1-انهيار النجم

كان نائما على سريره الخاص في غرفة المعسكر بينما يديه ترتعشان في قلق و قلبه ينبض في حماس.

لم يبقى سوى أسبوعين حتى ظهور النتائج، و حاليا، كل أفكاره كانت حولها.

'مرت أسابيع بالفعل... هل حقا سيعرفون ما هي قوانا؟ ألن يكذبوا علينا مثلا؟ هل حقا سأعرف قدراتي بعد كل هذا الوقت؟...لا يمكنني الانتظار! سحقا لعملهم البطيء ذاك!'

عندما يفرح جهاد، فهو عادة ما يقفز من مكانه و يصرخ بطريقة تهريجية متعمدة ليُضحك من حوله و يشارك فرحته مع البقية، لكن بروتكول المعسكر يمنعه من ذلك.

في قاعة مغلقة مضاءة، حيث اجتمع الخمسة شبان بأزياء نوم عسكرية متطابقة، حاول أحدهم دراسة جداول برنامج تدريب الوحدات القادم، بينما اهتم آخر بتعديل سريره لينام فيه.

في المطبخ كان شاب آخر من بين الخمسة يغسل الأطباق بعد أن تناولوا جميعا عشاءهم، بينما كان الآخران يفكران بعمق.

قال إيفان لصديقه الذي بدى ضائعا.

"ما الذي تفكر فيه بعمق هكذا؟ هل هناك شيء تريد الحديث عنه؟"

نظر لعيني جهاد المحدقتين في السقف ثم انزعج من تجاهله له.

"هاي! أنا أحدثك! تبدوا قلقا أكثر من اللازم، هل هذا بسبب اقتراب موعد النتائج؟..."

كان جهاد غارقا في أفكاره، مما جعله يبدو قلقا بدون قصد.

رد جهاد أخيرا على إيفان بعد أن أخفض نظره و لاحظه.

"اه... شكرا على اهتمامك، لست قلقا حقا... إنه جزء من الأمر لكن... حسنا... بقيت 3 أسابيع فقط لنعرف حقيقة قوانا... أنا فقط... لا أستطيع التوقف عن التفكير في النتائج و..."

عندما ذكر إيفان مسألة القلق، عاد التشاؤم الذي اختفى منذ مدة إلى جهاد مجددا. رفع بصره لينظر لسقف الغرفة في حيرة شديدة ثم يبدأ تفكيره المطول في المستقبل البعيد البعيد.

تنهد جهاد.

"أخبرني يا إيفان. هل حقا تظن أننا... سنتمكن من دخول النجم؟ ناهيك عن إنهاء محنة أحد الأبراج؟ هل حقا تعتقد أن الجيش قادر على تحقيق تلك الوعود لنا؟"

فكر ايفان في حل و جواب مناسب ليخرج صديقه من حالة سهوه المتكررة مؤخرا، لكنه وجد نفسه يفكر أيضا في ذلك المستقبل البعيد البعيد دون جواب محدد. حتى توقف عن التفكير بعد ما تلقى سؤالا آخر من طرف جهاد.

لم يكن جهاد ليسأله قط عن ذلك، لكنه أراد استشارة جادة في هذا الوضع.

"أحيانا... أتذكر وعدا قطعته من قبل و..."

أُخرِس فم جهاد فجأة من قبل قوة مجهولة انتشرت في الهواء.

لم يستطع إنهاء جملته.

تجمد جهاد في مكانه و كذلك فعل كل من في هاته الغرفة.

كانوا غير قادرين على التنفس. من الغريب كيف أن جسدهم لم يبدي أي رد فعل عن انقطاع نفسهم المفاجئ هذا.

بينما كان الجميع شبه ميت لبضع ثوان، سمعوا صوتا غريبا يطن بهمسات مدوية في آذانهم و يصعقها كالبرق.

لقد حررهم الصوت الغريب من جمودهم.

نظروا لبعضهم من دون أي تلميح عن "الفهم" بشأن ما حدث معهم قبل قليل. لا شيء سوى الحيرة و الخوف ظاهر عليهم. كما أن الألم الناتج عن ذلك الصوت قد تسبب في تجعد وجههم بقوة لعدة دقائق.

لهثوا الهواء بكل ما بقي لديهم من قوة ثم نظروا لبعضهم.

تساءل جهاد.

'كيف مر صوت من بين أبواب الغرفة العازلة؟ فقط صوت الرقيب يمكنه المرور.'

عم الفزع الصامت أجواء الغرفة، لكنه سرعان ما تلاشى عندما امتلأت الغرفة بضجيج حركة غريبة لأقدام اناس من خارج الغرفة.

مهما كانت تلك الوطئات، فهي حتما لم تكن قادمة من مجموعة من أناس فقط.

'هل المبنى ينهار؟ أتعرضنا هجوم إرهابي؟'

سارع جهاد لفتح الباب لكي يكتشف ما حدث كونه مسؤول الأمن داخل وحدته -المكونة من خمسة جنود-، لكن الباب أبى أن يُفتح.

أقفال الباب المتطورة أقوى من ما يمكن للشاب اليافع التعامل معه.

بعد أن لاحظ القائد جان فزعهم، توقف عن السعال ببطئ، ثم هدأ من نفسه و حاول تهدئة أعضاء الوحدة.

"لا تتعب نفسك يا جهاد... ه هذا ليس سوى اختبار! نعم! إنه فقط أول اختبارات الفرق... و غالبا علينا العمل كفريق لفتح الباب. هيا ابحثوا عن أشياء يمكنها فتح الباب...إن وُجدت بالطبع..."

لم تكن هناك أدوات قادرة على فتحه. فقط الأوامر الصوتية -التي تعطلت لسبب ما- يمكنها فتح الباب.

بينما كان الخمسة يحاولون سحب مقبض الباب المعدني دون فائدة، سمعوا صوت الرقيب الأول المسؤول عن معسكر المكتسحين يكلم جميع الوحدات المجاورة.

