بعد نقاش البارحة، جمعت سافرشان كل من في المعسكر و أمرتهم بالاستعداد للترحال بعد أن أعلمت رؤسائها بما يحتاجون معرفته.
لم يبقى سوى تعريف الناس بحقيقة جهاد و علاقته بالطائفة.
اعتلى جهاد قمة المسرح بجانب سافرشان التي انتهت لتوها من إعلان جوهر الخطو.
قالت الساحرة:
"...و الآن أقدم لكم جاسوسنا في الطائفة السيد جهاد الذي سيساعدنا في اختراق مقرهم. و سيكون مرشدنا المؤقت..."
'لاأفهم لماذا اختار الفتى اسما مؤقتا كهذا. مالذي يعنيه هذا الاسم من الأساس؟'
استغرب البعض هنا و هناك من حقيقة أن المجنون الذي ابتلع الطين الرطب من قوة عطشه البارحة، هو في الواقع جاسوس خاص لا يعلم أحد منهم شيئا عنه.
أكملت سافرشان:
"...قوته السحرية النارية و تحكمه المذهل بها دفعاني لكي أضمه لفرقة السحرة كتدبير رسمي لا أكثر. لا زال مجرد مرشد غير مجبر على تأدية الخدمة عسكرية على نفس المستوى مثل فرقة السحرة، سيتم وضعه كقوة احتياطية فقط. سلامته ستكون أولويتنا بما أنه الوحيد القادر على قلب الطاولة بمعلوماته المهمة. هل هناك أي اعتراض أو أي التماس تودون تقديمه عن قراري هذا الموافق عليه من قبل المؤتمر الثلاثي؟"
لم يجروء أحد على تحريك شفتيه في تلك اللحظة.
بدلا من الاعتراض، حيوها قبل أن ينصرفوا ليستعدوا لرحلتهم القادمة.
بعد أن تجهز الجميع جزئيا، راحوا للتعرف على هذا الجاسوس الشاب الذي رشحته سافرشان بنفسها ك"ساحر ماهر و قوي جدا".
تهافتت الساحرات لتطلب منه إضهار سحره الناري و إبراز خصائصه.
كن مسحورات بناره الحمراء.
المحاربون كانوا أكثر لهفة لرؤية جسد جاسوس مدرب على التخفي و القتال في أصعب الضروف و الوضعيات الجسدية.
لم يصدقوا كيف تمكن جهاد من طعن نفسه بسيف حقيقي دون الحصول على خدش واحد على جسده.
'جيد... هكذا سأكسب ودهم. سيكونون تضحيات ممتازة.'
لكن المشكلة كانت مع إجابته عن أسئلتهم، و تحديدا سؤال واحد تكرر كل مرة.
كلما سأله أحد عن سر مهاراته، أجاب جهاد بنفس الجملة:
"هل جربت شعور الموت؟..."
ان تغيرت تعابير وجههم، تجاهلهم في الحال.
لكن إن أجابو ب "لا" أو "نعم" حتى بعد أن قام بإرسال بعض طاقته الشيطانية للعبث باتزان عقولهم كي يجبرهم على الشعور ببعض الخوف، كان يضيف جملة واحدة أو اثنتين بنفس المعنى.
"لقد شعرتُ به. و سواء أردتُ الهرب منه أو القفز إليه... كان علي أن أصبح قويا لأفعل، لكن القوة التي حصلت عليها من مطاردة الموت و القتل لم تكن كافية..."
أدار أعينه ثم أكمل:
"كلا، لا يوجد وقت كاف لأحكي كل شيء... بالمختصر، اجعل هدفك شيئا أعلى و أصعب من الموت و الحياة. أصعب منهما معا."
رد الفتى الذي لم يفهم شيئا:
"لكن يا سيد جهاد... لماذا قد ترغب في الموت من الأساس؟"
أجاب جهاد على الجندي المميز الذي رفض الاقتناع بإجابة جهاد الإضافية.
لقد أراد معرفة المزيد.
