‏أنهى المرشد شرحه حول كيفية تجديد الأختام و العقود ، و أثناء استماعه لكل تلك الشروحات طوال مدة بقائه في القبو، اتضحت له شخصية هذا المرشد الغريب.

‏إنه غالبا مثل الشياطين الذين استمتعوا بعذاب التنين.

‏'يريد رؤيتي أختار أشخاصا أبرياء بنفسي... لا بأس، سأسايره... للآن...'

‏أمضى جهاد بقية الشهر يتعلم و يحفض كل ما يخرج من فاه المرشد.

‏حتى خرج أخيرا من القبو.

‏مر الشهر داخل ذلك القبو كيوم عابر آخر داخل الكهوف المجوفة في الكوكب الجاف.

'هل تغيرت لتلك الدرجة؟'

‏...

‏لكن حتى بعد خروجه، فهو لا يعرف ماذا سيفعل.

‏أيضحي بالناس كما قال المرشد أم يقتل المرشد و جماعته بدلا من ذلك و يسمح للتنين الشيطان بالخروج من ختمه؟

‏المرشد يعرف الكثير عن تقنيات الختم. يمكنه حتما ختم جهاد في نوع من الكهوف للأبد أو ما شابه.

‏لكنه أيضا لا يريد التضحية بأناس أبرياء، حتى لو كانوا مجرد دمى في عوالم البرج. أمه لم تشجعه على ذلك قط.

‏و مع ذك، فالشياطين لا يقبلون سوى الأرواح الممتعة، و المتعة لهم هي في رؤية سداجة الطيبين و عذابهم. لن يقبلوا بروح مذنبة قط.

‏خرج المرشد و لا مس الضوء رداءه الذي منع من رؤية وجهه.

‏'مالذي يخفيه خلف ذلك القناع؟'

‏خرج المرشد من بعد جهاد و قام بحركات غربة قبل أن يهمس لشيء ما.

قال بصوته المرح الذي يخلو من كل علامات الرجولة:

‏"حسناااا،لقد علمتك كل ما تحتاجه. أمامك أقل من شهر لتعود لنا بالتضحيات التي نحتاجها لكي تعيد مجد البطل خاتم التنين! اتبع خطاه أيها البطل الجديد و اجلب الاضحيات لنا ليسود السلام مجددا. و كما قلت سابقا، لا يجب أن تشعر بالشفقة على الخمسة الذين ستحضرهم، فالموت في سبيل ختم ذلك الوحش هو خير واجب يؤدونه في حياتهم البشرية التافهة... ألا توافقني؟"

جهاد لم يرد.

لقد تم تأكيد حقيقة أن الناس الموجودين في طوابق البرج العادية،أي باستثناء الطوابق 20،40،60،80،100،هم مجرد بشر مقلدين من أناس آخرين في عوالم مختلفة.

في داخله، كان بالفعل يعطيهم قيمة أقل من باقي البشر.

...

‏انطلق جهاد مباشرة نحو الإتجاه الذي وصفه المرشد له.

شمالا نحو ما كان معروفا دات يوم باسم:

مقبرة التنين و البطل.

‏لم يفكر في أخد راحة بعد شهر من الدراسة أو ما شابه، لقد كان مستعجلة لإنهاء هذا الطابق. كما أنه لا يحتاج الراحة حقا.

'علي الإسراع و الحذر كي لا أعلق هنا مطولا، لقد استغرقت ثلاثين سنة بالفعل لانهاء الطابق السابق فقط. '

...

حول ضريح البطل، ثم بناء قرية سياحية ضخمة على أراض دمر التنين حكامها، فصارت دولة مدينة. ثم مملكة من جديد، و هاته المملكة انظمت للإمبراطورية. نفس من كانوا يطاردون المرشد و طائفته.

‏. . .

‏بعد الجري 50 كيلو مترا في نصف ساعة، وجد ثكنة عسكرية حيث كان بعض الجنود و السحرة دوي ألبسة يغلب عليها اللون الأزرق الفاقع و الأصفر الباهت في وشاحهم المتدلي من أعناقهم يستعدون لمغادرة المكان.

‏"علم الامبراطورية!"

‏أمره المرشد بأن يحظر أضحيات من تلك المدينة، لكن يبدو أن الأضحيات كانت أقرب له مما يظن.