"انتباه يا وحدات المكتسحين. هذا ليس جزءا من تدريبات الوحدات الجمعي كما في الجدول. إننا نواجه حالة طارئة حادة تتطلب تدخلكم الجاد و الحاسم!"

بعد أن نبه الرقيب الجميع إلى ان الوضع جدي لا يقبل التهاون، التقط أنفاسه و شرح عن الوضع بتفاصيل أكبر.

"الصوت الذي سمعتوه لتوكم، كان صوت انفجار النجم. لقد عطل انفجاره كل الدارات الكهربائية على الكوكب، كما أن وحوش النجم ما لبثت تسقط من السماء باستمرار لتهاجم المدنيين الأبرياء"

النجم قد انفجر...

كلمات لم تخطر حتى في أكثر خيالات جهاد جموحا. فدمار النجم يعني ببساطة حرمانه من تحقيق وعد والدته.

'انهار النجم؟... مستحيل، لا يمكن ان يكون جادا... كلا، أرجوك، أخبرني أنها مزحة لعينة ما .'

تعرق جهاد بشدة ريثما يحاول استيعاب الكلمات التي قالها الرقيب لتوه و تحليل ما قد تعنيه بالنسبة له، فقد كان النجم كل ما بقي له من أمل.

'لا بد أن يكون هذا اختبارا لعينا ما! أتخبرني أن كل ما عملت لأجله... صار هباءا منثورا لا معنى له؟'

تجعد وجهه بشدة و أمسك شعره بكلتا يديه.

كان على وشك نتف نفسه لو لم يمسك أحد زملائه يديه و يطمئنه بأعينه الحنونة.

"هذا ليس وقت الفزع أيها الجندي!"

استمر الرقيب في الكلام بعد أن أراح حلقه.

كان عليه الصراخ بكل قوته ليصارع بصوته سماكة الأبواب المعدنية و أصوات الوحوش الغريبة التي كانت همساتها و خطواتها تزداد وضوحا شيئا فشيئا لتتحول لصيحات حرب مدوية.

"كل الأنظمة الكهربائية معطلة. علينا تفجير الأبواب بالطرق التقليدية. سيتم استخدام عصي ديناميت لتفجير مفاصل الأبواب. يرجى من الجميع البقاء على إحدى جانبي الباب، أو دخول المطبخ لضمان سلامتكم! تحركوا حالا!"

نعم... لقد فقد أمله الوحيد لدخول النجم، و قد أثر فيه ذلك حتما، لكن لم يتمكن من البقاء جامدا مكانه مصدوما فقط، عليه التحرك مكرها من مكانه.

ارتسمت ابتسامة مريرة على وجهه و ابتعدت يداه عن شعره الأسود الخشن.

عليه التنحي من أمام الباب قبل أن يطير عليه و يسحقه بقوة الإنفجار الذي يخطط الرقيب لإحداثه لإخراج وحدات المكتسحين من غرفهم.

اشتدت أصوات الوحوش المختبئة داخل و خارج المعسكر.

أيقضت أصوات الوحوش شيئا ما في داخله. رغبة دفينة خاصة به و مستقلة تماما عن وعده مع أمه قد استيقظت لحضتها.

'الوحوش قد سقطت من النجم، و هي الأن تهاجمنا...'

صفع جهاد نفسه.

'كلا، لازال هناك أمل! وعدي لم يختفي! لقد تغير مكانه فقط! الوحوش التي علي قتلها لا زالت موجودة! بل أقرب لي منذ أي وقت مضى!'

تفكيره بهاته الطريقة كان كافيا لجعله يجمع شتات نفسه للقتال مجددا لأجل شيء ما.

'لا زلت سأحافظ على وعدي... لكن...'

تذكر جهاد ذكرى قديمة له عن أمه. كان في السابعة من عمره يجلس بجانب والدته يبكي في حضنها.

لقد صار النجم يخاطبه عندما بلغ السابعة من عمره. كان ذلك العالم الأحمر يهمس في أذنه.

"أرجوكي يا أمي، أخبريه أن يتوقف! إنه... إنه فضيع!"

لهث الطفل بكل قوته ليستنشق الهواء. تجعد وجه الأم بقوة. كانت خائفة. قلبها يعتصر عندما تسمع ابنها يبكي و يتألم.

"لا تخف! لن يجبرك النجم على تركنا لتدخله، أنت لا زلت معي هنا. و سأبقى معك حتى ترى سماءا زرقاء لا نجم أحمر فيها!"

كان وجه الطفل مغطى بشتى ألوان الحزن و الخوف... و بعض المخاط.

لم يعرف الطفل قط بأن السماء زرقاء اللون.

"ل لكنه يهمس في أذني يا أمي... لا أريد الخروج... صوته يزداد شدة عندما..."

ابتسمت الأم محاولة إخفاء خوفها. هي أيضا لا تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف.

"توقف عن البكاء و كن رجلا كوالدك! لا تجعل مجرد كتلة غاز حمراء تجرؤ على جعلك تبكي. عليك أن تري النجم من تكون! عليك أن تسحقه يا بني! تذكرني و املاء رأسك بصوتي بدل هرائه الغبي!"

توقف الطفل عن البكاء شيئا فشيئا عندما حاول تطبيق وصية أمه.

امتلك أخيرا بعض الشجاعة لينظر للنجم بأعين حاسمة مقاوما تلك الهلاوس و المشاعر الغريبة التي تُصَعِّب عليه التنفس في كل مرة يرفع فيها رأسه ليقابل النجم. ذلك العملاق الذي غطى كل السماء الزرقاء.

مشهد رهيب خطف أنفاس كل من قدروا على رؤيته.

...

قالت له أمه أن السماء دائما ما كانت زرقاء اللون، لكن و بحكم أنه من المكتسحين، لم يرى سوى النجم العملاق كلما رفع عينيه لفوق.

كان يرى زرقة السماء المزعومة فقط في الصور القديمة قبل ضهور النجم. صور بعمر يجاوز المئتي سنة.

كانت صورا جميلة حقا.

تبادر عندها سؤال محير لذهن جهاد، و باح به بصوت عال دون قصد.