"آه، ذلك... فلنقل أنني كنت خائفا جدا... خائفا من دوام الألم الذي أتعرض له... أدركت بأن سبب هذا الألم كلن استمرار الحياة نفسها، و الموت لم يكن ما أخاف منه حقا... عندما أدركت ذلك، وجدتني خائفا من الحياة أكثر من أي شيء آخر... لدى سعيت لقتل نفسي، حتى أنهي الألم."
سأل الجندي متوقعا تكملة للجواب:
"إذا... لماذا لا زلت حيا؟"
صعقه هذا السؤال نوعا ما.
لم يجد جهاد أي جواب مزيف هاته المرة، لدى قرر أن يقولها بكل صدق:
"لقد وعدت شخصا عزيزا بالوصول لمكان معين... لدى بدل الهرب، قررت مواجهة الحياة و الموت معا. و بكل ما لدي."
'كانت نيتي أن أشرح له ما حدث في الطابق 22 بالإيجاز... لكني جعلت الأمر يبدوا و كأنني أتحدث عن تعرضي للتعذيب من قبل الطائفة و محاولتي اليائسة للهرب من ذلك الألم عن طريق الموت. يمكنني معرفة ما يفكر فيه هذا الفتى الآن... بحكم القصة التي أخبرتهم بها سافرشان سابقا عني.'
احتار الجندي و هو يحاول تتبع المعنى في كلمات جهاد.
حتى الذين وقفوا بجانبه و سمعوا مل ما قيل قد بدأوا يفكروا في مدى فضاعة ما مر به هذا الفتى عندما كان أسيرا لدى الطائفة.
بدى الشاب الذي حصل على الإجابة الكاملة من جهاد خائب الأمل.
كأنه سمع كلاما معتاد عليه، عندما توقع سماع العكس تماما.
"إذا... علي الكفاح... سأتذكرها جيدا.أدعى إيثون كاثارسيس، شكرا على نصيحتك أيها السيد"
بعد أن حصل أحدهم على جواب كامل، توقف الازعاج مؤقتا.
فبعد أن انتهى الجميع من التعرف على جهاد، أعطت سافرشان اشارت البدء لكي تنطلق المسيرة.
كانت شافرشان تتصنت على كل كلمة قالها:
'عسى أن يتذكر أسماء رفاقه الجدد إن حاولت الشياطين الحقيرة غسل ذكرياته مجددا... هذا الفتى المسكين.'
كانت قلقة من هذا الاحتمال، لدى انتظرت حتى يتعرف عليهم جيدا.
لكنها لم تدرك أن التعرف عليهم جيد سيسهل مهمة اختطافهم من قبل جهاد.
...
أثناء المسير، كان بعض السحرة و الجنود يحاولون التقرب من جهاد لمعرفة أسراره و التماسه لكي يكون واسطتهم للحديث مع السيدة سافرشان و العديد من الأغراض الأخرى.
و من بينهم كلهم، اهتم جهاد بخمس فتيات شابات في نفس عمره (قبل دخوله البرج).
لقد كن مهمتمات به بشكل خاص، لكن ليس لأي من المصالح السابق ذكرها.
لقد كن معجبات بمضهره و تقربه من مسؤولة كبيرة مثل سافرشان و سمعته كساحر قوي و جاسوس بارع في عمله.
كن يرينه كزوج مناسب محتمل.
المضهر السادج الذي تعمد إضهاره لهن عزز تقثهن في أنفسهن، مما جعلهن يتأثرن بسهولة بالطاقة الشيطانية المحيطة بجهاد ليقعن في شراكه.
'رغم أني أنشرها في الجو فقط، إلا أنهن تأثرن بها بشدة... لو تعمق الكتاب في وصفه للطاقة الشيطانية و خصائصها، لنومت الطائفة بأكملها و أخضعتهم بدل كل هذا الهراء.'
لقد بدأن ينادينه بألقاب غريبة بالفعل لجعل قلبه يلين لهن، مثل "مجتهدي"...
و قد أعجب بهن بالفعل... كما ضهر من الخارج.
