هاته المرة، استغرق منه الأمر أسبوعين فقط ليصل للأعماق. و عندما وصل، لم يعاني قط مع أي من تلك المخلوقات التحت أرضية.

لقد عاد لروتينه الضائع الذي استمر عليه لحوالي الثلاثين سنة من حياته.

شوي السحالي و تمزيق الديدان إربا إربا لتشكيل سرير طري من لحمهم المنفوش.

...

"كونوا رمادا."

حتى الديدان التي عاشت وسط الحمم، جوهر هذا الكوكب المحترق، لم تتمكن من مقاومة طاقة جهاد الشيطانية.

***

"...كم من الوقت و أنا... هل مرت سنة بالفعل؟"

الوقت يمر بطريقة غريبة مؤخرا، فقد شعر جهاد و كأن هاته السنة مجرد 4 أشهر بالنسبة له. مما ذكره ببعض القصص الخيالية التي سمعها.

'يقال أن سنة بالنسبة للبشر مثل غمضة العين بالنسبة للجان... هل أنا أيضا صرت...'

غالبا لا، لكن الطاقة الشيطانية توثر على حاسة الوقت لديه و تجعله أسرع بعشرة مرات عن المعتاد.

هذا التغير الغريب ساعده في البقاء عقدا كاملا في هذا المكان، و طوال هذا العقد كان يبيد هاته المخلوقات خوفا من صعودها عند انتهاء فترة حظانة البيض في فصل الصيف.

لولا تدخل جهاد، لربما خرجت الوحوش بالفعل و قتلت كل البشر الذين حاول حمايتهم بالفعل.

لا يمكنه السماح بذلك، فقد يؤثر هذا على درجة مكافأته.

لكن لا بأس، لقد أنهى غرضه من المجيئ لهاته الأعماق بالفعل، و هو في طريقه للعودة.

لكن ليس قبل أن يسمع لحن الصراصير الذي أطربه لفترة طويلة من حياته.

"وداعا أيتها الكهوف."

***

عندما كانت مجموعة من الناس تنقل الجحارة لبناء السقف الجديد لمنزل محصن، صرخ طفل في عمر الثامنة مناديا أمه:

"أمي! أيها القائد! هناك وحش قادم!"

رفع الرجال أسلحتهم و استعدوا للأسواء.

الحشرات الوحيدة التي تتحرك بحثا عن فريستها هي خنافس الليل الطائرة و بعض أنواع الباز دوات الرؤوس الحجرية التي اقتاتت على ديدان الحفر.

الباز غالبا ما ينكمش داخل خوذته بعد قذف نفسه للأسفل مهاجمة أيا كان هدفها.

"ما هذا ال..."

لكن هذا الشيء لم يشبه أيا من تلك الوحوش التي توقعوا قدومها.

طفل آخر بعمر الخامسة تقدم و استخدم قدرته السحرية على ذلك الوحش و قال:

"سيد قائد... أهذا البشري هو وحش؟"

لمعت أعينهم عندما استوعبوا حقيقة هذا الجسم الغريب الذي غطتهم سحابة من الغبار المتناثر بسبب تحركه السريع على الأرض.

فجأة، امتلأت أفواه الجميع بكلمة واحدة عندما اجتمعت الكلمتان "بشري" و "وحش" في جملة واحدة.

"ال... جهاد المنقذ؟"

"أتقصد المجنون؟ هل عاد؟"

"أنشر الخبر! علينا الترحيب به!"

***

في تلك الليلة، و بعدما تعرف جهاد على 49 ناج من أصل 54، اكتشف بأن ابنت الرجل (الذي كان دائما ما يحاول كسب جهاد كزوج لابنته) قد تزوجت بالفعل و أنجبت طفلين من زوجها.

إحدى النسوة اللاتي كن حوامل عندما تركهن جهاد لديها ولد بعمر العشر سنوات.

'لقد زادت أعدادهم... هل حان الوقت؟'

قال بعد أن تأمل في وجوه الأطفال الجدد.

...

غادر حهاد مأدبته ثم قال:

"أيها البرج، أنقلني للطابق التالي..."

فتح جهاد عينيه للتأكد. لكن لم يتغير شيء.

"هل هناك شيء ناقص؟"

...

عاد جهاد لغرفة الاحتفال التي أقيمت على شرفه، و احتفل جيدا مع المستوطنين الجدد لهاته الأرض.

إن كان سيتأخر، فلا ضير من الاستمتاع قليلا.

...

