو مجرد فخ آخر يحاول هذا العالم نصبه لجعله يفقد الثقة و الأمل مباشرة بعد اكتسابهما.
غادر جهاد ذلك الوادي بصعوبة بالغة. و بقي في قمة جبل آخر. ينتظر.
كان يفكر في شرب الماء و إكمال رحلته. لكنه لم يستطع الجزم في خياراته و في النهاية، غلبه الجبان بداخله و قرر الهرب مجددا.
لم يكن هناك غرور إضافي ليدافع عنه هاته المرة.
لقد شعر بالعار و الضعف.
يفضل جهاد الموت على الشعور بهاته الأحاسيس التي نهته أمه عن الاستسلام لها منذ صغره.
عندما نظر لمدى الجبن الذي أصبح عليه، و مدى وحشية هاته الطوابق في البرج، لم يستطع سوى أن يغضب و يبحث عن شخص ما ليلومه.
"تبا لذلك الطائر! تبا للبر..."
تردد لوقت طويل قبل أن يجني على نفسه... لكن ألم يكن هذا ما أراده من البداية؟ الموت للأبد؟ فرصة كهذه لن تأتيه مرة أخرى.
صرخ غاضبا:
"تبا لك أيها البرج! سآتي لأقتل صانعك..."
مباشرة بعدما أنهى جملته، و دون تأخير، مات جهاد و توقفت جثته كليا عن الحركة.
لقد أقصاه البرج بنفسه.
...
بعد دقيقة واحدة، عاد للحياة.
و بتعبير لم يرتسم على وجهه من قبل، قال:
"كيف... هل عدت لتوي بعد أن أقصاني؟"
من يقتلهم البرج بسبب تحديهم لإرادته يسمون بالمقصيين، و جهاد هو أول مقصي يمكنه الاستمرار في تسلق البرج في كل تاريخ هذا الكون.
"ح حتى البرج؟... كيف سأموت إذا؟ ألن أرتاح؟"
فقد جهاد كل أمل له في الموت.
جلس ملصقا ركبتيه بذقه و أمسك شعره الخشن بقوة شديدة.
كان ينتف نفسه دون انتباه.
'لا أمل لي بالموت... لن ينتهي هذا الشيء اللعين... اطلاقا... سأجن... أنا أ أنا أ آآآههه'
لقد مات عدة مرات بأبشع الطرق بالفعل، لكنه لا زال قادرا على التفكير في المستقبل البعيد و يتذكر الماضي و يفكر في حل ما لمعضلته التي يواجهها... يأمل أن يجد حلا ما على الأقل.
ما يسطر عليه ليس الجنون بل الغضب.
هو غاضب من البرج لكنه غير قادر على فعل أي شيء له، لذلك يوجه غضبه على نفسه.
...
مهما حاول جهاد إقناع نفسه بعكس ذلك، فهو يعرف بالفعل بأنه إن كان عليه أن يفقد عقله في مكان ما، لكان قد فقده منذ وقت طويل في الطوابق التعليمية.
بل لكان فعل عندما نسته امه و لم تتعرف عليه في آخر لحظاتها... قبل ثوان من موتها على سرير المستشفى.
...
رغبته في الاحتفاض ببعض صفاته البشرية تجعل اللاوعي داخله يقنع نفسه بأنه مجنون.
رغبته في التشبث بإنسانيته هي ما جعله يتظاهر وكأن عقله محطم، كأنه فقد اتزانه تمامًا.
كان يضحك أحيانًا في مواقف لا تدعو للضحك، ويتمتم بكلمات مبهمة كأنه يهذي، فقط ليقنع نفسه قبل أي أحد آخر بأنه ما زال إنسانًا قادرًا على الشعور، قادرا على تذكر و تقدير أمه التي نسته.
لكن خلف هذا القناع المتهالك، كان جهاد يراقب كل شيء بوعي حاد، يتعلم، يحلل، ويخزن تفاصيل الطوابق والوحوش والبشر على حد سواء.
و الآن، فقد كان أكثر شيء يشغل انتباهه هو حقيقة أن البرج ليس قادرا على قتله مرة و للأبد.
كان يحاول البحث عن تفسير لهذا الحدث الغريب، و لكن لصعوبة التفكير و عدم إيجاده لأي حل، ازداد غضبه و بدأ في إيداء نفسه.
الجنون كان مجرد خدعة.
لقد كان على علم بذلك نوعا ما في ذاخله.
فحتى عندما كان الماء الحي يلتهمه، كان يفكر في حقيقة هذا الماء الغريب.