‏فكر جهاد:

‏'دعنا لا نتسرع. يمكنني حتما قتلهم و إحراقهم بنار الدم و اختطاف خمسة منهم بالقوة لكن... لا أعتقد أن هذا أفضل قرار ممكن اتخاده... هل علي خداعهم و استدراجهم؟'

‏بعد دقائق من التفكير، مزق جزءا من ملابس الطائفة ثم ألقاها في حفرة حفرها و أحرق تلك الأجزاء، ثم حرق جزءا من وجهه.

‏توجه بعدها لما بدا كبوابة المعسكر بوجه قذر مثير للشفقة. كان يستنجد بهم.

‏"انقذوني، لقد.... أمسكوا بي... ساعدوني"

‏كان بعض الجنود الشبان يلهون و يتحدثون عن أي ساحرة في المعسكر هي الأجمل، لكن حديثهم توقف فجأة بعد رؤيتهم لبطلنا و هو يتقدم نحوهم في تلك الملابس الممزقة.

‏قال شاب مذعور بعد أن ميز ذلك الزي:

‏"ت توقف م~مكانك... س س سوف ن نقتلك إن تقدمت أكثر"

‏رغم أن لباسه محترق بشدة، لكن الجنود لا زالوا ءميزونه.

إنه لباس تلك الطائفة المجنونة التي سمعوا عنها كثيرا من أمهاتهم .

قصة كأي قصص رعب شعبية أخرى تستخدمها الأمهات لتأديب أطفالهم.

...

‏من بين كل تلك الأصوات المرتعبة، سمع جهاد صوتا حازما و جادا:

‏"سأنهيك بسيفي لو تقدمت يا عابد أباليوس"

هدأ جهاد و فكر:

‏'‏لنحلل الوضع.

‏لقد ألبسني المرشد لباس جماعته، و بالطبع سيتعرف علي الفرسان كأحد أعضاء الطائفة، لكني مزقتها كي لأبدوا و كشخص هارب من جماعة المرشد بعد أن تقاتلت معهم. لكن من غير الطبيعي أنني أنا من يحاول التضهر بكونه بشريا مسكينا قد هرب من الطائفة التي حتى فرسان المملكة لا يستطيعون تحديد موقعهم... حجتي ضعيفة صحيح؟ علي جعلهم ينسون تلك الأسئلة ليركزوا على حالي المثير للشفقة... و من هي أباليوس هاته؟ ذكر المرشد اسمها بضعة مرات، لكنه لم يخبرني عنها مهما سألته...'

‏فكر الشاب في رد مناسب:

‏'همم... أعتقد أنني أعرف كيف سأرد'

حفز جهاد عينيه بنار الدم و تمكن من ذرف بعض الدموع.

‏"أرجوك يا سيدي، بعض... الماء! إنني عطشان!"

‏'لا تذكر شيئا عن الطائفة و لا تحاول التبروء منهم، ركز على إثارة شفقتهم و فضولهم... عندها سيسهل إقناعهم'

‏تقدم أحد الشبان دوي الملامح الطاهرة و قال قبل أن يرمي قارورة ماء خشبية:

‏"أمسك، اشرب و اشرح لنا ما حدث"

‏كان يمكن لجهاد إمساك القارورة، لكنه تركها تسقط عمدا حيث رماها ذلك الشاب.

‏انسكبت مياه القارورة أرضا و تبلل الطين.

فجأة، انحنى جهاد للأرض و بدأ يبتلع الطين بشراهة بالغة.

'أجل... أسمعوني أصوات الإستغراب و الشفقة'

‏غضب أحد الجنود.

‏"كيف تجروء على عصيان قائدك؟ ألم أقل لك ألا تتكلم دون إدني أيها ال... هاه؟"

‏استغرب قائد الفرقة من جهاد عندما لمحه و هو يشرب الطين بشراهة.

‏لمست مشاعر الرحمة قلب القائد فقام بمناداة المسؤول عن المعسكر ليسمح له بإستضافة هذا الهارب.

‏"سحقا لهذا النحس! سأنادي على القائد! أحرسوا المكان ريثما أعود. و إياكم تقديم مساعدات أخرى له، مفهوم؟"

‏لا زال جهاد يحاول بزق الطين الجاف من فمه.

'تبا... لقد بالغت في ذلك.'

‏تقدمت خطوات صاخبة من خلفه.

كان هناك حشد من الناس يتبعون قائد المعسكر.