في منتصف الليل، استدعى جهاد العفريت.

"ما هو طلب سيدي هاته المرة؟ هل تريد مني تعليمك حيلة شيطانية جديدة؟ أم أنك تريد استشارتي في أمر طارئ؟"

أجاب جهاد:

"اقرأ مهمتي مجددا من فضلك."

قرأ العفريت:

"في هاته الأراضي القاحلة، الهاربون من عالمهم المدمر علقوا في هذا المكان الغريب دون مرشد أو منجد. هيئ لهم أقل متطلبات الحياة... و ساعدهم حتى ينشئوا حضارتهم الجديدة في هذا العالم."

انتبه جهاد لجزء مهم، ثم سأل:

"حتى ينشيئوا حضارتهم الجديدة... هل "حتى" هنا بمعنى "لكي" أو بمعنى... "إلى حين"؟"

رد العفريت:

"الاثنين صالحين في النمط المتبع من قبل البرج، لكن الأقرب للمعنى الصحيح هو الاحتمال الثاني. مما يعني أنك ستبقى هنا حتى يصنعوا حضارة بشرية جديدة يا سيدي. و بمعنى أدق، ف"حضارتهم الجديدة" يحب أن تكون مختلفة عن أعرافهم الحضارية السابقة."

سقط جهاد أرضا على ركبتيه و نظر ليديه و شعر بفراغ كبير فيهما.

"كم من الوقت تظن ذلك سيأخد أيها العفريت؟ هل سأبقى هنا حتى... حتى يشيخ كل من..."

"لا تخف يا سيدي. ليس كثيرا. فقط حوالي المئتي سنة بمعايير الحضارة المجتمعية التي اتبعها البشر في بداياتهم، أي تقريبا... بعد أن ينتخبوا قائدا محددا جديدا، فحكمهم حاليا يشبه أنظمة المحاكم القبلية، حيث كل مسؤول عن نفسه، لكنهم يتعاونون و يتشاورون في ما بينهم. لكن يمكنك مساعدتهم في تسريع الوتيرة لتصبح من 30 إلى 60 سنة لا غير، إن اتبعت معايير الحظارة من ناحية مبدأ القطاعات الثلاثة، الفلاحة، التحارة و الخدمات."

ارتاح جهاد نوعا ما.

كلمة الحظارة حلبت له تخيلات عن انتظاره لمئات السنين حتى تعود الحياة النباتية إلى سطح الكوكب القاحل.

شيء من هذا القبيل.

سأل جهاد:

"كيف يمكنني تسريعها إذا؟"

أجاب العفريت:

"ضحي بثلثي طاقتك الشيطانية لأجلي، و سأهتم بكل شيء. أعدك يا سيدي."

لم يرتح جهاد لما سمع.

"هل هناك أي عواقب وخيمة أحتاج معرفتها؟"

رد العفريت:

"نعم هناك. لقد كنت تعتمد علي كثيرا في هذا الطابق. و حتى بعد قتلك لكل تلك المخلوقات في جوف الأرض، ضللت تطلب مني فعل الكثير من الأشياء... مما كلفك كثيرا من طاقتك الشيطانية. فكما أخبرتك سابقا، لا يسمح لي باستعمال طاقتي في هذا العالم ما لم تقم بدمج الطاقة الشيطانية مع روحك لتكون روحك جسرا لها كي تعبر لهذا العالم، و حتى توافق على فعل ذلك، فسأضطر لاستخدام طاقتك الخاصة في كل شيء.

عموما، بسبب كثرة استخدامك لي كمساعدك، نقصت كمية الطاقة لنصف ما كانت عليه عندما استدعيتني لهذا المكان أول مرة، و إن تقلصت لحد الربع، فلن تتمكن من استدعائي قبل قتل مئات الألاف من الأرواح مجددا."

عبس حهاد بقوة و أجاب:

"لا بأس. فقط افعل ما تريد، يمكنني مضاعفة المقدار لاحقا... في مكان ما..."

نظر العفريت لسيده بنظرة خائبة الأمل.

بدى محبطا من قرارات سيده المتهورة المتكررة.

'هل أسرعت في الحكم عليه؟ أيمكنه حقا مساعدتي ضد المردة العضام؟...'

"حاضر يا سيدي، سأذهب في الحال. العملية ستستغرق بعض الوقت، لدى انتضرني بصبر."

***

بعدها، غادر العفريت مجال الخضرة الجوي للتنفيذ.