'يمدحن شكلي و مضهري و مكانتي... لكن لو كانت هناك ذرة إعاجب صادقة منهن، فستكون كل واحدة منهن تضحية مثالية مناسبة لذوق الشياطين... لا يمكنني تضييع هاته الفرصة.'
بعد مدة من المشي، خيم أعضاء المعسكر في مكان حدده جهاد على أنه: مكان قريب جدا من مقر الطائفة.
الغريب هو أنه لم تكن هناك علامات على القتال الذي أخبرهم جهاد عنه، مما رفع شكوك القادة.
في النهاية، أمروا باستراحة مؤقتة عند الغروب لإعادة النظر في حجة جهاد.
دخل جهاد الخيمة بعد أن استدعته رئيسة القسم الطبي و جلس في كرسيه بعد أن شرحت له الطبيبة لب الأمر.
أول من سألت كانت سافرشان.
"أنت تستخدم نار الدم كتعويذة أساسية... فلماذا لم نجد أي آثار للحروق بعد اقترابنا من المكان الذي يفترض أنك تقاتلت معهم فيه؟"
هدده قائد الفرسان:
"سؤال وجيه، فلو كنت جاسوسا يا فتى و تريد أن تقودنا لفخ ما، فستكون تلك نهايتك أنت و ناصبوا الفخ. لدى اختر كلماتك بعناية! أتفهم؟"
أجاب جهاد:
"لا داعي لهذا يا قائد الفرسان، أنا لا أجروء على خداعكم. تلك الطائفة ماهرة حقا في إخفاء آثارها، و ليس من الغريب أن يزيلوا أثار الحريق إن كانت ستقود أحدا ما مثلكم لمقرهم... لكني متأكد من أننا في المكان الصحيح. أقصد... هل سبق لأي فرقة بحث من المملكة و أن فتشت قرب هاته المنطقة؟ و إن فعلوا، فهل عادوا بعد استكشافهم لهذا المكان؟"
لقد كان يسأل المعجبين أيضا عن حقائق مختلفة حول تلك الطائفة و سبب تخفيهم المتقن.
كانت هاته المعلومات التي ذكرها ضمنيا إحداها.
اقتنع القائدان جزئيا و ابتلع القائد ريقه ثم نضف حلقه و حدق في رئيسة الأطباء.
رئيسة الأطباء سألت:
"حسنا... لم أرد قول هذا من قبل و لكن... عندما فحصتك بسحري العلاجي، لم أستشعر استجابة طبيعية من جسدك بدى الأمر و كأنك استمررت في التحرك بوعي منك حتى عندما لم يكن قلبك يخفق... هل كنت تمثل أيها السيد جهاد؟"
ابتلع جهاد ريقه.
'تبا! لقد اكتشفت الأمر!'
استشعر قائد المعسكر توتر جهاد و وضع يده على مقبض السيف مستعدا ليستله في أي لحظة.
لاحظ جهاد ذلك.
زادت سرعة نبضات قلبه.
كل من في الغرفة، كان قادرا بفضل مهارته على استشعار توتر جهاد و خوفه.
لكن من حسن حظه، دافعت سافرشان عنه هاته المرة:
"آه، لقد فهمت قصدك. ما تتحدثين عنه هو غالبا نفس السبب الذي جعله يتمكن من التحكم بنار الدم دون مباركة من أحد الشياطين. في الواقع، أعتقد بأن الطائفة قد أجرت تعديلات على جسده ليتمكن من تحمل الطاقة الشياطنية لإطلاق التعويذة بحرية دون الحاجة لمباركة أباليوس... قد يكون ما ذكرتيه تأثيرا جانبيا لتجاربهم. حالته مشابهة لما فعله الجنوبيون الشرقيون عندما استخدموا جنودا أمواتا ضدنا. أعتقد أنهم كانوا على وشك جعله سلاحا يتحرك حتى عندما يتوقف قلبه."
