عقوبة أفعال مثل قتل الرقيب الأول في المعسكر كانت الإعدام بتهمة الخيانة.
بعد أغلق عينيه قليلا، تأمل فكرته مجددا، ثم اتخد قراره أخيرا.
"علي الهرب من هذا السجن اللعين..."
حمل بندقيتين متطورتين ثقيلتين من التي استخدمها الجنود الذين حاولوا قتله قبل قليل، و توجه نحو جهة الشرق ليخرج من الباب الخلفي هناك.
لم يقابل أحدا من البشر يعترضه في طريقه، لكنه سرعان ما قابل جيوش الوحوش تنتظره هناك لتجهز عليه.
كل وحش نصب كمينا و انتظر فريسته المسكينة لتقع فيه.
قفزت كتلة لحم زاحفة من فتحة المجارير و علق جهاد في فخ الوحش غير قادر على التحرر منه. كان جزءه العلوي عالقا داخل فم الوحش الزلق بطريقة مقززة للغاية.
"تباغغغغه بلاع تفو مقزز... يع"
بالكاد تمكن جهاد من إطلاق رصاصة من سلاحه ليفجر بها المسخ من الداخل و يخرج أخيرا.
جسده لا زال مغطى بالمخاط اللزج، لكن لا بأس، فقريبا سينظف نفسه بدماء وحوش النجم.
نظر جهاد حوله فوجد المكان قد ازدحم بالوحوش التي شمت رائحة دماء كتلة اللحم. كانت تدنوا منه شيئا فشيئا منه.
جرى جهاد نحوهم مفجرا جمامهم ببراعته منقطعة النظير. واحدة تلو الأخرى و دون إضاعة أكثر من رصاصة واحدة على نفس الوحش.
حتى هو كان منبهرا من مستواه العالي الذي مكنه من تخطي صفوف جيوش الغيلان الكبير، حيث انتهي به الأمر على وشك قتل نصف العدد الذي تقدم نحوه.
لكن سلاحه الثقيل لم يحتوي على ذخيرة كافية لقتلهم جميعا.
فكر بسرعة في خطة بديلة عندما لاحظ نفاذ ذخيرته، و فكر في استخدام سلاح آخر قريب منه.
أقرب سلاح له هو سيف حمله هيكل عضمي مدرع. لقد تفكك درعه و مات بعد أن كسر جهاد الجوهرة الخضراء على جمجمته براصة واحدة.
حمل جهاد السيف و قطع به كل مخلوق اقترب منه.
رغم أنه كان يجيد استخدام أسلحة مثل العصي القصيرة و الطويلة، إلا أن السيوف السحرية الثقيلة كان غريبة عنه.
وجد نفسه وحيدا مع أمام جيش من الأقزام الخضر المتعطشين للدماء، و بدأت بعض الأفكار الطفولية تتدفق لعقله.
'تبا! أبدو رائعا للغاية و انا أحمل هذا السيف'
كان منظره محرجا للغاية في الواقع.
كما أنه ينم عن انعدام الخبرة في التعامل مع السيوف الثقيلة. لكنه وجده رائعا بعد كل شيء.
و من منا لن يفعل؟
استغرق قتله عددا صغير منهم الكثير من الوقت و الجهد، فحاول أن ينهي عمله مع المسوخ الخضراء التي لم تعطه وقتا ليلتقط أنفاسه بأسرع وقت ممكن ليغادر هذا المكان.
قدرته الخارقة تمنعه من إدراك التعب. لدى فكل ما ظهر على محياه هو الحماسة و الاستهتار.
كل فأس تضربه الغيلان به يتحطم، و كل ضربة تصيب من سيفه تفلق العدو و تشطره نصفين، كما قد تشطر خمسة آخرين عند سحب السيف بعد كل هجمة.
على وجهه، كانت ابتسامة النصر الملتوية تلمع وسط السائل الأحمر الذي غزا وجهه و غطاه بالكامل.
قال مبتسما بصوت متعطش للقتال:
"هيا سرعوا من موتكم عديم النفع و تعالوا لأريكم الفرق بيننا!"
تراجعت الوحوش.
لقد خافت من الصوت المهدد لهذا البشري الذي ذبح عددا هائلا من إخوتهم.
شئيا فشيئا، بدأت الوحوش تنفر و تخاف منه.
لقد فقدت رغبتها في الانتقام و شهيتها للطعام.
...
في النهاية، تمكن جهاد من إزالة الحشد الهائل من أمامه، فبعد أن كثرت رائحة الدماء في المكان، اختفت شهية الغيلان و شعر الوحوش بالرعب من هاته الرائحة.