لقد قام بدراسة موصلات الطاقة في الأقمار الصناعية. و بعد انتهائه، قام باستعمال طاقة جهاد التي سلبها منه لتشغيل الأقمار الصناعية و تحريكها بفنونه الشيطانية.

شعر البشر بذلك المجال المرعب مجددا و هو يطن فوق رؤوسهم كالمسمار الحاد.

"الأقمار... إنه نفس ذلك الشعور!"

قال العجوز الذي لم يصدق بأن تلك الأقمار قد عادت للعمل.

بكى العجوز بشدة عندما رأى بصيص أمل في عودة كوكب الخضرة لطبيعته السابقة.

حرك العفريت الأقمار بعيدا عن الشمس، و وضعها في موقف مثالي لاستمرار حياة البشر.

لكنه كان مدارا كارثيا للحشرات التي تكيفت مع هاته البيئة على مدى عشرات الآلاف من السنين.

...

استغرقت العملية من العفريت شهرا كاملا فقط لدراسة تقنيلت الأقمار، و سنة لتفعيلها و تعديل المسار.

تلك المدة مرت مرور الكرام كأي لحظة عابرة في حياة العفريت الشبه خالد.

عموما، كان عليه التمهل، فإن أخطأ العفريت تقدير اللوقت الصحيح، فسيموت الجميع فورا نتيجة تقلب غير مسبوق في قوة المجال المغناطيسي و برودة مفاجئة في الجو.

...

في تلك السنة، شهد البشر تقلبات غير طبيعية في الطقس، مما سمح لهم أخيرا بزراعة البذور التي كانت تنتظر بشوق أن يخرجها أحد من حقيبة العجوز الذي كان خادم السيد الشاب منقذ المجموعة الأول بكل شغف.

مات العجوز سعيدا في تلك السنة عندما رأى بذوره التي أحضرها معه في الحقيبة و تتبرعم قبل أن تزهر شيئا فشيئا.

حزن جهاد كثيرا لموته، حتى أنه ذرف بضع دموع على قبره سرا في الليل.

'تمالك نفسك! إنه مجرد نسخة صنعها البرج لأجلي. العجوز الأصلي لا زال حيا يرزق في عالمه...'

لم يتمكن من منع دموعه.

شعر بتناقض فضيع في نفسه لحظتها، فماذا عن الخمس فتيات اللاتي ضحى بهن في الطابق السابق؟

هل صار منافقا من النوع الذي كرهه؟

شعر عند إدراكه لذلك و كأنه على وشك الإخلاف بوعد آخر قد قام به مع أمه

'سحقا لك أيها البرج!... بل تبا لي! كله بسببي، لا يجب علي أن أشفق عليهم، هذا العجوز قد مات غيره الكثيرون، ليس شيئا مميزا بأي شكل من الأشكال...'

...

بعد سنتين، كان الناس يتناولون التمر على الافطار بدل عصيدة اللحم المفروم الناعمة المأخود من دودة الحفر.

...

بعد مدة، توقف الناس عن استخدام الحشرات كطعامهم و صاروا يعتمدون على جثتهم كسماد زراعي و مواد لائقة لصنع ملابس جديدة مناسبة لهم.

...

حدق جهاد في الأطفال و هم يلعبون مع ابتسامة هادئة على وجهه.

'هذا الطفل... لقد ولد في الشهر الذي غادرت فيه... و قد صار في الثالثة عشر من عمره بالفعل...'

الوقت يمر بسرعة، و جهاد بالكاد بستغله للبقاء معهم.

...

بعد سنة أخرى، زرعوا بذور القمح و الحمص و البطيخ، الذي بالكاد نجى من موجات الحر، حتى مع كونه الأقرب من البحيرة.

و بفضل جهاد الذي كان قادرا على الغوص لأعماق هذا الكوكب، كانوا قادرين على الوصول للمعادن الصعبة و صهرها و استخدامها كمواد للتسريع من تقدمهم في كل المجالات المتاحة لهم حاليا.

و بعد مرور خمس سنوات أخرى، أنشأوا مدينة محصنة بسور معدني، مع منازل فوق الأرض و شبكة صرف صحي متصلة بالعالم السفلي الذي أنهى جهاد تصفيته من كل المخاطر.

غطاؤهم الأساسي كان سلسلة الحبال الميتة التي لسبب ما، فقد رفضتها كل أشكال الحياة، ما عدى ما اختبأ منها في البحيرة الجوفية.

خمس سنوات أخرى كانت كافية لهم لكي يستعيدوا كل طاقتهم السحرية الضائعة و يصنعوا أدات شحن غريبة تمكنهم من استخدام قواهم كالسابق.