"يا رفاق، النجم قد انهار، صحيح؟"

نظروا له بنصف عين فقط. كانوا غير مهتمين بالإجابة، فجواب سؤاله واضح... أحلامهم قد تحطمت تماما بعد انهيار النجم.

لكن جهاد نظر لهم بعيون طفل محتار.

"إذا كيف صار شكل السماء من دونه؟"

نظروا له بأعين حائرة واسعة.

أدركوا لتوهم انهم أخيرا سيقدرون على رؤية السماء الزرقاء دون حاجتهم لدخول عالم النجم.

"بالطبع! كيف نسيت ذلك؟ شكل السماء لم يكن دائما أحمر اللون! أعتقد أنها كانت زرقاء فاتحة مع بعض ال... ماذا كان اسمها؟...غيوم صحيح؟ أليس كذلك؟"

بعد أن تكلم ايفان، تمكن جان أيضا من فعلها و فتح فمه مع ابتسامة بسيطة.

"لكنها بالطبع لن تكون زرقاء بعد، فقد خيم الليل بالفعل على هاته المدينة. علينا أن ننجو هاته الليلة إن أردنا رؤية السماء. كما أن نشرة الأخبار قد قالت بأنها ستكون سماءا غائمة اليوم. التحديق في السماء سيحين وقته لاحقا."

صوت انفجار النجم لا زال مؤثرا عليهم و على قدرتهم على الحركة و الكلام.

'لا أعلم كيف تبدوا السماء الآن، لكن الوحوش ملأت المكان، و كما قال القائد، فالتحديق في السماء يأتي لاحقا...'

انفجرت مفاصل الباب المعطل و سقط الباب المعدني المحصن بقوة محدثا تصدعات في الأرضية. حدث نفس الشيء في عدة غرف أخرى مجاورة بعدد 16 غرفة. في كل غرفة وحدة مكونة من 5 مكتسحين خاملي القدرات.

صرخ الرقيب مستهدفا أرواحهم الخاملة بسحره المميز.

"اتبعوني!"

لا وقت للحيرة و الضياع، لقد تدربوا جميعا للتعامل مع مثل هاته المواقف.

بعد أن اجتمع الثمانون فردا تحت نفس السقف في غرفة الأساحة، ألقى الرقيب خطابه التحفيزي.

خطاب من النوع الذي كرهه جهاد كثيرا.

"أعلم أن بعضكم لم يبلغ عشريناته بعد، و أعلم أنكم لا زلتم شبابا يافعين. لقد ألقت الحكومة عليكم مسؤوليات أكبر منكم، و أنا الرقيب الأول... مضطر لأن أطلب منكم أداء واجبكم في الدفاع عن وطنكم و المواطنين... دون مراعات لظروفكم الحالية."

'إذن فقد اختاروا مظهر الضحايا ليتجنبوا اللوم... جيد كفاية لخداع الحمقى!'

لم يرد جهاد الانظمام للجيش لأجل الدفاع عن وطنه، فعل ذلك فقط لأجل المال و لكي يتمكن من الحصول على فرصة يكتشف فيها سر قدراته عن طريق الاستفادة من نفوذ الرقيب... و ربما دخول النجم ان اكتشف الجيش طريقة لذلك.

لكن الآن، بعد اختفاء سبب من أسبابه الرئيسية لانظمامه للجيش، صار يفكر في التسلل خارج من هذا المعسكر بكل جدية.

أثناء سيرهم، قفز شبح أخضر من فتحات التهوية على وجه الرقيب.

التقط الرقيب جثة الوحش المتسلل أخضر اللون. كان له جسم شبيه بجسم السنجاب، لكن أعينه كانت بشرية بكل ما تعنيه الكلمة.

آذان طويلة و مخالبه صغيرة حادة و معوجة كالمناجل.

وحش قادرا على الدخول إلى امعاء البشر من فتحتهم الشرجية و تمزيق أمعائهم.

أكمل الرقيب.

"...لكن هاته الوحوش..."

حطم الرقيب جمجمة الوحش الصغير.

بوجه غاضب و حاقد، تطاير دم أسود منه و انسكب البعض على حذائه. لكن حتى مع اتساخ بذلته، بقي ثابتا مكانه دون حراك.

'يريدنا أن نقاتل في أقدر الأماكن...'

أكمل الرقيب بصوته القيادي.

"...مثل هذا الميت في يدي، قد يكون سببا في موت عائلة كاملة أمام أعين طفلهم البريئ. لقد قفزوا من حطام النجم على وطننا كالغزاة، و لكي ننجو جميعا من هاته المحنة، علينا تأمين المعسكر كي نستعيد سيطرتنا على هاته المدينة قبل فوات الأوان و نفقد السيطرة على كل القطاع، و عندما ننجح، و فقط عندما ننجح! سننشر المزيد من قواتنا لإجلاء المدنيين. لدى فأول أمر رسمي لكم هو:

دافعوا عن المعسكر. الوحدات الثمانية الأولى ستهتم بداخله، و الباقية بخارجه، انطلقوا!"

قادهم الرقيب نحو بوابة المقر، حيث كانت هناك جموع غفيرة من الوحوش الغريبة تغطي كل شبر من الأراضي المحيطة بالمكان.

غيلان خضراء، ذئاب رهيبة عملاقة، هياكل عظمية، ديدان بحجم منازل مع أفواه في كل زاوية من جسدها.

رجس جهنمي بقرون و أجنحة و مخالب كالسيوف يطير حاملا جثث الوحوش و البشر دون تفريق بينهما، و كتل لحم زاحفة تلتهم الناس بفمها العملاق...

لولا تدريب المعسكر الذي علمهم كيفية التعامل مع وحوش النجم، كانت خسارتهم لتكون حتمية.

بدى الأمر كتعريف جيد لكلمة "عشوائي"، فبالكاد تمكن الجنود من معرفة ماذا يحدث في أرض المعركة.

حتى الوحوش تقاتلت في ما بينها، بالكاد تركت شيئا لهم لقتله في البداية.

لقد تموضع الجنود بحسب أوامر الرقيب.

كان جهاد في المقدمة لقدرته المتزايدة على التحمل.

