"لقد أتى المنقذ المختار من شضية اآلهتنا أباليوناس! افرحوا فقد أتى الذي سيمهد طريق إحيائها! بطلنا الجديد!"
كانت هاته أول كلمات سمعها جهاد بعد طلبه من البرج أن ينقله إلى الطابق التالي.
لقد وجد نفسه في دار عبادة واسعة، جالسا في حضن تمثال حجري.
'يبدوا أنها معبودتهم...'
سخر بعدها من حظه الشنيع:
'لأول مرة، منذ ثلاثين سنة قابلت بشرا، و من بين كل البشر... قابلت طائفة مختلة تضع رؤوس الناس لتحيط بأوثانهم ليستدعوا منفقذهم، يالروعة حظي...'
حول الثمثال الذي احتظن جهاد، اصطفت رؤوس بشرية بشكل دائري. وسط محيط تلك الدائرة، رسومات غريبة منقوشة بالدم.
تكلم رجل برداء أحمر:
"أيا منقذنا. لقد ضحينا برؤوس خمسة خطائين لكي نحضرك إلى هذا المكان، و نرجوا من حضرتك أن تنقذ قريتنا، من شر الشيطان المختبئ في الكهف..."
فكر جهاد:
'لا أرغب بمساعدة طائفة مريبة تخبر أناسا غرباء أن ينقدوهم بعد أن ضحوا برؤوس بشر آخرين... لكن لأجل تجاوز الطابق... تبا، علي ذلك.'
سأل الرجل جهاد باستغراب:
"...لكن أين هو قارئ القدر خاصتك أيها البطل؟"
أجاب جهاد:
"للأسف، فقد فقدت قوتها منذ سنوات عديدة، و لم تستطع المجيئ معي لمساعدة أهل القرية"
'لا بد أنه يقصد قارئتي... ترى... مالذي حدث معها بعد أن دخلت؟'
قاطع الرجل حبل أفكار جهاد و قال:
"فهمت، نادني بالمرشد إذا، سأعوضك عن قارئة القدر المفقودة"
سأل جهاد:
"إذا... هلا أخبرتني أين مكان الكهف أيها المرشد؟ سأقتل الشيطان و أغادر بسرعة... إن لم تمانع."
رد المرشد برد مختصر بسيط:
"قتله؟ لا، لا، أرجوك لا تفهمنا خطأ. نريدك أن تنومه فقط. الشيطان لا يسبب أي مشاكل حقيقية لنا. لكن بعد أن ظهرت علامات على استيقاظه و ضعف الختم الذي يحبسه، صرنا قلقين من أن يقتلنا جميعا إن لم نتصرف... عيشنا هنا بجانب هذا الكهف المخيف هو ما يقينا من أعدائنا... لقد أتينا هاربين لمكان مشؤوم كهذا لنحتمي... نحن المساكين. و إن قُتل الشيطان على يدك أيها البطل، فسيزول حامينا الوحيد من أولائك الأوغاد."
استنتج جهاد:
"فهمت...إذن مهمتي هي قتلكم أنتم"
استغرب المرشد:
"ماذا قلت لتوك يا سيدي؟"
حرف جهاد كلامه:
"لربما علي إبادة من يصطادونكم، هذا ما قصدته..."
تعمق جهاد في فكرته قليلا بعد:
'لا بد أنه سيناريو أفلام متكرر حيث يكن الناس الذين يحاول البطل مساعدتهم هم الأشرار الحقيقيون. أقصد... استدعاء البطل باستخدام تضحيات بشرية و دوائر سحرية دموية... هل حاولوا إخفاء الأمر على الأقل؟'
كان لديه كل الحق ليشتبه فيهم.
'لكن، ليس لأنني قوي و لا يمكن قتلي، سأتهور و أقوم بقتالهم مباشرة. أولا، إنهاء المهمة، ثم سأقتلهم غالبا إن اتضح أن هنالك شيئا ما مريبا حولهم...'
بعد التفكير المعمق الذي استغرق ثانية واحدة من دماغه المدرب على التأمل طوال الثلاثين سنة الماضية من حياته، وجد جهاد طريقة مناسبة لتساعده على تحديد خطوته التالية.
أكمل جهاد:
"...أو علي فقط تجديد ختم التنين الشيطاني... أخبرني عن الختم و التنين الشيطاني و الفرق بينه و بين التنين العادي... إن راقتك الخطة بالطبع."
توقف جهاد قليلا عند إسم "التنين الشيطاني" و فكر:
'لماذا أشعر بأني سمعت هذا الإسم من قبل... تنين شيطاني مختوم... طائفة تعبد كيانا ما...'