تردد جهاد قبل تحريك شفتيه:
"نعم،ه هذا وارد... أشعر و كأنني لست في مكاني الصحيح أحيانا... أعتذر إن أثرت شكوكم... هل لديكم أي أسئلة أخرى؟"
'كانت لتنال مني لولا حنكة هاته المرأة الزائدة!'
ردت سافرشان عليه:
"كلا، يكفي استجوابا لك لهاته الليلة، أنت تقدم مساعدة كبيرة لنا بالفعل و لا حاجة لإرهاقك. سنخيم الليلة هنا، و ننشر الخيام في مناطق متباعدة حول المكان مع إضاءة خافتة و متفرقة، أعلمهم بذلك أيها القائد."
خرج كل من القائد و جهاد. و معا، نشروا أوامر السيدة سافرشان للجميع.
أعطى القائد نظرة خائبة الأمل لرئيسة القسم الطبي قبل أن يغادر.
أثناء نشره للأوامر، كان يتأمل وجوه الخمسة الذين قرر التضحية بهم.
'هل أخدم الطائفة بطاعة أم أساعد المملكة في صراعها؟ أيهما الخيار الصحيح؟... تم تقديم المملكة و جنودها كأعداء أشرار من قبل المرشد الذي استدعاني... و الامبراطورية فعلت نفس الشيء مع الطائفة... أيهما محق و أيهما مخطئ؟'
أدرك جهاد عندها أمرا إضافيا عندما استحضر مسألة الحق و الخطأ:
'لا يوجد صواب أو خطأ في البرج... هناك مهمة فقط...'
تجمد مكانه و راجع أفكاره من جديد:
'لا يوجد شيء يجعلني أرغب بمساعدة المملكة عدى عن مشاعري الخاصة... الأدلة الأولية تفرض علي مساعدة الطائفة... و لو فشلت... فقد أفقد فرصتي الوحيدة و أفشل في المهمة و أضطر لتقبل مهمة أصعب منها بكثير... أو قد أعلق هنا للأبد...'
أرعبت الفكرة الأخيرة جهاد و جعلت نبالته تلتزم الصمت خوفا من أن أبديته اللعينة ستعدبه مجددا إن اتخد أي قرار طائش بسبب ندمه و تأنيب ضميره الفارغ.
'الندم و تأنيب الضمير! هذا ما جعلني أتعذب في تلك الغابة القرمزية الملعونة... هل أنا غبي لأكرر نفس الخطأ لأجل الآخرين؟ حتما لا.'
...
تسلل جهاد في تلك الليلة و خطف الخمسة فتيات من فرقته على حدى.
'إنهم مجرد نسخ مقلدة. حتى لو ماتوا، لا زالت نسخهم الأصلية ستعيش بسلام في عوالمهم الأصلية خارج البرج.'
لم يكن مقتنعا تماما بما يقوله.
نوم أربعة منهم بنجاح و نقلهن لخارج الخيمة، فبقية واحدة فقط داخلها.
'حتى لو مات كل من في هذا الطابق، فسيعودون للحياة عندما يدخل شخص جديد إليه... إنها... إنها مجرد محاكاة. هم ليسوا بشرا حقيقيين...'
لاحظته الفتاة قبل أن ينومها، فاضطر لسد فمها و أنفها كي يمنع صوتها من الخروج.
خدشت المسكينة بشرته الفولاذية بأضافرها، لكنها للأسف تسببت فقط، بخلع أضافرها الأربع.
لم يتمكن من النظر إليها.
شد بقوة على فمها و أنفها، موجها بصره للسماء المرصعة بالنجوم لعلها تهدء روعه.
أغمي عليها من شدة الألم. كانت غير قادرة على إخراج صرخة واحدة لتطلب النجدة.
...
بعد أن ابتعد جهاد عن المكان بهدوء، حمل الخمسة معا و نظر للجبل حيث وجهته.
"آسف يا أمي... سأقتل شخصا."
لقد أخلف أحد وعوده مع أمه من قبل، و ها هو ذا يخلف بوعد آخر للمرة الثانية.
'تبا!'