لا زال يجهل حقيقة قدرته الكاملة، لكنها حتما تمنعه من التوقف عن الحركة نتيجة التعب و بطء الاستيعاب، فمهما كان الموقف محيرا و معجزا على العقل، كان يتصرف.

مكتسحون ممن لهم مماثلة، بل و حتى أعلى منه، و بعضهم من كان قادرا على القيام بمهام متعددة مثل القتال أثناء حمل الأمتعة و جلب الذخيرة بسرعة لبقية الفرق بفضل سرعتهم الخارقة كانوا في الصفوف الخلفية و راءه مباشرة.

بفضل قدرته على الاستيعاب و التعلم السريع كان قادرا على إسقاط العديد من الوحوش في أقل من دقيقة واحدة.

برصاصة واحدة يصيب وحشين معا، و كل مرة يخفق فيها زملاؤه، كان يتجنب تلك الأخطاء دون ارتكابها.

"نعم...تماما كما توقعت!"

استنتاجه الذي حاول من خلاله تفسير قدرته كان عين الصواب، فرغم افتقاره للدقة، كان منطقيا.

لقد تعلم القنص و استخدام الأسلحة أسرع بكثير من بقية زملائه الذين بدأوا التدريب معه في نفس الفترة، بل حتى أنه أتقن العديد من الأشياء قبل الجنود الخبراء من الدفعات السابقة.

لكن حتى هذا الكم من المهارة ليس كافيا لإنقاذهم من مأزقهم، فبعد ان ينفجر رأس غول واحد برصاصة من رشاشه، ستنادي رائحة دمه المزيد من إخوانه المنتشرين في الأزقة ليأتوا و ينتقموا لمقتل أخيهم.

ولك أن تتخيل كيف فعل ذلك بمعنويات الجنود.

كل وحش يقتلونه يتسببت في تصعيد الوضع لا غير. ناهيك عن الجهد المبذول من قبلهم لقتل ذلك الوحش الواحد.

حتى كتل اللحم البطيئة العملاقة كانت خطي رة للغاية و ماكرة لأقصى درجة.

إن أخطأ الجندي إصابتها في فمها المخفي ببراعة هلف جلدها القاسى، فسترتد الرصاصة و قد تصيب أحدا ما من الجنود.

و ليزداد الأمر جنونا، فقد كانت تلك الوحوش قادرة على تحديد اتجاه دقيق تذهب نحوه الرصاصة. غالبا نحو الجنود المتواجدين في القدمة.

لولا دروع الجيش المتطورة، لكان بعض رفاقه موتى متحكم بهم من قبل جيش الهياكل العضمية بالفعل.

دون ذكر حقيقة أن أيا من الهياكل العظمية التي تفككت بعد رشها بالرصاص لم تمت في الواقع، بل أعيد بناءها بفضل قدرة سيدهم ساحر الموتى الذي كان مختبئا في مكان ما.

كانت الوحوش منتشرة في كل مكان، بين الأبنية و داخلها.

بعضها تسلق الأسقف و صنع أعشاشا من بقايا البشر الميتين لكي يفرضو سيطرته و يرعب بقية الوحوش.

"الأوغاد! فقط لو كان بإمكاني استخدام قدرتي بشكل أفضل"

امتلك كل المكتسحين قوى مذهلة بداخلهم، لكن من دون قارئ ليقرأ معلومات لوحته و يخبره بماهيتها، فلن يتمكن من تفعيلها.

سيكون محظوظا جدا لو كانت قدرته قدرة تلقائية دائمة التفعيل كالخاصة بجهاد.

قد يتمكن المكتسح من تفعيلها حتى لو لم تكن قدرة تلقائية، لكن دون صورة واضحة عن مالذي يحاول تفعيله، تكون فرص نجاحه صفرا ثابتا حتى يخبره قارئه بحقيقة قواه.

لدى فأغلب المكتسحين الذين كانوا معه، هم في الواقع مجرد بشر عاديين مع آمال ضئيلة في إيقاض قواهم دون قصد.

...

بعد ساعات من القتال في الصفوف الأمامية، تمكنوا أخيرا من اكتشاف تشكيلات مجموعات محددة من الوحوش و قتل أسيادهم المختبئين.

أمر الرقيب بعض الجنود للخروج لإيقاف اندفاع الوحوش نحو القاعدة، و كان جهاد من بين المختارين لفحص المحيط.

بدأوا مباشرة باتباع القائد و قتل الوحوش المختبئة في فتحات المجارير و أسطح المباني و مختلف الأماكن الغريبة، مارين بعدد لا يصدق من جثث البشر المشوهين بأبشع الطرق الممكنة.

لقد استمروا في هذا الجحيم لساعات بالفعل... و مع ذلك، لا يبدو أنهم قد فعلوا شيئا غير تأمين حجرة صغيرة لأنفسهم.

بعض البشر تم رميهم من قبل طائر عملاق حتى يحمل الطائر فتاتهم المسحوق كطعام جاهز لأطفاله...كان مشهدا مروعا.

خاصة صرخات المكتسحين العاجزين أثناء سقوطهم من ارتفاع يعلوا السبعين كيلو مترا. كانوا يائسين للغاية لكي تكون قدرتهم من النوع الذي يمكنهم من الطيران.

سيكونون من المحظوظين لو فقدوا وعيهم قبل السقوط.

كما أن بعض الجثث المذابة ذات الرائحة الكريهة قد أخدت حقها من هذا المشهد؛ كان ذلك هو مصير من تقفز عليه كتل اللحم بعد أن تمتص سوائل جسده.

أما الغيلان، فقد استمتعت بتقطيع أطراف البشر و أكل أمعائهم أحياء.

كان المحظوظين من بين البشر العاديين هم من تم قتلهم من قبل الهياكل العظمية... و لكن حتى هؤلاء تم استخدام جثثهم من قبل الساحر الميت لصنع سائرين موتى يقتلون المزيد من البشر. او يستخدمون كدروع لحم فعالة للجيوش العظمية الهشة.