كانوا خائفين منه كما لو كانوا يواجهون شيطانا ماردا لا يقهر... و شيطانا قد كان.
وقف جهاد وسط بركة الدماء حاملا سيفه الثقيل.
كان يتأمل السماء السوداء العحيبة التي لم يراها من قبل. لا زالت السماء غائمة للغاية
"هذا ليس ما أخبرتني عنه أمي..."
تمكن أخيرا من اخلاء الطريق و التقدم.
و هكذا، مشى لمنزله الذي تخلى عنه بوجه يكسوه العار.
...
كانت نيته الذهاب إلى الشقة حيث ترعرع مع والدته، فقد أراد التأكد من شيء ما...
لكنه... خطف انتباهه منظر خارق الجمال.
كان مخبأ عنه من قبل بالحقد و الغضب و الغرور و النجم.
اختفاء التلوث الضوئي البطيء و تلاشي الغيوم المنتشرة في سماء الليل منعاه من رؤيته حتى بعد اختفاء النجم الذي كان المعيق الأول.
تمكن من التركيز على منظر بديع لم يظهر حتى في الصور القديمة بسبب التلوث الظوئي الذي حجب المنظر...
لقد أبصر سماء ليل مزينة بنجوم كالأقراط التي زينت آذان والدته.
لقد كاد يخطئ بين القمر و النجم الأحمر/الأسود بسبب عدم اعتياده على هذا المنظر الذي استهلك كل روحه.
ضل مكانه يشاهده فقط.
"هل كل هذا... كلها كانت خلف ذلك النجم؟"
الكويكبات العديدة و حبات الرمال الذهبية التي لمعت فوقه... رآها أخيرا، رأى السماء التي سمع عنها و قرأ طوال حياته.
جرى جهاد نحو شمال المدينة الغربي، و عينيه مثبتتين على اللوحة الكونية الفنية اللامعة التي لطالما حلم برؤيتها.
انزلقت دمعة بسيطة من عينه على خده الأيمن ساحبة معها بعض الدماء من وجهه.
لقد تحقق حلم طفولته المتجلي في اختفاء النجم و همساته المخيفة.
كانت تلك هي أمنيته.
لكن للأسف، فتحقق أمنيته عنى أن فرصة تحقيق وعد أمه ستختفي كليا في المقابل.
وعده مع أمه التي أحبها أكثر من أي شيء.
حتى أحلامه الخاصة لا تساوي شيئا أمام كلمة بسيطة تقولها هي له.
كان مستعدا ليلقي نفسه في الجحيم حتى يحققه لها و يجعلها فخورة به.
سيقتل نفسه ليفعل شيئا يؤمن أنه كان ليجعلها فخورة به لو لا زالت على قيد الحاة.
'كنت أخاف من النجم و أبكي كلما رأيته، و الآن أنا حزين لعدم وجوده؟... هل تمزحون معي مجددا؟'
تدفقت المزيد من الدموع.
"آسف يا أمي...لقد خذلتك..."
المنظر الجميل لتلك النجوم كان مجرد طريقة أخرى اختارها هذا العالم ليخبره بأن حلمه في دخول النجم و أن يجعل أمه المتوفات فخورة به قد اختفيا للأبد.
كان يريد حتما أن "يقتل" ذلك النجم الذي كان من أسباب مقتل أبويه و يريه مدى قوته عندما ينظم لهما.
لكن حتى تلك الأفكار الطفولية لم تنجح في الصمود أمام قسوة الواقع.
تذكر جهاد عندها لحظة نطقه بالوعد.
"سأدخل النجم...و عندما أنهي طوابق جميع الأبراج فيه...سأنتقم من قاتل أبي..."
وجدت مزيد من الدموع طريقها للخارج.
"لقد وعدتك... لكني فشلت... سامحيني."
قالها ليشمت في نفسه السخيفة التي ظنت أن تحقيق وعد سخيف كهذا شيء ممكن.
وعد أمه ب 3 أشياء، لكنه فشل في تنفيذها كلها.
انفجر النجم و تدمرت الأبراج التي وجدت داخله عندما انفجر، كما تم اعدام قاتل أبيه بالفعل.
انهار على ركبتيه عندما رأى الشقة تحطمت بالفعل لتصير جزءا من ركام و أطلال هاته المدينة.
لا بد أن وحشا هائلا قد سقط على منزله و حطمه.
"فشلت في تحقيق آخر شيء تذكرته عني، آسف يا أمي! سأنسى وعدي كما نسيتني."