الآن، حتى الطفل بعمر الستة سنوات قادر على قتل عشرين نملة عملاقة لوحده.

"أيها البرج، أنقلني للطابق التالي. أيها البرج..."

نظر الطفل الذي كان بعمر الثالثة عشر قبل 5 سنوات لجهاد و سأله:

"هل لا زلت تمارس هاته اللعبة؟"

"ليست لعبة يا أرجون، إن أردت اللعب فالعب مع أخيك الصغير."

انزعج أركون وأصر على جهاد:

"على الأقل أخبرني لماذا تكرر تلك العبارة مع ذلك الوجه الحزين؟ هل جن جنونك بالفعل أم ماذا؟"

ابتسم جهاد بصعوبة و قال:

"أتمنى لو أن هاته هي المشكلة... لكن لا تقلق، سأعود لوطني يوما."

حلل أرجون و قال:

"أتقصد الطابق التالي؟ لكن من هو البرج؟ ماذا يكون هذا الشيء؟"

انزعج جهاد قليلا:

"آغه... لا أريد إخبارك. أنت لست مستعدا لتعرف، و قد ينفجر عقلك لو عرفت. إنه شيء ينقل الناس. هذا القدر يكفيك. و الآن ابتعد عني."

نهض الفتى في نفور من سلوك جهاد.

"لم أصدقهم في البداية... لكنك تغيرت حقا."

بعد أن غادر الصبي، فتح جهاد فاهه مجددا غير مهتم بمغادرة الصبي و قال:

"أيها البرج..."

'لماذا توقفت؟...'

نظر جهاد مجددا لأرجون ثم استوعب أمرا لم ينتبه له من قبل.

لقد كبر هذا الفتى و صار مقبلا على عشريناته بالفعل... بالنسبة لجهاد، فقد كان من المفترض أن الطفل لا زال في سن العاشرة.

"أيها البرج..."

غير كلماته في آخر لحظة.

"...ماذا كان إسم والد ذلك الفتى مجددا؟"

***

بعد 5 سنوات، عادت السحب لتزين سماء الكوكب.

من كثرة انشغاله بإنجاز المهمات للخروج من هذا الطابق، لم يقض وقتا كافيا مع أي من الناس الذين عرفهم منذ طفولتهم.

لقد وصت أم الطفل أرجون جهادا بأن يعتني بأطفالها و يحميهم كما حمى آباءهم في البداية، لكنه بالكاد تمكن من البقاء معه بما يكفي في البداية.

إنه نفس الطفل الذي ولدته أمه في نفس الشهر الذي غادر فيه جهاد... لقد بلغ ال23 من عمره بالفعل.

"23؟ ضننت بأن عمر أرجون هو بالكاد 11 سنة... لماذا نمى ضعف الوقت الذي عددته بعشر مرات؟"

'لماذا يشيخون بسرعة؟'

بعد عشر أخرى، هطلت الأمطار، و توقف جهاد أخيرا عن سؤال البرج.

لقد اكتفى من ذلك الهراء و قرر البقاء مع أرجون الذي بلغ منتصف ثلاثيناته حاليا.

كان جهاد معلما له و مستشارا يعلمه كيفية القيادة. حتى أن جهاد علمه كيف يستخدم الطاقة الشيطانية لحد معقول بالنسبة له.

لقد كانت علاقتهما أشبه بالعم و ابن أخيه.

الطفل أرجون صار قائد المجموعة الجديد في عمر ال38 و قد أنمى لحية غزيرة بالفعل و أمه قد ماتت بالفعل.

لكن جهاد... لم تتغير شعرة واحدة من مضهره!

...

بعد مدة طويلة من تدريب القائد الجديد الذي من المفترض أن يصنع حضارة مستقلة بأعراف جديدة، غادر جهاد في رحلة استكشافية ليجد مواردا جديدة تسرع من تقدمه.

لكنه قد أطال الغياب كثيرا بالفعل...

...

عندما عاد، وجد الطفل أرجون في طريقه نحو الشيخوخة.

"5 أقسم أنها كانت مجرد خمس سنوات... كيف صرت... يفترض بأنك في الخامسة عشر من عمرك الآن؟"

احتضن أرجون جهادا بكل ما بقي في عضامه الخائرة من قوة.

"لقد... اف... تقدتك... يا... عمي."

صرخ جهاد لحظتها و أيقض كل من كان نائما ليلتها.