أجاب المرشد بعد أن استدار و مشى خطوتين متخطيا جهاد ليفتح بابا سريا تحت الأرض:
"يا سعدي و يا فرحي! إتبعني، سأشرح لك كل شيء و أعلمك كل شيء حوله لتتمكن من ختمه مجددا. من كان يعلم بأن البطل حكيم يتعرف على خطط حلفائه من نظرة واحدة... لدي شعور جميل يخبرني بأنك مختلف عن من سبقوك!"
اتسعت عيني جهاد.
'من سبقوني؟ كم مرة استدعوا أناسا من قبلي بهاته الطريقة الشنيعة؟'
استدعاء شخص واحد كلفهم التضحية بخمسة أشخاص... و الآن تخيل قدر المقتولين لإستدعاء 10 أبطال مع قرائهم. 50 رأسا!
'لا شك في ذلك! إنهم هم أشرار هاته القصة'
أتى شخصان مسرعان نحو جهاد، ليحملاه من حضن التمثال.
لسبب ما، كان جهاد عاجزا عن النهوض قبل أن يأتي الإثنان و يحرراه.
يبدو أن لديهم القدرة على تقييد حركته... بمعنى آخر، يمكنهم قتل الخالدين أمثاله دون قتله.
خصوصا بعد أن تحدثوا لتوهن عن الأختام، لا شك في أنه شخص متخخص في ختم الأشياء.
دخل جهاد القبو مع المرشد.
ابتسم المرشد و عاد للتحدث بطريقته المزعجة:
"قد يكون هذا مفاجئا لك يا بطلي، لكننا سنبقى هنا شهرا كاملا قبل أن نخرج. قد نتفهم رغبتك بالحرية أيها البطل، لكن، أرجو صبرك لكي نتمكن من التعاون و إيقاف..."
رد جهاد مقاطعا:
"شهر فقط؟"
فتح المرشد فاهه ليمدحه مجددا:
"مذهل، رائع بديع! صبر و إصرار جميل! "شهر فقط" هوهوهو، كيغ خصل بطلي العزيز على مقل هاته الروح الصلبة، يبدو أن البطل لديه قصص كثيرة مثيرة، ليرويها لي خلال هذا الشهر..."
نظر المرشد للقبو، ثم بدأ في احتضان نفسه و كأنه يحاول قمع شيء ما.
كان يتراقص في حضنه بطريقة مشبوهة.
لم يرتح جهاد لفكرة بقائه شهرا كاملا مع هذا الشخص اغريب.
"...آه، كلا كلا، علي جمع شتات نفسي،ليس لدينا سوى شهرين على أقل تقدير قبل خروجه، علينا الإسراع في تعليمك! اتبعني في صمت. هي هي هي"
صمت الإثنان.
جهاد حدق في المرشد، و المرشد حدق واقفا أمام بوابة القبو ينتظر شيئا ما.
حرك يديه مشيرا لمكان ما و ضحك. بدى و كأنه يتواصل مع شيء ما.
"حسنا، فلنبداء"
تغير صوته المرن المعوج المخنث غير المريح إلى صوت رجولي أجش.
كان ذلك النوع من الأصوات التي تسمعها في الأفلام الوثائقية حول إحدى الحرب العالمية الأولى و الثانية و الثالثة.
...
نزل جهاد القبو.
تحركت سيقانه دون وعي منه و تبع الصوت العميق الأجش دون وعي منه.
كان يتحرك غصبا عنه.
...
جلس الفتى على مقعده قرب المائدة و استمع لذلك الصوت ثابتا في مكانه طوال شهر كامل. غصبا عنه.
...
"استمع جيدا يا بني، هاته القصة ستُروى لك مرة واحدة و للأبد. عليك تذكر كل كلمة بحذافيرها."
رد جهاد بوجه متصلب:
"احكي ما لديك و كفى مماطلة"
استنشق المرشد بعض الهواء، ثم تكلم بصوت سحري لا ينسى:
"تبدأ القصة بشغف فتاة في الحب.
وقعت الأميرة الشابة لمملكة شهيرة عريقة في غرام أول رجل خارق الوسامة رأته في حياتها، و لم تتمكن من مبح نفسها، فطلبت منه لقاء والدها.
لسوء حظها، فقد وقعت في حب تنين متنكر من سلالة يمكنها تغيير شكلها لأي سلالة حية موجودة تمتلك وعيا قريبا منهم.
حاولت الأميرة التعرف عليه طوال فترة مكوثها في قلعة الكونت الذي خدمه التنين.
كانت مجرد فتات مدللة تعتقد أن الجميع سيراعيها و يقبل مشاعرها، لكن الرجل رفض عرضها بالذهاب معها بصرامة.
ليس لأنها لم تعجبه. لم يمانع اعطائها فرصة، لكنه لا يملك وقتا لذلك.
هذا ما قاله لها بالموجز.
تحطم قلب الأميرة الشابة.