'جحيم! هذا هو الجحيم! لم نجد أحدا حيا حتى الآن! أين اختفى الجميع؟'

للأسف، فقد كانوا عاجزين تماما عن إنقاذ أي أحد.

قلة القليلة من المحظوظين الذين اختبأوا جيدا في الملاجئ و غرفهم المحصنة هم من نجوا، لكن حتى الملاجئ التي تفقدتها فرقتهم كانت خالية من البشر.

خالية من البشر الأحياء للدقة.

'...أليس هذا هو الملجأ الأكثر حصانة في هذا البلد؟'

أنقذوا اول مدني بعد ساعتين من البحث في زقاق منفصل عن الشارع الرئيسي، كانت هناك أصوات صرخات عالية تنادي للنجدة.

تقدمت الفرقة لتفقد الوضع، و اتضح أنها بشرية على وشك أن تصبح غداء دودة عملاقة كما فعل زوجها و باقي أقربائها... كانت بقايا جثثهم عالقة بوضوح بين أسنان الدودة الحمراء.

أطلق جهاد رصاصة من بندقيته و اخترق لحم الوحش مسببا له آلاما فضيعة متجنبا إصابة السيدة خلفه ببراعة، و لكن ذلك لم يكن كافيا بعد لقتل الدودة، فقد غاصت الزاحفة الكريهة تحت الأرض و اختبأت هناك.

'سحقا! لماذا لا يموتون بسهولة؟'

حتى جهاد مع قدرة تحمله الكبيرة، فقد كان مرهقا للغاية، نفسيا و جسديا.

'...ما الذي أفعله بحق الجحيم؟'

رغم تعبه، فللأسف، وقت الراحة لم يحن بعد.

واجب المجندين في مثل هاته الأوقات الحرجة لا يقتصر فقط على إ حماية المعسكر و ما جاوره من أحياء ثم أخذ قسط من الراحة ليعيدوا الكرة من جديد لاحقا عندما يكونون مستعدين... الوحوش لن تسمح لهم بذلك.

هناك العديد من الملاجئ البعيدة التي لم يتفقدوها بعد.

المدارس و المطاعم و المولات، كلها اماكن محتملة لإيجاد الناجين. عليهم البحث فيها قبل أن تفعل الوحوش.

كمبادرة أولى، أرسل الرقيب جهاد مع فريقه لدعم فرق الإنقاذ المدنية.

أتاهم طلب استغاثة من خمسة مدنيين قريبين؛ جهاد و إيفان و القائد جان، توجه ثلاثتهم نحو غرفة السلاح و تسلحوا جيدا بالذخيرة، ثم شربوا المنشطات الخاصة بالمكتسحين و تحركوا للإنظمام لفرقة الإنقاذ.

عندما ذهب جهاد مع الفريق من شمال القاعدة ليخرج من جهة ساحة التدريب، صمتت روحه فجأة قبل أن يدرك شعورا غريبا يتخلل الجو المحيط.

شعور مألوف لم يشعر به قبلا.

هل كان...نوعا من الحنين؟ شيء ينادينيه و يطلب حمايته؟

'كلا! لدي واحب لكي أق...'

اشتد الشعور بشكل لا يقاوم عندما اقترب من مدرجات ساحة التدريب.

و فجأة دون مبرر منطقي لما حدث، بدأت الدموع تتسلل من وجه الحاسم الجاد لا إراديا.

لم يستطع المقاومة أكثر من ذلك.

توجه نحو مكان في المعسكر لم يعرف بوجوده قبلا داخل المنشأة، لكنه تمكن إيجاده بفضل الشعور الغريب و تعطل اقفال الأبواب الكهربائية التي أغلقت الطريق المؤدي له.

لقد كان المكان قبوا تحت المدرجات التي تدرب في ساحتها طوال فترة تجنيده.

تحديدا تحت المقعد حيث جلس الرقيب كل يوم باستمرار، كان هناك درج مخفي بأبواب معدنية يقود لقبو تحت الأرض.

'لماذا قد يبنون شيئا كهذا هنا؟'

قبل أن ينتبه رفيقاه له و يعودا لإحظاره، تسلل و دخل القبو بسرعة دون علمهما.

بسبب وضوح الأوامر، كان على الشابين أن يتقدما و يتخليا عنه ليصعدا مروحية الانقاذ التي ستتجه نحو المدنيين العالقين.

تسلق جهاد الدرج نزولا بقلق قبل أن يلاحظ وجود عدة أناس يصرخون في ألم عظيم داخله.

الجدران العازلة للصوت منعت أن يُسمع صوتهم خارج القبو.

لقد صرخوا دون توقف، فحتى بعد أن احترقت أحبالهم الصوتية و فرغت رئتهم من الهواء، استمروا في التحديق نحو السماء مشلولين مكانهم بينما تقطعت أحبالهم الصوتية دون أي غاية واضحة.

'لدى الرقيب الكثير من الأشياء لشرحها...'

رائحة أفواههم القذرة ملأت الجو من طول مدة فتحهم لها.

لكن بعضهم كانوا هادئين بشكل مذهل و يحاولون طمأنة الآخرين ممن يصرخون.

اشتد شعور الحنين فجأة أكثر بكثير من السابق عندما دخل.

تعرف على مصدره أخيرا عندما رأى فتاتا في ملابس رياضية بشعرها البني القصير و عيونها العسلية تحدق به... لكن عيونها كانت غريبة نوعا ما.

'لماذا تبدو... هل هي تلمع؟'

ضرب المشهد روحه بشكل غريب لا تفسير له غير أنه و هاته الفتاة كانا يعرفان بعضهما. لكنه لم يعرفها قط.

ابتعد عن الدرج و ارتفعت نبضات قلبه و اقترب منها.

سألها عن اسمها.

"ال المعذرة يا سيدتي، مرحبا... تبدين مشغولة بتهدئة الفتاة المسكينة، لكن... هلا نظرتي لي و أخبرتني لو كنت تعرفينني؟ من مكان ما مثلا؟"

استدارت الفتات ناحيته بعيون متوترة بينما كانت تعانق فتاة أخرى تصرخ بقوة، و لكنها لم تنظر إليه في وجهه مباشرة، بل نظرت إلى مكان ما بين صدره و عنقه.