قفز جهاد بكل قوته محدثا هزة بسيطة في الأرض، و قبل أن يحط على الأرض، صنع غمامة من نار الدم لإبطاء سقوطه.
حيلة قد صقلها في الطابق السابق لاستكشاف الأعماق السحيقة.
...
لكن بدون أن يعلم، فذلك الصوت و الضوء الذين أحدثهما قد أيقض أعضاء الطائفة و نبههم لحقيقة أن هناك أحدا ما قربهم.
بعد أن اجتمعوا و وقفوا على أسوار القرية الحجرية المموهة بالسحر، راقبوا الوضع، و استدعوا رئيسهم.
قال المرشد لأتباعه المتأهبين بعد أن تمعن في وجه جهاد بعيونه الحمراء:
"جيد... دعوه يتم الطقوس بينما نقوم بهجوم مباغث على المخيم. سنحصل بهاته الطريقة على تضخيات أكثر بكثير مما تعودنا عليه. همف، لقد كان استدعاؤه موفقا حقا، ألا تتفقون معي؟"
اختفى الأتباع و اندمجوا مع ظلمة الليل القاتم و توجهوا للخيم حيث نام الجميع.
أثناء مراقبة المرشد لجهاد، لمح ضوءا أحمرا بنبع من الأرض و ابتسم.
"حان الوقت لتدهب معهم أنت أيضا أيها البطل. ستصلك رحمتها قريبا."
...
لفظ جهاد تعويذة بلغة مجهولة:
"رون كونفوكر نييه ستيبا ستينييه"
مهما سال جهاد المرشد عن معناها، فقد رفض إخباره.
ذبح بعدها الرأس الأول، ثم تقدم للأمام ثم بسرعة و رمى الرأس و عاد حاملا جثة أخرى و ذبحكها بيده المشتعلة مرتلا نفس الجملة، ثم ألقى الرأس من مكان أبعد من موقفه السابق.
و هكذا، شيئا فشيئا، كان يقترب مسافة محددة مع كل رأس، حتى ضهرت شعلة ضوء أحمر صغيرة داخل الكهف.
لمع الضوء دون وجود أي مبرر له. لقد ضهر فقط ليخرج الأهوال الموجودة بداخله.
"من ذا الذي استدعانا؟ و لماذا؟"
تكلمت الشياطين الخمسة التي استدعاها جهاد.
"جهاد انزي، هو مستدعيكم"
أجاب جهاد.
"ماذا تريد؟"
سأل شيطان من الخمسة.
"أريد أن تكملوا عهدكم مع سيد الطائفة. أنا مبعوثه. و قد طلب مني اقديمي لكم باسم "البطل" بعد استدعائكم بالطقوس المتفق عليها."
ابتسمت الشياطين دون السماح لجهاد برؤية شكلهم الكامل.
قالو مع لكنة مهذبة:
"حاظر."
نفدت الشياطين طلبه، و أخدت رؤوس الفتيات الخمسة و حملوها ثم رموها مباشرة في بئر عميق موجود داخل أعماق الكهف العملاق.
بدى مشابها للكهف حيث قتل جهاد تنين الطابق 21 بإحراق نفسه حيا. بل كان حتما هو نفسه.
ألقت الشياطين بعض التعاويذ الخاصة بها، فحاول جهاد الإستماع لهم، و كاد يحفض تلاواتهم لولا أنه كان مشتتا بانتشار دم الجثث التي ذبجها لتوه.
'رقبتهم... كانت دافئة...'
مهما حاول جهاد إقناع نفسه بأن ذلك الدفئ كا مجرد وهم من صنع البرج، فلا يمكنه إلا أن يشعر بالندم.