'لماذا تصرخ... إنه مجرد... مجرد دمية صنعها البرج...'

في تلك الليلة، مات أرجون بين حضن جهاد.

...

في جنازة أرجون التي تمت بعد تنصيب خليفته آشر، و التي كانت ابنته الكبرى، لم يتمكن جهاد من منع نفسه من البكاء.

مرة ينظر لقبر الولد و مرة لوجه آشر الناضجة التي حملت بعض ملامح أمها.

'أين كنت بحق الجحيم عندما كبرت ابنته! جهاد أيها الوغد! إنهم ليسوا خالدين مثلك! كان عليك على الأقل حضور زفافه! لماذا كنت...'

لقد مات الطفل الصغير و كل عائلته.

و قريبا، لن يتذكر أحد تضحيات هذا القائد و قراراته، فقط جهاد من سيتذكرهم، و سيتذكر كيف حاول الهرب من مسؤوليته التي حملها اتجاههم... لكن مهلا، جهاد لا زال يمتلك تقنية هروبه المعتادة.

'لا بأس، إنه مجرد نسخة. أرجون الحقيقي... و إن وجد من الأساس، فهو في عالمه الأصلي خارج البرج يعيش حياته... أنا لم ألتقي به قط. إنها مجرد... أوهام...'

شعر بقلبه يتقطع لأجزاء عديدة عندما وصف أرجون بالأوهام.

عندما قرأ الإسم و تاريخ الميلاد و رأى إسم أمه و أبيه، لم يتمالك نفسه، و بدأ في الإعتذار:

"كلا، أنت لست... آسف، لم أقصد... عمك لم يقصد منداتك بذلك...سامحني يا أرجون..."

شاهد الحاضرون للجنازة منقذ أجدادهم الأسطوري يبكي و يعتذر بشكل مثير للشفقة.

كانوا عاجزين عن الحديث.

"هل المنقذ بخير يا جدي؟"

وبخ الجد ابنه:

"اصمت! لقد كان يعتني بأرجون و يعلمه منذ وفات والدته. بالطبع لن يكون بخير! السيد جهاد الكيب قد كان يلعب ظعنى و يعلمنا منذ صغرنا... لم أصدق بأنه سيبتعد عنا كل هذا الوقت... لا زلت أتذكر عندما رأيته لأول مرة عندما كان عمري 5 سنوات..."

استمع جهاد لذلك الجد و لم يصدق ما سمعه، لقد كان ذلك هو نفسه إبن الفتاة التي كان والدها يحثها على الزواج بجهاد.

...

غادر جهاد المقبرة بعد دفن جثة... إبنه الذي لم ينجبه، و بقي صامتا طوال اليوم، حتى حل الغروب من جديد.

سخر جهاد من نفسه متذكرا الوقت الذي أمضاه سابقا واقفا على قمة هذا الجبل.

سابقا، كانت هناك بحيرة عميقة كالمحيط.

الآن هناك أنهار و أعشاب و طحالب محيطة بالجبال.

لقد زرعوا بذور الشجرة الأخيرة التي أحضرها جهاد، و صار لديهم مصدر لفاكهة حلوة يمكنهم منها أن يصنعوا السكر و الحلوى.

بينما تأمل جهاد منظر الحقول البديع الذي عمل جاهدا على تجهيزها لهم، و نظر مجددا لقبر أرجون... شعر و كأن جهوده كانت بلا قيمة مقارنة بساعة إضافية معه.

انهمرت دموع جهاد من شدة القهر و الندم.

خلفه، شعر بحضور ابنة أرجون آشر مع ابنتها.

سألت آشر:

"أيها الجد جهاد... مالذي تفعله وحيدا هنا؟ أمي تريد لقاءك..."

خةفا من أن يرى جثتة عجوزة أخرى متهالكة على وشك الموت تتهاوى بين حضنه، قال:

"أنقلني للطابق التالي أيها البرج. أنقلني للطابق التالي أيها البرج. أيها البرج... هل تسمعني؟ هاهاها هل تسمعني؟ حول؟"

للأسف، فهاته المرة، قد سمعه.

لقد عاد جهاد للغرفة البيضاء.

آخر مرة جرب فيها نداء البرج كانت قبل أسبوع من وفاة أرجون.

يبدو أنه مع وفاة القائد السابق، اختفت أغلب الروابط بالحضارة السابقة، و بقي فقط أبناء هذا العالم الجديد الذين سينشئون حظارتهم الجديدة كليا... لكن أيا من هذا لم يعد مهما بالتسبة له.