انسحب جهاد من هذا المشهد تاركا المنزل وحده تحت النجوم اللامعة و ذهب في طريقه ليتفادى أي اختلاط محتمل مع الجيش مجددا.
'الأوغاد! كان عليهم تحطيم أحلامنا...'
بعدما ذكر هاته الكلمة في ذهنه، أحلامنا، ضهر لمعان غريب أمامه.
في الواقع، كان بعيدا جدا عنه ليكون أمامه مباشرة، لكن نوع مجهولا من القوى الروحية الغامضة جعله يبصره و كأنه قربه.
'ما... هل سمعت شيئا لتوي؟'
نجم أبيض قد سقط أمامه في اتجاه الشمال.
'لماذا أشعر بأنه...'
شعر جهاد بأنه يريد الدخول إليه... هاته الفكرة استوقفته مكانه قليلا و جعلته يفكر في معناها.
ما سبب ظهور هاته الجملة في عقله.
'أدخل إليه؟'
مثل هاته الأفكار كانت تأتي من أشياء مثل رابطه العجيب مع القارئة خاصته.
شيء شبيه بشعور بغيض يتذكره من طفولته.
'هل هذا...نداء؟ مثل ما يحدث لمن لم يدخلوا النجم بعد؟'
فهم جهاد أنه هناك، في الشمال، هناك شيء ما مختلف عن النجم يستدعيه ليدخل إليه.
لكنه كان جائعا للغاية ليفكر في ما كان ذلك الشيء الذي يستدعيه.
انتبه بعدها لمطعم غال محطم و قرر الدخول إليه، لكن عكس المتوقع من مطعم راق، فقد كان في فوضى عارمة، فوضى أكبر حتى من غرفة جهاد السابقة.
سرق الناس كل شيء بالفعل و تركوه خاليا من كل شيء صالح للأكل.
لحسن حظه، فلا زال هناك بعض الطعام من البارحة... و ربما قبل البارحة.
'هل هذا حساء؟'
نعم، فقد كان داخل قدر حساء.
'سحقا! لقد برد و صار عبارة كعصيدة شوفان دبقة! كيف لي أن أكل هذا؟'
زمجرت معدته مطالبة إياه بأن يدخل أي شيء لجوفها الفارغ.
و في حالته هاته، كان مستعدا لينادي حساء الحبوب أمامه و بعض الخبز الجاف و الملوث بمرقة الطعام "وليمة شهية".
دون أي تذمر إضافي، جهز طعامه و ارتاح قليلا بينما يمضغ الخبز بكل قوته ليتمكن من ابتلاعه، كما بحث عن بعض قارورات الماء الصالح للشرب لتساعده على مصغ الخبز.
بعد أن ارتاح و تناول بقايا الطعام كالخنزير الجائع، حاول استجماع تركيزه للتفكير في حقيقة النجم الأبيض الساقط الذي ضهر في الشمال فجأة، و سبب شعوره بذلك النوع من الروابط الروحية معه.
و بعض لحظة بسيطة من محاولته إدراك حقيقة ذلك الشيء، ارتعش و أصابته قشعريرة في كل جسمه، فقد كانت الحقيقة واضحة منذ البداية، الأمر فقط أنه كان جائعا جدا ليجد الجواب الصحيح.
"هل يعقل..."
حاول أن يفكر في حل بديل، لكنه لم يستطع، لقد كانت هناك فكرة واحدة فقط تخطر في ذهنه.
علق الخبز في حلقه و سعل لابتلاعه قبل أن يختنق.
الأشياء الوحيدة التي سقطت من النجم بعد انفجاره كانت الوحوش... لكن ماذا لو كان اعتقاده صحيحا.
"هل يعقل أن..."
فجأة، عادت الابتسامة لوجهه، فقد أتته فرصة ثانية ليحقق أحد وعوده.
"أذلك النجم الأبيض هو في الواقع... برج ساقط من النجم؟"
عاد شعاع الأمل لعينيه. صارت لديه فرصة جديدة كي يفي بأحد وعوده لوالدته.
"البرج...لا زال بإمكاني تسلقه! ه هذا، ههههه"
حاول بكل قوته أن يكبح ضحكته، لكن سعادته فاقت ما يمكنه السيطرة عليه، فصار يقهقه بجنون.
"نعم! يمكنني فعلها!... أخيرا"
لم يكن ممن يبكون في أوقات الفرح، بل من النوع الذي يجري و يقفز في كل مكان حتى يبتلعه التعب و يسقط في مكانه، و في حالته هاته، فقد ركض و هرول بكل قوته مطاردا المكان حيث سقط أمله الجديد و الوحيد المتبقي.
'سأجعلها فخورة بي!