لاحظ شيطان مدى كآبة جهاد، فوسوس له ليستمتع بالمنظر:
"هو هو هو، أيها البطل. أقلت أن اسمك جهاد؟ أنت خبير و بارع في تقديم التضحيات يا سيد جهاد! فرغم أنها مرتك الأولى، إلا أنك ضحيت بشيء عال الجودة. أرواحهم تحمل معرفة عميقة بالسحر، كما أنهن فتايات أحببنك و تعلقن بك ك "ملك" لهن... بالنسبة للشياطين، فالملك شيء مقدس لن يغدر مطلقا بأتباعه، لكنك تفوقت علينا في هذا. هنيئا لك أيها البطل، لقد ربحت لقب شيطان بين الشياطين، و بجدارة. هيهيهي"
سخر جهاد:
"و لماذا قد تهتم أنت أيها "الشيطان" لمقتل 5 أرواح فانية سيتم استبدالها سريعا؟"
'إن دخل شخص آخر الطابق فسيعودون للحياة. لا داعي للشعور بالندم... إنها مجرد صدمة مؤقتة. علي التحكم في هذا الضمير اللعين'
زادت ابتسامة الشيطان اتساعا.
"أوه! عكس ما تعتقده يا فتى، فأنت وحدك أكثر شيطانية من أعتى الشياطين التي قابلتها في حياتي... حتى طاقتك الشيطانية هاته... إنها مغرية للغاية... كم من الأرواح قد قتلت لتحصل عليها؟ مئات الآاف؟ الملايين؟ هل شربت دمهم و أكلت لحمهم لتضاعف الناتج عنها؟"
تذكر جهاد عندها ما فعله في الطابق السابق.
فقبل أن يجد ماءا للشرب، كان يشرب دماء السحالي الباردة ليروي عطشه.
كان الشيطان محقا في استنتاجه.
لم يرق جهاد تعامل هذا الوغد معه.
'هذا الوغد...'
تنهد جهاد و قال:
"لسبب ما، أشعر و كأنك تعرف عني أكثر مما تُضهر... هل أخبرك زعيم الطائفة بشيء ما عني؟"
لقد شعر جهاد بطاقة شيطانية كبيرة مرتكزة في ذلك القبو الذي أمضى فيه شهرا يدرس عن الأختام و عن تاريخ هذا العالم.
عندما انتظر المرشد و قام بحركاته قبل الدخول و الخروج.
"أراهن أنه كان يرسل إشارات غريبة و بضع همسات لك ليخبرك بأن تخفي حضورك"
هذا ما استنجه جهاد من محاولة تتبع تلك الطاقة الشيطانية في القبو و ملاحظة سلوكات المرشد الغريبة.
لم يجب الصوت الشيطاني قط على جهاد، بل ضل صامتا كما كان قبل أن يستدعى لهذا العالم.
...
بعد دقيقة أخرى من الصمت و عدم تغير أي شيء، تحول تأنيب الظمير البسيط الذي راود جهاد لقليل من الخوف.
حاول أن يشعر بالراحة، لكنه لم يستطع.
لقد أنهى بوضوح المهمة الموكلة له من قبل المرشد و بالتالي، عليه الإنتقال للطابق التالي. إذا... لماذا لم ينتقل بعد؟
'هل أخطأت؟'
تسارع نبضه و رمش عدة مرات في الثانية قبل أن يستشعر نظرات الشيطان تحقره و تسخر منه.
"هيه؟ هاهاها، أنت تشعر بالذنب؟ السيد جهاد الذي على الأقل قام بإبادة أنواع كاملة من الحياة يشعر بالندم لتقديمه خمسة رؤوس لا غير كتضحية؟ هل أنا أحلم؟ كلا... أنت حزين لأنك لم تفي بواحدة من وعودك... صحيح؟ أنت لا تهتم بحياة البشر في هذا العالم. فأنت مثلنا، تراهم قابلين للإستبدال، صحيح؟ لما لا تعترف بذلك و تسهل الأمر على كلينا. انظم إلينا يا جهاد و صر شيطانا، أراهن أنك ستراقي في الرتب بسرعة لاصبح عفريتا لا يقهر، فشرك و نفاقك هذا لا يعلى عليهما، هاهاهاها ."
لم يرد جهاد الرد على تلك الوساوس.
لم تكن مسألة إبادته لتلك السحالي و الديدان أو قتله للخمسة مهمة حاليا... هذا ما حاول أن يقنع نفسه به.