كانت عيناها تلمع بلون أزرق غريب أثناء ذلك... ثم اتسعت عيناها في رعب، فقد أدركت من كان أماممها.

صار كل شيء واضحا الآن، فقد كان المشهد أمامه تمام كما وصفه المكتسحون الخبراء في التدريبات التي خاضوها في هذا المعسكر.

هاته الأعين اللامعة عنت شيئا واحدا فقط لا غير.

هاته الفتاة هي قارئة جهاد الميت.

قارئته التي من المفترض انها ميتة بحلول الآن...

الشخص الذي كان يفترض به أن يدخله إلى النجم و ينهي عذابه ينظر إلى لوحة حالته، و هو ما يسبب هذا اللمعان الغريب حول عينيها.

هذا يفسر شعور الحنين الغريب و اشعاعها بهالة زرقاء اللون. لكنه لا يفسر كيف ما تزال حية. هذا يتناقض مع كل ما أخبرته به قيادة المعسكر.

لم يصدق جهاد عينه.

"كيف يعقل هذا؟...لقد أخبروني أن قارئي ميت... ما الذي..."

لم يجد كلمات مناسبة للتعبير.

'... لماذا قد يكذب الجيش بهذا الشأن؟!'

كان ينظر لعينيها بإنكار شديد و حسرة عميقة.

لو عرف بهذا المكان من قبل، لربما تمكن من دخول النجم معها قبل وقت طويل، لكن كل ذلك بلا فائدة الآن، فقد انهار النجم بالفعل.

"أتعرفين كم انتظرت من الوقت و كم من المال كرست فقط لإيجادك؟ و فقط عندما تمكنت من فعلها أخيرا... انهار النجم و ضاعت كل فرصي لدخوله..."

ضحك بصوت غير متزن.

"هل تمزحون معي؟"

صرخ و الدموع تملأ عينيه. ثم أكمل بوجه متقد.

"كله بسبب..."

لم يعرف جهاد على من سيلقي اللوم هاته المرة.

توترت القارئة فور ما تعرفت عليه من لوحة حالته.

"انتظر أرجوك، لا تسئ الفهم، لم تكن بيدي حيلة تخرجني من قبضتهم..."

سرعت من وتيرة سردها للأحداث بفم يرتعش من الخوف.

"أ أنت ت تعلم أن على القراء إخبار الشرطة إن و وجدوا م مكتسحهم، لقد فعلت ذلك. أخبرتهم عني و عن ق قدراتك، و و هذا عندما ج جن جنونهم و أجبروني على..."

قاطعها جهاد بالبزق أثناء الحديث.

"لا أهتم بقصتك! أريد معرفة سبب كذبهم حول موتك، لماذا؟ و ما غاية هذا البرنامج اللعين؟ هل كذبوا علينا و جعلونا نفقد الأمل كي نصبح عبيدا لهم؟ عبيد للأمل المزيف الذي صنعوه لنا؟ أخبريني!"

تسللت دموع محترقة من عينيه.

كان ذلك جزءا من الحقيقة. لم تستطع الفتاة أن تنكره كما هو واضح من وجهها.

ليس الأمر و كأنها لم تجبه بسبب عدم معرفتها أو خوفها. كان هناك شيئ ما يناديها و يمنعها.

رفعت الفتاة بصرها ببطئ إلى السقف كالبقية ممن كان يصرخ من هؤلاء الناس.

ثم في النهاية، و بعد بضع ثوان من رؤيتها لحضور خفي يتجلى في اللاماكان، حضور يناديها... بدأ صوتها الهادئ يرتفع ببطء حتى بدأت تصرخ هي الأخرى بينما تتحمل وجودا فوقيا هائلا يؤثر عليها.

تبعها ببطء كل من كان هادئا من أولئك الناس، كلهم صرخوا حتى الاغماء.

حتى القارئة الخاصة بجهاد قد فقدت وعيها بعد الصراخ بكل تلك القوة.

لقد تشاركت مع باقي الناس في هذا القبو نفس رد الفعل... مما جعل جهاد يتساءل.

'هل كل هؤلاء...قراء المجندين الآخرين؟ لكن ما الذي يفعلونه هنا؟ بل ما الذي يحدث في هذا المعسكر بحق الجحيم؟'

حتى عددهم متطابق تماما مع عدد المكتسحين الموجودين في هذا المعسكر.

انتظر جهاد بصبر حتى استيقظت الفتاة متجاهلا كل صوت آخر من حوله... ثم سألها نفس الأسئلة السابقة.

"أنت، لقد استقضتي أخيرا! أخبريني الحقيقة... لماذا خبأوكم هنا؟! هؤلاء الآخرين من حولنا هم قراء مثلك أيضا، أليس كذلك؟ ماذا حدث لكم؟ لماذا كنتم تحت المدرجات طوال الوقت؟ و..."

توقف عن الضغط عليها بأسئلته و انتظرها حتى تجيبه عن ما سبق أولا، لكن عيونها كانت فارغة من كل شيء يدل على الحياة و الوعي بما يحدث من حولها.

'ل لماذا لا تجيب؟... لماذا أعينها... لماذا اختفى الشعور؟!'

يداه اللتان أمسكتاها من كتفيها ارتعشتا بقوة.

حدقت فيه الفتاة بفراغ دون قاع في عينيها.

شعر جهاد بأن عينيها بئر عميق على وشك ابتلاع روحه، فاقشعر بدنه بأكمله لثانية قبل أن يستعيد رباطة جأشه.

أجابت الفتاة أخيرا، لكن بنظرة ضائعة.

"ال... المعذرة يا سيدي... لكن... من أنت؟"

اتسعت عيونه كما لم تفعل من قبل.

فتحت الصدمة كلا عينيه و أذنيه.

تمكن أخيرا من سماع أصوات الناس المحيطين به ليفهم ما يحدث هنا.

أصغى بعناية لأصوات المتواجدين في القبو، و اتضح بأن كل الذين كانوا يصرخون قبل قليل، لا يعرفون أسماءهم.