‏"مما رواه لي هذا الشاب، فأنت عضو هارب من طائفة أباليوس. أخبرني أولا، ما اسمك يا أيها الشاب"

‏رد جهاد بذكاء، محاولا تبحيح صوته:

‏"لا أذكر... لقد قاموا بختم ذكرياتي... كانوا على وشك التضحية بي... و.. هربت بصعوبة"

لقد درس مع المرشد لوقت طويل، و هو يعرف بالفعل الكثير من تقنياتهم.

تجمع حوله المزيد من الجمهور.

كان عليه إرضاؤهم بعرض مسل. أليس كذلك؟

‏محاولا تعزيز حجته، تابع الكلام بعد أن تضاهر بانقطاع أنفاسه المتكررة من شدة التعب، كما ثلعثم عمدا لنفس السبب.

‏"يا سيدي الفارس، أرجوكا ساعدنا! لقد اختطفوني منذ صغري، وا طوال الوقت الذي كنت فيه معهم، كانت ذكرياتي مختومة بتقنياتهم الشيطانية، أراجوك اسمغني..."

‏إلتقط أنفاسه ثم تابع:

‏"...حدث نفس الشيء مع العديد منا، كانوا أعضاءا مثلي... لكن، قبل يوم بالضبط حصل... خلل في الختم و... استعاد خمسة شبان في مثل عمري ذكرياتهم و... آآآه... هاه"

‏بداء يبكي بحرقة كأن بصلة دخلت في عينيه، كما تنفس بصعوبة عمدا.

منظر يوحي بأنه مر بصدمات عديدة نتيجة عودة ذكرياته و موت أصدقائه الذين استعادوا ذكرياته معه.

‏أكمل جهاد:

‏"قتلهم جميعا عندما حاولوا الهرب...و، أنا، لم أتمكن سوى من الهرب... أرجوك... لربما هم لا زالوا يقاتلون أو... أو ربما هم فقط مختبئون ينتضرون عودتي اليهم، أرجوك أن تنقدهم، إنهم مجرد... لم يتموا العشرين من عمرهم بعد... إن كان هناك شيئ يمكنك فعله لتساعدتنا، فسأفعل اي شيء لمساعدتك فيه، أنا أقسم ب..."

‏قاطعه القائد بصوت متعاطف:

‏"يمكننا مساعدتك، لكننا سنحتاج منك أن تساعد نفسك أولا"

‏مد القائد يده:

‏"تعال معي، لا داغي للخوف"

‏رد جهاد بقناع من الخوف و التلعثم المتعمد:

‏"كلا، علينا الذهاب الآن، سيا موتون علينا...أن.."

‏بينما كان يرفع صوته، و يلفض أنفاسه بقسوة، سقط أرضا و تضاهر بالإغماء.

‏ليزيد من مصداقية الوضع، حبس أنفاسه لحوالي نصف ساعة.

كلما حاول الأطبأ في الخيمة إنعاشه بالضغط على صدره، كان يحرك نفسه عمدا ليوهمهم بأنهم قادرون على تحريك أنسجة جسده الصلبة كالمعدن.

‏...

‏استيقض جهاد عمدا على صوت و إحساس الماء البارد يلطم وجهه 3 مرات.

‏استيقض مستنشقا الهواء بشراهة ثابتا في مكانه.

كان عليه أن يستمر في إضهار نوع من مشاعر الصدمة و العجز و الضعف لكي يستدرجهم للفخ.

‏و للمفاجأة، كان جيدا جدا في لعب دور الشرير الماكر أكثر من دور البطل.

‏"ما هو اسمك يا بني؟"

‏سألته امرأة طويلة ترتدي لباسا أسودا و قبعة ساحرات كبيرة تغطي كل ملامح وجهها.

‏تضاهر بالإرتياب، و أضهر نضرات إعجاب طفولية موجهة نحو المرأة التي سألته، لكن هذا الأخير لم يكن تمثيلا بقدر ما كان إعجابا حقيقيا.

رد فعله ليس غريبا بالنسبة لمن لم يرى بشرا منذ 30 عاما.

‏قبل أن يتمكن من السرحان في بعض ملامح جسدها، أيقضته نظرات قائد المعسكر الغاضب.

ارتعش جسد جهاد كليا و عاد إلى الواقع، لكنه عاد بفكرة أفضل للجزء الثاني من مسرحيته.

‏تردد جهاد قبل أن يحيبها:

‏"إسمي؟ أعتقد أن اسمي هو... هاه... ماذا... اسم... آغغغ"

‏شعر جهاد فحأة ب -كما ضهر للساحرة و المحارب- ببعض الألم في رأسه نتيجة محاولته تذكر إسمه.