ما جعله يشعر بعدم ارتياح هو حقيقة أنه أخطأ في تفسير مهمته.
'هل... هل سأعلق أم سأتعرض للعقاب؟'
بعد أن لاحظ شخص متخف بأن الشيطان قد قام بعمله كما ينبغي، تقدم المرشد و همس بصوته الفخم:
"أحسنت عملا، يا بطلي. لقد تفوقت حتما على كل من سبقوك."
رد جهاد بتعجرف محاولا إخفاء خوفه:
"توقعت قدومك... لكن لماذا أتيت وحدك؟ ألست... مستهترا نوعا ما؟"
أجابه المرشد:
"لقد أتيت لوحدي كي أعلمك بشيء مهم نسيت اخبارك به عمدا. طاقتك الشيطانية مرتفعة جدا لدرجة تجعلك غير مضطر للتضحية لأجل استدعاء الشياطين. حقيقة، أنت تملك ما يكفي لتستدعي عشيرة بأكملها. أولائك الخمسة، ماتوا لأجل لا شيء... و الآن... وداعا"
تسمر الفتى مكانه بينما اختفى المرشد ببطئ خلف ستار من الطاقة الشيطانية التي شتت تركيز جهاد عن الهجوم القادم.
هاته كانت احدى المرات القليلة التي توقف فيها عن الحركة ليستوعب ما حدث معه للتو.
'خُدعت؟...'
بعد أن شتت المرشد انتباه جهاد، ألقى كلمات شيطانية غريبة و أزال الرداء عن وجهه، ليكشف عن حقيقته.
وجه محترق بقرون قصيرة و أنياب بارزة.
لقد كان المضهر النمطي المفترض لأي شيطان.
جهاد لم يره بعد، لكنه شعر بطاقته الشيطانية الفياضة.
قال المرشد باغترار بالغ:
"بفضلك... سأتم تحولي بشكل كامل و أصبح شيطانا كاملا... و عندما أفعل، سأمتلك أخيرا القوة الكافية لإحياء معبودتنا الحبيبة. لك خالص امتناناتي يا بطلنا جهاد."
قفز جهاد بعد أن استشعر طاقة شيطانية غريبة من المرشد.
حاول الإبتعاد عن نطاق الهجمة بقفزة عالية و الهجوم بعدها بنار الدم، لكن أحد الشياطين الخمسة تحرك بسرعة لمنعه.
"أحاولت الهرب لتوك؟"
أمسك الشيطان جهاد أثناء قفزه في الهواء و ثبته مكانه.
شكر المرشد أعوانه:
"شكرا لك يا تابعي. ثبته حتى أنهي ختمه، و بعدها يمكنك العودة لعالمك."
حاول جهاد التحرر من عناق الشطان الأحمر، لكنه لم يستطع.
لقد فقد كل أمل له في الهروب.
"تبا لكم! إبتعد عني أيها الهراء القذر! أبعده عني أيها المرشد! لقد وثقت بك!"
من المزعج كيف أنه لا يستطيع رؤية الشياطين بشكل صحيح حتى بمستوى قوته.
دون شيء محدد واضح لعيناه البشريتين كي يلومه، صار يشعر و كأنه مثبت مكانه بفضل قراراته الحمقاء لا غير.
ضحك المرشد:
"وثقت بي...؟ أتضنني غبيا؟"
عم الصمت المكان بعدها و لم يسمع صوت الرياح حتى.
رتل المرشد بابتسامة هادئة:
"روندينزشيْه نييه ستيبا ستينّييه"
من الهواء المحيط به، خرجت فقاعة شفافة بلون أحمر خفيف أحاطت به، و اختفى الشيطان من تلك الفقاعة ليبقى جهاد هو الوحيد هناك.
اقترب المرشد من جهاد كاشفا وجهه الأحمر و قرونه الصغيرة.
نظر إلى عينيه مباشرة ثم قال:
"إذا... ما هو شعورك بعد أن صرت تابعا لهذا الشيطان أيها الفتى؟"