تكررت جملة واحدة فقط على شفاههم، حتى هاته الفتاة التي كانت قارئته قبل ثوان قليلة سألته بحيرة مثل البقية.

"آه... و... المعذرة، لكن هل تعرف من أكون؟"

لقد فقدوا ذاكرتهم، بجانب قدرتهم على رؤية شاشة الحالة.

صارت مجرد بشري عادي بالكاد يعرفه جهاد.

لقد فقدت سحر النجم الذي مكنها من رؤية معلومات المكتسحين المسجلة في لوحة الحالة.

سارع بالاستنتاج إلى أن سبب خسارتهم ذكرياتهم و قدرتهم على قراءة اللوحات، مرتبط بدمار النجم...

'لكن، لماذا لم نصرخ نحن أيضا؟ أليس مصدر قوة المكتسحين من النجم؟'

التفسير الوحيد لهذا هو انه لم يكن.

ضل واقفا مكانه ينظر لملامح وجهها بحيرة شديدة، فبادلته نفس النظرة لكن بحيرة أكبر و أكثر تعقيدا.

و قبل أن تنبس شفاهها بحرف آخر لتسأله عن ما الذي يفعله؟ سمع جهاد صوتا مألوفا من خلفه.

قال الرقيب:

"لم أتوقع أن تجد هذا المكان...مؤسف للغاية يا بني، لقد كنت متشوقا لرؤية ما ستحققه معنا"

عرف جهاد من سيكون هدفه التالي ليوجه عليه غضبه، فضغط على حلقه بكل حقد.

"لقد كنتم تعرفون أنهم أحياء، إذا لماذا كذبتم علينا؟ و ما هدفكم من هذا المعسكر اللعين؟"

رد الرقيب ببرود:

"حسنا...كما ترى يا بني، فقد طلبوا منا أن نخفي الحقيقة لضمان سلامتهم. كان عليهم العيش هنا تحت هذا القبو المصمم بمواد تمنع تخاطر المكتسحين و القارئين من العمل لتحقيق طلبهم..."

كذبه جهاد:

"بل احتجزتموهم هنا! فكيف لبشر عاديين العيش في قبو كهذا؟ كما أنها قالت..."

قاطع الرقيب:

"لقد أخبرتك لتوي بأنهم عاشوا تحت هذا القبو يا بني. أنظر تحت ساقيك فقط و ستفهم كل شيء... فلطالما كنت تفهم الأشياء من حولك بسرعة"

كان هناك شق بسيط في الأرضية، لكنه بدى مصقولا للغاية و مستقيما جدا ليكون مجرد شق عشوائي في صفيحة المعدن الفولاذي، لقد كان بابا كهربائيا حقيقيا لقبو آخر تحت الأرض. و ربما كان أكثر اتساعا من هذا الذي هو فيه.

قد يكون الرقيب صادقا حتى الآن، لكن يمكن لجهاد أن يرى بأنه يكذب عليه بشأن ما.

ركض جهاد بأقصى سرعته ليخرج من القبو و يحذر الآخرين، لكن الرقيب لم يمنعنه؛ توقع جهاد منه أن يطارده بعد أن اكتشف سر المعسكر، لكن الرقيب بقي مكانه هادئا دون حركة.

اتضح السبب بعد خروج جهاد مباشرة.

ما إن صعد جهاد الدرج و أخرج رأسه من القبو، و استندت يده على المقعد ليخرج جسده كاملا من هناك، سمع صوتا قادما من أسفل المدرجات على ساحة التدريب الحجرية.

"أطلقوا النار"

انتشر الغبار في كل مكان، و اصطدمت كثل معدنية بجسد جهاد بسرعة خارقة مسببة ضغطا رهيبا على عظامه.

تحطمت المقاعد و المدرحات و صعدت سحابة غبار كبيرة من الأرض.

عندما اختفت سحابة الغبار، رأى الشاب اليافع تلك الرصاصات التي لم تتمكن من اختراق جسده و هي تصطدم به مسببتا ألما بالغا في عضامه و ضلوعه.

"تمت إبادة الهدف. أوقفوا إطلاق النار!"

بعد أن اختفى الغبار المنتشر نتيجة إطلاق الرصاص، و ظهر جهاد بوجه محتار من وسط سحابة الغبار، عاد الصوت.

"إخطار خاطئ الهدف لا زال واقفا، أطلقوا"

أطلقوا النار باستمرار دون توقف لعدة دقائق؛ لقد كانوا يحاولون قتله بكل وضوح، لكن... و بطريقة ما، فالرصاص لم يؤثر به!

"لا يمكن إبادة الهدف تراجعوا"

'هل حاولوا قتلي للتو؟'

لم يمت، لكنهم و بكل وضوح كانوا سيقتلونه لولا أن شيئا غريبا ما حال بينه و بين الموت.

'بالطبع كانوا سيحاولون! اكتشف سرا من اسرارهم و سيتخلصون منك! أوغاد الحكومة!'

أمسك جهاد بأحد الذين حاولوا قتله قبل أن يتمكن من الهرب.

قال الوغد في رعب بينما هرب رفاقه.

"كيف لك ألا تموت حتى بعد طعن قلبك أيها الوغد... أ أنت بشري حتى؟"

نظر جهاد إلى سكينة المجند وهي تحاول طعن صدره، لكنها عاجزة حتى عن خدشه، ناهيك عن طعنه بعمق في صدره.

الأكثر غرابة من ذلك هو أنه لا يذكر متى سحب الوغد السكين من غمدها و حاول طعنه بها.

بدى الأمر و كأن الزمن توقف لبضع لحظات في عقله ثم استمر تدفقه بشكل عادي.

قال جهاد:

"عن أي هراء تتحدث؟"

فكر جهاد بصمت ناظرا لوجه الجندي المرعوب، ثم قال بصوت خائب الأمل بعدما استنتج:

"يبدوا أن قدرتي مختلفة تماما عما كنت أعتقد..."