إنهار جهاد بالبكاء عندما رأى العواميد البيضاء:

"ل ل ل لاااااء، لااا، أعدني..."

صرخ بعدها بغضب عارم:

"ق قلت أعدني! إنها ابنته و حفيدته! دعني أعرف اسمها على الأقل... علي... علي اخبارها عنهم! قصصهم لا زالت عالقة معي! أعدني! أعدني أيها البرج الحقير، أو سأقتلك..."

مات جهاد و عاد للحياة.

صدمة الموت المفاجئ كانت كفيلة لتجعل جزءا من وعيه مشغولا بحقيقة أن البرج قد قتله بدل انشغالع بالحزن و الغضب العارم في قلبه.

خوفه من البرج لا زال موجودا. و تحت تأثير الخوف المبير، زال الغضب.

و عندما زال الغضب... لم يبقى هناك مكان آخر للضعف ليختبئ خلفه.

"لماذا؟... لماذا لم أبقى معه عندما ترجاني؟... إنه ليس نسخة... إنه ابن أخي... و تلك هي ابنته... لماذا لم... آعه، آههه"

ساعات من البكاء و العويل، لم تكن كفيلة بإطفاء نار الحزن و الندم التي استهلكت كل غروره كوقود اشتعالها.

"آسف... آسف لقتلكن..."

ذنوب الماضي فتحت نفسها من جديد.

الندم الناتج عن تضحيته بالخمس فتيات قد طارده مجددا و بقوة.

لم يعد يستطيع استخدام مسألة النسخ كمبرر.

لكن هيي، مهلا، لا زالت لدى جهاد تقنية الهروب السعيد.

"أيها البرج... هل يمكنني العودة للطابق السابق؟"

أجاب البرج:

"طلبك مرفوض. لكن يمكنك المضي قدما."

رد جهاد:

"ترفضه؟ إذا..."

تشجع جهاد كفاية ليقولها مجددا.

قال بصوت أشبه بزمجرة المترددة:

"سأقتلك... إن لم تفعل... هذا وعدي لك!"

الوعود، كان شيئا قدسه جهاد بشكل لا يصدق. يمكن رؤية أسباب ذلك في طريقة تربية أمه له.

كان فمه يرتعد منتظرا حدوث شيء، لكن لم يحدث شيء.

البرح، صار عاجزا عن قتله.

"أيها البرج؟ ألن... ألن تقتلني؟... لقد قلت أني سأقتلك... أنت... هل ستفعل شيئا؟"

أجاب البرج:

"لقد تم إقصاؤك مرتين بالفعل. و الإقصاء بعتمد على محو ذكريات الكون عنك، لكن قدرة جهاد تعمل كالصورة في هاته الحالة، لذى لن يتم إقصاؤك بعد الآن."

"إن أتيت لقتلك، هل ستوقفني؟"

أجاب البرج.

"الاجابة عن سؤالك ستتم..."

تغير الصوت المخاطب لجهاد من صوت البرج الآلي لصوت شبه بشري.

"لحظة من فظلك... حم حم... هذا تسحيل تفاعلي مسبق من صانع البرج مرحبا، معك صانع البرج... على ما أضن، هلا أخبرتني باسمك؟"

لم يفهم جهاد شيئا من هذا الهراء.

منذ متى و سيد البرج يخاطبك بنفسه؟

لم يعرف جهاد مالذي يفعله تاليا، لدى أجاب:

"جهاد إنزي."

رد عليه صوت البرج الآلي مجددا:

"هاته الرسالة الصوتية التفاعلية دليل على أن صاحب البرج قد سجل اسمك في لائحة الأعطال. سيتقرر طردك قريبا ان اتضح أنك مجرد عنصر دخيل على البرج أو متسلق غير مرخص. الرخصة المطلوبة هي كونك مكتسحا عاديا دخل البرج من بابه دون استخدام فجوات بعدية. سيتم التحقق من حالتك من قبل سيد البرج بنفسه. أثناء ذلك، سنرسلك لطابق صعب لكي يمتلك سيد البرج وقتا كافيا لفحص حالتك. استمتع بوقتك الباقي في البرج. و شكرا على مساعدتك لنا في ما تفعله. تشاو."

كان يريد قول شيء ما، لكن البرج منعه من التحدث. و عندما تمكن أخيرا من الكلام، كان بالفعل في الطابق 25.

2025/10/24 · 29 مشاهدة · 2888 كلمة
نادي الروايات - 2026