لكن ما لم تعرفه هو انه ما منع التنين من الموافقة سوى عقده المقيت.
لديه عقد مع الكونت بأن يبقى مخلصا له لا يغادر أرضه إلا بعد مرور 200 عام، و المقابل كان أن يساعده الكونت في في حل مشكلة كانت تواجه التنانين من تلك الفصيلة وقتها، مرض حقير يدعى "العقم".
انتشر بين التنانين و سبب العقم لهم، لدى، إما أن يغادر الشاب أرضه السماوية (القارة السمالية) و يهبط لعالم البشر و يتعاقد مع أحدهم أو يفقد أمل شعبه الوحيد في النجاة من الانقراض.
يملك الكونت خبرة طبية مكنته من العيش لمدة 90 عاما دون أن يشيخ، ة يقدر الكونت عمره الباقي ليصل حتى الثلاثمئة عام، لذلك أقام عقدا يدوم مئتي سنة مع هذا التنين.
عقد سري لا يعلم عنه الملك و بقية النبلاء شيئا.
و ركز على هاته النقطة. الكونت يخفي سرا خطيرا عن الملك، و إن كشفه التنين لأحد ما، فستكون تلك نهايتهم.
لم يلتقي التنين بالأميرة مجددا منذ رفضه لها. كانوا يتبادلون الرسائل فقط، و لم يتقابلوا مجددا.
بعد أول رسالة من الأميرة حيث عبرت عن حبها له فيها، قام التنين بإرسال بعض من قوته السحرية لها في رسالة أخرى لكي تقتنع بما يقوله في تلك الرسالة؛ بأنه تنين و عليهما التوقف عن هذه الأفعال، فلا يمكن لتنين الزواج ببشرية قذرة.
هذا ما كتبه.
لقد شعر ببعض الشفقة على تلك الفتاة الشابة، فقد كانت سيدة لطيفة و مؤذبة معه حتى عندما كانت عنيدة و مصرة للقائه.
الأميرة صدقته، لم يكن لديها خيار للانكار، فقد كانت التعويذة التي أرفقها التنين بالرسالة تعويذة لا يمكن تنفيذها إلا من قبل التنانين.
ليس لأنها تعويذة قوية بشكل جنوني، الأمر فقط أنها تعتمد على عناصر لا يمكن سوى للوحوش القوية و التنانين إنتاجها و إدراكها.
و العنصر الموجود هناك كان مفهوم العمر. فهذا التنين امتاز بين بني جنسه بكونه ذي قدرة سحرية تمكنه من إدراك خلوذ شبه أبدي.
لم تستسلم الأميرة حتى بعد معرفتها بذلك، فأرسلت له رسالة تخبره فيها بأن حبها له لا زال صامدا و ستلتقي به قريبا لتجبره على طلب يدها.
فتاة لا تخاف... كان شيئا جذابا في أعين التنانين الذكور.
شعر و كأنها تستحق فرصة لإثبات إمكانيتها في تحمل عواقب معاشرة تنين كرفيق حياتها، فأجابها برسالة يشرح ضروفه.
في تلك الرسالة، أرسل تعويذة أخرى لتسمح لها بالعيش لمدة طويلة كفاية حتى يتمكنوا من اللقاء مجددا حتى بعد أن ينتهي عقده مع الكونت.
وضعت الأميرة قطرة دمها على التعويذة المرفقة بالرسالة، فصارت تبدوا أصغر بخمس سنوات كاملة عن عمرها الأصلي الذي بلغ خمسة و عشرين عاما.
كان ذلك قبل مغادرتها لقلعة الكونت بيوم.
لو لم يتصرف التنين و يرسل التعويذة لها لفقدها مرة و للأبد.
كقطرة ماء حطت على أرض جافة، هكذا كانت تضهر حياة البشر في أعين التنانين الخالدة من أمثاله. حزين أليس كذلك؟"
بعد سماعه لهاته الجملة، شعر و كأنه و التنين و جهان لعملة واحدة... في الواقع، عملتان مختلفتان يستخدمان لشراء نفس الشيء، لكن بسعر مختلف...
يحب أن تكون جهادا آخر لتفهم أفكار هذا الفتى.
"استغربت العائلة الملكية من مظهر الأميرة الذي تغير بين ليلة وضحاها، و ضهر على محيا الوالد قلق من نوع غريب لم تفهم الأميرة سببه حتى وصلوا لوجهتهم.
أميرة شابة تشرب من نبع الشباب... كيف سيكون منظرها الآن؟ جمالها سيكون في ذروته دون أي شك.
جميلة بين الجميلات.
لم يتمكن أمير المملكة التي كانت عائلة الأميرة متوجهة لها لأجل إقامة بعض الأعمال الدولية الهامة من مقاومة جمالها الساحر.