أخد جهاد السكين من يد الجندي ثم قال:

"لكن إن كنت واثقا لهاته الدرجة من أنك قد قتلتني بالفعل، فأعتقد أنه واجب علي اكرامك بالمثل... ما رأيك ب..."

قبل أن يفعل أي شيء للجندي، استشعر شيئا يحاول اختراق ضهره فجأة.

قطعة حادة تصارع ضد لحمه الصلب آملة في الوصول لقلبه من الخلف.

استدار ليرى من ذلك الذي يحاول قتله هاته المرة، فرآه منهكا و بوجه خائب الأمل... لقد كان الرقيب خلفه يحمل سكينا معدنية مكسورة.

الجندي الذي قال أنه طعن جهاد في صدره قد هرب بالفعل.

مع أنهم كانوا في منطقة مفتوحة بدون غطاء واضح إلا أنه قد اختفى فجأة من المشهد و كأن الزمن توقف للحظة من الوقت حتى يختبئ الجندي.

'كيف اختفى دون أن ألاحظه؟ لقد كان بين يدي قبل بضع ثوان!'

قال الرقيب:

"لقد سددت لك ضربات قاتلة بالفعل، لقد استخدمت قدرتي عليك عدة مرات بالفعل، فكيف... كيف لك ألا تموت؟"

'عما يتحدث؟ بالكاد شعرت بضربته الأولى، هل صار الجميع يهلوسون فجأة؟'

نظر جهاد له بشفقة ثم قال:

"أنا متأكد من أنها كانت ضربة واحدة أيها الوغد. همف. حتى سكينتك الفولاذية الزرقاء القادرة على ذبح أعتى الوحوش لم تقدر علي."

'و لكن... كيف صار جسدي بهاته الصلابة؟ ضربة واحدة من العصي أثناء تدريب القتال المسلح كانت تؤلمني كالجحيم!'

أضاف الرقيب بابتسامة متعبة:

"ليست السكينة فقط أيها الشاب، ذراعي أيضا قد...حسنا، على الأقل كلامك يثبت أنك لا زلت جاهلا بحقيقة قواك، لقد أرعبتني حقا يا بني هاهاها، ضننتك هاهاها"

أمسك جهاد الرقيب من رقبته و ضغط عليها ثم فتح فمه ليسأل.

"لا تريد إخباري بقدرتي صحيح؟ إذن لما لا تخبرني ما هي قدرتك؟ لقد كان فضولي يقتلني لأعرف منذ بداية هذا البرنامج العسكري"

سعل الرقيب.

"ألا ترى كم نزفت أيها الجندي؟ سأموت قريبا و هذا هو آخر ما ستسألني عنه؟ أين شفقتك؟ أنا مجرد عجوز يتبع الأوامر...كح كح"

طعن الرقيب نفس بيده في معدته بسرعة.

بدى و كأن يد جهاد تراجعت عن ياقة قميص الرقيب في دون أن تفعل ذلك.

حركة لم يفهم جهاد الغرض منها أو كيف قام الرقيب بتنفيذها.

بعد انتظار دام بضع ثوان من طعن الرقيب لنفسه، قال الرقيب:

"لن أخبرك أبدا، فإن أخبرتك ستعرف حتما ما هي قدرتك..."

ثم نظر للسماء و تأملها.

كانت لوحة نجوم لامعة لم يراها أي من هاذين الإثنين من قبل.

تأثر الرقيب بهذا المشهد بشدة. لقد كان سعيدا لأنه رأى النجوم قبل موته.

"لكن إن كان علي قول القليل لتعويضك عن ما جعلتك تمر به... فقدرتي تجعلنا معا... لكن حتى بعد سحبك معي، فقد نجوت أيها الجندي... مبارك لك!"

بينما لم يهتم جهاد برفع تحديقه القاتل عن روخ الرقيب المرهقة، في المقابل، استمتع العجوز بمنظر النجوم العجيب و لفظ آخر كلماته.

"إنها قدرة... عجيبة حقا آهه..."

أغمض عينيه في سلام.

مشهد مثير للشفقة. مات و هو يحافض على سر مرؤوسيه الذين لن يهتموا بتضحيته حتى. مثير للشفقة بكل معنى الكلمة.

هاته كانت إحدى أسباب عدم استيعاب جهاد لمفاهيم مثل الدفاع عن راية الوطن و غيرها من الشعارات البراقة.

غضب جهاد كان كبيرا جدا ليسمح له بالتعاطف مع شخص كان هو السبب في حرمانه من تحقيق أحلامه.

تذمر جهاد:

"تبا! لقد عرف سبب سؤالي له، لكن..."

أكمل جهاد في نفسه:

'إن كانت قدرته مما يسبب الموت الحتمي، فإذا قدرتي هي نوع قادر على مقاومة الموت، و إن لم تكن كذلك، فعندها سأعود لافتراضي القديم بأنها قدرة تعيد جسدي لحالته الأصلية قبل توقف نبض القلب و تمنعه من الراحة... لكن هذا لا يفسر قدرتي على التعلم و الإستيعاب السريع.

تذمر مجددا:

"سحقا، لو أنني وجدت تلك القارئة من قبل! لأنهينا اختبار النجم و طوابق أحد الأبراج بسرعة قياسية مع قدراتي الغريبة هاته. تبا لهم!"

نهاية الفصل 1- انهيار النجم.

~~~~~~~~~~~~~~~

ملحوظة كاتب:

نظام الآركات أو الأقواس يعتمد بشدة على طوابق البرج.

القصة ليست فقط سلسلة تشويق و حركة، إنها قصة تريك العواقب التي تترتب عن بعض الأفعال و تعتمد على نظام اضهار العقوبة لتوصيل الرسالة و المبدأ للقارئ.

القصة أيضا تدور حول استكشاف عوالم جديدة و الذهاب في مغامرات لكشف غموض كل طابق و كشف أسرار البرج و النجم.

القصة دموية نوعا ما في بعض اجزائها و تحتوي على الكثير من العنف و لحظات الموت المقرفة. وجب التنويه.

2025/10/11 · 65 مشاهدة · 5248 كلمة
نادي الروايات - 2026