‏سقط للأمام على يديه و اتكاء على مرفقيه، ثم أمسك رأسه محنيا ضهره للأسفل، كما حاول تقليد صرخاته المرعبة في كهف النمل، و الوضعية التي تجمد عليها لأغلب الثمانية اشهر داخل ذلك الكهف.

‏لكن المعنى الخفي لذلك التمثيل كان:

‏الختم على ذكرياته لا زال موجودا، عندما يحاول مقاومته يتألم. و إن سألوه أكثر، سيتألم فقط. لدى لا فائدة من التحقيق معه.

...

‏شعر الممرضون و الأطباء في الخيمة، إضافة إلى الساحرة و القائد بقشعريرة باردة تدغدغ عضامهم القاسية.

كيف يمكن لحلق بشري أن يصرخ بهاته القوة؟ ما نوع العذاب الذي تعرض له؟

أسئلة نشابهة كانت تخطر لهم باستمرار.

‏علا صمت هادئ المكان بعد توقف أنين الشاب على سريره، ثم ابتسمت الساحرة و كسرت الصمت بسؤال واحد.

بدى جهاد هادئا فجأة مجددا. فقط هكذا و دون مقدمات. لقد بدى و كأنه نسي كل الألم الذي شعر به في لحظة واحدة.

ارتبك الميع و لم يتمكنوا من التفكير في تفسير لما يحدث، لكن تلك المرأة لم ترتبك.

‏سألة السيدة:

‏"هل يمكنك استخدام السحر؟"

‏كذب جهاد:

‏"نعم، يمكنني إشعال النار... لكن لماذا الجميع يحدق بي و كأنهم رأو شبحا صارخا؟"

‏سأل ليقوم بإثارة الحيرة فيهم و يغير الموضوع بسرعة.

‏تجاوزت الساحرة الاجابة عن سؤاله.

‏"ما هي السمة التي تمتاز بها نيرانك؟"

‏سألها بإستغراب:

‏"ما...هي السمة؟ بل... ما هي السمة التي تقصدينها؟ بالضبط؟"

‏'لا يجب أن أبدو جاهلا لهذا الحد'

‏ردت الساحرة:

‏"فقط أخبرني إسم التعويذة، سأعرف سمتها"

‏اتسعت حدقات أعين الساحرة و هي تسمعه ينطق إسم التعويذة.

‏"إسمها؟ لقد كانت تدعى، نيران الدم على ما أعتقد، لماذا تسألين؟"

‏'للأسف، فهاته تعويذة شيطانية و ليست سحرا، لكنها لن تتعرف عليها، صحيح؟'

‏أسقطت الساحرة كتابها الذي كانت تعانقه مباشرة بعد وقوفها.

‏ثم، سقط/ارتفع الغطاء عن وجهها الساحر الجميل.

‏"كيف تعرف باسم هذا الفن الشيطاني..."

‏أزالت الساحرة قبعتها السحرية التي حجبت هويتها الغامظة.

ظهرت نموشها الحمراء و أعينها البنية و شعرها الأسود اللامع.

ملامح مألوفة لجهاد.

‏"أ... أمي؟"

‏قال جهاد في صدمةٍ كان ثقلها كفيلا بإسقاط فمه و يديه أرضا. دموعه سقطت أيضا.

‏"لست أمك أيها الفتى..."

‏مسح دموعه بسرعة و عاد لوضعية المريض الكسول مع ابتسامة مزيفة مريرة يحاول من خلالها إخفاء الإحراج الذي حدث.

‏الساحرة فسرت له:

‏"لا بأس، يبدو أن تعويذة وهمي قد عملت عليك. طلما أنك رأيت أمك و لم ترى أباليوس التي تعتبر أعز شخص لأعضاء الطائفة، فلا أستبعد احتمال أنك صادق معنا حاليا... على الأقل تأكدنا من أن أباليوس ليست هي من علمتك نار الدم..."

‏تنهد و أعاد ابتسامة الألم و الراحة.

مع تلك الملامح المضللة لنيته الحقيقية قال و الدموع تسقط ببطئ:

‏"شكرا لك لتذكيري بوجهها،أنا..آآهه"

‏كان يبكي بصدق. فبالنسبة له، لقد مرت 50 سنة على آخر مرة رأى فيها وجهها.

‏شعر و كأن جزءا قديما منه عاد للحياة.

2025/10/21 · 27 مشاهدة · 1900 كلمة
نادي الروايات - 2026