الألم و الخوف لم يكونا أول شيء شعر بهما، بل الفضول و الإستغراب.
...
"لقد حرمتني من الموت... و الآن تحرمني من أن أجن؟... أتسخر مني أيها البرج الحقير؟!"
بالنسبة لشخص لا يموت، سيكون رائعا لو فقد عقله عند هاته النقطة.
سيتجول في طابق البرج غير واع بما يفعله و لن يضطر للقلق بشأن أي شيء.
حتى بعد مرور الأبد.
"لا أريد أن أتابع دون وجود نهاية... أسأستمر فقط لأستمر؟ حتما لا!"
كانت الشمس تغرب في منظر جميل.
تذكر جهاد عندها كلاما سخيفا قاله لنفسه عندما كان في الطابق العشرين.
"إنهاء كل الأبراج..."
ابتسم و ضحك بكل قوته:
"هاهاهاها، يا لي من رجل سخيف... لقد استسلمت بالفعل عن تجاوز الطابق الثاني و العشرين... و مالذي قلته أنا؟ كل الأبراج؟ بففف هاهاها..."
لم يتمكن من تحمل خيالاته المشرقة بعد الآن.
"أنا عاجز... حتى هاته القوى العظيمة عاجزة عن تغيير هاته الحقيقة. "
أمسك صدره بكلتا يديه.
شعر بتلك الفراغات الباردة في داخله تتسع أكثر فأكثر.
قوته، التي بدت يومًا ما بلا حدود و قادرة على جعله يفعل المستحيل عاجزة عن منحه أبسط ما يريده... الخلاص.
همس بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع:
"إذن... ما معنى كل هذا؟ لماذا أناظل إن كنت سأعيش أمدا أطول من البرج نفسه؟ لماذا أقاتل إن لم تكن هناك نهاية؟"
ها هو مجددا، يفكر في المستقبل البعيد و يداه ترتعشان.
موقف مشابه لما كان عليه في المعسكر.
الهروب و تغيير المكان لم ينقذه من شيء.
لا يحتاج جهاد لذلك التفكير العميق ليذرك ذلك.
جلس هناك، ساكنًا بينما الأفق يبتلع الشمس ببطء، و ظلال الليل تزحف فوق أراضي هذا الكوكب المحترق.
في أعماقه، كان يعلم أنه في كل مرة يسقط... سيعود. و في كل مرة يعود... سيفقد شيئًا آخر من نفسه.
الشمس هي الشيء الوحيد الذي يختفي و يعود دون فقدان أي شيء... إذا بالنسبة لمن ليس سمشا، كيف سيقضي حياته بينما يختفي شيئا فشيئا؟
صرخ مخاطبا الظلمة المحيطة به.... خاطب بعض النجوم اللامعة كذلك:
"أيها البرج! هل حرمتني عمدا من طريق الهروب أيها الوغد؟ هل جعلتني عبدا لهاته الحياة عن عمد؟ إن كان، فلماذا؟ لما قد تفعل مثل هذا الشيء؟ ما فائدة أن أتعذب أنا؟ مالذي فعلته لك لكي..."
صرخ جهاد بكل قوته للحصول على جوابه، لكن البرج... كان صامتًا كالعادة.
و من يدري، ربما كان يسخر منه في صمت أيضا.
على كل، لقد كان هناك جواب واحد يخطر على باله.
برج بغيض تسبب في موت الملايين، سيعطيه مثل هاته القدرات الملعونة فقط رغبة في تعذيبه.
'أنت تستمتع بعذابي أليس كذلك؟'
عندما اختلق هذا السبب داخل، صرخ مخاطبا البرج الذي لن يرد عليه:
"إذا فلأتمتعن بعقابك هذا أيها الوغد! أتسمع؟"
التقط أنفاسه قبل أن يكمل.
لم يحتج لاستنشاق الهواء قط، بل لتنظيم أفكاره.
"لن أبكي توسلا للموت كما ترجو يا أيها الحقير! بل سأستمر، سأستمر بابتسامة... لأغيضك و أهزأ بك! أتسمع؟ لأهزأ بك أيها الحقييير!"
مجددا، لم يتأثر البرج بكلماته.
ستبقى تلك الكلمات عالقة في عقل جهاد لا غير. لن تغير أي شيء من واقعه المحيط به... ليس بعد على الأقل.
"أعلم أنك سمعتني! سأريك كيف سأطيح بك! كيف سأسخر منك عندما أتخطاك!"
البرج مجددا لم يبالي.