أعجب أمير المملكة الثانية بها لدرجة انه سجد على الأرض طالبا يدها للزواج.
اجبر كلا الطرفين (والدها و والد الأمير) الأميرة على القبول.
فلا يعقل ان ترفضه بعد أن إنحنى لها على الأرض. و لو رفضته، سينتهي أمر عائلتها.
بقاؤهم على قيد الحياة يعتمد على قرارها في القبول لتسهيل و تشفيف العلاقات بين الدولتين... أو حتى زيادة التعقيد و الصراعات الخارجية بين المملكتين برفضها العرض.
كما أن هذا الزواج مهم لتتم العلاقات المستقبلية بنجاح و تدوم فترة السلام، و يعتبر طريقة مناسبة ليعبر بها الطرفان عن صدق الموقف التعاوني بين المملكتين إلى آخره.
زواج سياسي قسري آخر، حيث يتم تدمير حياة الأميرة لمكاسب دولية. و احزر ماذا؟ لقد عاشت كلتا المملكتين في سلام غير مسبوق.
نهاية سعيدة، ألا توفقني؟
للأسف، ليت الأمور انتهت هكذا. كان سيكون ذلك أفضل بكثير مما حدث لاحقا.
لم يكن الأمير بالرجل السيء.
إخفاء الأميرة لعلاقتها هو السبب في تجروئه لتقديم عرض الزواج، لو علم أنها مغرمة برجل آخر لما فعل.
هي لم تستطع لومه كذلك، لكنها لم تحبه يوما و رفضت النوم معه باستمرار بينما تراسل التنين بجنون.
كان الأمير صبورا، و لم يزعجها بتلك المواضيع مجددا قط. لقد رضي فقط بكونها بجانبه. كان حبه صادقا...
حتى مر شهرين على حفل زفافهما.
دات يوم تم كشف أمر تلك الرسائل في العلن من قبل خادمة الأمير، فتم تقرير أمر إعدام الخائنة فوق ساحة الإعدام من قبل الملك.
لقد تحطم قلب الأمير و لم يصدق في البداية، حتى أنه هدد والده الملك قبل أن يرى الدليل.
لم يستطع الأمير تحمل أعصابه.
قررت المملكة الثانية مطالبة عائلة الأميرة بإحضار ذلك الرجل الذي خاطبته الأميرة في رسائلها.
و قد وافقوا.
المملكة الثانية كانت اقوى و أغنى منهم بكثير، و قد أجبرت عائلة الأميرة على السفر طوال الطريق لإتمام مهام ديبلوماسية اعتيادية.
هذا أكثر كاف ليشرح قدر القوة التي امتلكوها.
عموما، قام الملك بمنادات التنين المتنكر، و مجددا، لم يكن أحد يعلم عن عقد التنين و الكونت سوى الكونت نفسه.
عندما علم التنين بأن الملك يريده لغرض مجهول، أرسل رسالة رفض.
علم الكونت بأمر رسالة الرفض و جن جنونه.
فقد كان سيسمح للتنين بالذهاب ما دام ذلك الملك لا يعرف شيئا.
توجه التنين مباشرة بأقصى سرعته.
أخرج أجنحته، و طار ليسترد الرسالة من المرسول. مزقها، و أحرقها بسحره ثم أكمل الطريق نحو قلعة الملك.
قام الملك باعتقال التنين المتنكر فور وصوله، و كان على التنين أن يكتم غضبه، فهو يعلم الآن أن أي مخالفة لأوامر الملك، هي مخالفة لعهده مع الكونت، و هو عقد سحري سيؤدي بروح من يخلف به إلى الموت.
استسلم التنين للملك و جيشه.
قاده الجيش للمملكة الثانية في رحلة دامة أسابيع طويلة، حيث تم وضع رأسه على المقصلة في نهايتها.
لم يخف، لم يبد أي رد فعل، فكيف لمقصلة معدنية قتل تنين قوي مثله؟
لكن، لسوء حظه، كل شيء فقد أزيل الغطاء عن رأسه.
عندما رفع بصره عاليا، رأى درجا عاليا تنزل منه دماء شخص ما. رائحة الدم كانت مألوفة.
لم يصدق التنين.
قاده الدرج نحو مقصلة أخرى حيث وضع رأس محبوبته البشرية التي تم إعدامها بالفعل.
تم نقله في سلة قش بالية. تم حرق يديها كما هو ضاهر عليهما.
لقد حرقوا الأيادي التي كتبت رسائل العشق السرية لهذا العاشق المجهول.
و هنا كانت اللحظة التي جن فيها جنون التنين.
ليصبح بعدها ما سيعرف ب "التنين الشيطاني".
كما كانت أيضا اللحظة التي بدأ منها عصر مظلم آخر في هاته القارة."